الانتخابات البلدية في لبنان... اختبار للنفوذ السياسي بغطاء محلي

قراءة في موازين القوى الشعبية

أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)
أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)
TT

الانتخابات البلدية في لبنان... اختبار للنفوذ السياسي بغطاء محلي

أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)
أحد المقترعين يدلي بصوتته خلال الجولة الأولى من الانتخابات في جبل لبنان (آ ف ب)

على الرغم من الطابع الإنمائي والخدماتي المحلي للانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، فإنها شكلت «ساحةً سياسية» بامتياز تتواجه فيها القوى والأحزاب السياسية على مختلف توجهاتها، لاختبار وتأكيد أحجامها الشعبية ونفوذها السياسي. ومع كل دورة انتخابية محلية، يتحول دور تحوّل صناديق الاقتراع إلى ما يشبه استفتاءً شعبياً، ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضاً على المستوى الوطني، حيث تنظر القوى السياسية إلى النتائج المتأتية عن هذه الانتخابات كمؤشرات واضحة على حجم حضورها ومتانة تحالفاتها السياسية أو المحلية.

مع أن الهدف الأساس لعمل البلديات والمخاتير (العُمُد) في لبنان يرتكز على الإنماء وخدمة المصلحة العامة المحلية، لا يمكن فصله عن الحسابات الحزبية السياسية المتداخلة مع الاعتبارات المحلية والعائلية. وهكذا تتحوّل البلديات و«المخترات» من مؤسسات إنمائية محلية إلى أدوات قد تستخدمها القوى السياسية لترسيخ وجودها في القواعد الشعبية، فترسم من خلال الصناديق معالم المرحلة المقبلة على صعيد المزاج الشعبي السياسي وخريطة موازين القوى المتنافسة.

كل 6 سنوات

تُجرى الانتخابات البلدية والاختيارية في الجمهورية اللبنانية مرة كل ست سنوات، وتتولى وزارة الداخلية والبلديات الإشراف على هذا الاستحقاق الدستوري، الذي يشمل انتخاب أعضاء المجالس البلدية والمخاتير وهيئاتهم في مختلف القرى والبلدات والمدن اللبنانية. وعلى الرغم من النص القانوني الواضح، شهدت بعض الدورات البلدية تأجيلات متكررة نتيجة ظروف استثنائية سياسية أو مالية، ما أثار تساؤلات حول انتظام العملية الديمقراطية على المستوى المحلي.

وزارة الداخلية والبلديات حددت مواعيد إجراء الانتخابات بحسب المحافظات، وفقاً للتالي: في جبل لبنان بتاريخ 4 أيار (مايو)، في لبنان الشمالي وعكّار بتاريخ 11 أيار (مايو)، في بيروت والبقاع وبعلبك - الهرمل بتاريخ 18 أيار (مايو)، وفي لبنان الجنوبي والنبطية بتاريخ 24 أيار (مايو).

وبحسب «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، يضم لبنان 1059 بلدية تحتوي على 12 ألفاً و741 عضواً. وبعد الانتخابات البلدية الأخيرة في عام 2016، جرى حل 108 بلديات بسبب فقدان نصف أعضائها جراء الوفاة أو الاستقالة، وأصبحت تُدار من قبل القائمقام أو المحافظ، وتمثل هذه البلديات نحو 10 في المائة من إجمالي البلديات في لبنان.

انتخابات بعد متغيرات

تتميز الانتخابات الحالية بمتغيرات كبيرة طرأت على المشهد السياسي اللبناني، لعل أبرزها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والدمار الذي نتج عنها وتداعياته على بيئة «حزب الله» ومناطقه. وأيضاً انتهاء عهد الرئيس السابق ميشال عون الذي حفل بكثير من التطورات وانعكاس ذلك على وضع حزبه «التيار الوطني الحر» في الساحة المسيحية؛ إذ يخوض أولى تجاربه الانتخابية وهو خارج السلطة. ويضاف إلى ما تقدم، عزوف «تيار المستقبل» عن المشاركة في الانتخابات البلدية، ما قد يشكل مشهداً جديداً في المناطق ذات الغالبية السنية وأبرزها العاصمة بيروت.

في المقابل، تسعى قوى سياسية أخرى مثل حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب» إلى ترجمة حجمهما في الأوساط المسيحية عبر صناديق الاقتراع، في محاولة للاستفادة من المتغيّرات التي طرأت على المشهد لتثبيت مزيد من النفوذ السياسي، عبر التحالف أو التفاهم مع عدد من الأطراف والفاعليات التي تلتقي معها على المفاهيم السياسية والإنمائية المشتركة.

