كيف قرأت إسرائيل صفقة ترمب المنفردة مع «حماس»؟

نتنياهو أفشل المحاولات السابقة... وواشنطن أدارت الملف بسرية وفاجأت تل أبيب

ترمب برفقة نتنياهو في البيت الأبيض في أبريل الماضي (رويترز)
ترمب برفقة نتنياهو في البيت الأبيض في أبريل الماضي (رويترز)
TT

كيف قرأت إسرائيل صفقة ترمب المنفردة مع «حماس»؟

ترمب برفقة نتنياهو في البيت الأبيض في أبريل الماضي (رويترز)
ترمب برفقة نتنياهو في البيت الأبيض في أبريل الماضي (رويترز)

خلال الرحلة من واشنطن إلى تل أبيب، ليل الأحد - الاثنين، طلب آدم بوهلر من قبطان طائرة «العال» منحه الميكروفون، وراح يخاطب المسافرين – وغالبيتهم إسرائيليون – «جئت إليكم بالبشرى. خلال ساعات قليلة سيطلق سراح المواطن الأميركي، عيدان ألكسندر، من أسر (حماس)».

وأتبع بوهلر كلماته العاطفية بمقولة سياسية قاطعة: «اعلموا أن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية اليوم أقوى من أي حقبة أخرى في التاريخ».

راح المسافرون يصفقون، وهم يتمنون أن يكون ما يقوله صحيحاً، فالجميع يعلمون أن هناك «خدوشاً عميقة تظهر بوضوح على العلاقة بين الإدارتين، ويخشى كثيرون أن تتحول إلى شروخ».

وبوهلر، هو مساعد مبعوث الرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، إلى إدارة المفاوضات حول سياسة الرئيس دونالد ترمب لتسوية الصراعات في العالم. وقد وضعت عليه إشارة تحفظ كبيرة في إسرائيل، لأنه يتولى مسؤولية ملف تبغضه حكومة نتنياهو: فتح قناة الاتصال المباشر بين البيت الأبيض وبين حركة «حماس». كونه يهودياً، يمينياً، لا يشفع له في الدولة العبرية، ويعدونه رجل «حماس» في البيت الأبيض.

بوهلر، بموافقة ويتكوف والرئيس ترمب، قرر «التفكير خارج الصندوق»، والتفاوض المباشر مع «حماس» لكسر الجمود القائم في المفاوضات. كان ذلك في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. وقد تطوع لإبلاغ الإسرائيليين بذلك، فأقاموا الدنيا عليه، فقرر تجميد المحادثات.

إخفاء عن إسرائيل

لكن بوهلر عاد وجدد المفاوضات في شهر مارس (آذار) الماضي، وهذه المرة أخفى الموضوع عن إسرائيل.

ومع كثرة الشركاء في المفاوضات من جهة ووجود تيار في إدارة ترمب لا يحب هذه القناة مع «حماس»، من جهة أخرى، وصل الخبر حينها إلى إسرائيل.

اتصل وزير الشؤون الاستراتيجية في الحكومة الإسرائيلية، رون ديرمر، المقرب من نتنياهو وحامل أسراره، ببوهلر وراح يوبخه ويصرخ في وجهه. وفي الخامس عشر من الشهر، استقال بوهلر من مهمته، بوصفه مسؤولاً عن ملف المفاوضات حول الأسرى والمخطوفين، وشعروا في إسرائيل بالنصر.

مبعوث الرئيس الأميركي آدم بوهلر يتحدث بحضور الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ب - أرشيفية)

طلب ويتكوف أن يحضر بنفسه إلى إسرائيل لاستقبال ألكسندر، ومعه عائلة الأسير وكذلك بوهلر. طلب الاستعداد لجعل هذه الخطوة بداية لاستئناف المفاوضات.

بهذه الخطوات، حشر البيت الأبيض نتنياهو في زاوية ضيقة، فهو لا يستطيع الدخول في صدام مع ترمب، حتى الآن. وما فعله مع الرؤساء الديمقراطيون بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، لا يجرؤ على فعله مع ترمب.

سيدة تحمل صورة للأسير الإسرائيلي - الأميركي عيدان ألكسندر في تل أبيب يوم الاثنين (إ.ب.أ)

فنتنياهو، مثل إسرائيليين يرون أن الرئيس الأميركي يدير السياسة الأميركية بموجات تسونامي جارف لا يرحم فيها عدواً ولا خصماً ولا صديقاً، وينبغي التعامل معه بحذر شديد.

والخبراء في محيط نتنياهو يقولون له صراحة إن سياسته العدائية مع الحزب الديمقراطي، ووضعه كل البيض في سلة الحزب الجمهوري، تجعله أسيراً بيد ترمب. وهناك من يقول إن «نتنياهو بات يشتاق إلى بايدن».

