«كرسي الدبيبة المُهدَّد» قد يُحيي العملية السياسية «الميتة» في ليبيا

قراراته فتحت شهية خصومه لجهة التشجيع على عزله

يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)
يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)
TT

«كرسي الدبيبة المُهدَّد» قد يُحيي العملية السياسية «الميتة» في ليبيا

يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)
يرى كثير من الليبيين أن قرارات الدبيبة أفقدته الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة (الوحدة)

انتشى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، عقب مقتل القيادي الميليشياوي، عبد الغني الككلي، فسارع إلى تفكيك جهاز «قوة الردع الخاصة»، الذي يترأسه عبد الرؤوف كارة، ليوسّع رقعة الاقتتال في العاصمة ويهز أركان حكمه، فاتحاً بذلك الباب على المجهول.

ويُنظر إلى قرارات الدبيبة، التي أفقدته - حسب مراقبين - الكثير من تحكّمه في المشهد الأمني بالعاصمة، على أنها فتحت شهية خصومه في غرب ليبيا وشرقها لجهة التشجيع على عزله؛ ما يمكن أن يسمح بتحريك العملية السياسية «الميتة».

أطراف ليبية عدّة ترى أن إخماد لهيب الاشتباكات في طرابلس لا يتأتى إلا بترك الدبيبة كرسي الحكم (أ.ب)

والدبيبة، الذي وجدها فرصة بعد مقتل الككلي للتخلص من «شوكة» تشكيلات مسلحة ظلت تساومه على «مزيد من المكاسب»، وضع ظهره للمجهول، بعد أن فقد جزءاً من قوته الضاربة، لكنه الآن يبحث عن كيانات مسلحة أخرى بجانب قوات من مصراتة لمساندته، خصوصاً وأن المعركة مع أنصار الككلي وكارة لا تزال مفتوحة.

وبسبب تعاظم المخاوف، ترى أطراف ليبية عدّة أن إخماد لهيب الاشتباكات التي اندلعت في طرابلس، لا يتأتى إلا بترك الدبيبة كرسي الحكم، الذي تراه بات «مهدداً»، مؤكدة أهمية «نقل السلطة فوراً»، مخافة وقوع فراغ أمني وفوضى.

* انتقاد حكومة الدبيبة

كثيرون في ليبيا، ومن بينهم أبو القاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، يعتقد أن حكومة الدبيبة «فقدت شرعيتها القانونية والسياسة والأخلاقية بإشعال حرب شوارع في طرابلس، وأخد 3 ملايين مواطن - هم سكان العاصمة تقريباً - رهينة لوهم الخلود والبقاء في السلطة».

وسبق أن سعت حكومة الدبيبة إلى إخراج التشكيلات المسلحة من العاصمة، بعد مطالب اجتماعية وأممية عدة، عددت منها على وجه الخصوص سبع ميليشيات. وفي فبراير (شباط) 2024، أوضح عماد الطرابلسي، وزير داخلية «الوحدة»، وابن مدينة الزنتان، أنه جرى الاتفاق على إخراجها. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث حتى قُبيل اندلاع الاشتباكات.

ليبيون يحتجون في شوارع طرابلس بعد الاشتباكات الدامية التي شهدتها العاصمة وخلّفت عشرات القتلى (أ.ف.ب)

بعدها، خرج إلى العلن خلاف بين الدبيبة والككلي، الشهير بـ«غنّيوة»، إثر ما وصفته مصادر مقربة منهما برغبة الأخير في «توسيع نفوذه داخل الحكومة»، فضلاً عن رفضه «الخضوع للترتيبات الأمنية» بإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة. ومن بين هذه التشكيلات التي كان مقرراً إخراجها من طرابلس جهاز «قوة الردع الخاصة»، و«جهاز الأمن العام»، و«الشرطة القضائية»، و«جهاز دعم الاستقرار»، و«اللواء 111»، بالإضافة إلى «قوة دعم المديريات».

