حذف الأصفار من العملة.... إصلاح نقدي أم وهم رقمي؟

إيران تعيد إحياء التومان... والعراق وسوريا ولبنان بين الطباعة والتقويم

لوحة إعلانية في مكتب صرافة بطهران (رويترز)
لوحة إعلانية في مكتب صرافة بطهران (رويترز)
TT

حذف الأصفار من العملة.... إصلاح نقدي أم وهم رقمي؟

لوحة إعلانية في مكتب صرافة بطهران (رويترز)
لوحة إعلانية في مكتب صرافة بطهران (رويترز)

يعود إلى الواجهة ملف اقتصادي شائك لطالما اعتُبر من الأدوات الرمزية للحد من تدهور العملة في الدول التي تعاني من تضخم مزمن وانهيار نقدي. ففي مشهد اقتصادي عالمي مثقل بالتحديات، تتجه أنظار بعض الدول نحو حل يبدو ظاهرياً بسيطاً، لكنه ينطوي على تساؤلات عميقة حول جدواه وتأثيراته الفعلية: حذف الأصفار من العملة الوطنية، أو ما يُعرف بـ«إعادة تقويم العملة».

فبعد إعلان إيران عزمها تنفيذ هذه الخطوة خلال العام الجاري، مستبدلة بالريال التومان الجديد بعد شطب أربعة أصفار، يبرز هذا الإجراء كخيار يُعاد طرحه في دول أخرى بالمنطقة، مثل سوريا، وحتى لبنان الذي يرزح تحت أزمة اقتصادية خانقة.

ورغم أن خطة طهران ليست جديدة في أدبيات الاقتصاد النقدي، فإنها تعيد فتح الباب أمام نقاش واسع: ماذا يعني حذف الأصفار فعلياً؟ وهل يمكن لمثل هذا الإجراء أن يُحسّن الواقع الاقتصادي؟ أم أن التجارب الدولية تؤكد أن «إصلاح العملة» دون إصلاحات اقتصادية وهيكلية شاملة لا يتجاوز كونه إجراءً شكلياً في ثوب مهترئ؟

ماذا يعني حذف الأصفار فعلياً؟

تسعى عملية إعادة تقويم العملة إلى تحسين كفاءة استخدامها وتقوية صورتها عبر تقليص الأرقام المتداولة، لا سيما في ظل تضخم مفرط وفقدان العملة الوطنية لمصداقيتها. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها من الخطوات الاعتبارية التي قد تساهم في تعزيز الثقة بالاقتصاد المحلي، وتقليل معدلات التضخم، وإن كان أثرها في الغالب مؤقتاً.

وتتمثل أبرز الفوائد المحتملة في تبسيط المعاملات المصرفية والمحاسبية، وتسهيل إعداد الفواتير وتسعير السلع، ما قد يعزز من فعالية النظام المالي. كما يُمكن أن تولد تأثيراً نفسياً إيجابياً لدى المواطنين، الذين قد يشعرون بأن العملة باتت أكثر انتظاماً ومقبولية. كذلك، قد تشجع إعادة التقويم على استخدام العملة الوطنية بدلاً من العملات الأجنبية، لا سيما في البيئات التي تشهد «دولرة» واسعة.

ومع ذلك، تُحيط بهذه الخطوة العديد من المخاطر، أبرزها احتمال تفاقم التضخم إذا لم تُرفق بضبط صارم للسيولة. كما أن تكلفة التنفيذ من حيث تعديل أنظمة الدفع، وإعادة طباعة العملة، وتحديث العقود والرواتب، تُعدّ باهظة. أما التحدي الأهم فيكمن في فقدان الثقة إذا رُؤيت هذه الخطوة كإجراء تجميلي لا يعالج الأسباب الجوهرية للتدهور النقدي.

رجل يعرض العملة الإيرانية في ميدان فردوسي بطهران (رويترز)

إيران: التومان الجديد... هل يمحو سنوات التضخم؟

في إعلان رسمي، أكد محافظ البنك المركزي الإيراني، محمد رضا فرزين، أن بلاده ستشرع خلال عام 2025 في تنفيذ خطة حذف أربعة أصفار من الريال واعتماد «التومان» وحدة نقدية جديدة، بحيث يعادل كل تومان 10 آلاف ريال.

