من العام إلى الفردي... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قواعد التسويق في السعودية؟

خبراء: البيانات ستصنع القرار

يشهد قطاع التجزئة تحوّلاً من الحملات العامة إلى تجارب تسويقية مخصصة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)
يشهد قطاع التجزئة تحوّلاً من الحملات العامة إلى تجارب تسويقية مخصصة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)
TT

من العام إلى الفردي... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قواعد التسويق في السعودية؟

يشهد قطاع التجزئة تحوّلاً من الحملات العامة إلى تجارب تسويقية مخصصة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)
يشهد قطاع التجزئة تحوّلاً من الحملات العامة إلى تجارب تسويقية مخصصة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)

يتسارع التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقعها باعتبارها مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي، ويشير خبراء إلى أن هذا التحول يتجلى بشكل لافت في قطاعي التجزئة والتسويق. ووفقاً للتقديرات، فمن المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنحو 135 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بحلول عام 2030، ما يجعل منه ليس مجرد أداة تقنية جديدة، بل قوة مؤثرة تعيد صياغة العلاقة بين العلامات التجارية والمستهلكين في الزمن الحقيقي.

ورغم أن الاستثمارات الضخمة والعناوين العريضة تتصدر المشهد، فإن التحول الحقيقي يحدث على أرض الواقع، حيث يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الإبداع والمرونة والارتباط الثقافي داخل الحملات التسويقية. وفي هذا السياق، يوضح ويليام لي، الرئيس التنفيذي لشركة «فانسي تك» العالمية، أن المملكة لا تُعد فقط سوقاً واعدة، بل تمثل مختبراً حياً لابتكار مستقبل التجزئة.

من الحملات العامة إلى التجارب المصممة

يشير لي، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، إلى نقطة تحول محورية تشهدها السوق السعودية، وهي الانتقال من الحملات التسويقية العامة إلى تجارب مصممة بدقة بالغة. ويؤكد أن الحملات الجماهيرية لم تعد كافية في ظل تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت أساسية لتقديم تجارب تسويقية ترتكز على السلوك الفردي والسياق الثقافي المحلي.

ويظهر هذا التحول بوضوح في قطاعات مثل التجارة الإلكترونية والموضة والجَمال والمأكولات، حيث تُستخدم تقنيات التحليلات التنبؤية وأدوات أتمتة المحتوى لتسريع العمليات، وتحسين الاستهداف، وزيادة التفاعل مع الجمهور بطرق أكثر تخصيصاً وفعالية.

ويليام لي الرئيس التنفيذي لشركة «فانسي تك» العالمية متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (فانسي تك)

سرد لحظي مدفوع بالبيانات

هذا التحول في المشهد التسويقي لا يقوم فقط على الإبداع، بل يُبنى على مزيج من تحليلات الأداء اللحظية والتوليد التلقائي للمحتوى. ويشير ويليام لي إلى أن حلول شركة «فانسي تك» تمكّن العلامات التجارية من إنتاج محتوى بصري عالي الجودة بثلاثة أضعاف السرعة المعتادة، مع القدرة على اختبار مئات النسخ في آنٍ واحد. ويضيف: «إن الأثر الحقيقي لا يتحقق فقط من خلال إنشاء المحتوى، بل من خلال ربطه المباشر بالنتائج الفعلية والتفاعل معها في الزمن الحقيقي».

ويوضح أن العلامات التجارية السعودية باتت تستثمر في منصات ذكية تتيح هذا النوع من التكيّف اللحظي، في ظل بروز ما يُعرف بـ«التسويق اللحظي» بوصفه اتجاهاً رئيسياً. ويختصر ذلك بقوله: «السرعة، والدقة، والتجديد المستمر جميعها لم تعد رفاهيات بل ضرورات».

