«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث

يرى المؤلفون أن الديمقراطية وحدها لا تؤدي إلى اختفائه وأن هذا الاعتقاد مجرد وهم

«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث
TT

«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث

«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث

يقدم لنا الباحثون المتخصصون في التاريخ: رونالد كروزي، وجي. غيلتنر (هولنديان)، وزميلهما البرتغالي أندريه فيتوريا، عرضاً مثيراً للفساد في تاريخ العالمَين القديم والحديث، في كتاب «مكافحة الفساد عبر التاريخ».

ترجم الكتاب إيهاب عبد الرحيم، ونشرته سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية في جزأين، يقع كل منهما في أكثر من 300 صفحة من القطع المتوسط.

يتعرض الكتابان بالأرقام والتواريخ والحقائق لظاهرة الفساد في العالم، والإجراءات المتخذة في كل عصر لمكافحة هذه الآفة الاقتصادية الاجتماعية السياسية الموغلة في القدم. ويقدمون بعد كل عرض استنتاجاتهم وتقييمهم لكل حالة، ويقارنون بعضها ببعض، وبالعصر الحديث.

وما أكثر حالات الفساد العالمية المعروفة التي تمتد بين الإسكندر المقدوني، وأثينا وروما القديمتين، وبلاد الرافدين، والإمبراطورية العثمانية، وصولاً إلى العصر الحديث في بريطانيا وهولندا.

يُعرِّف العلماء الفساد حسب المفاهيم القديمة في العصر الغابر، ثم حسب معايير العالم الجديد والمعاصر، ويتوصلون إلى أن الفساد تأصل أكثر في العالم، فانتقل من «الرِّشى الصغيرة» في بلدان العالم الصغيرة إلى عصر الرِّشى الكبيرة في عصر «الإنترنت» و«البتكوين».

ويعتقد المؤلفون أن الفساد لا يزول بوجود النظام الاقتصادي القائم في العالم؛ ما دام الفصل يتعذر هذه الأيام بين السياسي والتاجر اللذين ما زالا يمتلكان ما يكفي من أسباب جيدة للتعاون، من أجل تحقيق أقصى الأرباح.

تعريف مختلف للفساد

وتعريف الفساد يختلف من عصر إلى آخر، ومن حزب إلى آخر، ومن سياسي إلى آخر. فهو: التحايل الضريبي، والدعارة، والرشوة، بالنسبة للمسيحي المتشدد. وهو: الكحول، والسفور، والمثلية، والسينما، والمسرح، بالنسبة للإسلامي المتشدد. ومن هنا، لم تنفع طرق مكافحة الفساد القديمة والحديثة في درء الفساد في العالم بسبب تنوعه.

وسواء في الدويلات البريطانية في القرون الوسطى، أو في الدولة العثمانية «الرشيدة»، كان عدم الفصل بين خزينة الدولة وخزينة «الوالي العثماني» مصدر الفساد الكبير على مستوى الدولة. وكان الولاة وعائلاتهم وزمراتهم هم مصدر الاختلاس والرشى على أعلى المستويات، وكانوا فوق القانون (عدم الفصل بين الجهازين القضائي والسياسي). وإذا كانت روما تسمي الرشوة باسمها، فإن الدولة العثمانية لا تسمي الرشوة فساداً (Fessad)؛ لأن «الله لعن الراشي والمرتشي»، وتسمِّيها استغلال المنصب أو المنافع المتبادلة.

ويرى الباحث مارك نايتز، في تقريره عن الفساد في بريطانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، أن الاستعمار نفسه نوع من الفساد ترعاه الدولة. ويقول إن كلمة «الوطني» (Patriot) كانت تطلق في ذلك الزمن على السياسيين النزيهين الذين يكافحون الفساد، واستُخدمت لأول مرة في إنجلترا في القرن السادس عشر.

النبيل هاربالوس يهرب بخزينة الإسكندر

قصة النبيل المقدوني هاربالوس هي من أطرف القصص التي يسردها الكتابان عن الفساد في العصور القديمة؛ إذ استغل هاربالوس، النبيل في بلاط الإسكندر، غياب سيده في حروبه في الشرق سنة 323 قبل الميلاد، وهرب بالخزينة إلى أثينا. وما اختلسه هاربالوس يبلغ 700 ألف طالن، أي ما يعادل نصف خزينة أثينا في ذلك الزمان.

