باريس عاصمة التنوير العربي

رواد النهضة تخرجوا في جامعاتها ونقلوا آراء مفكريه للبلدان العربية

طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي
طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي
TT

باريس عاصمة التنوير العربي

طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي
طه حسين و رفاعة الطهطاوي و محمد أركون و محمد عزيز الحبابي

أولا باريس هي عاصمة التنوير العالمي، فمنها انطلقت تلك الحركة الفكرية الشهيرة في القرن الثامن عشر على يد فولتير وروسو والموسوعيين، ثم استمرت في القرن التاسع عشر على يد إرنست رينان وفيكتور هوغو وميشليه وعشرات غيرهم، ثم ترسخت أكثر فأكثر في القرن العشرين على يد كوكبة من المفكرين ليس أقلهم دوركهايم وغاستون باشلار وهنري بيرغسون وبقية العباقرة. وعلى هذا النحو تم القضاء على الأصولية الكاثوليكية ومحاكم التفتيش والفكر المذهبي والطائفي القديم. على هذا النحو تم تدشين الأزمنة الحديثة: أي عصر حقوق الإنسان والمواطن والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات واحترام كرامتهم الإنسانية أيا تكن أصولهم العرقية أو الدينية أو المذهبية. فالدين لله والوطن للجميع. وكل إنسان يستحق أن يُحترم في إنسانيته أيا يكن بشرط أن يكون مستقيما، صالحا، أخلاقيا، في تعامله. الدين المعاملة. نقطة على السطر. ما معنى شخص غشاش من جماعتنا؟ هل ينبغي أن نفضله على الآخر لمجرد أنه ينتمي إلى ديننا ومذهبنا؟ هنا يكمن الفرق بين العصور الوسطى / والأزمنة الحديثة. ولهذا السبب تقدموا وتأخرنا. فهم يضعون الإنسان المناسب في المكان المناسب ويحترمون الكفاءات والميزات الشخصية للفرد. ولا يقيمونه على أساس طائفي أو عشائري كما تفعل مجتمعات ما قبل الحداثة. وبالتالي فممنوع منذ الآن فصاعدا إثارة النعرات الطائفية بين المواطنين وتخريب الوحدة الوطنية للبلاد. وهذا ما يبرع به الأصوليون المتعصبون من كل الأديان والمذاهب. لقد ضربت حركة التنوير الفرنسي على أيديهم وأوقفتهم عند حدهم. ولذلك يكره الأصوليون فرنسا وأنوارها كرها شديدا. فبما أن التنوير الفرنسي نجح وترسخ، بل وانتقل بإشعاعه إلى دول أوروبا الأخرى ثم إلى كثير من دول العالم خارج أوروبا، فقد شعر الفكر الأصولي الطائفي المتعصب بأن نيران الحداثة قد تنتقل إليه لاحقا وتقضي عليه أو تهمشه على الأقل. ينبغي العلم بأن المستبد المستنير فريدريك الكبير ملك بروسيا، أي ألمانيا لاحقا، كان يتحدث في بلاطه باللغة الفرنسية. لماذا؟ لأنها كانت تعتبر لغة العلم والثقافة والفكر في كل أنحاء أوروبا آنذاك. بعدئذ حلت محلها اللغة الإنجليزية في عصرنا الراهن. وكان يستقبل في بلاطه كل فلاسفة فرنسا المطرودين من قبل الملك الأصولي الظلامي لويس الخامس عشر. وكان يعتبر فولتير صديقه وأستاذه. نعم، هناك ملوك يهتمون بالثقافة، بالفلسفة والفلاسفة! وأما كاترين الثانية إمبراطورة روسيا فكانت تعتبر التنوير الفرنسي أيضًا شعلة الفكر والحضارة. ولذلك دعت كبار فلاسفة الأنوار لزيارتها ومساعدتها على انتشال روسيا من الجهل وظلاميات القرون الوسطى. ولكن فولتير اعتذر نظرا لكبر سنه وشيخوخته. أما ديدرو فقد قبل الدعوة وذهب إلى هناك وخطط لمشروع التنوير الروسي وكيفية النهوض ببرامج التعليم هناك. ومعلوم أن الإمبراطورة أغدقت عليه بالعطاء مقابل خدماته الفكرية الجليلة وإضاءة الطريق لروسيا.
لكن باريس ليست فقط عاصمة التنوير الفرنسي والأوروبي وإنما هي أيضًا عاصمة التنوير العربي! ينبغي ألا ننسى ذلك. فرفاعة رافع الطهطاوي مدشن النهضة المصرية الحديثة تخرج من هناك. وكتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» كان إنجيل النهضة والنهضويين. ومعلوم أنه أقنع محمد علي بفتح «مدرسة الألسن» لنقل الفكر الفرنسي والأنوار الفرنسية إلى اللغة العربية. وهذا ما فعله لاحقا طه حسين الذي تخرج من باريس أيضا. فقد ساهم بأسلوبه الممتع الذي لا يضاهى في التعريف بتيارات الفكر الفرنسي. وكان كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» إنجيل الحداثة المصرية والعربية لفترة طويلة. وفي عصرنا الحالي يمكن اعتبار محمد أركون بمثابة المنارة الثالثة للتنوير العربي. نقول