مستهلك رقمي سريع ومتطلب

لكن ما الذي يُغذي هذا التغير؟ يرى ويليام لي أن العامل المحرّك هو الجيل الشاب، الذي يُعد من أكثر الفئات اتصالاً رقمياً على مستوى العالم. «هم يتفاعلون مع العلامات التجارية عبر عشرات القنوات، سواء من وسائل التواصل الاجتماعي ثم إلى التنبيهات الفورية»، على حد تعبيره. ومع تقلّص فترات الانتباه وارتفاع سقف التوقعات، أصبح تقديم تجربة مخصصة ضرورة لا خياراً. ويضيف أن الذكاء الاصطناعي اليوم يُمكّن العلامات التجارية من إنتاج محتوى يبدو مصمماً خصيصاً لكل مستخدم، دون المساس باتساق الرسائل أو هوية العلامة.

التخصيص الثقافي... ميزة تنافسية

ومع ذلك، لا تكفي السرعة وحدها لتحقيق التأثير. إذ يشكّل الانسجام مع السياق الثقافي واللغوي عاملاً حاسماً في نجاح الحملات التسويقية. ويشرح لي أن محركات المحتوى لدى «فانسي تك» تم تدريبها على بيانات محلية وخليجية تأخذ في الاعتبار اللغة العربية والذوق العام في المنطقة، بالتعاون مع شركاء محليين لضمان أن يكون المحتوى دقيقاً لغوياً ومؤثراً ثقافياً. ويختم بقوله: «بهذه الطريقة، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة للتسريع، بل أداة لتعميق الصلة الإنسانية بين العلامات التجارية والمستهلكين».

يُمكّن الذكاء الاصطناعي العلامات التجارية من إنتاج محتوى بصري سريع ومتنوع بناءً على تحليل بيانات الأداء اللحظي (غيتي)

من التجربة إلى الاستراتيجية

رغم الزخم الكبير حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا تزال غالبية الشركات تجد صعوبة في تجاوز مرحلة التجارب المحدودة نحو تبنٍ مؤسسي أوسع. ويشير ويليام لي إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختبار التقنية، بل في قدرتها على التوسّع والاندماج بفعالية ضمن بنية المؤسسة. فالنجاح، كما يقول، يتطلب بنية تحتية رقمية قوية، ودعماً إدارياً مستمراً، وتكاملاً فعلياً مع العمليات القائمة. ويؤكد لي أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحقق قيمته التجارية إلا إذا تم دمجه في صميم الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة، لا باعتباره مشروعاً تقنياً منفصلاً، بل بوصفه عنصراً فاعلاً في تحقيق نتائج ملموسة.

الشفافية والثقة في عصر المحتوى الذكي

مع ازدياد استخدام المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي، تتعاظم أهمية الشفافية والمصداقية في نظر المستخدمين. ويشدّد لي على أن «الثقة تُبنى من خلال الوضوح»، وأن على العلامات التجارية أن تكون صريحة في إيضاح متى وكيف تستخدم الذكاء الاصطناعي، خاصة في القطاعات الحساسة. ويضيف أن تطبيق الذكاء الاصطناعي بمسؤولية في المملكة يستدعي الالتزام بالتشريعات المحلية، وعلى رأسها إرشادات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا). كما يلفت إلى أهمية الاعتماد على منصات سحابية متوافقة مع القوانين المحلية وداعمة للغة العربية، مشدداً على أن هذه الاعتبارات التنظيمية لا تقل أهمية عن البنية التحتية التقنية أو حوكمة البيانات داخل المؤسسات.

نحو تجربة سعودية أكثر إنسانية

ويختم ويليام لي بأن التحول الرقمي في المملكة لا يقتصر على الأتمتة، بل يسعى إلى بناء تجارب أكثر ذكاءً وتفاعلاً وارتباطاً بالواقع المحلي. ويقول: «الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الإبداع البشري، بل يعزّز أثره عبر التخصيص والسرعة». ومع قدرة العلامات التجارية السعودية على تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي والهوية الثقافية، فإنها تمضي نحو مستقبل تقوده التقنية وتُثريه الإنسانية.