ودار الاقتتال المتوقف في طرابلس بين قوات عدة، من بينها «اللواء 444 قتال» التابع لـ«الوحدة»، بقيادة محمود حمزة، وعناصر من الاستخبارات العسكرية، بالإضافة إلى «اللواء 111» التابع لعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة، ودعم من كتائب مصراتة، من بينها «اللواء 63»، وذلك في مواجهة «جهاز الردع».

ويتخذ جهاز «قوة الردع»، بإمرة عبد الرؤوف كارة، من قاعدة معيتيقة وسوق الجمعة في طرابلس مستقراً له، كما أن له الكثير من المريدين على خلفية سلفية ترسخت منذ إطاحة نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

* قرارات «عبثية»

مناوئو الدبيبة في العاصمة، مثل خالد المشري المتنازع على رئاسة مجلس الدولة، وفتحي باشاغا رئيس حكومة شرق ليبيا السابق، وحتى محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، كلهم رفضوا قرارته وعدُّوها «عبثية».

خالد المشري عبر عن رفضه قرارات الدبيبة وعدّها «عبثية» (متداولة)

كما أن «قوة الردع الخاصة»، التي يترأسها السلفي الشيخ كارة، كما كان يحلو للدبيبة أن يطلق عليه، رفضت قرار حل الجهاز، وبعد جولة من حرب الشوارع علم الدبيبة أن بأسها شديد، وأن التمكن منها ليس بالأمر اليسير، كما فعل بـ«دعم الاستقرار» في أبو سليم.

لذلك؛ يظل السؤال الذي تفرضه الأحداث الملتهبة في العاصمة مطروحاً وبقوة: ما الذي سيفعله الدبيبة لكسر شوكة «قوة الردع»؟ وماذا لو خسر أمامها؟ وهل هذه الأوضاع الملتهبة التي شغلت عواصم عدة، من بينها القاهرة وروما وباريس، ستدفع قوات من خارج طرابلس لمؤازرة هذا أو ذاك؟

معارضو الدبيبة، كمجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، يعتقدون أن الفرصة باتت سانحة لتشكيل «حكومة جديدة»، كما أن أعداءه، في الزاوية وغيرها، يرون أن ساعة إخراج «الدبيبات» - نسبة إلى عائلة الدبيبة - من المشهد قد حانت، لذا اصطفت قوات من الزاوية والزنتان مع «قوة الردع».

بينما تواصلت الاشتباكات واصلت البعثة الأممية مشاورات مع الأطراف المختلفة لإحياء العملية السياسية (غيتي)

كما أن البعثة الأممية تجري مشاورات مع الأطراف المختلفة للعودة إلى الحوار بشأن إحياء العملية السياسية «الميتة»، منذ تأجيل الانتخابات نهاية 2021، وذلك من خلال تفعيل مخرجات لجنتها الاستشارية.

لكن مع تصاعد التوتر، وفك الارتباط بين الكثير من التشكيلات المسلحة، في ظل إعادة تشكّل خريطة المواليين والمعارضين للدبيبة، دعا «حراك مصراتة ضد الظلم» إلى إخراج المدينة مما أسماه «صراع سياسي - عسكري على النفوذ والسلطة لا علاقة لمصراته به». كما رفض الحراك أيضاً «محاولات بعض الأطراف الزج باسم مصراتة في الصراع»؛ وقال إن من يقاتل اليوم في طرابلس «لا يمثل إلا نفسه أو الجهة السياسية التي يتبعها».

* «هدم المعبد على الجميع»

اللافت، أن إخراج التشكيلات المسلحة من طرابلس كان مطلباً ملحاً لجُل الأطراف، لكن مع تصاعد وتيرة الاشتباكات، أدرك البعض راهناً خطورة الخطوة التي أقدم عليها الدبيبة «من دون ترتيبات أو تفاوض يجنّب العاصمة وأهلها الدمار والموت».

لذا؛ جاء تعبير قزيط عن فداحة ما أقدم عليه الدبيبة، منتقداً «علاج داء الميليشيات على طريقة (شمشون) بهدم المعبد على الجميع»، وقال بهذا الخصوص: «لم يجرؤ أي زعيم في العالم على حرق عاصمة بلده منذ أيام حرق روما على يد نيرون؛ مهما كانت الذرائع».

