محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

المؤرخ الإماراتي قال لـ «الشرق الأوسط» إن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس
TT

محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس

وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة. نالَ درجةَ الليسانس في الآدابِ (تخصّص تاريخ) من جامعةِ القاهرةِ عامَ 1984، ثمَّ دبلومَ الدّراساتِ العُليا من جامعةِ القدّيسِ يوسف بلبنانَ عامَ 1989، فالماجستير في التّاريخِ من الجامعةِ ذاتِها عامَ 1991 عن رسالةٍ بعنوان «التجمّعاتُ القبليّةُ ودورُها في تكوينِ الوحداتِ السّياسيّةِ في الخليجِ العربيِّ خلالَ القرنينِ السّابعَ عشرَ والثّامنَ عشر». وهو حاصلٌ أيضاً على درجةِ دكتوراه الدّولةِ في العلومِ الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ (فرع التّاريخ) من جامعةِ تونس الأولى عامَ 1999 عن أطروحةٍ موسومةٍ بـ«الأوضاع الاقتصاديّة في إماراتِ السّاحلِ 1862- 1965». هنا حوار معه استطلعنا من خلاله رأيَهُ حولَ أحدثِ إصداراتهِ «شريعةُ حمورابي أم شريعةُ إبراهيم؟»:

> أولاً، ما هيَ أهمُّ الأدلّةِ والبراهينِ الّتي تستندونَ إليها لإثباتِ فرضيّةِ التّزامنِ التّاريخيِّ بينَ النّبيِّ إبراهيمَ (عليهِ السّلام) والملكِ حمورابي؟

- فرضية تزامن النبي إبراهيم عليه السلام مع الملك البابلي الشهير حمورابي أتت بالصدفة، ومن خلال إعدادي لكتاب آخر بعنوان «من هو فرعون موسى؟»، حيث انطلقت في البحث بهذا الموضوع قبل حوالي 14 سنة، أثبت فيه أن الفرعون الذي بعث له موسى عليه السلام هو الفرعون أمنحوتب الثالث والد الفرعون الشهير أخناتون، مما يعني أن تاريخ وفاته وهو عام 1353 ق.م تقريباً هو عام خروج بني إسرائيل من مصر، وتبين لي أيضاً أن السنوات الـ430 التي كتبت بالتوراة على أنها كامل المدة التي مكثها بنو إسرائيل في مصر هي في واقع الأمر كامل المدة منذ عهد جدهم الأول إبراهيم عليه السلام، كما جاء في 4 مصادر مهمة هي: التوراة السامرية والتلمود وكتاب المؤرخ اليهودي جوزيفوس وكتاب المؤرخ أفريكانوس، ثم قمت بجمع الـ430 سنة مع سنة 1353 ق.م لأعرف في أي زمن عاش إبراهيم، وكانت المفاجأة أنه عاش في زمن الملك حمورابي، الذي حكم خلال الفترة من عام 1792ق.م إلى عام 1750 ق.م، وبعد البحث تبين أن كبار علماء الآثار ذكروا أن إبراهيم عاش في زمن حمورابي، منهم ليونارد وولي الذي قام بعمليات الحفر والتنقيب في أور بالعراق من عام 1922 حتى عام 1934، والبروفسور هوبرت غريم، والبروفسور سايس وغيرهم. كما ذكر هؤلاء العلماء وغيرهم أن «أمرافيل» الذي ذكر في التوراة هو حمورابي.

> في كتابكم، تطرحون فرضيةً جريئةً مفادُها أنَّ شريعةَ حمورابي مُستلهَمةٌ أو مُقتبَسةٌ من «شريعة إبراهيم»، كيف تبرهنون على هذا التأثير أو الاستمداد؟

- شريعة حمورابي أثارت جدلاً طويلاً منذ اكتشافها أوائل عام 1902، وهي مكتوبة على حجر من الديورايت، واكتشفت في مدينة سوسة المعروفة اليوم بـ«قلعة الشوش»، جنوب غرب إيران، وكان المذهل في تلك الشريعة أنها مشابهة لشريعة موسى عليه السلام، رغم أن موسى أتى بعد إبراهيم بأكثر من 400 سنة، وأهم قانون متشابه بين الشريعتين هو قانون «العين بالعين والسن بالسن»، وهذا القانون ذكره الله تعالى في القرآن في سورة «المائدة» على أنه فُرض على بني إسرائيل في التوراة، مما يعني أن هذا النص في التوراة نص أصلي ولم يطله التحريف، وكانت هناك فرضية لأن اليهود أثناء السبي البابلي هم من وضعوا هذا النص من شريعة حمورابي في التوراة، ولكن هذه الفرضية لم تكن مقبولة من كثير من المؤرخين، وهنا يبرز السؤال المهم: من أين أتى حمورابي بهذا النص وهو يسبق موسى بمئات السنين؟ لا يوجد إلا تفسير واحد لذلك، وهو أن شريعة حمورابي هي شريعة مستمدة من مصدر ما، وتحديداً من شريعة سماوية لكون موادها تنبئ بذلك، وبما أن الشرائع السماوية متشابهة في النصوص لأنها من المصدر نفسه، وأثبتنا أن إبراهيم كان معاصراً لحمورابي، فمعنى ذلك أن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه، وقمت بعمل مقارنة بين شريعة حمورابي وشريعة موسى والشريعة الإسلامية، وتبين لي أنها متشابهة، ويمكننا أن نلاحظ أيضاً أن «صحف إبراهيم وموسى» ذكرتا معاً في سورتي «الأعلى» و«النجم»، كون تشريعاتهما متشابهة، مما يعني أن شريعتي إبراهيم وموسى كانتا متشابهتين بالنصوص.