ومع ظهور نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات، انكبّت القوى السياسية والخبراء التقنيون على قراءة متأنية للنتائج والأرقام، لاستشراف الحضور الشعبي والتوازنات المحلية الجديدة وتأثيرها على الأحجام السياسية. وبالتالي استطلاع فرص الانتخابات النيابية المقبلة، خصوصاً في البلديات الكبيرة حيث كان التنافس حزبياً بامتياز، وإن كان «مُطعّماً» باعتبارات عائلية أو بتحالفات مع فاعليات محلية غير حزبية.

قراءة للواقع

وفي قراءة شاملة لواقع الانتخابات البلدية والاختيارية، اعتبر ربيع الهبر، المتخصص في شؤون الانتخابات ومؤسس ومدير «ستاتيستيكس ليبانون»، أن «لا رابط بين الانتخابات المحلية والنفوذ السياسي في الانتخابات النيابية، فالأولى قد تشكّل مؤشراً للقوى السياسية لكنها حتماً لا تؤسس للثانية... أي لن تكون اختباراً لحجم تمثيل القوى السياسية رغم الانخراط الكبير لهذه القوى فيها».

ويشير الهبر إلى أن «العوامل المناطقية والعائلية والشخصية تأخذ حيّزاً كبيراً في الانتخابات البلدية أكثر من العوامل السياسية، لا سيما أن نطاق العمل البلدي المحلي مغاير تماماً عن النطاق النيابي الأوسع». ولفت إلى أن «الانتخابات البلدية قد تعطي بعض المؤشرات عن الحجم الشعبي للأحزاب، لكنها تبقى بعيدة عن الواقع الحقيقي للأحجام بفعل الاعتبارات العائلية وغيرها. وعليه، لا يمكن البناء عليها في الانتخابات النيابية التي تقوم على أساس تحالفات سياسية كبيرة مغايرة للتحالفات التي قد نشهدها في الانتخابات المحلية».

صبايا وأعلام لبنانية (أ ف ب)

واقع المناطق المسيحية

شكل إنجاز المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية والاختيارية في جبل لبنان نقطة إيجابية في انطلاقة العهد الجديد، الذي وَفِيَ بوعده بإجراء الانتخابات في موعدها، فخرج لبنان من مربع التأجيلات والتمديدات التي طالت الكثير من الاستحقاقات الانتخابية في العهود السابقة، وليس فقط الانتخابات البلدية التي تأخرت ثلاث سنوات عن موعدها الأصلي بفعل ظروف سياسية واقتصادية صعبة مر بها لبنان.

وعن الواقع في الساحة المسيحية، يقول الهبر: «الانتخابات البلدية التي أجريت، الأحد الماضي، في جبل لبنان أظهرت أن القوى الحيّة داخل الأحزاب لا تزال قوية وفاعلة على الأرض ولا يمكن الاستهانة بها».

وفي هذا السياق، ذكر الهبر أن «حزب (القوات اللبنانية) أظهر قوة تنظيمية هائلة على المستوى العملاني، وكأنك أمام تركيبة حديدية شبه عسكرية تعمل انتخابياً على الأرض... وهذه القوة التنظيمية، إضافة إلى الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها، شكلت عاملاً أساسياً في بروز (القوات) كقوة انتخابية لا يستهان بها».

في المقابل، حسب الهبر، فإن «الكلام عن تراجع (التيار الوطني الحر) ليس في مكانه، وهو غير صحيح؛ لأن الدينامية الشبابية والشعبية لا تزال موجودة داخل التيار، رغم ما تعرض له من خروج لعدد من قياداته السياسية والتنظيمية. والتيار أثبت أنه موجود كقوة صامتة وقادرة». ويضيف: «من جهته، تمكن حزب (الكتائب) من إثبات وجوده التنظيمي والشعبي من خلال مرونته بشبك التحالفات، كما أثبت عدد من الزعامات والقيادات المحلية وجودهم على الساحة السياسية».

وكانت المناطق المسيحية في محافظة جبل لبنان قد شهدت معارك سياسية محتدمة، خصوصاً بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية»، إضافة إلى أحزاب أخرى؛ لاعتبارات مناطقية وعائلية.

النتائج في مناطق ذات غالبيات مسلمة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، ذات الغالبية الشيعية، أخذت الانتخابات البلدية طابعاً آخر؛ إذ خاض «حزب الله» اختباره الانتخابي الأول بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، العام الماضي، ووسط دمار كبير تعرّضت له مناطق الضاحية الجنوبية، وهو أمر سينسحب حكماً على مناطق الجنوب والبقاع ذات الغالبية الشيعية.