مقالات ذات صلة

ابتكار يمنح الروبوتات لمساً أدق عبر خريطة بصرية ملوّنة

تكنولوجيا قد تساعد التقنية الروبوتات على الإمساك بالأجسام الهشة أو الصغيرة بدقة أكبر في التصنيع والطب والأطراف الاصطناعية (الجامعة)

ابتكار يمنح الروبوتات لمساً أدق عبر خريطة بصرية ملوّنة

يطور باحثون حساساً لونياً يحوّل اللمس إلى خريطة بصرية ما يمنح الروبوتات قدرة أدق على إدراك الضغط والأجسام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يتيح النموذج إنشاء صور من أوامر نصية إضافة إلى تعديل الصور الحالية وفق طلبات المستخدم (ميتا)

«ميتا» تطلق «Muse Image» لتوليد الصور وتعديلها داخل «إنستغرام» و«واتساب» و«فيسبوك»

تطلق «ميتا» نموذج «Muse Image» لتوليد الصور وتعديلها داخل تطبيقاتها وتحويل الذكاء الاصطناعي البصري إلى أداة يومية للمستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تحتاج المؤسسات إلى خطط تعافٍ عابرة للحدود وسحابة متعددة وهجينة لتقليل الاعتماد على موقع أو مزود واحد (الشرق الأوسط)

خاص «ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: المنطقة تدخل عصر «الأزمات التقنية المركبة»

ترى «ديلويت» أن سيادة البيانات وحدها لا تكفي للمرونة التقنية مع تصاعد «الأزمات المركبة» والحاجة إلى تعافٍ عابر للحدود.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)

روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يطور باحثون سويسريون روبوتاً مصغراً يساعد أطباء الأسنان في تحضير الأسنان للتيجان بدقة أكبر، وتقليل الزيارات مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)
خاص ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)

خاص «سيمنس السعودية» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تعيد صياغة نموذج اقتصاد المستقبل الرقمي

ترى «سيمنس» أن الشرق الأوسط يسرّع تحديث بنيته التحتية مع تحديات في الشبكات والمهارات والقياس والتمويل وتكامل البيانات.

نسيم رمضان (لندن)

ذكاء اصطناعي يفهم «لهجات العرب»

نموذج «كوهير» لتفريغ الصوتيات باللغة العربية
نموذج «كوهير» لتفريغ الصوتيات باللغة العربية
TT

ذكاء اصطناعي يفهم «لهجات العرب»

نموذج «كوهير» لتفريغ الصوتيات باللغة العربية
نموذج «كوهير» لتفريغ الصوتيات باللغة العربية

تمر عملية تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي الناطقة بالعربية بمرحلة انتقالية مهمة؛ فبينما أحرزت النماذج اللغوية الكبيرة قفزات نوعية في معالجة النصوص، ظل التعرف التلقائي على الكلام المنطوق وتفريغ الصوتيات Transcribing تحدياً صعباً، لا سيما عند التعامل مع تنوع اللهجات والمزيج اللغوي اليومي في بيئات العمل المعاصرة. وفي خطوة تهدف إلى معالجة هذه الفجوة الرقمية، أعلنت شركة «كوهير» Cohere عن إطلاق نموذجها الأحدث «كوهير ترانسكرايب العربية» Cohere Transcribe Arabic، وهو نموذج مفتوح المصدر تم تصميمه خصيصاً لمواجهة التحديات الصوتية الفريدة التي تتسم بها البيئة الإنتاجية والمؤسسية في العالم العربي.