ورغم أن القانون أُقر عام 2020، فإن تطبيقه تأخر بسبب استمرار بيئة اقتصادية غير مواتية، من أبرز ملامحها تضخم سنوي يفوق 40 في المائة، وفقدان الريال لأكثر من 95 في المائة من قيمته خلال أربعة عقود، إضافة إلى عجز مالي مزمن وعقوبات دولية متصاعدة. فعلى سبيل المثال، كانت ورقة العشرة آلاف ريال تعادل نحو 150 دولاراً قبل الثورة عام 1979، بينما لا تتجاوز قيمتها اليوم عشرة سنتات أميركية.

ويعتبر كثير من الاقتصاديين الإيرانيين هذه الخطوة محاولة لتحسين الشكل دون معالجة الأسباب العميقة للأزمة. وإذا لم تترافق مع إصلاحات نقدية ومؤسسية، فإن حذف الأصفار لن يُحدث تحولاً حقيقياً، بل قد يؤدي إلى مزيد من التشوش في المشهد النقدي. وحذّر وزير الاقتصاد بالإنابة، رحمت الله أكرمي، من محدودية استقلال البنك المركزي، وغموض آليات استهداف التضخم، وغياب الشفافية، مؤكداً أن فعالية السياسة النقدية تبقى محدودة في غياب إطار مؤسسي قوي.

هل يعود حذف الأصفار في العراق إلى الواجهة؟

بين فترة وأخرى، يُعيد العراق فتح ملف حذف الأصفار من عملته المحلية، في خطوة تُعد جزءاً من مشروع إصلاح نقدي يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي وتبسيط المعاملات اليومية. وأكد البنك المركزي العراقي في أواخر العام الماضي أن المشروع لا يزال قيد الدراسة منذ عام 2007، لكنه لم يُحدد موعداً لتنفيذه نظراً للتحديات المتعلقة بعدم استقرار سعر الصرف والظروف السياسية.

وشهد الدينار العراقي تراجعاً حاداً في قيمته مقابل الدولار، ما أدى إلى تفاقم معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

أصحاب شركات الصرافة يتظاهرون أمام «المركزي» العراقي مطالبين برفع القيود المفروضة عليهم (رويترز)

سوريا... ليرة جديدة في ظل اقتصاد متهالك

أما في سوريا، التي تعاني من أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية في تاريخها الحديث، فقد تخطى سعر صرف الليرة حاجز 15 ألفاً مقابل الدولار في السوق السوداء مطلع عام 2025. وفي هذا السياق، طُرح اقتراح باعتماد «ليرة سورية جديدة» عبر حذف صفرين أو ثلاثة من العملة الحالية، في محاولة لاحتواء آثار التضخم الجامح الذي بلغ 119.7 في المائة في الربع الأول من عام 2023.

وجاء هذا الاقتراح في ظل انهيار الإنتاج المحلي، وتضاؤل قدرة الدولة على ضبط السيولة، وتآكل دور البنك المركزي، ما فاقم اختلالات سوق الصرف، وأدى إلى هيمنة الواردات الرخيصة على حساب الصناعة المحلية.

لكن خبراء اقتصاديين سوريين يرون أن حذف الأصفار في ظل غياب إصلاح اقتصادي وإنتاجي حقيقي قد يؤدي إلى تكرار انهيارات العملة، مؤكدين أن نجاح مثل هذا الإجراء مرهون باستعادة النمو وثقة الأسواق.

أكوام من الليرة السورية داخل محل صرافة في أعزاز بسوريا (رويترز)

لبنان... من حذف الأصفار إلى طباعة المزيد

في المقابل، يسلك لبنان مساراً مختلفاً؛ فبدلاً من حذف الأصفار الذي طرح سابقاً، أعلن مصرف لبنان عزمه إصدار فئات نقدية جديدة بقيمة 500 ألف ليرة ومليون ليرة، بهدف تسهيل التعاملات اليومية في ظل الانهيار الحاد للعملة الوطنية، التي فقدت أكثر من 98 في المائة من قيمتها، متراجعة من 1500 ليرة مقابل الدولار قبل عام 2019 إلى نحو 90 ألفاً حالياً، وسط معدلات تضخم تجاوزت في بعض المراحل 300 في المائة.

وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعاً بين من يرى أنه ضرورة تنظيمية تفرضها الكتلة النقدية المتضخمة، ومن يحذر من مخاطره التضخمية، خصوصاً إذا ترافق مع ضخ كميات جديدة من السيولة دون ضوابط. ويرى البعض أن حذف الأصفار كان خياراً أكثر كفاءة، كما فعلت دول مثل تركيا والبرازيل في الماضي، إلا أن تكلفة إعادة طباعة العملة وتحديث النظم المصرفية تُعدّ باهظة في ظل الشلل المالي والإداري الذي تعانيه الدولة.

رجل يعد أوراقاً نقدية من الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)

دروس من التجارب الدولية

تُعد تجربة حذف الأصفار من العملة الوطنية أداة متكررة في تاريخ الدول التي عانت من تضخم مفرط وأوضاع مالية متدهورة. وتعود أولى هذه المحاولات إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أدّت الخسائر الاقتصادية إلى انفجار تضخمي تطلّب إعادة هيكلة العملة.

ومنذ ستينيات القرن الماضي، أقدمت نحو 71 دولة على هذه الخطوة، بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل. وتُعد البرازيل من أبرز الأمثلة، إذ شهدت موجات متكررة من إزالة الأصفار خلال فترات التضخم الجامح بين الستينيات والتسعينيات. ففي عام 1967 أُزيلت ثلاثة أصفار من عملة «الكروزيرو»، تبعتها ثلاثة أخرى في 1981، ثم ثلاثة إضافية في 1993، إلا أن معدلات التضخم المرتفعة بقيت عصية على الانضباط، ما يدل على أن الحلول النقدية وحدها لا تكفي دون إصلاح اقتصادي أعمق.

أما هولندا، فقد واجهت في الستينيات ما عُرف بـ«المرض الهولندي» الناتج عن اكتشاف الغاز الطبيعي، والذي أدّى إلى ضغوط تضخمية واسعة. غير أن تعامل الحكومة الهولندية مع الأزمة اتّسم بسياسات نقدية صارمة، رافقتها إزالة أربعة أصفار من العملة، ما ساعد على احتواء التضخم واستعادة التوازن الاقتصادي.

وفي المقابل، تُمثل زيمبابوي مثالاً صارخاً على فشل هذا الخيار في ظل غياب الإصلاحات الجذرية. ففي عام 2003، أزالت السلطات ثلاثة أصفار من العملة، بينما كانت معدلات التضخم تتجاوز 1000 في المائة. ومع استمرار التدهور، انهارت العملة بالكامل، وبلغ التضخم لاحقاً مستويات خيالية تجاوزت 11 مليوناً في المائة، وسط غياب تام للثقة في السياسات النقدية والمالية.

تجربة تركيا في هذا السياق كانت أكثر اتزاناً، إذ جاءت خطوة إزالة ستة أصفار من الليرة في 2005 بعد سنوات من التضخم المتراكم. فعندما بلغ سعر صرف الدولار مليون ليرة، أصبحت المعاملات اليومية مرهقة. لكن بالتوازي مع الإصلاح النقدي، نفّذت أنقرة سلسلة إجراءات لتحسين إدارة الاقتصاد، مما أعاد الثقة في العملة الوطنية وساهم في تحقيق نسب نمو متقدمة خلال السنوات اللاحقة.

بداية جديدة أم تجميل للواقع؟

تشير الدروس المستقاة من التجارب الدولية إلى أن حذف الأصفار يمكن أن يُحدث تحولاً إيجابياً، ولكن فقط عندما يترافق مع إصلاحات اقتصادية ومؤسساتية عميقة. وعليه، فإن جدوى هذه الخطوة في إيران وسوريا ولبنان ستعتمد على مدى توفر إرادة سياسية حقيقية لتبني إصلاحات شاملة. فإزالة الأصفار ليست حلاً سحرياً، بل خطوة تقنية قد تُسهم في تحسين الأداء المحاسبي والنفسي، ولكنها غير كافية ما لم تُدعَم بإجراءات هيكلية مثل تعزيز استقلالية البنك المركزي، وإصلاح المالية العامة، ومكافحة الفساد، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار المنتج.


