مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر
TT

مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر

أوّل ما سمعتُ بحمد الجاسر من والدي، وأنا ما زلتُ في غِرارةِ الصِّبا، حيث فاجأ الشيخُ والدي، وهو يستحمّ في حمّام "أبو لوزة" الشهير بقُبَّته التي بناها جدّه لأبيه مهدي بن نصرالله، بناءً على نصيحة طبيبٍ تُركي، بوصف مياههِ المتدفّقة الدافئة مياهًا معدنيّة.

كان الجاسر في أواخر سنة ١٩٤٣ قد استوطنَ الخبر، بعدما أخبره الملك فيصل – نائب الملك وقتها في الحجاز – بتوجيهٍ من الملك عبدالعزيز أن ينتقل إلى الإقليم الشرقيّ بوظيفة مراقب تعليم على المدارس التي بدأت شركة "أرامكو" – في منتصف الأربعينات – بإقامتها في الأحساء والقطيف والجبيل، قبل نشوء المدن الجديدة في الدمام والخبر والظهران ورأس تنورة، مع اكتشاف النفط في حقل الغوار.

وبين حين واخر كان يتردّد على جارِنا وصديقه خالد الفرج، الذي أصبح أوّلَ مديرٍ لبلدية القطيف، بعد استقدامه وأفراد قبيلته (الدواسر) من البحرين إلى الخبر، إثر المشادّة التي جرت بين الشاعر الوطنيّ القوميّ وبلغريف، معتمدِ بريطانيا المستعمِرة للبحرين – وقتذاك – بعد إلقاء الفرج قصيدةً وطنيّةً، استحثّ فيها أهالي البحرين للتخلّص من ربقةِ المستعمِر.

في أحد أيّام الخميس، نزل الجاسرُ متبضّعًا من سوق القطيف الأسبوعيّ، واقفًا في دُكّان علي الكسّار، الرجل الأُمّيّ، الذي يبيع قلّات التمر، وأنواعَ الخضروات، وسمكًا يصطاده الأهالي من ساحلِ مدينتِهم. وفي جانبٍ من حانوته (السّعفيّ) المتواضع، خصّصه الكسّار لبيع المخطوطات، فاشترى الجاسر بريالات قليلة سمكة، وكذلك مخطوطًا بعنوان الرّاموز في اللغة، تأليف الأدرنوي (٨٦٦–١٤٦٢). يعرفه الزّركلي في الأعلام بأنّه: "محمد بن حسن بن علي الأدرنوي: لغويّ بالعربيّة، من أهل أدرنة في بلادِ التُّرك. مات في طريقه إلى مكّة. له كتاب جامع اللغة، وله الرّاموز". اقتناه الشيخ حمد الجاسر بخطّ مؤلفه، ثم باعه إلى أحد أدباء مكّة" ويُقصد به الأستاذ أحمد عبدالغفور عطّار، إذ اضطرّ الجاسر لبيعه إيّاه بمبلغ مئتي جنيهٍ مصريّ، حين كان الجنيه – وقتذاك – يُعادل عشرة ريالات. ولنفاسة المخطوط، لم يكن الجاسرُ راضيًا بهذا المبلغ، بسبب ما أوهم به العطّارُ دارَ المخطوطات المصريّة بوجود نسخةٍ أُخرى من المخطوط في مكتبةِ الحرمِ المكّي ! ممّا زَهَّدَ فيه مسؤولَ الدار، فَقَدّره بأربعةَ عشرَ جنيهًا!!

