محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

المؤرخ الإماراتي قال لـ «الشرق الأوسط» إن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس
TT

محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس

وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة. نالَ درجةَ الليسانس في الآدابِ (تخصّص تاريخ) من جامعةِ القاهرةِ عامَ 1984، ثمَّ دبلومَ الدّراساتِ العُليا من جامعةِ القدّيسِ يوسف بلبنانَ عامَ 1989، فالماجستير في التّاريخِ من الجامعةِ ذاتِها عامَ 1991 عن رسالةٍ بعنوان «التجمّعاتُ القبليّةُ ودورُها في تكوينِ الوحداتِ السّياسيّةِ في الخليجِ العربيِّ خلالَ القرنينِ السّابعَ عشرَ والثّامنَ عشر». وهو حاصلٌ أيضاً على درجةِ دكتوراه الدّولةِ في العلومِ الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ (فرع التّاريخ) من جامعةِ تونس الأولى عامَ 1999 عن أطروحةٍ موسومةٍ بـ«الأوضاع الاقتصاديّة في إماراتِ السّاحلِ 1862- 1965». هنا حوار معه استطلعنا من خلاله رأيَهُ حولَ أحدثِ إصداراتهِ «شريعةُ حمورابي أم شريعةُ إبراهيم؟»:

> أولاً، ما هيَ أهمُّ الأدلّةِ والبراهينِ الّتي تستندونَ إليها لإثباتِ فرضيّةِ التّزامنِ التّاريخيِّ بينَ النّبيِّ إبراهيمَ (عليهِ السّلام) والملكِ حمورابي؟

- فرضية تزامن النبي إبراهيم عليه السلام مع الملك البابلي الشهير حمورابي أتت بالصدفة، ومن خلال إعدادي لكتاب آخر بعنوان «من هو فرعون موسى؟»، حيث انطلقت في البحث بهذا الموضوع قبل حوالي 14 سنة، أثبت فيه أن الفرعون الذي بعث له موسى عليه السلام هو الفرعون أمنحوتب الثالث والد الفرعون الشهير أخناتون، مما يعني أن تاريخ وفاته وهو عام 1353 ق.م تقريباً هو عام خروج بني إسرائيل من مصر، وتبين لي أيضاً أن السنوات الـ430 التي كتبت بالتوراة على أنها كامل المدة التي مكثها بنو إسرائيل في مصر هي في واقع الأمر كامل المدة منذ عهد جدهم الأول إبراهيم عليه السلام، كما جاء في 4 مصادر مهمة هي: التوراة السامرية والتلمود وكتاب المؤرخ اليهودي جوزيفوس وكتاب المؤرخ أفريكانوس، ثم قمت بجمع الـ430 سنة مع سنة 1353 ق.م لأعرف في أي زمن عاش إبراهيم، وكانت المفاجأة أنه عاش في زمن الملك حمورابي، الذي حكم خلال الفترة من عام 1792ق.م إلى عام 1750 ق.م، وبعد البحث تبين أن كبار علماء الآثار ذكروا أن إبراهيم عاش في زمن حمورابي، منهم ليونارد وولي الذي قام بعمليات الحفر والتنقيب في أور بالعراق من عام 1922 حتى عام 1934، والبروفسور هوبرت غريم، والبروفسور سايس وغيرهم. كما ذكر هؤلاء العلماء وغيرهم أن «أمرافيل» الذي ذكر في التوراة هو حمورابي.

> في كتابكم، تطرحون فرضيةً جريئةً مفادُها أنَّ شريعةَ حمورابي مُستلهَمةٌ أو مُقتبَسةٌ من «شريعة إبراهيم»، كيف تبرهنون على هذا التأثير أو الاستمداد؟

- شريعة حمورابي أثارت جدلاً طويلاً منذ اكتشافها أوائل عام 1902، وهي مكتوبة على حجر من الديورايت، واكتشفت في مدينة سوسة المعروفة اليوم بـ«قلعة الشوش»، جنوب غرب إيران، وكان المذهل في تلك الشريعة أنها مشابهة لشريعة موسى عليه السلام، رغم أن موسى أتى بعد إبراهيم بأكثر من 400 سنة، وأهم قانون متشابه بين الشريعتين هو قانون «العين بالعين والسن بالسن»، وهذا القانون ذكره الله تعالى في القرآن في سورة «المائدة» على أنه فُرض على بني إسرائيل في التوراة، مما يعني أن هذا النص في التوراة نص أصلي ولم يطله التحريف، وكانت هناك فرضية لأن اليهود أثناء السبي البابلي هم من وضعوا هذا النص من شريعة حمورابي في التوراة، ولكن هذه الفرضية لم تكن مقبولة من كثير من المؤرخين، وهنا يبرز السؤال المهم: من أين أتى حمورابي بهذا النص وهو يسبق موسى بمئات السنين؟ لا يوجد إلا تفسير واحد لذلك، وهو أن شريعة حمورابي هي شريعة مستمدة من مصدر ما، وتحديداً من شريعة سماوية لكون موادها تنبئ بذلك، وبما أن الشرائع السماوية متشابهة في النصوص لأنها من المصدر نفسه، وأثبتنا أن إبراهيم كان معاصراً لحمورابي، فمعنى ذلك أن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه، وقمت بعمل مقارنة بين شريعة حمورابي وشريعة موسى والشريعة الإسلامية، وتبين لي أنها متشابهة، ويمكننا أن نلاحظ أيضاً أن «صحف إبراهيم وموسى» ذكرتا معاً في سورتي «الأعلى» و«النجم»، كون تشريعاتهما متشابهة، مما يعني أن شريعتي إبراهيم وموسى كانتا متشابهتين بالنصوص.

