«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية

الأسطورة التي كتبها دي مولينا متأثراً بمكيافيلي وسرفانتس

«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية
TT

«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية

«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية

نادرةٌ هي الشخصيات الأدبية التي تحولت إلى نموذج إنساني عابر للأماكن والأزمنة، كما هو الحال مع شخصية «دون جوان» التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في عمله المسرحي «ماجن إشبيلية والضيف الحجري ». ومع أن النقاد والدارسين ينقسمون بين من يعتقد أن الشخصية المذكورة قد ابتُكرت من بنات خيال الكاتب، ومن يردّها إلى أساس واقعي، فإن هذا الانقسام يتحول إلى أمر ثانوي إزاء هذه الشخصية التي وفَّرت لها عبقرية المؤلف سبل النزول من سماء الأدب إلى أرض الواقع، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من هويات البشر وطبائعهم وحياتهم اليومية.

تدور أحداث المسرحية التي كتبها دي مولينا في عام 1616 حول شخصية «دون جوان» الذي استطاع، بما يملكه من وسامة وذكاء ماكر وجرأة متهورة، أن يصبح زيراً للنساء وأن يُغوي ما لا يقل عن ألف امرأة، دون أن يفرِّق بين الغنية والفقيرة، اليانعة أو المسنّة. وتبدأ مغامرات «دون جوان» بتسلله إلى مخدع الدوقة إيزابيلا، متنكراً في عباءة خطيبها الدوق أوكتافيو، حتى إذا اكتشفت المرأة خدعته وأصدر ملك نابولي أمراً باعتقاله، تمكن بمساعدة عمه، النافذ، من الفرار. وبعد خوضه كثيراً من المغامرات المماثلة، انتقل إلى إشبيلية، حيث عمل على الإيقاع بالفتاة الأرستقراطية دونا آنّا التي كانت على علاقة عاطفية بابن عمها المركيز دي لاموتا.

وحين شكته الفتاة إلى والدها، وكان قائداً عسكرياً، أراد الوالد قتل غريمه المتطفل، إلا أن «دون جوان» تمكن من قتل القائد والفرار بعيداً عن مسرح جريمته. ثم تحاول دونا آنّا بالاتفاق مع خطيبها دون أوكتافيو الإيقاع بقاتل أبيها الهارب، ولكن دون جدوى. بعد ذلك يمر «دون جوان» بضريح قائد عسكري آخر، فيتناهى إليه من داخل التمثال المنتصب فوق الضريح صوت زاجر يحذره من عواقب مغامراته وأفعاله الطائشة بحق النساء المغرر بهن، إلا أنه يتعامل مع تلك التحذيرات بسخرية بالغة، ما تلبث أن تبلغ ذروتها مع دعوته التمثال إلى وليمة عشاء يقيمها على شرفه. لكن المفاجأة التي أذهلته تمثلت بقبول التمثال دعوته تلك، ليخبره في أثناء الوليمة أن ساعته قد حانت، حتى إذا ما توسل طالباً المغفرة، أخبره التمثال بأنْ لا مغفرة لمن أمعن مثله في الضلال.

وإذا كان ثمة من يرى أن لتلك الأسطورة بعداً دينياً متصلاً بالخطيئة والعقاب، إلا أنها تجردت، بمجرد انتشارها، من مغزاها الديني، وتحولت إلى تعبير جليّ عن أهواء البشر ونزواتهم. وفي حين ذهب البعض إلى أن الدونجوانية كمفهوم ورؤية فلسفية ونظام سلوكي، كانت قد بدأت مع الإبيقوريين اليونان، قبل أن تنقلب فكرة السعادة إلى نوع من المجون والتهافت الشهواني، إلا أنها لم تتبلور حركةً احتجاجيةً على التزمُّت الديني إلا مع شخصية «دون جوان» في بدايات عصر النهضة، وفي إسبانيا بالذات، حيث تلتقي العاطفة الدينية العميقة مع الشهوة الحسية العارمة.

ومع أن هذه الشخصية كانت من ابتكار كاهن كاثوليكي، فإن مبتكرها استطاع أن يجعل من عمله تجسيداً بالغ الدلالة للتحولات الفكرية والاجتماعية التي شهدها الغرب في تلك الآونة، وللتحول المماثل الذي شهده نظام القيم، على المفترق الفاصل بين غروب العصور الوسطى وشروق عصر النهضة. وقد تمكنت شخصية «دون جوان» من أن تصبح رمزاً للعبث الشهواني والخروج على الأعراف والقواعد السلوكية الصارمة. وبقدر ما أصبحت نموذجاً فاقعاً للسلوك العشقي النرجسي، بدت من ناحية أخرى أشبه بردّ فعل صارخ الدلالة على المثالية المفرطة التي جسّدها تريستان وروميو على نحو مأساوي.

كما لم يكن أمراً بلا دلالة أن تظهر مسرحية «دون جوان» ورواية «دون كيشوت» في الحقبة ذاتها، لأن كلاً منهما عكست على طريقتها ضمور الزمن الفروسي، وتراجُع سلطة الكنيسة، مقابل الركض وراء الأوهام، واعتماد الخداع والمخاتلة وسيلةً لإشباع النهم الغريزي. ومع أن «دون جوان» كان يتسم بالشجاعة ويقاتل أشخاصاً حقيقيين، لا طواحين الهواء، إلا أنه كان يتقاطع مع «دون كيشوت» في تمرده على الواقع وركضه وراء السراب، كما في خيلائه ومظهره الكرنفالي، وهو الذي كانت شارته متمثلة بالعباءة السوداء، والقبعة المزدانة بالريش، وسيفه المثبت في وسطه.