على أيّ حال، فقد غادر الجاسر دُكّانَ الكسّار متأبّطًا المخطوطَ القديم، وحاملًا السمكةَ الطازجة إلى حمّام "أبو لوزة"، حيث حاول أن يُشبعَ جوعه بشواء السمكة، متسبّبًا في إشعال حريقٍ صغير، فرّ الناسُ منه بسبب دخانه الخانق. وقد جرى الجاسر هاربًا من هذا المأزق، بالقفز في ماء الحمّامِ الجوفيّ العميقِ الغَوْر. وهناك فوجئ به والدي، الذي كان موجودًا وحده، مستوحشًا من هذا البدويّ الأشعثِ الشعر، المُغَبَّرِ الوجه. فراح يبتعد عنه كلّما اقترب منه، غير أنّه استغرب من سؤاله عن تاريخ القطيف، ليدرك والدي على الفور أنّ السائل لم يكن سوى حمد الجاسر، إذ كان والدي يتابع مقالاته الأولى في مجلة "المنهل"، لصاحبها الأديب والمؤرّخ عبدالقدّوس الأنصاري. وبعد المؤانسة والمحادثة، طلب من والدي أن يوافيه بكتاب مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني، مؤلف كتاب الأغاني. إلا أنّ والدي ضنّ بالكتاب عليه. وما هي إلا أيام حتى كان الجاسر يلبّي دعوة عمه عبدالله بن نصرالله – معتمد الملك عبدالعزيز، ومدير ماليّته في القطيف – إلى غداء في بيته على شرف وجيه الحجاز الأديب محمد سرور الصبّان، الذي أصبح وكيلاً لوزير المالية عبدالله بن سليمان. وبما أنّ المدعوّين من عليةِ القوم، تولّى والدي صبّ الماء من الإبريق لغسل أياديهم في الطشت. وحين جاء دور الجاسر، حدّق في وجه والدي، قائلًا له: "أنت صاحبي في الحمّام!"، فكفّ يديه عن الغسيل حتى جاءه والدي بالكتاب المطلوب.

لقد ذكر الجاسرُ في (سوانح ذكرياته) أنّه كان يُكثِرُ التردّدَ على القطيف، غاشيًا مكتباتِ أدبائها، وزائرًا بيوتَها العلميّة، مطّلعًا على نوادرَ المخطوطاتِ فيها. وممّا رآه مُجلَّدًا من كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العُمري، يحوي أخبارَ الشعراء، وأجزاءً من خريدة العصر لابن بسّام الأندلسي. وقد صوّر صفحاتٍ من أحدها، وبعث بها إلى صديقه الدكتور عبدالوهاب عزّام، الذي كان من المساهمين في نشر الكتاب. وممّا اطّلع عليه الجاسرُ في مكتباتِ القطيف نسخةً يصفها بالقيّمة من كتاب سلافة العصر لابن معصوم الموسوي، وهي نسخةُ المؤلّفِ الأصليّة، إذ وجد في طُرّتها ختمَ ابن معصوم وكتاباتٍ بخطّه.

لعلّ هذا ما بعثه لأن يمخرَ عبابَ البحرِ إلى البحرين، مستكشفًا عوالمَها، ومطّلعًا على نوادرِ نفائسِها، ومجتمعًا في نادي العروبة ببعضِ مثقّفيها وأدبائها (إبراهيم العريّض، وعبدالرحمن المعاودة، وعلي التاجر، وعبدالعزيز الشملان، وحسن جواد الجشي). وقد أبدى الجاسرُ لوالدي إعجابَه بالأخير، بعدما استمعَ إلى محاضرته عن المذاهبِ الأدبيّةِ الحديثة. وكان الجشيّ واحدًا ممّن تحلّقَ حولَ مشروعِ أصدقائه التنويريّ في إصدارِ مجلة (صوت البحرين) سنة ١٩٤٨، صوتًا ثقافيًّا بنبرةٍ تجديديّةٍ وجرأةٍ في مطارحةِ القضايا الوطنيّة والقوميّة.