> نودُّ منكم إضاءةً أوسع حول شريعةِ حمورابي: طبيعتِها، وأبرزِ سماتِها، والسياقِ الحضاريِّ والتشريعيِّ الذي ظهرت فيه؟

- تتألف نصوص مواد مسلة حمورابي من 44 حقلاً أو عموداً من الكتابة المسمارية التي تنقسم إلى مقدمة، ونص الشريعة، ويشتمل على 282 مادة، وخاتمة. ونقشت هذه القوانين على ثلاث كتل كبيرة من حجر الديورايت، وجمعت مع بعضها البعض لتشكل نصاً مخروطياً. ومما يلفت النظر في تلك الشريعة، أنها أتت شاملة لكل شيء يخص حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، وبتفاصيل تتناول أموراً تحث عليها الديانات السماوية، مثل الإحسان للوالدين، والنهي عن القتل وعن الزنى، وعدم التعدي على مال اليتيم، والنهي عن الغش والسرقة وشهادة الزور، والحث على الوفاء بالعهود، إضافة إلى أحكام بالقصاص في القتل وزنا المحارم والربا والسرقة، وأحكام تخص العبودية والطلاق وغيرها، بالتالي لا يمكن أن تأتي هذه القوانين المنظمة لحياة المجتمع، التي تحث على الفضيلة والنزاهة، إضافة إلى التمسك بالقيم فيما يخص العلاقات الاجتماعية والتجارية وبهذا التفصيل، في زمن كانت فيه معظم تلك الأمور عادات وتقاليد طبيعية وغير مستهجنة، وهناك نقطة مهمة، وهي أن التشريعات البشرية تأتي معظمها من الشرائع السماوية، ثم تصاغ حسب الرغبات، فمن أين أتى حمورابي، وهو ملك وثني، ويحكم مجتمعاً وثنياً بشريعة موادها مشابهة للشرائع السماوية، وتضع قوانين للربا في حين أن الربا كان يعدُّ من أهم الأسس التي قامت عليها المعاملات التجارية في تلك الفترة.

> وما هي، في تقديركم، طبيعةُ العلاقةِ بين ما سميتموه «شريعة إبراهيم» ومبادئ الدياناتِ التوحيديةِ الأولى؟

- شريعة الله سبحانه وتعالى التي أتى بها الأنبياء واحدة، لأنها من مصدر واحد، يقول تعالى في سورة الشعراء «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه»، هذا فيما يخص الثوابت الرئيسية، وأولها التوحيد، حيث إن الأنبياء بعثوا لأمم وشعوب وثنية تعبد النجوم والكواكب والأصنام، ويوجد بها كل المفاسد مثل القتل والسرقة والزنا والربا وغيرها، ولذلك نجد أن ما ورد في الشرائع يكاد يكون متشابهاً، ولكن هناك أحياناً بعض الاختلافات في الأمور الثانوية، ولذلك نجد تشابهاً فيما يخص الشرائع بين الديانة الإسلامية والديانة اليهودية.

> كم من الوقت استغرقت رحلتُكم البحثيةُ للتوصلِ إلى هذه الاستنتاجاتِ وتوثيقِها؟

- بدأت رحلتي البحثية عام 2011م، وقمت منذ ذلك الوقت بزيارات إلى متاحف برلين والبريطاني في لندن ومتحف كونست هيستوريشس في فيينا، ومتحف اللوفر في باريس، حيث توجد مسلة حمورابي منذ اكتشافها، كما قمت بمراسلة متحف بغداد وتفضلوا بإرسال كل الصور المطلوبة، وأرسل لي أحد الأصدقاء صوراً للمنطقة التي كانت تشغلها مدينة أور التي يقال إن إبراهيم ولد فيها.