وقد يكون للعلاقة الشخصية التي ربطت بين دي مولينا وسرفانتس أثر بالغ في جعلهما يريان الأمور من زوايا متقاربة. ويذكر المؤرخون في هذا الصدد أن دي مولينا كان يرتاد مجالس الشعر والمسرح مع دي فيغا وسرفانتس وكالديرون ومونتلبان، إلى حد أن جماعة الإصلاح الديني في قشتالة، أنكرت عليه انصرافه إلى المسرح، معلنةً أنه لا يليق بقسٍّ كنسيٍّ أن يؤلف روايات مسرحية. كما لم يستبعد الباحث الإسباني غريغوريو مارانيون أن يكون دي مولينا قد تأثر بمكيافيلي، وأن يكون الحب الدونجواني تصادياً عملياً مع المكيافيلية في شقها العاطفي، حيث الأخلاق المكيافيلية هي التي سوغت لـ«دون جوان» أن يفعل ما فعله بنسائه دون وازع من أخلاقه أو ضميره.

ولعل الجاذبية الآسرة لشخصية «دون جوان»، هي التي دفعت كثيراً من كتاب الغرب وفنانيه إلى إعادة تظهيرها من زوايا مختلفة. فقد جهد موليير في مسرحيته «دون جوان» على المواءمة بين الصورة النمطية لساحر النساء المتسم بالطرافة والظرف، وبين الشخص الملحد والمعتنق للفكر المادي. وفيما بدا الكاتب الفرنسي الساخر متماهياً مع «دون جوان» من زاوية المواجهة القاسية مع الإكليروس الذين نغصوا عليه حياته، حوّل بطله إلى قضية اجتماعية وثقافية، متخذاً منه ذريعة للتصويب على بعض المزيفين، الذين يتلطون وراء الدين لتحقيق مآربهم وأطماعهم الشخصية.

أما الشاعر الإنجليزي لورد بايرون فقد اتخذ من «دون جوان» الذريعة الملائمة لكتابة عمل ملحمي ضمَّنه كل ما يتعلق بمكابداته الشخصية وتناقضات عصره. فقد بدت مرافعة الشاعر، الذي شُنت ضد سلوكياته الفضائحية أوسع حملات التشهير، بمثابة مرافعة عن نفسه في وجه خصومه الكثر. حتى إذا لم تُجْده المرافعة والشعر نفعاً، آثر مغادرة وطنه الأم، لينضم إلى ثورة اليونان على الاحتلال العثماني، ويلقى حتفه هناك.

وفي قصيدته الطويلة عن «دون جوان»، يُخرج بايرون بطله من صورته النمطية، ليصبح الفتى الجذاب الذي تطارده النساء ويسعيْن جاهدات لإغوائه، ليصبح هو الضحية، وليخلُص الشاعر إلى القول «عندما يتم لوك الأبطال المعاصرين على ألسنة المداحين وصفحات الجرائد، سأعزف عن المشاركة في هذا الردح، وسأتبنى الكتابة عن صديقنا القديم دون جوان، حيث وسط هذه المعمعة سنراه مبعوثاً قبل أوانه إلى الشيطان».

ولم يفُتْ الموسيقيين الكبار الإفادة من تلك الشخصية المفتوحة على التأويل، فاستلهمها المؤلف الموسيقي الشهير موزارت في أحد أفضل أعماله الأوبرالية. كما كتب الموسيقي الفنلندي بان سيبيليوس الحركة الثانية من سيمفونيته الثانية معتمداً على الذرى الدراماتيكية لأوبرا موزارت، والتي تبدأ بتصوير الموت وهو يسير على الطريق المؤدي إلى دارة «دون جوان»، فيما يتوسل الأخير إليه كي يتركه حياً ولو إلى حين.

وإذ رأى الشاعر الفرنسي أوجين روبان، أن ثمة تقاطعات يصعب إغفالها بين شخصيتي «دون جوان» و«فاوست»، حيث كل منهما، باع نفسه للشيطان، فقد ذهب روبان في قصيدة له كتبها عام 1836، إلى إقامة حوار افتراضي بين بطل دي مولينا الشهواني، وبطل غوته المثخن بالقلق، ما لبث الأول عند نهايته أن أقنع الثاني بـ«أن الحياة الحقيقية لا تتمثل في المعرفة بل في الحب».

وإذا كان «دون جوان»، أخيراً، قد وُلد من المخيلة المتقدة لتيرسو دي مولينا، إلا أنه بالمعنى الأكثرعمقاً، وكغيره من الشخصيات المماثلة، قد وُلد من حاجة الغرب إلى علامات ورموز ثقافية وفلسفية، ترسم له طريق العبور باتجاه حضارته المادية والعقلية اللاحقة. وفيما بدا «هاملت»، وفق الباحث المصري لطفي عبد البديع، ممثلاً للتردد والشك عند البشر، و«عطيل» ممثلاً للغيرة المرضية، و«روميو» ممثلاً للحب الأفلاطوني، و«دون كيشوت» ممثلاً للهذيان، بدت الدونجوانية رمزاً للشره الغرائزي والانهمام النرجسي بالذات. إلا أن أكثر ما يستوقف المتابع المتأمل، أن هذه النماذج الإنسانية التي ابتكرتها المخيلات الصِّرفة، قد تمكنت من أن تعبر القرون بيسر بالغ، وأن تمتلك من الواقعية وقوة الحضور، ما أخفق في تحقيقه ملايين البشر، الذين لم يمنحهم اللحم والدم أي قوة فاعلة أو تأثير يُذكر.


مقالات ذات صلة

هل توجد حياة في هوليوود؟

ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».