أَحسِبُ أنّ هذا هو ما شجّعَ الجاسرَ على التقدّمِ إلى الملك سعود – وليّ العهد آنذاك – بطلبِ إصدارِ جريدةٍ باسم "الرياض" سنة ١٩٥٠، تحوّلَ اسمُها لاحقًا إلى "اليمامة"، مستقطبًا للكتابةِ فيها أبرزَ أوائلِ خرّيجي الجامعاتِ المصريّةِ واللبنانيّةِ من الشبابِ النجديّ. وكان ما يدفعه إلى هذا المشروعِ الصحفيّ ما شاهده قبل ذلك في القاهرة، حين ابتُعثَ لدراسةِ التاريخِ في جامعتِها، "جامعة فؤاد الأوّل"، سنة ١٩٤٣. ولأنّه لم يكن حاصلًا على الثانويّةِ العامّة، ارتأى المؤرخ محمد شفيق غربال، عميدُ كليّةِ الآداب، أن يُحيلَ أمرَه إلى عميدِها السابق، الدكتور طه حسين، الذي امتحنَه شفويًّا، فوجدَ ما في جُعبةِ الجاسرِ من علم، وفي عقلِه من فِطنة، ما يؤهّله للقبولِ فورًا، وهو كذلك ما لمسه أيضًا الموسوعي أحمد أمين – الممتحنُ الآخر – في الجاسر. إلّا أنّه لم يدرسْ سوى سنةٍ واحدة، مقتنعًا بأنّ ما في حصيلته خيرٌ ممّا يتلقّاه في الجامعة، فعاد مع جُملةِ الطلّابِ السعوديين إلى المملكةِ إثرَ اندلاعِ الحربِ العالميّةِ الثانية.

ولا شك فان ابتعاثه إلى القاهرة سنة ١٩٤٣ ، قد اثرى وعيه العام وهو يمكث في الدمام والخبر مدة اربع سنوات ، مستطيبا العيش في ربوع المنطقة الشرقية، وقد استقلت بحكمها الإداري تزامنا مع توسع أعمال شركة ارامكو ٠٠ فراح ينتقد أداءها في ما يتعلق بمهمته مراقبا للتعليم في مدارسها ، وقد اكتشف ان. الشركة ( الأمريكية ) لم تقم بواجبها على الوجه المطلوب، معبرا عن استيائه امام يوسف ياسين رئيس الشعبة السياسية في ديوان الملك عبدالعزيز ، متبرما من الأمكنة المتواضعة في بنائها وتجهيزاتها المدرسية ، حيث يلقي معلمو ( أرامكو )فيها على صغار العاملين السعوديين من البدو والفلاحين ، كلمات انجليزية نطقا وكتابة ،قبل ان يلموا بمعرفة لغتهم الأصلية ، وان أرامكو تعدهم لا لتولي أعمال رفيعة ، بل القيام من الأعمال أيسرها ، وأقلها جدوى في مستقبل حياتهم - كما يعبر الجاسر في كتابه ( سوانح الذكريات ).

لذلك حاولَ الاستقالةَ من هذه المهمّةِ التي فُرضت عليه، والبقاء في المنطقة الشرقية، لكنّه أضطر العودةِ إلى الرياض سنة ١٩٤٩، في وظيفةِ معتمدِ معارفِ نجد، محاولا بث روح من التجديد في مدارسها ، ثمّ عامِلًا على تأسيسِ كليّةِ الشريعةِ وكليّةِ اللغةِ العربيّة، وغيرها من المعاهد، التي كانت هي النواةَ لقيامِ جامعةِ الإمامِ محمد بن سعود الإسلاميّة منتصفَ السبعيناتِ الميلاديّة.