> نودُّ منكم إضاءةً أوسع حول شريعةِ حمورابي: طبيعتِها، وأبرزِ سماتِها، والسياقِ الحضاريِّ والتشريعيِّ الذي ظهرت فيه؟

- تتألف نصوص مواد مسلة حمورابي من 44 حقلاً أو عموداً من الكتابة المسمارية التي تنقسم إلى مقدمة، ونص الشريعة، ويشتمل على 282 مادة، وخاتمة. ونقشت هذه القوانين على ثلاث كتل كبيرة من حجر الديورايت، وجمعت مع بعضها البعض لتشكل نصاً مخروطياً. ومما يلفت النظر في تلك الشريعة، أنها أتت شاملة لكل شيء يخص حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، وبتفاصيل تتناول أموراً تحث عليها الديانات السماوية، مثل الإحسان للوالدين، والنهي عن القتل وعن الزنى، وعدم التعدي على مال اليتيم، والنهي عن الغش والسرقة وشهادة الزور، والحث على الوفاء بالعهود، إضافة إلى أحكام بالقصاص في القتل وزنا المحارم والربا والسرقة، وأحكام تخص العبودية والطلاق وغيرها، بالتالي لا يمكن أن تأتي هذه القوانين المنظمة لحياة المجتمع، التي تحث على الفضيلة والنزاهة، إضافة إلى التمسك بالقيم فيما يخص العلاقات الاجتماعية والتجارية وبهذا التفصيل، في زمن كانت فيه معظم تلك الأمور عادات وتقاليد طبيعية وغير مستهجنة، وهناك نقطة مهمة، وهي أن التشريعات البشرية تأتي معظمها من الشرائع السماوية، ثم تصاغ حسب الرغبات، فمن أين أتى حمورابي، وهو ملك وثني، ويحكم مجتمعاً وثنياً بشريعة موادها مشابهة للشرائع السماوية، وتضع قوانين للربا في حين أن الربا كان يعدُّ من أهم الأسس التي قامت عليها المعاملات التجارية في تلك الفترة.

> وما هي، في تقديركم، طبيعةُ العلاقةِ بين ما سميتموه «شريعة إبراهيم» ومبادئ الدياناتِ التوحيديةِ الأولى؟

- شريعة الله سبحانه وتعالى التي أتى بها الأنبياء واحدة، لأنها من مصدر واحد، يقول تعالى في سورة الشعراء «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه»، هذا فيما يخص الثوابت الرئيسية، وأولها التوحيد، حيث إن الأنبياء بعثوا لأمم وشعوب وثنية تعبد النجوم والكواكب والأصنام، ويوجد بها كل المفاسد مثل القتل والسرقة والزنا والربا وغيرها، ولذلك نجد أن ما ورد في الشرائع يكاد يكون متشابهاً، ولكن هناك أحياناً بعض الاختلافات في الأمور الثانوية، ولذلك نجد تشابهاً فيما يخص الشرائع بين الديانة الإسلامية والديانة اليهودية.

> كم من الوقت استغرقت رحلتُكم البحثيةُ للتوصلِ إلى هذه الاستنتاجاتِ وتوثيقِها؟

- بدأت رحلتي البحثية عام 2011م، وقمت منذ ذلك الوقت بزيارات إلى متاحف برلين والبريطاني في لندن ومتحف كونست هيستوريشس في فيينا، ومتحف اللوفر في باريس، حيث توجد مسلة حمورابي منذ اكتشافها، كما قمت بمراسلة متحف بغداد وتفضلوا بإرسال كل الصور المطلوبة، وأرسل لي أحد الأصدقاء صوراً للمنطقة التي كانت تشغلها مدينة أور التي يقال إن إبراهيم ولد فيها.