قفزة في معايير الدقة: تفوق ملموس

ولم يعد التقييم النظري كافياً لتأكيد كفاءة نماذج الذكاء الاصطناعي؛ لذا خضع النموذج الجديد لاختبارات صارمة أظهرت نتائجها تفوقه على أبرز النماذج مفتوحة المصدر المتاحة حالياً. وسجل النموذج أقل معدل لخطأ الكلمات على منصة «هاغينغ فايس» Hugging Face العالمية في تصنيف التعرف على الكلام باللغة العربية، ما يمنحه الأسبقية من حيث الموثوقية والدقة الفائقة عند تحويل البيانات الصوتية إلى نصوص مكتوبة.

مرونة لغوية: فهم اللهجات والتبديل اللغوي

وتكمن القيمة الحقيقية لهذا النموذج في هندسته الداخلية الموجهة لفهم الواقع اللغوي للمستخدم العربي. فالكلام اليومي، خصوصاً في الاجتماعات والمراسلات الصوتية داخل الشركات، نادراً ما يقتصر على الفصحى المطلقة. وعوضاً عن ذلك، يبرز التحدي في نقطتين:

تنوع اللهجات: يمتلك النموذج قدرة متقدمة على التقاط الفروق الدقيقة وخصائص اللهجات الإقليمية المختلفة دون التضحية بدقة النص المخرج، ويستطيع فهم نحو 30 لهجة مختلفة (تضم المملكة العربية السعودية وحدها ثلاث مجموعات لهجات رئيسية والعديد من المجموعات الفرعية اللغوية الأخرى، بينما يتم استخدام أكثر من 8 لهجات في المغرب).

الحديث ثنائي اللغة: تتميز بيئات العمل بالاعتماد المشترك على المصطلحات الإنجليزية والعربية في آن واحد. ويمتلك النموذج كفاءة عالية في التعامل مع هذا التبديل اللغوي في المحادثة الواحدة، مع الحفاظ التام على السياق والمعنى الأصلي للمحادثات وتدوين المصطلحات المتخصصة بدقة فائقة.

معالجة مكثفة لبيئات العمل فائقة الأداء

وإلى جانب عمق الفهم اللغوي، تم تحسين النموذج برمجياً ليتناسب مع البنى التحتية للمؤسسات التي تتطلب معالجة كميات ضخمة من البيانات الصوتية بإنتاجية وسرعة عاليتين. هذا الأداء العالي يجعله مثالياً لعدة تطبيقات رئيسية:

مراكز الاتصال وخدمة العملاء: أتمتة تفريغ المكالمات وتحليلها لحظياً لتحسين جودة الخدمة.

أدوات الإنتاجية المؤسسية: تلخيص الاجتماعات وتوثيق ورش العمل.

سيادة البيانات والحرية البرمجية

وفي خطوة تعزز من جاذبية النموذج للمؤسسات الحريصة على أمن معلوماتها، تتيح الشركة النموذج بموجب ترخيص «أباتشي 2.0» Apache 2.0 مفتوح المصدر. وتوفر هذه الميزة خيارين استراتيجيين للمطورين:

* التشغيل المحلي الكامل On-premises: إمكانية تحميل النموذج وتشغيله بالكامل على الأجهزة الخادمة الخاصة بالمؤسسة دون الحاجة إلى إرسال البيانات الصوتية الحساسة إلى خدمات سحابة خارجية أو واجهات برمجة تطبيقات APIs تابعة لأطراف خارجية، ما يضمن سيادة البيانات والامتثال التام للأنظمة المحلية الحامية للمعلومات.

* المرونة عبر السحابة: ويظل الوصول إلى النموذج متاحاً ومرناً عبر واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بالشركة لمن يفضل الحلول السحابية أو من خلال منصة «موديل فولت» Model Vault المخصصة للاستدلال الآمن.

أفق جديد للتطبيقات الصوتية المحلية

ويمثل إطلاق هذا النموذج تجسيداً عملياً لتقليص الفجوة الرقمية التي واجهتها اللغة العربية في قطاع معالجة الصوت بالذكاء الاصطناعي. ومن خلال الجمع بين دقة الأداء وفهم التركيبة اللهجية الهجينة والالتزام بالنمط مفتوح المصدر، يضع النموذج أداة قوية في يد المطورين والمؤسسات الإقليمية لبناء جيل جديد من التطبيقات الصوتية الموثوقة والملائمة محلياً.