وفي هذا الإطار، اعتبر ربيع الهبر أنه «يمكن التوقف جدياً عند القدرة الهائلة لـ(حزب الله) و(حركة أمل) على ضبط الشارع الشيعي والإمساك به، رغم ما تعرض له من ضربات خلال الحرب الأخيرة طالت قياداته الأساسية ومناطق بيئته. وما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت من توافقات وتزكيات في البلديات يتوقع أن ينسحب على قرى وبلدات الجنوب والبقاع».

أما في المناطق ذات الغالبية السنّية، مثل إقليم الخروب في الشوف، فغابت المنافسات السياسية، وبخاصة، مع نأي «تيار المستقبل» عن المشاركة في المعركة لتحل مكانها المنافسات ذات الاعتبار العائلي والعشائري. ولا يُخفي الهبر أن «لانكفاء (تيار المستقبل) تأثيراً كبيراً على المشهد السياسي في هذه المناطق، والذي سيتقاسم ساحته عدد من القيادات والزعامات المحلية والفاعليات العائلية كما حصل في إقليم الخروب، وهذا أمر من الطبيعي أن ينسحب لاحقاً على المناطق السنّية الأخرى، حيث لـ(المستقبل) حضور جدّي».

وأخيراً، في قضاءي عاليه والشوف، حيث الكثافة الدرزية الكبيرة، اختلطت التحالفات وتشعّبت بين السياسي والعائلي. وغابت المنافسات السياسية، خصوصاً في المدن الكبرى، حيث سجلت مواجهات بين تحالف «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«الحزب الديمقراطي اللبناني» ولوائح مؤلفة من العائلات أو ناشطي المجتمع المدني. وهنا يرى الهبر أن «الواقع في المناطق ذات الغالبية الدرزية يُظهر وجود خلل ما أو أقله تضاؤل الاهتمام الحزبي بالانتخابات المحلية، أدى إلى ظهور بوادر عجز عن الإمساك بالشارع. وهذا الأمر تجلى في قلة الالتزام بالتوجهات الحزبية في عدد من البلدات، حيث أظهرت النتائج هامشاً لا يستهان به للعائلات».

الجانب الإنمائي

إلى ذلك، شدد الهبر على أن الانتخابات البلدية والاختيارية البلدية «يجب أن تنحصر بالجانب الإنمائي، بعيداً عن لعبة شد الحبال بين القوى السياسية لكي يبقى لهذا الاستحقاق طابعه المحلي الإنمائي، فتتشكل المجالس البلدية على أساس الكفاءات والطاقات المنتجة، وخصوصاً الشبابية، بعيداً عن التوازنات والمحاصصات السياسية».

واختتم الهبر أن «أهم إيجابية في الانتخابات البلدية الحالية هي العودة القوية للدولة اللبنانية من خلال التنظيم الجبار والهائل الذي قامت به وزارة الداخلية ولو بإمكانات محدودة. فقد أثبتت الدولة نزاهتها وجدارتها في القيام بمهامها على أكمل وجه وأعطت صورة جدية عن العمل المؤسساتي المنظم والمقدّر».