الآن، وبعد أن فرغ الطرفان من الاقتتال مؤقتاً، لا تزال التحشيدات المسلحة على تخوم العاصمة، في حين توجه الانتقادات الحادة للدبيبة بسبب «فشله» في توحيد المؤسسة العسكرية، و«رعاية الميليشيات والإغداق عليها»، لدرجة أنها أضحت «دولة داخل الدولة».

بعد أن فرغ الطرفان من الاقتتال مؤقتاً لا تزال التحشيدات المسلحة على تخوم العاصمة (أ.ب)

في موازاة ذلك، استفادة الشيخ عبد الرؤوف من هذه المعركة باللجوء إلى حاضنته الشعبية في منطقة (سوق الجمعة) شرقي طرابلس، التي هبّت لنصرته، مخافة أن تتعرض للسلب والنهب كما وقع في «أبو سليم»، معقل المغدور به الككلي.

وبذلك تكون «قوة الردع» قد نجحت في قلب الموازين، بعد أن اصطفت عليها قوات «دعم الاستقرار»، كما صدّرت لجمهورها أن المعركة ليست بين مجموعات تدعم الدبيبة وأخرى ضده، بقدر ما هي معركة جهوية بين «سوق الجمعة» ومصراتة، مسقط رأسه.

لكن نائب رئيس المجلس الانتقالي السابق، عبد الحفيظ غوقة، يرى أن ما حدث في طرابلس لن تجدي معه معالجات ما أسماه بـ«الضحك على الذقون»، كتشكيل لجنة تحقيق، أو بيانات أو تجميد قرارات. وقال إن ما حدث «لا حل له إلاّ رحيل الحكومة الفاشلة؛ ومحاسبة رئيسها ومساءلته جنائياً؛ وسيكون من العار استمراره ولو ليوم واحد رئيساً للوزراء، بعد الذي حدث في طرابلس».

ويبقى أمام الدبيبة، الذي تسلم السلطة في فبراير 2021، كي يظل متماسكاً في مواجهة استنفار قوة «دعم الاستقرار»، واستدعائها قوات مساندة من خارج العاصمة، إلاّ تقديم تنازلات كي لا يحترق سياسياً، ويتعرى أمام خصومه بعد أن بات كرسي سلطته قلقاً ومُهدداً.

يبقى الرهان لإخماد النيران على تدخل الوساطات المحلية، قبيل تسعير آلة الحرب وسقوط مزيد من القتلى (إ.ب.أ)

كما يبقى الرهان - كالعادة - لإخماد النيران، وعدم تجددها، على تدخل الوساطات المحلية، قبيل تسعير آلة الحرب، وسقوط مزيد من القتلى مجدداً. وفي ذلك فرصة أمام الدبيبة وقواته لإعادة ترتيب الأوراق، والتقاط الأنفاس من خلال الدخول في تحالفات تمكّن من القضاء على كارة، أو إضعافه عن طريق تجفيف تمويله.


مقالات ذات صلة

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».


الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

وقّع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة مع الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، وأنطونيو تاجاني نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي، اتفاقية شراكة للاستثمار وتشغيل وتطوير محطات الحاويات وتوسعة ميناء المنطقة الحرة في مصراتة.

وقبيل التوقيع، الذي جرى مساء الأحد في مصراتة، الواقعة على بعد 200 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس، اجتمع الدبيبة مع الوفد الإيطالي الذي ترأسه تاجاني، وبحث معه سبل تطوير التعاون بين البلدين، ولا سيما المجالات الاقتصادية والخدمية، إلى جانب بحث ملف الهجرة غير المشروعة باعتباره أحد أبرز التحديات المشتركة في منطقة المتوسط.

الدبيبة مستقبلاً الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني في مصراتة الأحد (مكتب الدبيبة)

ووسط استقبال رسمي وشعبي، كان الدبيبة في مقدمة مستقبلي رئيس الوزراء القطري في ميناء المنطقة الحرة بمصراتة للمشاركة في التوقيع، مثمناً العلاقة بين ليبيا وقطر.

وتناول الدبيبة في اجتماع رسمي عقده مع رئيس الوزراء القطري سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، وتطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب مناقشة عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.