ويمكن الحصول على المزيد من المعلومات من موقع الشركة www.Cohere.com


ابتكار يمنح الروبوتات لمساً أدق عبر خريطة بصرية ملوّنة

قد تساعد التقنية الروبوتات على الإمساك بالأجسام الهشة أو الصغيرة بدقة أكبر في التصنيع والطب والأطراف الاصطناعية (الجامعة)
قد تساعد التقنية الروبوتات على الإمساك بالأجسام الهشة أو الصغيرة بدقة أكبر في التصنيع والطب والأطراف الاصطناعية (الجامعة)
TT

ابتكار يمنح الروبوتات لمساً أدق عبر خريطة بصرية ملوّنة

قد تساعد التقنية الروبوتات على الإمساك بالأجسام الهشة أو الصغيرة بدقة أكبر في التصنيع والطب والأطراف الاصطناعية (الجامعة)
قد تساعد التقنية الروبوتات على الإمساك بالأجسام الهشة أو الصغيرة بدقة أكبر في التصنيع والطب والأطراف الاصطناعية (الجامعة)

طوّر مهندسون في جامعة «كوين ماري» في لندن حساساً لمسياً جديداً يتغير لونه عند الضغط، بما يسمح للروبوتات بتحويل اللمس إلى صورة بصرية يمكن قراءتها فوراً بكاميرا عادية. وتكمن الفكرة في نقل جزء كبير من عملية الإحساس من الدوائر الإلكترونية المعقدة إلى المادة نفسها، بحيث تتحول قوى الضغط والشد غير المرئية إلى أنماط لونية تكشف شكل التلامس وتوزيع الضغط في الوقت الحقيقي. ونُشرت الدراسة في دورية «Science Advances».

تحدٍّ قديم في الروبوتات

حققت الروبوتات تقدماً كبيراً في الرؤية والحركة، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في الإحساس باللمس بالطريقة التي يستخدمها الإنسان يومياً من دون تفكير. فاليد البشرية تضم أكثر من 10 آلاف مستقبل ميكانيكي تساعدها على إدراك الضغط والملمس والانزلاق وشكل الأشياء، وهي معلومات ضرورية للإمساك بجسم هش أو التعامل مع أداة صغيرة أو التمييز بين سطحين متشابهين.

يقول جياكومو ساسو، الباحث في كلية الهندسة وعلوم المواد في جامعة «كوين ماري» وصاحب الفكرة، إن كمية المعلومات التي تنتج عند ضغط الإصبع على مفتاح ضوء مثلاً أكبر مما قد يتوقعه المرء، مضيفاً أن اللمس لا يزال أحد التحديات الكبرى في الروبوتات.

تعتمد كثير من الحساسات اللمسية التقليدية على وحدات صغيرة متجاورة، تُعرف عادة باسم «taxels»، تقيس الضغط أو السعة أو المقاومة أو الاهتزاز. وتستطيع هذه الأنظمة العمل بسرعة، لكنها محدودة بدقة هذه الوحدات والمسافات بينها والأسلاك والتداخل بين الإشارات. أما الحساسات البصرية اللمسية فقد تمنح تفاصيل أعلى، لكنها غالباً تحتاج إلى خوارزميات معقدة لإعادة بناء شكل التلامس، ما يضيف تأخيراً حسابياً.