اعتُقل هاربالوس بعد عدة خطب عصماء، هاجمه فيها النبيل الأثيني ديموثينيس، ودعا أثينا إلى عدم التعامل معه. بعد أيام نجح هاربالوس في الهروب من السجن ومعه 350 ألف طالن، أي نصف المبلغ. واتضح بعد التحقيق أن النصف الثاني من المبلغ ناله النبيل ديموثينيس وحفنة من أصدقائه، بمثابة رشوة «دورودوكيا» لقاء تهريب السجين. وكانت أثينا الديمقراطية (30 ألف نسمة) يحكمها مجلس يحضره من 6 آلاف إلى 13500 مواطن من عامة الشعب ونبلائه كل مرة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مجلس للميسورين فقط. وهذا المجلس دان ديموثينيس وزملاءه بالخزي والعار والعزلة عن الشعب؛ إذ كان الخزي الاجتماعي واعتبار الفاسد غير أثيني من أهم وسائل ردع الفساد في أثينا.

مَلِك يتلقى رشوة من «لوكهيد»

يأخذ الباحث رونالد كروزي الأمير بيرنهارد (زوج الملكة جوليانا في هولندا) مثلاً على مستوى الفساد في العصر الحديث. وهي فضيحة تم الكشف عنها سنة 1977، وتورط فيها الأمير الذي يعدُّ ملكاً بحكم زواجه من ملكة هولندا.

اضطلع الأمير بيرنهارد بكثير من الوظائف الشرفية والبروتوكولية، من ضمنها «المفتش العام في الجيش الهولندي»، وسفير الشركات الهولندية الكبرى في الخارج، وكان سفيراً لمنظمات إنسانية عدَّة. ووقعت بين أيدي لجنة التحقيق رسالة من الأمير إلى شركة «لوكهيد» يشكو من تسلُّمه مبلغاً يقل عن 4- 6 ملايين دولار، وهو الذي وعدته الشركة به لقاء رفض عرض شركة فرنسية، وقبول عرض شركة «لوكهيد» لشراء طائرات «ستار فايتر» لتعزيز الدفاع الجوي الهولندي. واتضح لاحقاً أنها المرة الثالثة التي يتلقى فيها الأمير رشى من «لوكهيد» بين 1968 و1977.

واكتفى القضاء الهولندي بعزل الأمير عن وظائفه السياسية والأمنية، بعد أن هددت الملكة بالتخلي عن العرش. ونزلت الصحافة عند طلب العرش والحكومة بالكف عن إثارة الموضوع.ويصل الباحث كروزي إلى استنتاج مهم، مفاده أن الاعتقاد بأن الديمقراطية تؤدي إلى اختفاء الفساد ليس أكثر من وهم وخرافة. فالفساد تمت عولمته، حاله حال الأمراض والاتصالات والسياحة، وليست الديمقراطية برادعةٍ له.

ويطلق الباحث على فساد العالم الرأسمالي اسم «فساد سوق النفوذ»، أسوة بفساد السوق الحرة، وفساد سوق المعلوماتية. وفساد سوق النفوذ يعني استخدام الثروة للتأثير في المؤسسات السياسية والإدارية، وتغذية مسعى السياسيين لتنمية ثرواتهم. وهو أيضاً تمويل حملات انتخابية وتسهيلات ضرائبية، والتغاضي عن الفساد، وفتح حسابات مصرفية سرية... إلخ.

العراق في الفترة المظلمة

ليست هناك مؤلفات أو سجلات رسمية توثِّق الفساد وحالاته وطرق مكافحته في بلدان الشرق الأوسط قبل سنة 1500 ميلادية. وربما هناك مؤلفات الوزير البويهي مسكويه (توفي 1030م) الذي يكشف مدى ضعف الدولة وانتشار الفساد. واستخدم البويهيون أساليب الدولة العباسية نفسها، ولكن بشكل أضعف، وهو ما فعله السلاجقة أيضاً. وإذا وُجدت بعض الوثائق التي تؤرخ وضع الفساد في الدولة والمجتمع، فهي وثائق كُتبت بتعليمات من قبل الفاسدين أنفسهم.