ونقل مكتب الدبيبة إشادته «بمواقف دولة قطر الداعمة للشعب الليبي»، مؤكداً «أهمية البناء على العلاقات الأخوية بين البلدين وترجمتها إلى برامج ومشروعات عملية في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات».

الوفد القطري خلال الاجتماع مع الدبيبة في مصراتة (مكتب الدبيبة)

وتطرّق لقاء الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري إلى مجالات التعاون في قطاع النفط، إضافة إلى مشروعات المواصلات، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتحسين جاهزية البنية التحتية ودعم الاقتصاد الوطني.

وأكد الجانبان في ختام اللقاء حرصهما على مواصلة التنسيق وتعزيز مسارات التعاون المشترك خلال المرحلة المقبلة، بما يدعم الاستقرار والتنمية ويخدم مصالح الشعبين الشقيقين.

وكان الدبيبة قد طالب في أول اجتماع له بعد خروجه من المستشفى، صباح الأحد، روما والاتحاد الأوروبي «بتقديم دعم مباشر وواضح لحكومة (الوحدة الوطنية) في مواجهة تحديات الهجرة غير النظامية، باعتبار أن ليبيا تتحمل أعباء كبيرة على المستويين الأمني والإنساني».

وأبدى الدبيبة، بحسب مكتبه، «رفض ليبيا أن تكون موطناً للهجرة غير النظامية، أو نقطة استقرار للمهاجرين»، مشدداً على ضرورة دعم خطة الترحيل والعودة باعتبارها مساراً أساسياً لمعالجة الأزمة، وبما يضمن توزيع المسؤوليات توزيعاً عادلاً ويخفف الضغط عن المدن والمرافق الليبية.

استقبال رسمي وشعبي للشيخ محمد بن جاسم آل ثاني في مصراتة الأحد (مكتب الدبيبة)

وفي سياق التعاون الاقتصادي، استعرض رئيس مجلس الوزراء التطورات المتعلقة بالشراكات الاستراتيجية الجارية، مشيراً إلى أن مدينة مصراتة تشهد توقيع اتفاقية تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، وبمشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية، في مقدمتها شركة «إم إس سي» الإيطالية، لرفع الطاقة الاستيعابية إلى 4 ملايين حاوية سنوياً، مع توقعات بإيرادات تشغيلية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار سنوياً، وتوفير 8400 فرصة عمل مباشرة ونحو 62 ألف فرصة غير مباشرة.

وأعلن الدبيبة، عبر حسابه على منصة «إكس»، صباح الأحد، عن إطلاق المشروع، الذي قال عنه إنه «لا يعزز مكانة ليبيا فقط بين أكبر الموانئ في المنطقة من حيث الحجم والطاقة، بل يقوم على تمويلات استثمارية أجنبية مباشرة ضمن شراكة دولية متكاملة».

وقال الدبيبة إن هذا المشروع يُنفذ ضمن «تمويلات استثمارية أجنبية مباشرة وفق ترتيبات واضحة للتطوير والتشغيل، بما يضمن تنفيذه دون تحميل ميزانية الدولة أعباء إضافية».

وتطرّق الدبيبة في مباحثاته مع الوفد الإيطالي إلى بحث التعاون القائم في قطاع الطاقة، مثمناً إعلان شركة «إيني» قبل يومين، بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط و«بي بي» والمؤسسة الليبية للاستثمار، بدء أعمال حفر أول بئر استكشافية في المياه العميقة بخليج سرت.

وأكّد الجانبان في ختام اللقاء أهمية استمرار التنسيق وتعزيز الشراكة الليبية - الإيطالية بما يخدم الاستقرار والتنمية، ويسهم في معالجة التحديات المشتركة، وعلى رأسها ملف الهجرة غير النظامية.

وفي غضون ذلك، استقبل الدبيبة بمدينة مصراتة، الأحد، سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا مارتن رينولدز، الذي نقل تحيات حكومته، متمنياً لرئيس الوزراء «دوام الصحة والعافية».

وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون الليبي البريطاني، وتنسيق الجهود في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، بما يدعم الاستقرار ويخدم المصالح المتبادلة.