مقالات ذات صلة

اليابان تراهن على واشنطن و«المركزي» لتعزيز موقفها في معركة الين

الاقتصاد شاشة تعرض هبوط الدولار الحاد مقابل الين خلال ما يعتقد أنه تدخل حكومي ياباني لحماية العملة في مطلع الأسبوع (رويترز)

اليابان تراهن على واشنطن و«المركزي» لتعزيز موقفها في معركة الين

تراهن اليابان على أن تحولاً نحو التشدد في بنك اليابان وتأييد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، من شأنه أن يعزز فاعلية التدخل في شراء الين

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ناقلة نفط تمر في مضيق هرمز قبالة سواحل الإمارات (رويترز)

أسعار النفط تقفز مع تجدد التصعيد بين أميركا وإيران

ارتفعت أسعار النفط بأكثر من واحد بالمائة يوم الجمعة بعد تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

«نيكي» يفقد ذروته القياسية مع انخفاض المعنويات

تراجع مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم، يوم الجمعة، عن أعلى مستوى قياسي سجله في الجلسة السابقة، مع تراجع معنويات المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد بورصة البحرين (بنا)

صعود معظم أسواق الخليج وسط تفاؤل بقرب اتفاق بين أميركا وإيران

أغلق معظم أسواق الأسهم في الخليج على ارتفاع، يوم الخميس، مدعومةً بأرباح ​قوية للشركات وتفاؤل إزاء احتمال التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والين في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعلن الدفاع عن عملتها «من دون حدود»

تتجه الأنظار إلى طوكيو الأسبوع المقبل مع استعداد وزير الخزانة الأميركي لعقد اجتماعات رفيعة المستوى تعكس تصاعد القلق العالمي من أزمة الين

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

نمو التوظيف الأميركي يتجاوز التوقعات في أبريل مع استقرار البطالة عند 4.3 %

أشخاص يشاركون في تجمع داعم للموظفين الفيدراليين خارج مبنى «26 فيدرال بلازا» الحكومي في نيويورك 25 مارس 2025 (رويترز)
أشخاص يشاركون في تجمع داعم للموظفين الفيدراليين خارج مبنى «26 فيدرال بلازا» الحكومي في نيويورك 25 مارس 2025 (رويترز)
TT

نمو التوظيف الأميركي يتجاوز التوقعات في أبريل مع استقرار البطالة عند 4.3 %

أشخاص يشاركون في تجمع داعم للموظفين الفيدراليين خارج مبنى «26 فيدرال بلازا» الحكومي في نيويورك 25 مارس 2025 (رويترز)
أشخاص يشاركون في تجمع داعم للموظفين الفيدراليين خارج مبنى «26 فيدرال بلازا» الحكومي في نيويورك 25 مارس 2025 (رويترز)

سجل التوظيف في الولايات المتحدة ارتفاعاً يفوق التوقعات خلال أبريل (نيسان)، في حين استقر معدل البطالة عند 4.3 في المائة، ما يعكس استمرار مرونة سوق العمل ويعزز الرهانات على إبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير لفترة ممتدة.

وأفاد مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية، في تقريره الشهري الصادر يوم الجمعة، أن الوظائف غير الزراعية ارتفعت بمقدار 115 ألف وظيفة خلال الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات مارس (آذار) بالرفع إلى 185 ألف وظيفة. وكان الاقتصاديون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم يتوقعون إضافة نحو 62 ألف وظيفة فقط، مقارنة بزيادة سابقة بلغت 178 ألف وظيفة في مارس.

وتراوحت تقديرات الخبراء بين خسارة 15 ألف وظيفة وزيادة 150 ألف وظيفة، مع الإشارة إلى أن من المبكر رصد التأثير الكامل للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي رفعت أسعار الوقود وتكاليف الشحن عبر مضيق هرمز، ما قد ينعكس لاحقاً على النشاط الاقتصادي.

وأوضح التقرير أن بيانات التوظيف باتت أكثر تقلباً منذ منتصف عام 2025، في ظل التذبذب بين الارتفاع والانخفاض، وهو ما يعزوه محللون إلى تعديلات نموذج المواليد والوفيات المستخدم في تقدير الوظائف الناتجة عن إنشاء أو إغلاق الشركات. كما ساهمت عوامل أخرى مثل الظروف الجوية والإضرابات وتخفيضات الوظائف الحكومية، إلى جانب تشديد سياسات الهجرة في عهد الرئيس دونالد ترمب، في زيادة هذا التذبذب.

وفي هذا السياق، أوصى اقتصاديون بالاعتماد على المتوسط المتحرك لثلاثة أشهر لقراءة أدق لاتجاهات التوظيف.