يحفر قبره

في إسرائيل لا يعدون سياسة نتنياهو فاشلة وحسب، بل هي سياسة «من يحفر قبره بنفسه».

زعيم المعارضة، يائير لبيد، يقول: «بعد 100 يوم من عمر إدارة ترمب، بات واضحاً أن نتنياهو يجعل إسرائيل على الهامش».

واستشهد: «في الموضوع الإيراني لم تطلع الإدارة نتنياهو أنها ستبدأ مفاوضات مباشرة مع الإيرانيين، بل أكثر من ذلك: استدعوا نتنياهو على عجل إلى البيت الأبيض ليكون ديكوراً حين أعلن الرئيس ذلك للعالم كله».

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد (رويترز)

وتابع: «لم تكلف إدارة ترمب نفسها عناءً إبلاغنا مسبقاً بأنها تغلق ملف الحوثيين. وفي الملف السوري تم تفضيل تركيا. وها هي الآن تفاوض (حماس) مباشرة وتترك نتنياهو جانباً. هذا ليس فشلاً فحسب بل إنه ضرر استراتيجي».

لسنا نجمة بعلم أميركا

نتنياهو، الذي أصيب بالدوار من هذه التطورات، يحاول لملمة جراحه، وينتظر مكافأة أميركية للتعويض. خرج على الملأ معلناً أن الاتفاق بين «حماس» وواشنطن لن يكلف إسرائيل ثمناً، وأن الحرب ستستمر والعلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة ممتازة.

عائلات الأسرى الإسرائيليين يتظاهرون في تل أبيب يوم الاثنين (إ.ب.أ)

لكنه أرسل الوزير المقرب منه، آفي ديختر، ليقول في تصريح نقلته «هيئة البث الإسرائيلية»، إن إسرائيل ليست النجمة رقم 51 على العلم الأميركي، في إشارة إلى رفض أي تبعية كاملة للولايات المتحدة أو خضوع لتوجهاتها السياسية،

يبدو نتنياهو كمن يدور حول نفسه، فلا أحد يعتقد أن هناك شرخاً أو حتى خدشاً في العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن أسلوب نتنياهو في إدارة الأزمة لم يعد يطاق في الولايات المتحدة، وبدأ يمس بمصالح البلدين، فالرجل لا يرى إلا مصلحته الحزبية الضيقة، البقاء في الحكم، و«من بعدي الطوفان»، على طريقة شمشون، القائد اليهودي القديم.

وتتردد كثيراً الكلمة القائلة إن نتنياهو لم يعد يواكب العصر، ولا يرى التطورات الإقليمية والدولية، ولا يفهم ترمب، ويلتصق بالعقليات القديمة.


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

المشرق العربي خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

زخم يتواصل بشأن ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد جمود زاد من وتيرته اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوعين.

محمد محمود (القاهرة )
خاص جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي) p-circle

خاص مصادر من «حماس»: إسرائيل درّبت عصابات غزة على المسيرات

أظهرت استجوابات أجرتها «حماس» لشخص تتهمه بالعمل مع العصابات المسلحة الموالية لإسرائيل في غزة نمواً في الدعم العسكري والتدريبي الذي تقدمه لهم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مبانٍ مدمرة جراء القصف الإسرائيلي لقطاع غزة في خان يونس جنوب القطاع 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«حماس» أجرت محادثات مع «مجلس السلام» للحفاظ على وقف النار في غزة

أفادت ثلاثة ​مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء بأن مبعوثين من «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقوا بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي سيارة الشرطة التي استُهدفت قرب مدخل بلدة الزوايدة (أ.ف.ب)

إسرائيل تقتل 16 فلسطينياً في غزة والضفة الغربية

قال مسؤولون بقطاع الصحة إن القوات الإسرائيلية قتلت 16 فلسطينياً بقطاع غزة والضفة الغربية، في واحد من الأيام التي شهدت تسجيل أكبر عدد من القتلى منذ أسابيع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

عاد الحراك مجدداً لملف قطاع غزة بعد اتصالات جديدة بين حركة «حماس» والوسطاء بشأن دفع المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الجيش الأميركي يعلن إصابة 200 من عناصره منذ بدء الحرب على إيران

الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
TT

الجيش الأميركي يعلن إصابة 200 من عناصره منذ بدء الحرب على إيران

الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)

أعلن متحدث عسكري أميركي، الاثنين، إصابة نحو 200 من عناصر القوات الأميركية منذ بدء الحرب على إيران.

وقال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية: «معظم هذه الإصابات طفيفة، وقد عاد أكثر من 180 عنصراً إلى الخدمة، بينما اعتبر 10 في حالة خطيرة».