خاض «حزب الله» اختباره الانتخابي الأول بعد

الحرب الإسرائيلية على لبنان العام الماضي

ووسط دمار كبير تعرّضت له مناطق الضاحية الجنوبية

الصراع على رئاسة اتحادات البلديات: نفوذ يتجاوز الإنماء

يشهد لبنان مع كل انتخابات بلدية تنافساً سياسياً كبيراً على رئاسة اتحادات البلديات؛ ما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا الموقع كأداة فاعلة في المعادلة المحلية والوطنية إنمائياً وسياسياً. ومع أن اتحادات البلديات تُشكّل إطاراً إدارياً وتنموياً لتنسيق العمل بين البلديات المنضوية ضمنها، تحوّل موقع رئيس الاتحاد منصباً ذا ثقل سياسي، يُتيح لشاغله القدرة على التأثير في السياسات المحلية وإدارة المشاريع الإنمائية واستقطاب الدعم المالي من الجهات الرسمية والدولية. وبالتالي، يعكس التنافس السياسي الحاد على هذا المنصب إدراك القوى السياسية المتزايد أهمية اتحاد البلديات في تعزيز حضورها في المناطق، وضمان السيطرة على مقومات الإنماء المحلي. لذا؛ لا تقل المنافسة على هذا المنصب بالنسبة للقوى السياسية أهميةً عن السباق على المواقع النيابية أو الوزارية؛ لِما توفّره رئاسة الاتحاد من أدوات للتمكين السياسي والإنمائي في آنٍ واحد. في هذا السياق، أوضح وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود أن «اتحادات البلديات تمتلك صلاحيات واسعة جداً، أهمها وضع المشاريع والخطط الإنمائية في نطاق البلديات المنضوية ضمنه. وهذا يشمل كل المشاريع العامة ذات المنفعة المشتركة بين البلديات الأعضاء (طرقات، نفايات، صرف صحي، استملاكات مواصلات...). ثم إن لرئيس الاتحاد صلاحيات كبيرة أيضاً تتعلق بالإشراف المباشر على إدارة الاتحاد وماليته ومشاريعه، وهو مَن يأمر بصرف الموازنات، وعقد النفقات ويوقّع الاتفاقات، ويمثل الاتحاد لدى الجهات الرسمية وغير الرسمية، وهذه صلاحيات تعطيه هامشاً واسعاً من السلطة في نطاق اتحاده». ويشير بارود إلى أن «القوى السياسية قد تلجأ في إطار خدماتها السياسية إلى استخدام رئاسة الاتحادات لاستجلاب المشاريع الإنمائية الكبيرة من الجهات المانحة التي لا تدعم عادة المشاريع المُعدَّة من خلال السلطات المحلية كالبلديات واتحادات البلديات». وتابع بارود: «إضافة الى ذلك، فإن الفوز في رئاسة الاتحاد يأخذ أيضاً طابعاً معنوياً مهماً عند جمهور الفريق الفائز، وهو أمر تعمل عليه القوى السياسية في إطار حشد الجمهور وتحفيزه على مواصلة دعم الفريق الذي يؤمّن له الخدمات الأساسية». من جهة ثانية، قال جان خشّان، رئيس جمعية «أكاديمية البلدية الذكية» SMA المتخصصة بتطوير العمل البلدي في لبنان: «بما أن اتحاد البلديات أداة تنموية خدماتية أساسية، من الطبيعي أن تسعى القوى السياسية إلى محاولة التحكم بقراراته ونشاطاته أو بالحد الأدنى التأثير بها. وبحكم أنها هي من تشكل الحكومة وتتقاسم الحقائب الوزارية، وخصوصاً الخدماتية منها، فقد تلجأ إلى تحويل الاتحادات أدواتٍ انتخابيةً لقاء تقديم الخدمات المباشرة لها، ومن هنا ممكن أن نفهم احتدام المنافسة السياسية على رئاسة هذه الاتحادات». وتابع خشان: «في المقابل قد تتحكم اتحادات البلديات بمجريات الحركة السياسية بحكم أن هذه الاتحادات ترتبط مباشرة بشبكة الإنماء والخدمات. وهذا عامل أساسي عند الكثير من المواطنين في تحديد خياراتهم السياسية او الانتخابية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان. ومن هنا تكمن أهمية هذا الاتحاد أو ذاك في الحركة السياسية، خصوصاً عندما يتبنى أو يسوّق لسياسات إنمائية معينة أو لجهة سياسية ما». وأوضح أن «اتحادات البلديات قد تكون تجربة مصغرة عن المجالس المحلية التي تشكّل ركيزة اللامركزية الإدارية الموسعة المطروحة في لبنان، ولكن مع آليات إدارية وتمثيلية مختلفة وصلاحيات موسعة وهوامش مالية أعلى». هذا، وينشأ اتحاد البلديات بمرسوم من مجلس الوزراء ويتألف مجلسه من رؤساء البلديات التي يضمها الاتحاد، كذلك يمكن أن ينتدب المجلس البلدي أياً من أعضائه لتمثيله. ويتكون الاتحاد من سلطة تنفيذية يتولاها رئيس الاتحاد وسلطة تقريرية يتولّاها مجلسه.


مقالات ذات صلة

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)
حصاد الأسبوع يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق

شوقي الريّس ( لشبونة)
حصاد الأسبوع الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»،

«الشرق الأوسط» (مدريد)
حصاد الأسبوع تاكاييتشي فرحة بوضع علامات على أسماء الفائزين من مرشحي حزبها (آ ب)

اليابان... أمام التحوّلين السياسي والاقتصادي

الانتخابات العامة المبكّرة الأخيرة في اليابان لم تكن «تصويتاً على برنامج» بقدر ما كانت استفتاءً على اتجاه يشبه «لحظة حسم» داخل السياسة اليابانية: هل تواصل طوكيو

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مواطنون يابانيون يقفون بأحد شوارع طوكيو امام لوحة تنقل أرقام مؤشر "نيكاي" المالي (رويترز)

مستقبل العلاقات الأميركية ــ اليابانية في ظل التنافس التجاري

> العلاقة الأميركية – اليابانية تدخل ما يمكن وصفه بـ«تحالف قوي واقتصاد متوتر». فوز حكومة سانايي تاكاييتشي بتفويض ساحق، أخيراً، يجعل واشنطن أكثر اطمئناناً


ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.