بعد إقالته من إدارة الكليّتَيْن سنة ١٩٥٦، بسبب اصطدامه مع المحافظين، خاصّةً بعد زوبعة مقاله الشهير في مجلة "اليمامة" بعنوان (نهرو رسول السلام) – الزائر للرياض وقتذاك – انصرف الجاسر إلى الاهتمام بتطوير "اليمامة" جريدةً فمجلة، ومتفرّغًا للبحث العلميّ الميدانيّ في مشروعه الضخم (المعجم الجغرافيّ الحديث للبلاد السعوديّة)، إضافةً إلى اشتغاله الدؤوب في تحقيق المخطوطات التراثيّة المتعلّقة به. وقد زار من أجل ذلك عددًا وافرًا من المكتبات الوطنيّة، ودور المخطوطات في عواصم العرب، والشرق الآسيوي، والغرب الأوروبي، والأمريكي – طالع كتبه عن رحلاته – ممّا لفت إليه أنظار الباحثين ومحقّقي المخطوطات، وعلماء اللغة العربيّة، فانتُخب بقرارٍ رئاسيّ سنة ١٩٥٨ عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة. وقد استقبله الدكتور عبدالوهاب عزّام، عضو المجمع، بكلمةٍ ترحيبيّةٍ ضافيةٍ عن جهود الجاسر العلميّة ورحلاته البحثيّة وردّ الجاسر عليها في الصفحات ( ٥٧٠–٥٨٨ ) من المجلّد السادس من مجلّة "العرب" وهذا ما عبّر به الدكتور طه حسين، رئيس المجمع، عن الجاسر بقوله في محضر اجتماع المجمع في دورته الخامسة والعشرين سنة ١٩٥٩: «ملاحظاتُ الأستاذِ الزميلِ حمدِ الجاسرِ قيّمةٌ جدًّا، وللأستاذِ الزميلِ تخصّصُهُ ومعرفتُهُ الكاملةُ بالأماكنِ في الجزيرةِ العربيّة. فهو متخصّصٌ في هذا الموضوع، وأرجو أن يتفضّلَ بكتابةِ ملاحظاتِه على (المعجم العربيّ) ويزوّدَ اللجنةَ بها، وليثقْ أنّ اللجنةَ ستقدّره، فهو أعلمُ منّا بجزيرة العرب». بهذه الشهادةِ المجمعيّةِ العاليةِ استندتُ في ردّي على الأستاذ عزيز ضياء، الذي لم يكن مستطيبًا تلقيبِ حمدِ الجاسر بـ(علامة الجزيرة)، كما ورد في عددِ جريدة "الندوة" بتاريخ ٧ ذو القعدة ١٤١١هـ، موضّحًا أنّ تلقيبَ حمدِ الجاسرِ ، لم يأت من احد سوى الدكتور طه حسين، فهو اول من أطلقه و كان دائمًا ما يلقّب الجاسرَ في اجتماعاتِ المجمع بـ(العالِم).

هذا والجاسرُ يحدد منهجه في تحديد المواقع القديمة كما جاء في مقدّمة كتابه (شمال غرب الجزيرة)، بقوله : «لقد قمتُ بجولاتٍ طويلةٍ، قطعتُ فيها آلافَ الأميالِ في شرق الجزيرة ووسطها وشمالها وغربها وجنوبها، فخرجتُ من كلّ ذلك بملاحظاتٍ عنها. إنّ كثيرًا من معالم الجزيرة لا يزال مجهولًا، ومنها ما يقوم عليه الشعرُ العربيُّ القديمُ فهمًا ودراسةً محقّقةً. فهناك آلافُ المواقعِ – ولا أقول مئاتِها – لم يردْ لها ذِكرٌ في ما بين أيدينا من كتبِ الأمكنة... غيرَ أنّني رأيتُ أنّ هناك بعضَ المواقعِ التي ورد لها ذِكرٌ في الشعرِ القديم، هُيِّئ لي أنّني مررتُ بها أو عرفتها، فحدّدتُ مواضعَها... ورأيتُ أنّني في رحلاتي مررتُ بمواضعَ كثيرةٍ لم يُوفِّها المتقدّمونَ حقَّها من التحديد، وهي مواضعُ أثريّةٌ قديمةٌ، وردت كثيرًا في الشعرِ القديم، فحاولتُ أن أُوضّحَ ما أعرفُ عنها، معرفةً قائمةً على أساسِ المشاهدة».

