«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية

الأسطورة التي كتبها دي مولينا متأثراً بمكيافيلي وسرفانتس

«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية
TT

«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية

«دون جوان» صديق المرايا وعاشق الأنوثة الأبدية

نادرةٌ هي الشخصيات الأدبية التي تحولت إلى نموذج إنساني عابر للأماكن والأزمنة، كما هو الحال مع شخصية «دون جوان» التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في عمله المسرحي «ماجن إشبيلية والضيف الحجري ». ومع أن النقاد والدارسين ينقسمون بين من يعتقد أن الشخصية المذكورة قد ابتُكرت من بنات خيال الكاتب، ومن يردّها إلى أساس واقعي، فإن هذا الانقسام يتحول إلى أمر ثانوي إزاء هذه الشخصية التي وفَّرت لها عبقرية المؤلف سبل النزول من سماء الأدب إلى أرض الواقع، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من هويات البشر وطبائعهم وحياتهم اليومية.

تدور أحداث المسرحية التي كتبها دي مولينا في عام 1616 حول شخصية «دون جوان» الذي استطاع، بما يملكه من وسامة وذكاء ماكر وجرأة متهورة، أن يصبح زيراً للنساء وأن يُغوي ما لا يقل عن ألف امرأة، دون أن يفرِّق بين الغنية والفقيرة، اليانعة أو المسنّة. وتبدأ مغامرات «دون جوان» بتسلله إلى مخدع الدوقة إيزابيلا، متنكراً في عباءة خطيبها الدوق أوكتافيو، حتى إذا اكتشفت المرأة خدعته وأصدر ملك نابولي أمراً باعتقاله، تمكن بمساعدة عمه، النافذ، من الفرار. وبعد خوضه كثيراً من المغامرات المماثلة، انتقل إلى إشبيلية، حيث عمل على الإيقاع بالفتاة الأرستقراطية دونا آنّا التي كانت على علاقة عاطفية بابن عمها المركيز دي لاموتا.

وحين شكته الفتاة إلى والدها، وكان قائداً عسكرياً، أراد الوالد قتل غريمه المتطفل، إلا أن «دون جوان» تمكن من قتل القائد والفرار بعيداً عن مسرح جريمته. ثم تحاول دونا آنّا بالاتفاق مع خطيبها دون أوكتافيو الإيقاع بقاتل أبيها الهارب، ولكن دون جدوى. بعد ذلك يمر «دون جوان» بضريح قائد عسكري آخر، فيتناهى إليه من داخل التمثال المنتصب فوق الضريح صوت زاجر يحذره من عواقب مغامراته وأفعاله الطائشة بحق النساء المغرر بهن، إلا أنه يتعامل مع تلك التحذيرات بسخرية بالغة، ما تلبث أن تبلغ ذروتها مع دعوته التمثال إلى وليمة عشاء يقيمها على شرفه. لكن المفاجأة التي أذهلته تمثلت بقبول التمثال دعوته تلك، ليخبره في أثناء الوليمة أن ساعته قد حانت، حتى إذا ما توسل طالباً المغفرة، أخبره التمثال بأنْ لا مغفرة لمن أمعن مثله في الضلال.

وإذا كان ثمة من يرى أن لتلك الأسطورة بعداً دينياً متصلاً بالخطيئة والعقاب، إلا أنها تجردت، بمجرد انتشارها، من مغزاها الديني، وتحولت إلى تعبير جليّ عن أهواء البشر ونزواتهم. وفي حين ذهب البعض إلى أن الدونجوانية كمفهوم ورؤية فلسفية ونظام سلوكي، كانت قد بدأت مع الإبيقوريين اليونان، قبل أن تنقلب فكرة السعادة إلى نوع من المجون والتهافت الشهواني، إلا أنها لم تتبلور حركةً احتجاجيةً على التزمُّت الديني إلا مع شخصية «دون جوان» في بدايات عصر النهضة، وفي إسبانيا بالذات، حيث تلتقي العاطفة الدينية العميقة مع الشهوة الحسية العارمة.

ومع أن هذه الشخصية كانت من ابتكار كاهن كاثوليكي، فإن مبتكرها استطاع أن يجعل من عمله تجسيداً بالغ الدلالة للتحولات الفكرية والاجتماعية التي شهدها الغرب في تلك الآونة، وللتحول المماثل الذي شهده نظام القيم، على المفترق الفاصل بين غروب العصور الوسطى وشروق عصر النهضة. وقد تمكنت شخصية «دون جوان» من أن تصبح رمزاً للعبث الشهواني والخروج على الأعراف والقواعد السلوكية الصارمة. وبقدر ما أصبحت نموذجاً فاقعاً للسلوك العشقي النرجسي، بدت من ناحية أخرى أشبه بردّ فعل صارخ الدلالة على المثالية المفرطة التي جسّدها تريستان وروميو على نحو مأساوي.

كما لم يكن أمراً بلا دلالة أن تظهر مسرحية «دون جوان» ورواية «دون كيشوت» في الحقبة ذاتها، لأن كلاً منهما عكست على طريقتها ضمور الزمن الفروسي، وتراجُع سلطة الكنيسة، مقابل الركض وراء الأوهام، واعتماد الخداع والمخاتلة وسيلةً لإشباع النهم الغريزي. ومع أن «دون جوان» كان يتسم بالشجاعة ويقاتل أشخاصاً حقيقيين، لا طواحين الهواء، إلا أنه كان يتقاطع مع «دون كيشوت» في تمرده على الواقع وركضه وراء السراب، كما في خيلائه ومظهره الكرنفالي، وهو الذي كانت شارته متمثلة بالعباءة السوداء، والقبعة المزدانة بالريش، وسيفه المثبت في وسطه.