ذلك وبخاصة أنه ذهب بعيدا أكثر في نقد الجمود الديني المهيمن على العالم الإسلامي. من هذه الناحية لا يمكن مقارنة الشيخ رفاعة به ولا حتى طه حسين. فالأسئلة التي طرحها على التراث الإسلامي كانت أكثر راديكالية بما لا يقاس. والمناهج الحديثة التي طبقها على تراثنا الديني العريق أدت إلى إضاءته بشكل غير مسبوق. لقد فتح محمد أركون ثغرة في جدار التاريخ المسدود للعرب والمسلمين ككل. ولولا أنه بقي في باريس بعد تخرجه وأصبح أستاذا في السوربون لما تجرأ على الانخراط في أبحاثه الرائدة التي توجت بنقد العقل الإسلامي التقليدي وتفكيك السياجات الدوغمائية المغلقة والسجون الطائفية لعقلية القرون الوسطى. وهو يعترف شخصيا بأنه نتاج المدرسة الفرنسية وبالأخص «مدرسة الحوليات» التاريخية الشهيرة وكل التجديد الذي حصل في الساحة الباريسية إبان الستينات والسبعينات من القرن المنصرم. كانت باريس وقتها مركز العالم من حيث ازدهار النظريات الحديثة في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية. يكفي أن نذكر اسم بروديل أو جورج دوبي أو جاك لوغوف لكي نتأكد من ذلك. وهم من كبار مؤرخي فرنسا، بل وراح مفكروها يهيمنون على الجامعات الأميركية ذاتها. وليس محمد أركون هو المثقف الوحيد الذي تأثر بالأنوار الفرنسية وإنما عشرات المثقفين من مشرق العالم العربي ومغربه. تقريبا لا يوجد مثقف واحد أو أديب واحد عندنا إلا وهو متأثر بشكل أو بآخر بالأفكار الفرنسية سواء على الطريقة الديكارتية أو الظاهراتية أو السريالية أو الوجودية أو البنيوية أو ما بعد البنيوية. هذا لا يعني أنه لا يوجد تأثير أنغلو - ساكسوني قادم من لندن أو نيويورك وواشنطن وهارفارد وبوسطن... إلخ. لا أريد المبالغة. هناك مصدران خارجيان لفكرنا الحديث، لا مصدر واحد. ولكن يظل لباريس وهجها أو سحرها الخاص، بل وحتى في ما يخص الفكر الديني فإن المفكر المغربي محمد العزيز الحبابي أسس الفلسفة الشخصانية الإسلامية على غرار الشخصانية المسيحية لإيمانويل مونييه وجماعته. وهي مدرسة هدفت إلى مصالحة المسيحية في نسختها الكاثوليكية مع الحداثة، فقد رفضت الإلحاد على الطريقة السارترية وفضلت عدم الخروج كليا على دين فرنسا وتراثها العريق. إنها طريق وسط بين الأصولية والإلحاد. وهو طريق محترم ويستحق الاهتمام. فليس من الضروري أن تكون ملحدا لكي تكون فيلسوفا حداثيا عظيما! وعلى أي حال فمن منا لم يسمع بأسماء ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل ديلوز وبيير بورديو؟ هذا ناهيك بجان بول سارتر وكلود ليفي سترس وسيمون دوبوفوار، هذا ناهيك بالفيلسوف المتدين الرائع بول ريكور، ولا ننسى الفيلسوف غير المتدين ولكن الرائع أيضا لوك فيري، وناهيك أيضا بالأدباء الكبار من أمثال أندريه بريتون ورينيه شار وأراغون وألبير كامو وجان جنيه... إلخ، إلخ. وعموما هناك جو معين منبث في باريس ما إن تدخلها، جو لا تعرف ما هو بالضبط، جو محبب خفيف ظريف يمكن تلخيصه بكلمة واحدة: الحرية. وأعتقد أن أدونيس كتب ديوانه الشهير «أغاني مهيار الدمشقي» في باريس مطلع الستينات. وهو الديوان المؤسس للحداثة الشعرية العربية ولا يقل خطورة أو انفجارا وتفجيرا عن «فصل في الجحيم» لرامبو. ولا ننسى أنه من بين كل عواصم أوروبا لا يوجد شيء اسمه «معهد العالم العربي» إلا في باريس. وقد أصبح صرحا من صروحها الشامخة على نهر السين تماما ككاتدرائية نوتردام أو مركز جورج بومبيدو الأشبه به. وقد أسهم معهد العالم العربي كثيرا في التعريف بلغتنا وآدابنا وثقافتنا إضافة إلى الفن التشكيلي العربي والسينما العربية والموسيقى العربية وفن العمارة العربية... إلخ. كل هذا من خصوصيات باريس، من نكهة باريس التي لا تضاهى.
والآن يجيء هؤلاء الوحوش لكي يصوبوا نيران الكلاشنيكوف على الناس بشكل عشوائي في الشوارع والمقاهي والمسارح فيقتلوا ويجرحوا المئات في ظرف دقائق معدودات. وهم يعتقدون بذلك أنهم قضوا على باريس وأنوارها، بل وخدموا قضية الإسلام والعرب!! ولكنهم واهمون، ضالون مضللون، بل ومستلبون عقليا. وعلى أي حال فأنوار الحضارة ستظل مشعة وستكون باريس مقبرة للظلامية والظلاميين.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.