> ما هي طبيعةُ المصادرِ والوثائقِ التي استندتُم إليها في هذا البحث المهم، وهل كان من بينها ما هو نادرٌ أو غيرُ متداولٍ على نطاقٍ واسع؟

- اعتمدت على المصادر الأصلية بشكل كامل، فعكفت في البداية على قراءة كل الآيات القرآنية وتفسيرها فيما يخص قصة موسى عليه السلام وفرعون، وما يخص قصة إبراهيم عليه السلام، إضافة إلى التوراة والتلمود بعد شرائي النسخ الأصلية منهما، وقمت بشراء كمية كبيرة من المراجع الأصلية للبحث من موقع «أمازون» مثل كتب المؤرخين القدامى: جوزيفوس، ومانيثون، ويوليوس أفريكانوس، ويوسيبيوس وغيرهم، إضافة إلى كتب كبار علماء الآثار مثل ليوناردو وولي الذي نقب في العراق وجيمس بريستد وسيريل الدريد وفلندرز بتري وإيريل كوزلوف ودونالد ريدفورد وغيرهم، واستغرقت فترة القراءة عدة سنوات قبل البدء بالكتابة.

> كتابُكم الثاني، الذي صدر بالتزامن مع الكتاب الأول، يتناول، حسب فهمنا، التاريخَ القديم لبني إسرائيل منذ النشأةِ حتى سنواتِ الاضطهادِ في مصر. هل يمكن أن تُعطونا لمحةً عن أبرزِ محاور هذا الكتاب ومنهجيتكم فيه؟

- يتناول كتابي «من يوسف إلى موسى عليهما السلام» قصة التكوين الأولى لبني إسرائيل، وبمعنى أدق بدايتهم الأولى، حيث إن إسرائيل هو يعقوب والد يوسف عليهما السلام كما جاء في القرآن والتوراة، وبني إسرائيل هم حصراً يوسف وإخوته الأحد عشر وذريتهم، وهؤلاء كانوا يعيشون في صحراء النقب جنوب الأردن، وأثبت أن يوسف تم بيعه في مصر في الفترة التي حكم فيها الهكسوس مصر، والهكسوس عرب على ديانة التوحيد، ولذلك قاموا بتعيين يوسف بمنصب رفيع لديهم، وبعد طرد الهكسوس من مصر، بدأت محنة بني إسرائيل، حيث اعتبرهم المصريون خونة كونهم متعاونين مع الهكسوس، وبدأ فراعنة الأسرة 18 التي تلت الهكسوس باضطهادهم، وكان يتم قتل المواليد الذكور، كما جاء في القرآن، إلى أن جاء موسى إلى الفرعون الرابع في الاضطهاد وهو أمنحوتب الثالث، وهو ما أثبت أنه فرعون موسى، وهو والد الفرعون الشهير أخناتون.

> تَكتنِفُ الروايات التاريخية لبداياتِ بني إسرائيل اختلافاتٌ وتفسيراتٌ مُتعددة، ما هي أبرزُ هذه الاختلافات في تقديركم، وكيف تعاملتُم معها في ضوءِ ما قدَّمه المؤرخون السابقون والمعاصرون؟

- معظم الدراسات العربية التي ظهرت عن بني إسرائيل، إما أن تقص القصة القرآنية فقط دون المواءمة مع الأحداث التاريخية، أو تنقل من المصادر الأجنبية المعتمدة على الرواية التوراتية، ولذلك تم تكرار معظم المعلومات التاريخية في تلك الكتب، وهذا ما حرصت على تجنبه في كتابي، حيث قدمت رواية جديدة موثقة.

> ما هو موقعُ القرآنِ الكريمِ كمصدرٍ في أبحاثِكم المتعلقةِ بالتاريخ القديم لبني إسرائيل، وكيف وازنتم بينه وبين المصادرِ التاريخيةِ والأثريةِ الأخرى؟

- من يقرأ القرآن جيداً، سيجد أن قصة بني إسرائيل تحوي تفاصيل دقيقة أكثر من التوراة، ولكن لغة القرآن البليغة تحتاج إلى وقت لفهمها، كما أن قصة بني إسرائيل في القرآن أتت في عدة سور، في حين أتت في التوراة متسلسلة، ولذلك لجأ معظم الباحثين إلى القصة التوراتية لسهولة النقل منها، ولأن المراجع الأجنبية تعتمد عليها، وبالتالي أصبحت هناك عملية نقل للمعلومات دون الاهتمام بما جاء في القرآن.

> هل يمكنُ اعتبارُ ما تطرحونه في هذين الكتابين محاولةً لتقديمِ قراءةٍ جديدةٍ أو إعادةِ نظرٍ في بعضِ فصولِ التاريخِ القديم للمنطقة؟

- ما طرحته في الكتابين هو دراسة تعتمد على ما ذكره كبار المؤرخين وعلماء الآثار، وما يقابله في القرآن الكريم، وما تحويه التوراة من المتشابه مع القرآن، وهذا الأمر احتاج مني فترة طويلة من الإنجاز، وسأكون سعيداً بفتح باب النقاش حول هذا الموضوع. وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي