بولندا الباحثة عن ضمانات أمنية توقع معاهدة موسّعة مع فرنسا

الطرفان يلتزمان تقديم الدعم العسكري المتبادل في حال تعرض أي منهما لاعتداء

ماكرون يتبادل مع ضيفه تاسك وثيقتي المعاهدة الجديدة التي وقّعاها في مدينة نانسي الجمعة (أ.ف.ب)
ماكرون يتبادل مع ضيفه تاسك وثيقتي المعاهدة الجديدة التي وقّعاها في مدينة نانسي الجمعة (أ.ف.ب)
TT

بولندا الباحثة عن ضمانات أمنية توقع معاهدة موسّعة مع فرنسا

ماكرون يتبادل مع ضيفه تاسك وثيقتي المعاهدة الجديدة التي وقّعاها في مدينة نانسي الجمعة (أ.ف.ب)
ماكرون يتبادل مع ضيفه تاسك وثيقتي المعاهدة الجديدة التي وقّعاها في مدينة نانسي الجمعة (أ.ف.ب)

لم يكن مفاجئاً أن يختار قصر الإليزيه مدينة «نانسي» الواقعة شرق فرنسا مكاناً لقمة مع دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا، من أجل التوقيع على «معاهدة التعاون والصداقة المعززة»، التي تجمع فرنسا وبولندا لسنوات، ويراهن عليها الطرفان لدفع علاقاتهما المتنوعة إلى الأمام، وخصوصاً للربط الأمني والدفاعي بينهما.

واختيار «نانسي» مردّه استضافتها لملك بولندا ستانيسلاس ليشتشينسكي عام 1737، بعد أن نحي عن العرش، فاختار اللجوء إلى فرنسا، وهو والد ملكتها، زوجة الملك لويس الخامس عشر. وتحمل «ساحة ستانيسلاس»، أجمل ساحات المدينة، اسم الملك البولندي الذي مُنح لاحقاً «دوقية اللورين»، وهي تحاذي بلجيكا وألمانيا ولوكسمبورغ.

كذلك، ليس مفاجئاً اختيار تاريخ 9 مايو (أيار) لتوقيع المعاهدة، إذ إنه «يوم أوروبا»، وقد اختاره الطرفان للتأكيد على أهمية التعاون والتعاضد بين الأوروبيين، فيما يحوم حول الاتحاد الأوروبي ظلّ الحرب الأوكرانية والمخاوف من استدارة الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترمب، عن أوروبا، بل التخلي عن الحلف الأطلسي أيضاً.

أولوية الدفاع

تحلّ قمة ماكرون - تاسك بعد قمة مشابهة جمعت، الأربعاء الماضي، فريدريتش ميرتس المستشار الألماني، ورئيس الوزراء البولندي، مباشرة عقب تسلم الأول منصبه الجديد، وبعد اجتماعه بالرئيس ماكرون في باريس. وتجدر الإشارة إلى أن الدول الثلاث (فرنسا وألمانيا وبولندا) تشكل ما يسمى «مثلث فايمار»، الذي يعدّ منصة للتعاون والتشاور والتنسيق بين الأطراف الثلاثة.

اجتماع الوفدين الفرنسي والبولندي في مدينة نانسي قبل التوقيع على المعاهدة المشتركة (أ.ف.ب)

وتُعدّ المعاهدة الأخيرة الرابعة من نوعها التي توقّعها فرنسا، إذ أبرمت معاهدات مشابهة مع الدول الرئيسية المحيطة بها (ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا). وبالتالي، فإنها تعدّ الأولى من نوعها بين فرنسا، الدولة النووية المتمتعة بمقعد دائم في مجلس الأمن، وبين دولة من دول شرق أوروبا. ووفق المصادر الرئاسية الفرنسية، فإن الحرب في أوكرانيا الدائرة منذ أكثر من 3 سنوات هي الدافع الرئيسي للتقارب بين الطرفين.

وجاءت المعاهدة الموقعة، التي وزّعها قصر الإليزيه، عصر الجمعة، في 16 صفحة و19 فصلاً، مع مقدمة شاملة، وتتناول قطاعات التعاون كافة بين الطرفين. بيد أن الفصل الخاص بـ«الأمن والدفاع» رئيسي، إذ يتضمّن 17 مادة تنصّ على تعزيز الدفاع الأوروبي، وقدرة الأوروبيين على «التحرك بشكل مستقل لمواجهة التهديدات والتحديات المباشرة أو المستقبلية».

بيد أن المادة الأهم تنُصّ على «توفير المساعدة المتبادلة، بما يشمل الوسائل العسكرية»، في حال تعرض أي من الطرفين لاعتداء عسكري، وذلك «وفقاً للمادة الخامسة من المعاهدة الأطلسية، والمادة الـ42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي». كذلك، «يتعهد كل طرف بتسهيل عبور وتمركز القوات المسلحة للطرف الآخر على أراضيه»، فضلاً عن التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وتعزيزها في الإطار الأوروبي.

ساحة ستانيسلاف في نانسي وماكرون وتاسك يجتازانها (أ.ف.ب)

وتنصّ المعاهدة على آليات التشاور الدائمة على المستويات المختلفة، ومنها قمة سنوية. وتنصّ المادة التاسعة على التعاون في القطاع النووي المدني، وكيفية تطويره بما يخدم الاقتصاد عديم الكربون.

وبعد التوقيع بالأحرف الأولى، قال ماكرون إن أحد جوانب المعاهدة الرئيسية هو «بند الدفاع المشترك». بيد أنه نبّه إلى أن المعاهدة «لا تُغني عن الناتو أو الاتحاد الأوروبي»، بل إنها «تُعزز ما هو قائم بالفعل». وكان تاسك قد أشاد قبله بما تتضمنه المعاهدة من «ضمانات أمنية متبادلة»، مشيراً إلى البند الذي يرسم سيناريو ما قد يحصل في حال تعرض أحد الطرفين لهجوم.

ولم تكن أوكرانيا غائبة، إذ أعلن ماكرون أن باريس ستشارك السبت في اجتماع «تحالف الراغبين» الذي سينعقد في أوكرانيا نفسها. ومن جهته، ندّد تاسك بمن حضر من الأوروبيين في احتفالات موسكو الجمعة، معتبراً أنه «ما من شك في ذهني أن الوجود في موكب النصر في موسكو والتصفيق للرئيس بوتين... يجلب العار لكل من يوجد هناك».

المظلة النووية الفرنسية

حقيقة الأمر أن كلاً من البلدين يسعى لتحقيق أهداف خاصة به. وكشف تاسك، قبل وصوله إلى نانسي، عن طموحات بلاده، في حديث إلى صحافيين. إذ عدّ أن المعاهدة تتضمن تدابير للمساعدة المتبادلة للطرفين، في حال وقوع هجوم على أي منهما. وقال تاسك: «لا أخفي عليكم أن المسألة الأهم على الإطلاق بالنسبة لي هي مسألة الضمانات الأمنية المتبادلة. وهذا البند المتعلق بالدعم المتبادل في حالة وقوع عدوان على أحد بلدينا هو جوهر هذه المعاهدة».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء البولندي تاسك في جولة، الجمعة، بساحة ستانيسلاف الشهيرة في مدينة نانسي (أ.ف.ب)

وأكثر من ذلك، أبدى تاسك اهتمامه بالمظلة النووية الفرنسية، وهو بذلك يجاري المستشار الألماني. وسبق للرئيس ماكرون أن أعلن أن باريس «مستعدة لإطلاق نقاش» حول مدّ المظلة النووية الفرنسية لتشمل الدول الأوروبية. بيد أن تاسك أوضح أن المعاهدة «ليست بديلاً» عن المظلة النووية الأميركية، مؤكداً أن بولندا «بحاجة إلى كل من أميركا واتّحاد أوروبي قوي».

ولباريس موقف مشابه، إذ ترى أن المظلة النووية الفرنسية لن تحلّ محلّ الضمانة الأمنية الأميركية، ولكنها ستكمل دفاع بولندا إذا واجهت تهديدات. بيد أن مآل التعاون النووي يحتاج إلى نقاشات ومشاورات، وما زال في بدايته، خصوصاً داخل فرنسا، حيث هناك تيارات ترفض «التشارك» في القوة النووية المقامة من أجل «الدفاع عن المصالح الحيوية» للبلاد، التي لم تحدد بوضوح.

وتريد باريس تعزيز التعاون الدفاعي مع بولندا التي تكرس أكبر نسبة من ناتجها الخام للإنفاق الدفاعي (نحو 5 بالمائة)، كما أنها تتمتع بأكبر قوات مسلحة داخل الاتحاد الأوروبي. وتطمح فرنسا التي تتمتع بصناعات دفاعية رائدة، بحيث تحتل المرتبة الثانية في مبيعات السلاح في العالم، إلى أن تكون الوجهة المفضلة لبولندا لاحقاً، التي اختارت، حتى اليوم، التوجه نحو الولايات المتحدة، وأيضاً نحو كوريا الجنوبية.

وأوضحت الرئاسة الفرنسية أن «الهدف من هذه المعاهدة هو تكريس الصداقة الفرنسية - البولندية، وتعزيز شراكتنا الثنائية في مجالات الأمن والدفاع والبنية التحتية والطاقة، وسلسلة كاملة من المجالات الأخرى».

وقال بنجامين حداد، وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي، الجمعة، لمحطة «آر.تي.إل» إن بولندا «شريك أهملناه إلى حدّ ما لفترة طويلة جداً». وعدّت مصادر الإليزيه أن «بولندا شريكنا الأوروبي الرئيسي الآخر. وليس ثمة من سبب، بل كان من الشذوذ أن نعدّ أن لدينا معاهدات مميزة مع ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وليس مع بولندا».

وارسو «خط الدفاع الأول»

إزاء تواصل الحرب الأوكرانية وغياب أي تقدم جدّي في الوساطة الأميركية، فإن ثلاثي «فايمار» بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يريد أن يكون الكتلة الكبرى والأكثر صلابة في الوقوف بوجه الأطماع الروسية. والدول الأربع جزء من «تحالف الراغبين»، الذي وجد بوصول ميرتس إلى المستشارية، طرفاً فاعلاً ومتحمساً للذهاب أبعد مما كان يقبل به المستشار السابق أولاف شولتس في موضوع دعم أوكرانيا.

جانب من المؤتمر الصحافي المشترك بين ماكرون وتاسك في نانسي الجمعة (أ.ب)

وفي أي حال، فإن الدول الأربع ترى في بولندا «الخطّ المتقدم» في مواجهة روسيا، وفي حماية الجناح الشرقي للحلف الأطلسي. وقد لعبت وارسو، حتى اليوم، الدور الرئيسي في إيصال المساعدات العسكرية إلى القوات المسلحة الأوكرانية. ويرى عسكريون فرنسيون أن صورة القوات البولندية شهدت تغييراً إيجابياً جذرياً مع اندلاع الحرب الأوكرانية، حيث حدّثت أنظمتها الدفاعية، وضاعفت مشترياتها العسكرية، وزادت عدد قواتها.

ونقلت صحيفة «لو فيغارو» في عددها ليوم الجمعة عن الخبير العسكري ألكسندر أوليش، الذي يعمل لصالح منصة «ديفانس 24» البولندية، أن وارسو «تبحث عن ضمانات أمنية إضافية تخفف من تبعيتها لواشنطن»، مضيفاً أن «بناء تحالف وثيق مع قوة نووية (غير واشنطن) له أهميته بالنسبة لبولندا». وأكّد وزير الدفاع البولندي، للصحيفة نفسها، اهتمام بلاده بالتوجهات النووية الفرنسية التي ما زالت في بداياتها.

من جانبها، تأمل باريس أن تفضي الخطوة الجديدة مع بولندا إلى تحوّلها إلى «محاور رئيسي» لبولندا، بحيث لا يبقى الحوار محصوراً بواشنطن. كذلك، تراهن على اهتمام وارسو بالحصول على طائرات نقل عسكرية أو مزودة بالمحروقات في الجو للطائرات الـ32 من طراز «إف 35» أميركية الصنع، التي ستحصل عليها وارسو بعد 5 سنوات.