> ما هي طبيعةُ المصادرِ والوثائقِ التي استندتُم إليها في هذا البحث المهم، وهل كان من بينها ما هو نادرٌ أو غيرُ متداولٍ على نطاقٍ واسع؟

- اعتمدت على المصادر الأصلية بشكل كامل، فعكفت في البداية على قراءة كل الآيات القرآنية وتفسيرها فيما يخص قصة موسى عليه السلام وفرعون، وما يخص قصة إبراهيم عليه السلام، إضافة إلى التوراة والتلمود بعد شرائي النسخ الأصلية منهما، وقمت بشراء كمية كبيرة من المراجع الأصلية للبحث من موقع «أمازون» مثل كتب المؤرخين القدامى: جوزيفوس، ومانيثون، ويوليوس أفريكانوس، ويوسيبيوس وغيرهم، إضافة إلى كتب كبار علماء الآثار مثل ليوناردو وولي الذي نقب في العراق وجيمس بريستد وسيريل الدريد وفلندرز بتري وإيريل كوزلوف ودونالد ريدفورد وغيرهم، واستغرقت فترة القراءة عدة سنوات قبل البدء بالكتابة.

> كتابُكم الثاني، الذي صدر بالتزامن مع الكتاب الأول، يتناول، حسب فهمنا، التاريخَ القديم لبني إسرائيل منذ النشأةِ حتى سنواتِ الاضطهادِ في مصر. هل يمكن أن تُعطونا لمحةً عن أبرزِ محاور هذا الكتاب ومنهجيتكم فيه؟

- يتناول كتابي «من يوسف إلى موسى عليهما السلام» قصة التكوين الأولى لبني إسرائيل، وبمعنى أدق بدايتهم الأولى، حيث إن إسرائيل هو يعقوب والد يوسف عليهما السلام كما جاء في القرآن والتوراة، وبني إسرائيل هم حصراً يوسف وإخوته الأحد عشر وذريتهم، وهؤلاء كانوا يعيشون في صحراء النقب جنوب الأردن، وأثبت أن يوسف تم بيعه في مصر في الفترة التي حكم فيها الهكسوس مصر، والهكسوس عرب على ديانة التوحيد، ولذلك قاموا بتعيين يوسف بمنصب رفيع لديهم، وبعد طرد الهكسوس من مصر، بدأت محنة بني إسرائيل، حيث اعتبرهم المصريون خونة كونهم متعاونين مع الهكسوس، وبدأ فراعنة الأسرة 18 التي تلت الهكسوس باضطهادهم، وكان يتم قتل المواليد الذكور، كما جاء في القرآن، إلى أن جاء موسى إلى الفرعون الرابع في الاضطهاد وهو أمنحوتب الثالث، وهو ما أثبت أنه فرعون موسى، وهو والد الفرعون الشهير أخناتون.

> تَكتنِفُ الروايات التاريخية لبداياتِ بني إسرائيل اختلافاتٌ وتفسيراتٌ مُتعددة، ما هي أبرزُ هذه الاختلافات في تقديركم، وكيف تعاملتُم معها في ضوءِ ما قدَّمه المؤرخون السابقون والمعاصرون؟

- معظم الدراسات العربية التي ظهرت عن بني إسرائيل، إما أن تقص القصة القرآنية فقط دون المواءمة مع الأحداث التاريخية، أو تنقل من المصادر الأجنبية المعتمدة على الرواية التوراتية، ولذلك تم تكرار معظم المعلومات التاريخية في تلك الكتب، وهذا ما حرصت على تجنبه في كتابي، حيث قدمت رواية جديدة موثقة.

> ما هو موقعُ القرآنِ الكريمِ كمصدرٍ في أبحاثِكم المتعلقةِ بالتاريخ القديم لبني إسرائيل، وكيف وازنتم بينه وبين المصادرِ التاريخيةِ والأثريةِ الأخرى؟

- من يقرأ القرآن جيداً، سيجد أن قصة بني إسرائيل تحوي تفاصيل دقيقة أكثر من التوراة، ولكن لغة القرآن البليغة تحتاج إلى وقت لفهمها، كما أن قصة بني إسرائيل في القرآن أتت في عدة سور، في حين أتت في التوراة متسلسلة، ولذلك لجأ معظم الباحثين إلى القصة التوراتية لسهولة النقل منها، ولأن المراجع الأجنبية تعتمد عليها، وبالتالي أصبحت هناك عملية نقل للمعلومات دون الاهتمام بما جاء في القرآن.

> هل يمكنُ اعتبارُ ما تطرحونه في هذين الكتابين محاولةً لتقديمِ قراءةٍ جديدةٍ أو إعادةِ نظرٍ في بعضِ فصولِ التاريخِ القديم للمنطقة؟

- ما طرحته في الكتابين هو دراسة تعتمد على ما ذكره كبار المؤرخين وعلماء الآثار، وما يقابله في القرآن الكريم، وما تحويه التوراة من المتشابه مع القرآن، وهذا الأمر احتاج مني فترة طويلة من الإنجاز، وسأكون سعيداً بفتح باب النقاش حول هذا الموضوع. وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».