قد تساعد التقنية الروبوتات على الإمساك بالأجسام الهشة أو الصغيرة بدقة أكبر في التصنيع والطب والأطراف الاصطناعية (الجامعة)

التحول إلى جهاز استشعار

يحاول الحسّاس الجديد تجاوز هذه المفاضلة بين الدقة والسرعة. فعندما يضغط جسم على سطحه اللين، تتغير البنية الداخلية للمادة بطريقة تؤثر في انعكاس الضوء، فتظهر ألوان بنيوية مختلفة بحسب مقدار الضغط أو التشوه في كل نقطة. تلتقط كاميرا «USB» منخفضة التكلفة هذه الألوان فوراً، وتتحول الصورة إلى خريطة عالية الدقة للتلامس والضغط والشد، من دون الحاجة إلى عمليات إعادة بناء حسابية معقدة.

وتصف الدراسة الحساس بأنه يعتمد على مادة «ميكانوكرومية»، أي مادة تغيّر خصائصها اللونية نتيجة التأثير الميكانيكي. ووفق البحث، يتكون الجهاز من عاكس «براغ» ميكانوكرومي قابل للتمدد، موضوع بين طبقتين لينتين من السيليكون، ويمكن ضبط سماكته لرسم الضغط أو الشد بدقة. وتمكن الباحثون من إنتاج خرائط طوبوغرافية لأشياء مختلفة، منها طرف إصبع وعملة وورقة نبات، بدقة تقارب 100 ميكرومتر، ومن دون تعزيز بالذكاء الاصطناعي أو تأخير حسابي.

«رؤية» اللمس

أهمية التقنية لا تكمن في تغير اللون وحده، بل في أن المعلومات تصبح موجودة مباشرة في الإشارة الضوئية. فبدلاً من أن يضغط الجسم على شبكة إلكترونية ترسل إشارات تحتاج إلى تفسير، تتحول منطقة التلامس نفسها إلى خريطة لونية يمكن رؤيتها مباشرة.

ويقول البروفسور جيمس باسفيلد، أحد المشاركين في المشروع، إن قوة النظام تكمن في أن «المعلومة موجودة بالفعل في إشارة الضوء»، ما يعني أن الباحثين لا يعيدون بناء اللمس، بل يلاحظونه مباشرة.

هذا الاختصار قد يكون مهماً في التطبيقات التي لا تحتمل التأخير. فالروبوت الذي يمسك قطعة صغيرة في مصنع، أو يلامس نسيجاً حيوياً في بيئة طبية، يحتاج إلى معرفة فورية عما إذا كان يضغط أكثر من اللازم أو ما إذا كان الجسم بدأ ينزلق من قبضته.

آفاق البحث العملية

ترى جامعة «كوين ماري» أن الحساس قد يساعد في تطوير قابضات روبوتية قادرة على تجميع مكونات دقيقة بحساسية أعلى، لأن كل تغير صغير في القوة يصبح مرئياً فوراً. وقد يكون ذلك مهماً في الصناعات التي تتعامل مع أجزاء صغيرة أو هشة، حيث يمكن لضغط زائد أو حركة غير محسوبة أن يتسبب في تلف المنتج.

وفي المجال الصحي، يمكن أن تمنح التقنية الأطراف الاصطناعية قدرة أغنى على الإحساس أثناء المهام اليومية أو السريرية الدقيقة. كما يمكن أن تساعد أنظمة الجراحة الروبوتية على التمييز بين أنسجة مختلفة عبر قراءة بصمات الضغط الدقيقة، إذ قد يستجيب النسيج السليم والأنسجة غير الطبيعية للقوة بطريقة مختلفة تظهر في الخريطة اللونية.

خطوة بحثية لا منتج جاهز

رغم إمكانات التقنية، فإنها لا تزال في إطار البحث العلمي، وليست جلداً روبوتياً جاهزاً للاستخدام التجاري الواسع. ويحتاج الانتقال إلى التطبيقات العملية إلى اختبار المتانة، وسرعة الاستجابة في ظروف تشغيل مختلفة، وإمكانية دمج الحساس داخل أصابع روبوتية أو أدوات طبية أو أطراف اصطناعية تعمل لفترات طويلة.