وقد يكون للعلاقة الشخصية التي ربطت بين دي مولينا وسرفانتس أثر بالغ في جعلهما يريان الأمور من زوايا متقاربة. ويذكر المؤرخون في هذا الصدد أن دي مولينا كان يرتاد مجالس الشعر والمسرح مع دي فيغا وسرفانتس وكالديرون ومونتلبان، إلى حد أن جماعة الإصلاح الديني في قشتالة، أنكرت عليه انصرافه إلى المسرح، معلنةً أنه لا يليق بقسٍّ كنسيٍّ أن يؤلف روايات مسرحية. كما لم يستبعد الباحث الإسباني غريغوريو مارانيون أن يكون دي مولينا قد تأثر بمكيافيلي، وأن يكون الحب الدونجواني تصادياً عملياً مع المكيافيلية في شقها العاطفي، حيث الأخلاق المكيافيلية هي التي سوغت لـ«دون جوان» أن يفعل ما فعله بنسائه دون وازع من أخلاقه أو ضميره.

ولعل الجاذبية الآسرة لشخصية «دون جوان»، هي التي دفعت كثيراً من كتاب الغرب وفنانيه إلى إعادة تظهيرها من زوايا مختلفة. فقد جهد موليير في مسرحيته «دون جوان» على المواءمة بين الصورة النمطية لساحر النساء المتسم بالطرافة والظرف، وبين الشخص الملحد والمعتنق للفكر المادي. وفيما بدا الكاتب الفرنسي الساخر متماهياً مع «دون جوان» من زاوية المواجهة القاسية مع الإكليروس الذين نغصوا عليه حياته، حوّل بطله إلى قضية اجتماعية وثقافية، متخذاً منه ذريعة للتصويب على بعض المزيفين، الذين يتلطون وراء الدين لتحقيق مآربهم وأطماعهم الشخصية.

أما الشاعر الإنجليزي لورد بايرون فقد اتخذ من «دون جوان» الذريعة الملائمة لكتابة عمل ملحمي ضمَّنه كل ما يتعلق بمكابداته الشخصية وتناقضات عصره. فقد بدت مرافعة الشاعر، الذي شُنت ضد سلوكياته الفضائحية أوسع حملات التشهير، بمثابة مرافعة عن نفسه في وجه خصومه الكثر. حتى إذا لم تُجْده المرافعة والشعر نفعاً، آثر مغادرة وطنه الأم، لينضم إلى ثورة اليونان على الاحتلال العثماني، ويلقى حتفه هناك.

وفي قصيدته الطويلة عن «دون جوان»، يُخرج بايرون بطله من صورته النمطية، ليصبح الفتى الجذاب الذي تطارده النساء ويسعيْن جاهدات لإغوائه، ليصبح هو الضحية، وليخلُص الشاعر إلى القول «عندما يتم لوك الأبطال المعاصرين على ألسنة المداحين وصفحات الجرائد، سأعزف عن المشاركة في هذا الردح، وسأتبنى الكتابة عن صديقنا القديم دون جوان، حيث وسط هذه المعمعة سنراه مبعوثاً قبل أوانه إلى الشيطان».

ولم يفُتْ الموسيقيين الكبار الإفادة من تلك الشخصية المفتوحة على التأويل، فاستلهمها المؤلف الموسيقي الشهير موزارت في أحد أفضل أعماله الأوبرالية. كما كتب الموسيقي الفنلندي بان سيبيليوس الحركة الثانية من سيمفونيته الثانية معتمداً على الذرى الدراماتيكية لأوبرا موزارت، والتي تبدأ بتصوير الموت وهو يسير على الطريق المؤدي إلى دارة «دون جوان»، فيما يتوسل الأخير إليه كي يتركه حياً ولو إلى حين.

وإذ رأى الشاعر الفرنسي أوجين روبان، أن ثمة تقاطعات يصعب إغفالها بين شخصيتي «دون جوان» و«فاوست»، حيث كل منهما، باع نفسه للشيطان، فقد ذهب روبان في قصيدة له كتبها عام 1836، إلى إقامة حوار افتراضي بين بطل دي مولينا الشهواني، وبطل غوته المثخن بالقلق، ما لبث الأول عند نهايته أن أقنع الثاني بـ«أن الحياة الحقيقية لا تتمثل في المعرفة بل في الحب».

وإذا كان «دون جوان»، أخيراً، قد وُلد من المخيلة المتقدة لتيرسو دي مولينا، إلا أنه بالمعنى الأكثرعمقاً، وكغيره من الشخصيات المماثلة، قد وُلد من حاجة الغرب إلى علامات ورموز ثقافية وفلسفية، ترسم له طريق العبور باتجاه حضارته المادية والعقلية اللاحقة. وفيما بدا «هاملت»، وفق الباحث المصري لطفي عبد البديع، ممثلاً للتردد والشك عند البشر، و«عطيل» ممثلاً للغيرة المرضية، و«روميو» ممثلاً للحب الأفلاطوني، و«دون كيشوت» ممثلاً للهذيان، بدت الدونجوانية رمزاً للشره الغرائزي والانهمام النرجسي بالذات. إلا أن أكثر ما يستوقف المتابع المتأمل، أن هذه النماذج الإنسانية التي ابتكرتها المخيلات الصِّرفة، قد تمكنت من أن تعبر القرون بيسر بالغ، وأن تمتلك من الواقعية وقوة الحضور، ما أخفق في تحقيقه ملايين البشر، الذين لم يمنحهم اللحم والدم أي قوة فاعلة أو تأثير يُذكر.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.