يقف المرءُ إعجابًا أمامَ سيرةِ الجاسرِ العصاميّة الملهمة ببحثِه الدؤوب، ومواجهتِه الشجاعةِ لعديدٍ من التحدّياتِ التي مرّ بها ، منذ تفتّحِ وعيِه على التعلّمِ الدينيّ صبيا في مساجدِ الرياض، والدراسةِ شاباً في معاهدِ مكةَ المكرّمة، والعمل بعد ذلك بين مراقبةِ التعليمِ في "أرامكو"، ثمّ معتمديّةِ نجد، وخوضِ ريادةِ العملِ الصحفيّ. وكان نهجُه في مسيرته – كما يُعبّر في كتبِ رحلاتِه الممتعةِ وسيرتِه الشيّقة – «طأطئْ رأسَكَ حتى تمرّ!»؛ دون أن ينحنيَ أمامَ العواصف، شجاعًا في رأيه الحر ، شامخًا بشخصيّتهِ الفذّة، التي انتزعتِ الإعجابَ الرسميَّ قبلَ الشعبيّ، والنخبويَّ قبلَ الجماهيريّ، انتزاعًا تجاوزَ الحدودَ الوطنيّةَ إلى آفاقِ العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ ودوائرِ الاستشراقِ الغربيّ. ومع هذه المكانةِ العاليةِ التي حَظيَ بها، لم يتردّدْ في الأخذِ عمّن يقدّمُ له نقدًا أو يلفتُ نظرَه إلى قصور، بل إنّه – في سبيلِ حصولِه على المعلومةِ الدقيقة – كان يعرضُ ما لديه أمامَ أصغرِ تلاميذِه.

أتذكَّر هنا أنني كنتُ مدعوًّا إلى حفلِ عشاءٍ أقامه أحمد زكي يماني، في ذروةِ شهرتهِ وزيرًا للبترولِ والثروةِ المعدنيَّة، تكريمًا للشاعرِ محمَّد حسن فقي، بحضورِ أبرزِ أدباءِ الرعيلِ السعوديِّ الأوَّل، وفي طليعتهم حمد الجاسر. فلمَّا قمنا إلى مائدةِ العشاء، مالَ عليَّ الشيخُ الجليل، طالبًا مني أن أُبديَ ملاحظاتي على ما كتبه عن القطيف في موسوعته (المعجم الجغرافي الحديث للبلاد السعوديَّة). فأجبتُه: هناك من هو أعلمُ منِّي وأقدر، ممن بقي من أصدقائك القُدامى... فلماذا لا تُجدِّد عهدك بقطيف الأربعينات؟ وكان وقتها قد دعا والدي، في أحدِ أيَّامِ سنةِ ١٤٠٤هـ، إلى تناولِ طعامِ الإفطارِ معه في بيته الواقع في الشارع الذي يحمل اسمه، وما هي إلَّا أيَّامٌ إذا به يفاجئني بزيارةِ بيتِ والدي. لم أكن موجودًا ولا أبي في البيت وقتها، لكنَّه – إذ وجد البابَ مفتوحًا – دخل إلى حديقةِ البيت، مستظلًّا بشجرةِ اللوز التي يستطعم اكل ثمرها ، مستروحًا بعليلِ هواء اوراقها الخضراء ، الذي أنعش في نفسه ذكرياتِ السنواتِ الخوالي. وقد أقام له والدي بعدَ يومٍ عشاءً دعا إليه أصدقاءه من العلماءِ والأدباءِ والشعراءِ، الذين لم يُضيفوا شيئًا ذا بالٍ إلى ما كتبه الجاسر عن مدينتهم ! .

بعدَ هذهِ الزيارةِ بعامٍ، وجدَ الجاسر نفسَه محفوفًا بمشاعر حاشدةٍ وغامرةٍ من مجتمعِ القطيف، وهو يحضرُ حفلَ زفافي الأدبيَّ في حسينيَّةِ العوَّامي، إذ استمعَ الحضورُ إلى كلمةٍ منه، بجانبِ كلمةِ محمد سعيد المسلم، وقصيدةٍ مطوَّلةٍ من محمدٍ حسنٍ فقي، وأخرى من عدنان العوامي، ومداعبةٍ شعريَّةٍ من الدكتورِ غازي القصيبي، وأخرى مفاكهة من حسنِ السبع.