لكن الدراسة تشير إلى اتجاه واضح في الروبوتات اللينة وعلوم المواد وهو أنه بدلاً من زيادة عدد الأسلاك والوحدات الإلكترونية والخوارزميات، يمكن تصميم مواد تحمل جزءاً من وظيفة الإحساس داخل بنيتها. وإذا نجح هذا المسار، فقد تصبح الروبوتات أكثر قدرة على التعامل مع العالم المادي لا من خلال الرؤية فقط، بل من خلال لمس غني وسريع يشبه، بدرجة أكبر، الطريقة التي يعتمد بها الإنسان على يده لفهم الأشياء.


دعوة سعودية للشراكة الدولية لسد الفجوات... ودراسة من «سدايا» ترصد سيناريوهات «تطور الذكاء العام الاصطناعي»

جانب من الوفد السعودي المشارك (واس)
جانب من الوفد السعودي المشارك (واس)
TT

دعوة سعودية للشراكة الدولية لسد الفجوات... ودراسة من «سدايا» ترصد سيناريوهات «تطور الذكاء العام الاصطناعي»

جانب من الوفد السعودي المشارك (واس)
جانب من الوفد السعودي المشارك (واس)

أبرزت مشاركة المملكة العربية السعودية في الحوار العالمي للأمم المتحدة حول «حوكمة الذكاء الاصطناعي»، المنعقد هذه الأيام في جنيف على هامش أعمال القمة العالمية للذكاء الاصطناعي من أجل المصلحة العامة 2026، التزام المملكة بتسخير مواردها وإمكاناتها الرقمية وشراكاتها الدولية لدعم مستقبل ذكاء اصطناعي موثوق وآمن وشامل، يسهم في خدمة سكان العالم، ويعزز دورها بوصفها شريكاً دولياً فاعلاً في صياغة مستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي.

ولا يبرز هذا الالتزام فقط من خلال الوفد الممثّل للمملكة، بل يندرج في إطاره المشاركة النوعية في أعمال القمة والحوار، إلى جانب إطلاق المملكة دعوة متجددة لدول العالم للشراكة معها لسد فجوات الذكاء الاصطناعي، بما يخدم الإنسان ويحمي كوكب الأرض، إضافة إلى تأكيدها عبر كلمة ألقاها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، التزام بلاده بتطوير الممكنات التقنية والنماذج اللغوية التي تخدم شريحة واسعة من سكان العالم، وتُسهم في تعزيز الشمولية اللغوية والثقافية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن أن تكون هذه التقنية أكثر إنصافاً وتمثيلاً لمختلف الشعوب والمجتمعات، وذلك انطلاقاً من كونها مركز العالم العربي والإسلامي.

دعوة عالمية

وإضافةً إلى الدعوة للانتقال العالمي من الحديث عن الوصول إلى الإنترنت بوصفه حقاً إنسانياً، إلى العمل على جعل الوصول إلى الذكاء الاصطناعي حقاً من حقوق الإنسان، نظراً لأثره المصيري في مستقبل البشرية، وحماية الكوكب، وصناعة فرص جديدة للتنمية والازدهار.

وتتواصل التحركات السعودية على هذه المنصة، عبر جلسة جانبية مرتقبة، يوم الثلاثاء، خلال أعمال الحوار بعنوان «ذكاء اصطناعي مسؤول وموثوق من أجل الازدهار: من المبادئ إلى التطبيق»، في مركز «باليكسبو» بمدينة جنيف؛ لبحث سبل تحويل مبادئ حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات عملية تدعم التنمية والازدهار الرقمي المستدام، وستكون الجلسة بتنظيم الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، بالشراكة مع «المركز الدولي للأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» (ICAIRE) ومنظمة التعاون الرقمي.