ولا يزال سوق العمل الأميركي عالقاً فيما يصفه خبراء بـ«توظيف بطيء وتسريح بطيء»، في ظل تأثيرات سياسات التجارة والهجرة. ويقدر الاقتصاديون أن انخفاض الهجرة وشيخوخة القوى العاملة خفّضا مستوى الوظائف اللازم لتحقيق نقطة التعادل إلى ما بين صفر و50 ألف وظيفة شهرياً، مقارنة بمستويات أعلى بكثير في السنوات السابقة.

ورغم هذا التباطؤ، لا يُتوقع حدوث ارتفاع حاد في معدل البطالة حتى في حال تباطؤ إضافي في خلق الوظائف، نظراً لانخفاض عتبة النمو المطلوبة لمواكبة توسع قوة العمل.

وتعزز هذه البيانات توقعات الأسواق بأن يبقي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير حتى عام 2027، بعدما ثبت الأسبوع الماضي النطاق المستهدف للفائدة لليلة واحدة بين 3.50 و3.75 في المائة، في ظل استمرار الضغوط التضخمية.


لاغارد تحذّر من مخاطر العملات المستقرة على فعالية السياسة النقدية

كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع مجلس المحافظين في فرانكفورت يوم 30 أبريل 2026 (رويترز)
كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع مجلس المحافظين في فرانكفورت يوم 30 أبريل 2026 (رويترز)
TT

لاغارد تحذّر من مخاطر العملات المستقرة على فعالية السياسة النقدية

كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع مجلس المحافظين في فرانكفورت يوم 30 أبريل 2026 (رويترز)
كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع مجلس المحافظين في فرانكفورت يوم 30 أبريل 2026 (رويترز)

أعربت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، يوم الجمعة، عن تشككها في جدوى العملات المستقرة المقومة باليورو، محذّرة من أنها قد تُضعف فعالية السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي وتفاقم الاضطرابات المالية خلال فترات التوتر في الأسواق.

وجاءت تصريحات لاغارد في وقت تعمل فيه عدة بنوك كبرى في منطقة اليورو، من بينها «سوسيتيه جنرال»، على تطوير أصول رقمية مرتبطة بالعملة الأوروبية الموحدة، في محاولة لمنافسة هيمنة العملات المستقرة المقومة بالدولار وتعزيز الحضور الدولي لليورو، وفق «رويترز».

لكن لاغارد اعتبرت أن مبررات إطلاق عملات مستقرة مرتبطة باليورو «أضعف بكثير مما تبدو عليه»، مشيرة إلى أنها قد تكون عرضة لموجات سحب جماعية خلال فترات اضطراب الأسواق، كما قد تُقيد قدرة البنك المركزي الأوروبي على إيصال تأثير قرارات أسعار الفائدة إلى مختلف قطاعات الاقتصاد.

وقالت خلال فعالية في إسبانيا إن «هذه المقايضات تفوق المكاسب قصيرة الأجل التي قد توفرها العملات المستقرة المقومة باليورو من حيث ظروف التمويل أو تعزيز الانتشار الدولي للعملة الأوروبية».

وأضافت: «إذا كان الهدف هو تعزيز مكانة اليورو عالمياً، فإن العملات المستقرة ليست الأداة الأنسب لتحقيق ذلك».

واستشهدت لاغارد بحادثة فقدان عملة «يو إس دي كوين» ارتباطها بالدولار خلال انهيار بنك «سيليكون فالي بنك»، باعتبارها مثالاً على المخاطر الكامنة في هذا النوع من الأصول الرقمية.

كما أشارت إلى دراسة أجراها البنك المركزي الأوروبي خلصت إلى أن التوسع الواسع في استبدال الودائع المصرفية التقليدية بالعملات المستقرة قد يؤدي إلى إضعاف الإقراض للشركات وتقليص فعالية انتقال السياسة النقدية داخل الاقتصاد.

وفي المقابل، أبدت لاغارد تفضيلاً للودائع المصرفية التجارية المُرمّزة، معتبرة أنها أكثر أماناً من العملات المستقرة، مع احتفاظها بإمكانية التداول عبر تقنيات البلوك تشين.