كما انه تفضَّلَ عليّ أكثرَ من مرَّةٍ بالتعقيبِ على ما نشرتُه في زاويتي (أصوات) بجريدة الرياض ، ومنها ما وجدتُه وأنا أراجعُ مؤخَّرًا بعضَ كتبِه ورحلاتِه، فوجدته يُعقِّب على مقالٍ نشرتُه فيها بتاريخ ١٧/٨/١٤١٧هـ، حولَ أوراقِ عبدالله فيلبي ووثائقِه، التي نُقلت إلى شركة "أرامكو" في ثمانيةٍ وثلاثينَ صندوقًا كبيرًا، ثم اكتُشف لاحقًا وجودها في كليَّة "سانت أنتوني" بلندن ! . كما اوضح ذلك الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن في تعقيبه على مقالي ذاك الذي دار حول زيارة فيوليت ديكسون ( ام سعود ) زوجة المعتمد البريطاني في كتابها ( أربعون عاماً في الكويت) في اليوم الذي كان فيه جورج رنتز من علاقات ارامكو يشرف على الصفقة التي عقدها مع عبده العنزي وكيلاً عن زوجة فيلبي البلوشية بمبلغ عشرة الاف دولار لنقلها إلى مكتبة شركة ارامكو.

وكنت طالبت بنقلِ أصولِها إلى دارةِ الملك عبدالعزيز، وهو ما ذكره الجاسر مؤيدًا فحوى المقالِ في كتابِه (رحَّالون غربيُّون في بلادِنا، ص ٢٦٩–٣٠٦)، مؤكِّدًا ما ذهبتُ إليهِ بقوله: "ما أوردتَه عن السيدة ديكسون هو الأقربُ إلى الحقيقة، إذ تشيرُ كلُّ الدلائلِ إلى أنّ وصولَ محتوياتِ مكتبةِ فيلبي إلى كليَّةِ سانت أنتوني في أوكسفورد تمَّ عن طريقِ أرامكو، وربَّما ليس عن طريق أرامكو كشركةٍ، وإنَّما بجهودٍ ذاتيَّةٍ من الدكتورِ رنتز، الصديقِ الشخصيّ للسيد فيلبي، وربما تنفيذًا لوصيَّة كتبها فيلبي قبلَ وفاتِه المفاجئة في بيروت عام ١٩٦٠. والغريبُ أنّ كليةَ سانت أنتوني، ومركزَ دراساتِ الشرقِ الأوسطِ بها – الذي يضمُّ الأوراقَ الخاصَّة لمعظمِ السياسيين البريطانيين الذين عملوا في المنطقة، وخصوصًا في الجزيرةِ العربيَّة، والمقام بدعمٍ من حكومة دولة الكويت – لم يذكر فيه الدكتور ديريك هوبارد، المتخصِّصُ في دراسات الشرقِ الأوسط، والمشرفُ على المركزِ، الذي أعدَّ قوائمَ ببليوغرافيَّةً بمحتوياتِه، الكيفيَّةَ التي وصلت بها أوراقُ فيلبي إلى ذلكَ المركز، وما إذا كانت بالشراءِ، أو تنفيذًا لوصيَّةٍ مسبقة، أم كانت برغبةٍ من أسرتِه، أو من صديقِه الدكتور رنتز"

وكانَ الشيخُ الجاسرُ قد زارَ، برفقةِ عبدالعزيز بن معمر، مستشارِ الملكِ سعود، عبداللهَ فيلبي في أخريات حياتِه، فوجدَ في إحدى غرفِ بيتِ فيلبي غرفةً مملوءةً بالأوراقِ والوثائقِ والكتبِ النادرة، تتعلّقُ برحلاتِ فيلبي في ربوعِ المملكة، والتي شكّلت الأساسَ لما أصدرَه فيلبي عنها في كتبٍ عديدةٍ، تمركزت حولَ تاريخِها وجغرافيّتِها.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.