الرئيس الإسرائيلي: الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً»

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الإسرائيلي: الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً»

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)

اعتبر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الاثنين، في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً».

وقال هرتسوغ: «نحن عند منعطف تاريخي، لحظة سيتم فيها، بعد حروب لا نهاية لها لأكثر من جيل، وإراقة دماء وإرهاب، تعطيل ووقف السبب العميق لكل ذلك، الذي يأتي من طهران، وسيتم تحويل مسار المنطقة بكاملها».


الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
TT

الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

بينما كان حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، كانت مرضية رضائي تبكي على ابنها عرفان شامي، الذي لقي حتفه في انفجار بمعسكر تدريب قبل أيام من موعد عودته إلى المنزل في إجازة.

يقول مسؤولون إيرانيون إن الحرب، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) بسلسلة من الغارات الجوية على طهران ومدن أخرى وأغرقت الشرق الأوسط في أزمة، أودت بحياة أكثر من 1300 إيراني حتى الآن.

سالت الدموع بغزارة على وجه مرضية وهي تحدق بذهول في الفراغ، وتعانق صورة كبيرة لابنها البالغ من العمر 23 عاماً. كان صوتها يرتجف من الحزن، وهي تتذكر آخر محادثة دارت بينهما عندما ناقشا تفاصيل إجازته المقبلة وعودته إلى عائلته.

قالت «لم أره منذ شهرين»، مضيفة أن آخر يوم له قبل العودة إلى المنزل كان من المفترض أن يكون اليوم الاثنين، وهو اليوم الذي قابلتها فيه «رويترز». كان من المقرر أن يتزوج بعد ذلك بوقت قصير، وكانت رحلة العودة إلى المنزل جزءاً من الاستعدادات للزفاف.

أم تبكي على ابنها (رويترز)

قتل شامي في انفجار وقع في معسكر التدريب في كرمانشاه بغرب إيران في الرابع من مارس (آذار)، حوّل خيمته إلى كرة من اللهب وحول جثته إلى كتلة متفحمة لدرجة أن أمه لم تتمكن من رؤيتها.

وسط مهابة الموت وجلال المشهد، وتحت الأمطار الخفيفة التي تتساقط ببطء حولها، جلست مرضية أمام القبر في مقبرة بهشت زهراء (جنة الزهراء) الفسيحة التي تمتد على مساحة واسعة جنوبي طهران. وقالت إن ابنها كان شخصاً مأمون الجانب حتى إنه «كان يخاف من الظلام».

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

دفن شامي وغيره من القتلى في الصراع الحالي في القسم 42 من المقبرة، حيث كان عشرات من حفاري القبور منشغلين، اليوم الاثنين، بتحضيرات الدفن. وكان العمال يجهزون أحجار الرخام الأبيض التي نُقشت عليها أسماء المتوفين.

وأثناء إحضار جثة أخرى للدفن، في نعش محمول على أكتاف الأهل والأقارب، تردد صوت الهدير الناتج عن جراء غارة جوية عبر المقبرة، وارتفع دخان رمادي من منطقة مجاورة.

امتدت القبور تحت مظلة مزينة بصور الموتى والأعلام الإيرانية، بينما تجمعت العائلات، تبكي وتتحدث. جلست نساء بجانب القبور، بعضهن يبكين في هدوء، وأخريات يضربن صدورهن بقبضات أيديهن تعبيراً عن الحزن والألم.

وقفت شاحنة على مقربة، وكانت محملة بالزهور الملونة. ونثرت الزهور فوق القبور بينما كانت مكبرات الصوت تبث ترانيم الحداد الشيعية. تضم قبور أخرى في القسم نفسه رفات أعضاء «الباسيج»، وهي قوة تطوعية شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري، ومسؤولين ومعتقلين من سجن إيفين، الذي استُهدف في الحرب الحالية وفي غارات في يونيو (حزيران) من العام الماضي.

فقدت فاطمة دربيشي (58 عاماً) شقيقها البالغ من العمر 44 عاماً في بداية الحرب، عندما كان يحاول إنقاذ أشخاص محاصرين في سيارة تعرضت للقصف، فأصيب بشظايا انفجار آخر، مما أدى إلى إصابته بجروح أودت بحياته. توفي والداهما عندما كان طفلاً صغيراً. وقالت وهي تبكي «نشأ يتيماً. أنا من ربيته». لكن بالنسبة لبعض المشيعين، كان الحزن مصحوباً بالغضب والتحدي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة بسبب حملة القصف. وقالت والدة إحسان جانجرافي البالغ من العمر 25 عاماً وهي ترفع قبضة يدها في الهواء: «لن يوقفونا، ولن يجبرونا على الرضوخ عندما يحرقون قلوبنا».