وتضع هذه التصريحات لاغارد في موقف مغاير لبعض المؤسسات الأوروبية، بما في ذلك المفوضية الأوروبية والحكومة الفرنسية، اللتين تنظران إلى العملات المستقرة المقومة باليورو باعتبارها أداة محتملة لتعزيز الدور الدولي للعملة الأوروبية.

وبموجب القواعد الأوروبية الحالية، يُلزم مُصدرو العملات المستقرة بالاحتفاظ بما لا يقل عن 30 في المائة من احتياطياتهم في ودائع مصرفية، فيما تُستثمر النسبة المتبقية في أدوات مالية منخفضة المخاطر وعالية السيولة، مثل السندات الحكومية.

وفي مقابلة مع «رويترز» هذا الأسبوع، قال مايكل ثيورر، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني، إن كلاً من الودائع المُرمّزة والعملات المستقرة يُعدان «بالغي الأهمية»، مع إقراره بالمخاطر المرتبطة بالأخيرة.


العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم قطاع الرقائق... وتترقب بيانات الوظائف

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم قطاع الرقائق... وتترقب بيانات الوظائف

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مدعومة بتعافي أسهم شركات أشباه الموصلات، في وقت خففت فيه مكاسب القطاع بعض المخاوف المرتبطة بتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يترقب المستثمرون صدور تقرير الوظائف الأميركية.

وبحلول الساعة 06:04 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الآجل 128 نقطة أو 0.26 في المائة، بينما صعدت عقود «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.45 في المائة، وأضافت عقود «ناسداك 100» نحو 0.63 في المائة، حيث تداول المؤشران قرب مستويات قياسية.

وكانت الأسهم الأميركية قد أنهت جلسة أمس على تراجع، مع عزوف المستثمرين عن أسهم الرقائق التي حققت مكاسب قوية هذا العام بدعم طفرة الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وفي تعاملات ما قبل الافتتاح، استقرت أسهم شركات أشباه الموصلات، حيث ارتفع سهم «مايكروشيب تكنولوجي» بنسبة 3.9 في المائة بعد توقعات إيجابية للإيرادات مدفوعة بالطلب على الرقائق في قطاعي الصناعة والسيارات. كما صعد سهم «كوالكوم» 4.8 في المائة، وارتفع سهم «إنفيديا» 1 في المائة.

وجاءت هذه المكاسب في وقت يخفف فيه أداء القطاع من حدة المخاوف في الأسواق العالمية، مع تصاعد الاشتباكات بين القوات الأميركية والإيرانية في الخليج، ما زاد القلق بشأن تعطّل محتمل في إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.

وتجاوزت أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من استمرار اضطرابات الإمدادات.

وقال إيمانويل كاو، استراتيجي في بنك «باركليز»، إن الأسواق «تحتاج إلى استئناف تدفقات النفط سريعاً»، مشيراً إلى أن استمرار ارتفاع الأسهم مرهون بأي تقدم في إعادة فتح مضيق هرمز.

ورغم الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، سجل مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» مستويات قياسية مؤخراً، مدعومين بنتائج أرباح قوية ومؤشرات على صمود الاقتصاد وتفاؤل مستمر بقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وفي محور البيانات الاقتصادية، يترقب المستثمرون تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركي، المتوقع صدوره لاحقاً، والذي يُرجح أن يُظهر إضافة 62 ألف وظيفة في أبريل، مقارنة بـ178 ألفاً في مارس (آذار)، بحسب استطلاع «رويترز».

ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.3 في المائة، ما يشير إلى استقرار سوق العمل.

وقال ديرين ناثان، رئيس أبحاث الأسهم في «هارغريفز لانسداون»، إن بيانات قوية قد تؤجل توقعات خفض أسعار الفائدة في ظل مخاوف التضخم.

وتشير تسعيرات العقود الآجلة إلى أن الأسواق تتوقع إبقاء «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة حتى نهاية العام.

وفي تحركات الشركات، تراجعت أسهم «كلاود فلير» 17 في المائة بعد إعلانها تسريح نحو 20 في المائة من موظفيها وتوقع إيرادات دون التقديرات. كما هبط سهم «تريد ديسك» 15.8 في المائة بعد توقعات ضعيفة للإيرادات، وانخفض سهم «كورويف» 6.5 في المائة رغم رفعها لتوقعات الإنفاق الرأسمالي وسط ارتفاع تكاليف المكونات.