ولم تُستخدم كلمة الفساد في القرنين العاشر والحادي عشر في بلاد الرافدين، وإنما «الشر الأخلاقي» وإساءة استخدام السلطة. وكان الاختلاس والتلاعب يتركز بأيدي الولاة والحكام والوزراء وأبنائهم، في حين تنتشر الرشوة والمحسوبية بين موظفي الدولة الصغار.

مثلاً: ابن الفرات الذي صوره مسكويه على أنه «الإداري القوي والماكر»، أمر بتحويل مبلغ 70 ألف دينار مباشرة من خزينة الدولة إلى محفظته الخاصة، بعد أن سجلها كمدفوعات خاصة للجيش. ويضيف مسكويه أن ابن الفرات جمع دخلاً غير قانوني، بلغ 1.2 مليون دينار خلال فترة استيزاره. وهو مبلغ هائل مقارنة بمجموع ميزانية الدولة البالغ 14 مليوناً.

ويسرد أمين سر البويهيين ورئيس دائرة المحفوظات، هلال الصابئ، حكاية مسلية تكشف علاقة الحاكم بالفساد، وتعامله مع خزينة الدولة كخزينة له؛ إذ منح الخليفة العباسي السادس عشر، المعتضد، واحدة من محظياته قطعة من الأرض، وحينما ماطل مدير دائرة التدقيق في التنفيذ، نصح المعتضد محظيته بدفع رشوة للمدير. وهو ما حصل، ووقَّع المدير الوثيقة على الفور.

وبقي النظام المالي على حاله في «الفترة المظلمة»، وكانت خزينة الدولة هي نفسها خزينة الوالي.

وكانت الرشوة ومحاباة الأقارب والمحسوبية والمنسوبية شائعة في العهدين البويهي والسلجوقي؛ بل لجأ الحكام والوزراء إلى إلغاء معظم الدوائر التي قد تراقب تصرفهم في مالية الدولة.

مع ذلك، كانت الدولة في ذلك الزمان تكافح استغلال المناصب و«المظالم» بطرق عدة. بين هذه الطرق إنشاء «ديوان المظالم» للنظر في شكاوى المواطنين ضد ظُلَّامهم. وإذا كان الخليفة العباسي ينظر بنفسه في مظالم الناس بمجلسه، فإن المهمة أوكلت إلى وزراء أو موظفين ثانويين في العهدين البويهي والسلجوقي.

الطريقة الثانية هي «المصادرة والمناظرة» التي تُستخدم لقسر موظفي الدولة المختلسين على إرجاع ما اختلسوه أو إرجاع جزء منه. وكان الفاسد يُزج به في السجن، ليس كإجراء قضائي عقابي، وإنما كإجراء لقسره على رد ما اختلسه ثم يُطلق سراحه. وعموماً كانت الغرامة لا تتناسب أبداً مع المبلغ المختلَس.

ومن الأمثلة على ذلك، أن الدولة أجبرت ابن الفرات وموظفيه على إعادة مبلغ 4.4 مليون دينار إلى خزينة الدولة، ويمكن تصور حجم المبلغ الذي اختلسوه إذا كانت الغرامة لا تعادل سوى ربع المبلغ المختلَس.

يمكن تعريف الفساد في هذه الفترة من تاريخ بلاد ما بين النهرين، على أنه عكس مفهوم الحكم الرشيد في أيام تألق الدولة العباسية. ويبدو أن اختلاس أموال الدولة كان مصدر القلق الرئيس للمجتمع، أما الرشوة والمحسوبية والمنسوبية فكانت ممارسة يومية لم تُثِر أي مخاوف على الإطلاق.

يخلص القارئ إلى نتيجة واضحة من قراءة هذا الفصل، وهي أن الفساد في عراق اليوم أكبر من فساد الفترة المظلمة، أو ربما يعادله؛ وكذلك كانت أساليب مكافحة الفساد أفضل أيضاً من ناحية العقوبات الجزائية والمالية.


مقالات ذات صلة

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛

فاضل ثامر
ثقافة وفنون «النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون طارق الطيب

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني،


«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».