وبين الجانبين مناخ مختلف تماماً عما كان عليه قبل عودة تاسك إلى الحكم عام 2023. والدليل على ذلك أن وارسو ألغت قبلها عقداً لشراء 50 طوّافة من طراز «كراكال» فرنسية الصنع، ما وتّر العلاقات مع باريس لسنوات.


مقالات ذات صلة

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في قصر الإليزيه (رويترز)

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجتمع بالرئيسين الأميركي والإيراني في نيويورك لبحث مقترح فرنسي لتحرير الملاحة في مضيق هرمز لفترة 6 أشهر.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك بكييف يوم 6 سبتمبر الحالي (أ.ب) p-circle

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية... وماكرون يهدد بالرد على «الهجمات الهجينة»

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية، وماكرون يهدد بالرد على الهجمات الهجينة، وروسيا تتعرض لهجوم بمئات المسيّرات مع بدء الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (كييف - لندن)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الشرق الأوسط)

محمد بن سلمان وماكرون يبحثان جهود تعزيز أمن المنطقة

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصالٍ هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز شراكة البلدين الاستراتيجية، وباريس تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين عراقيين رئيسيين هما: الطاقة والدفاع.

ميشال أبونجم (باريس)

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وسط تقديرات بأن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا، في حين حذّر مسؤولون آخرون من المبالغة في الحديث عن هجوم وشيك.

وتأتي التحذيرات بعدما أبلغ رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك البرلمان بأن تقديرات استخباراتية تشير إلى احتمال شن روسيا هجوماً بطائرات مسيّرة أو صواريخ على أراضي «ناتو» خلال الأشهر المقبلة، في محاولة لإثبات أن «المادة الخامسة نظرية أكثر منها عملية». ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه التحذيرات بأنها «سليمة وموثَّقة جيداً».

وفي مقابلات أجرتها صحيفة «الغارديان» مع ثلاثة من قادة أجهزة الاستخبارات الأوروبية، قال ميخال كوديلكا، رئيس جهاز الأمن والمعلومات التشيكي، إن التحركات الروسية المحتملة قد تشمل زيادة نشاط المسيّرات أو توغلاً محدوداً داخل أراضي دولة عضو في «ناتو» تُتاخم روسيا.

وأضاف أن السيناريوهات المحتملة تشمل «توغلاً محدوداً، أو استفزازات تحت راية زائفة، أو حملة تأثير واسعة النطاق»، مشيراً إلى أن ذلك قد يحدث خلال «أشهر لا سنوات».

في المقابل، أبدى مسؤولون في دول البلطيق حذراً أكبر إزاء احتمال وقوع هجوم قريب. وقال نورموندس ميجفيتس، المدير العام لجهاز أمن الدولة في لاتفيا: «لا نرى مؤشرات على هجوم وشيك»، لكنه أقرّ بوجود دلائل على أن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا.

وأوضح أن من غير الواضح ما إذا كانت لدى روسيا خطط مباشرة ومحددة، أم أن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لنشر الخوف وعدم اليقين في المجتمعات الغربية.

ويشير التقرير إلى أن المخاوف الأوروبية لا تقتصر على احتمال حدوث مواجهة عسكرية مباشرة؛ إذ تتهم أجهزة استخبارات غربية موسكو بتنفيذ حملة تخريب في دول داعمة لأوكرانيا، إلى جانب عمليات يُعتقد أنها تهدف إلى اختبار حدود رد فعل «ناتو».

ووصف كوديلكا النهج الروسي بأنه «التصعيد من أجل خفض التصعيد»، عادَّاً أن موسكو تسعى إلى الضغط على نقاط الضعف في المجتمعات الغربية وتقليص دعمها لأوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، لا ترى أجهزة استخبارات أوروبية مؤشرات على استعداد موسكو للدخول في مفاوضات سلام جدية بشأن أوكرانيا. وقال توماس نيلسون، رئيس جهاز الاستخبارات والأمن العسكري السويدي: «لم أرَ أي مؤشرات على وجود تفكير جدي في موسكو بشأن مفاوضات حقيقية»، مضيفاً أن روسيا لا تزال تعتقد أنها قادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

واتفق مسؤولو الاستخبارات الذين تحدثت إليهم الصحيفة على أن عمليات التخريب الروسية في أوروبا قد تتصاعد، مع انتقالها من عمليات عشوائية تهدف إلى إثارة الذعر إلى استهداف منشآت مرتبطة بالدعم الغربي لأوكرانيا.

وقال ميجفيتس إن هذه الأهداف تشمل البنية التحتية للسكك الحديدية والمنشآت المرتبطة بدعم أوكرانيا، مع تحول متزايد نحو الصناعات الدفاعية.

ويرى المسؤولون أن هذه الأنشطة تهدف، إلى جانب إلحاق أضرار مادية، إلى تقليص الدعم لأوكرانيا وإحداث انقسامات داخل «ناتو» وإثارة القلق في المجتمعات الأوروبية، فضلاً عن استنزاف موارد أجهزة الاستخبارات عبر إجبارها على التعامل مع كل حريق أو عطل بوصفه تهديداً محتملاً.


قيادي في «البديل من أجل ألمانيا» يتوقع مغادرة ميرتس السلطة بنهاية العام

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)
TT

قيادي في «البديل من أجل ألمانيا» يتوقع مغادرة ميرتس السلطة بنهاية العام

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)

توقَّع قيادي في حزب «البديل من أجل ألمانيا» الاثنين، أن يغادر المستشار فريدريش ميرتس السلطة بحلول نهاية العام، بعدما مُني حزبه «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» بانتكاسة كبيرة في انتخابات محلية أمام اليمين المتطرِّف واليسار الراديكالي.

وقال ليف-إريك هولم الذي قاد حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرِّف إلى المركز الأول في الانتخابات التي جرت الأحد في مكلنبورغ- فوربومرن (شمال شرق): «أعتقد أن نهاية المستشار قد بدأت».

من جانبها، قالت أليس فايدل الرئيسة المشاركة للحزب، إنَّ حزبها الذي حقق مكاسب في برلين أيضاً: «حلَّ محل» الاتحاد المسيحي الديمقراطي كـ«حزب الشعب» في ألمانيا، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

انتكاسة كبرى

وبعد الانتكاسة الكبيرة التي مُني بها حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» أمام اليمين المتطرّف واليسار الراديكالي في انتخابات محلية الأحد، يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس استحقاقاً جديداً، يتمثل في إقناع الناس بقدرته على الاستمرار في الحكم.

وللمرة الأولى منذ عام 1945، يفشل الحزب المحافظ الذي يتزعمه ميرتس في الفوز بمقعد في المجلس المحلي لولاية مكلنبورغ- فوربومرن؛ حيث لم يصل إلى العتبة المطلوبة البالغة 5 في المائة من الأصوات.

وحصد الحزب اليميني المتطرِّف «البديل من أجل ألمانيا» المناهض للهجرة والمؤيِّد لروسيا النسبة الأكبر من الأصوات، أي نحو 38 في المائة منها، غير أنَّ تحالفاً يسارياً يبدو الأوفر حظاً لتولي السلطة التنفيذية في الولاية.

وفي برلين، تقدَّم الحزب اليساري الراديكالي «دي لينكه» (25 في المائة) على الحزب الديمقراطي المسيحي (20 في المائة)، الأمر الذي يؤهله للفوز برئاسة البلدية، بينما حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» مكاسب كبيرة بحصوله على نحو 15 في المائة من الأصوات.

وتأتي هاتان الانتكاستان لتضافا إلى هزيمة أخرى مُني بها «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» في مواجهة حزب «البديل من أجل ألمانيا» في ساكسونيا-أنهالت (شرق) في السادس من سبتمبر (أيلول)، والتي أثارت تكهُّنات بشأن مغادرة ميرتس منصبه بصورة مبكرة.