دراسة استشرافية وتصوّر علمي متكامل

كما يأتي ذلك في الوقت الذي تبنّت فيه السعودية عبر جهود عملت عليها «سدايا»، رؤى ودراسات استشرافية متقدمة تُسهم في دعم النقاشات الدولية حول مستقبل هذه التقنية، وفي مقدمتها دراسة بعنوان «استشراف حوكمة الذكاء العام الاصطناعي... الوضع الحالي والتطلعات المستقبلية»، قدّمت تصوراً علميّاً متكاملاً حول مفهوم الذكاء الاصطناعي العام، مع استعراض للمشهد العالمي لحوكمة هذه التقنيات المتقدمة، وتحليل السيناريوهات المتوقعة في المستقبل لتطوره، مشتملة على توصيات عملية تفيد صنّاع القرار في كيفية التعامل مع هذه التقنيات بمسؤولية أخلاقية.

الدراسة تتوافق في أهميتها مع أهمية الحوار الدولي الكبير الذي تقوده منظمة الأمم المتحدة في جنيف لمناقشة حوكمة الذكاء الاصطناعي، في ظل ما يشهده العالم من تسارع غير مسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، واقترابها من مستويات أكثر تقدماً قد تمكّنها من أداء مختلف المهام الفكرية التي ينجزها الإنسان، الأمر الذي يجعل حوكمة الذكاء العام الاصطناعي إحدى القضايا الاستراتيجية الأكثر أهمية على الساحة الدولية، لما لها من أثر مباشر في مستقبل الاقتصادات، والأمن، والابتكار، والتنمية المستدامة.

وفي معرض وصفها للواقع الدولي لحوكمة الذكاء العام الاصطناعي، أكدت الدراسة أنه لا توجد حتى الآن أطر تنظيمية دولية أو وطنية متخصصة لهذا النوع من الذكاء، رغم تعدد المبادرات الخاصة بحوكمة الذكاء الاصطناعي بصورة عامة، وهو ما يُعزز الحاجة إلى تكثيف التعاون الدولي وبناء أُطُر حوكمة مرنة وقادرة على مواكبة التطورات التقنية المتسارعة، كما رصدت أبرز التوجهات العالمية في ذلك المجال، موضحةً اختلاف النماذج التنظيمية بين الدول، إلى جانب تنامي دور الشركات التقنية العالمية في تطوير أطر استباقية لإدارة مخاطر النماذج المتقدمة، وتقييم قدراتها، ووضع الضوابط اللازمة لضمان تطويرها ونشرها بصورة آمنة ومسؤولة.

سيناريوهات تطور «الذكاء العام الاصطناعي»

وعرّجت الدراسة على أبرز السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتطور الذكاء العام الاصطناعي، واستعرضت عدداً من المقترحات المطروحة عالمياً، من بينها «إنشاء وكالة دولية متخصصة لحوكمة الذكاء العام الاصطناعي»، وتأسيس اتحاد دولي لتطويره، إلى جانب نماذج الحوكمة اللامركزية، بما يعكس أهمية الوصول إلى توافق دولي يضمن تعظيم الاستفادة من هذه التقنية مع الحد من مخاطرها.

وأبرزت الدراسة جهود المملكة في بناء منظومة متقدمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، من خلال ما تقوم به «سدايا» من جهود شملت: إصدار مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وإرشادات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإطار تبني الذكاء الاصطناعي، والإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إطلاق مجموعة من الأدلة والوثائق التنظيمية التي تمكّن الجهات من تبني حلول الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة ومسؤولة وفق أفضل الممارسات العالمية.

وتعليقاً على ذلك، أكّد المهندس سعيد الشهراني، المتحدث الرسمي للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، أنه من خلال مشاركة المملكة في الحوار العالمي للذكاء الاصطناعي في جنيف، «تتواصل الجهود الوطنية في ترسيخ دور المملكة بوصفها شريكاً دولياً فاعلاً في صياغة المستقبل العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، عبر نهج يجمع بين الابتكار والمسؤولية، ويحوّل المبادئ إلى تطبيقات عملية تُسهم في بناء مستقبل رقمي أكثر ازدهاراً وثقة».