أحد المشاركين في التجمع الانتخابي الختامي للحزب قبيل انتخابات مجلس النواب في برلين بألمانيا يحمل لافتة مناهضة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

باقٍ في منصبه

مع ذلك، سعى ميرتس مساء الأحد إلى وضع حد للجدل بشأن مستقبله السياسي، مؤكداً أمام وسائل الإعلام أنَّه سيبقى «على رأس الحزب الديمقراطي المسيحي» وسيواصل عمله كـ«مستشار». وتعهد مواصلة مساره الإصلاحي لإنعاش الاقتصاد الذي يعاني من ركود، بسبب نقص الابتكار والمنافسة الصينية وزيادة الإنفاق الاجتماعي، وتضخّم أسعار الطاقة نتيجة الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط؛ غير أنَّ إتمام هذه الإصلاحات يستغرق وقتاً، ولا سيما بسبب الخلافات مع الشريك الحكومي «الحزب الاشتراكي الديمقراطي»، والخلافات داخل الحزب المحافظ نفسه.

وقال ميرتس إنَّه سيراجع الاثنين مع قادة الحزب الآخرين «الكارثة» التي لحقت بـ«الاتحاد المسيحي الديمقراطي» في مكلنبورغ.

ولم يمضِ على تولي ميرتس منصبه سوى 16 شهراً، ولكن شعبيته تدنت إلى مستويات قياسية. وقال أستاذ العلوم السياسية أوليفر ليمبكه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ ظهور ميرتس (70 عاماً) على التلفزيون الألماني مساء الأحد، يعد حدثاً استثنائياً في إطار انتخابات محلية، معتبراً في الوقت ذاته أنّ الهدف من ذلك ترسيخ موقفه. وأشار إلى أنّها محاولة لـ«القيادة من خلال اتخاذ موقف دفاعي، ومنع إثارة نقاش بشأنه شخصياً».

وأكد المستشار الألماني مساء الأحد، أنّ إصلاحاته هي «الترياق لسم الاستبداد»، في إشارة إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا» المتهم بالتواطؤ مع أوساط النازيين الجدد. وفي السياق، قال ليمبكه، إن «ميرتس أكد بوضوح مسار الإصلاحات، وبالتالي ربط مستقبله السياسي بشكل أكبر بنجاحها»، مضيفاً أنَّ «إظهار عزمه. لا يُغني عن الحاجة إلى فرض نفسه أو عن تحقيق نتائج ملموسة».

قلعة «شفيرين» التي تضم مقر برلمان ولاية مكلنبورغ- فوربومرن شمال شرقي ألمانيا (أ.ف.ب)

«بشكل مختلف»

يسلِّط ميرتس الضوء بانتظام على نجاحه في تشديد سياسة الهجرة، ولكن حتى الآن، لم يتمكن حزبه من استعادة الناخبين الذين انضموا إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا».

فضلاً عن ذلك، يتصدَّر الحزب اليميني المتطرِّف استطلاعات الرأي على الصعيد الوطني؛ إذ يقترب من نسبة 30 في المائة متقدِّماً بنحو 10 نقاط على حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي».

ويواجه ميرتس صعوبات أخرى؛ إذ يتحتم عليه التوصل إلى اتفاق على الخطوات المقبلة مع حليفه «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» الذي لا يحظى بشعبية أيضاً، والذي تتسم العلاقات معه بالتوتر على الرغم من تحالفهما المصلحي للحكم في أعقاب الانتخابات البرلمانية عام 2025.

وقال وزير المالية زعيم «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» لارس كلينغبيل: «أعتقد أننا بحاجة إلى النظر إلى هذه النتائج بتواضع، وأن نسأل أنفسنا ما الذي يمكننا فعله بشكل مختلف وأفضل».


روسيا: مناورات «الناتو» في القطب الشمالي تهديد مباشر لأمن موسكو

سفينة الإنزال الأميركية «يو إس إس كيرسارج» والفرقاطة الألمانية «إف جي إس ساكسن» والفرقاطة الفرنسية «إف إس لاتوش-تريفيل» تُجري تدريبات قبالة سواحل آيسلندا خلال مناورات «فايكنغ الشمالية 2022» (موقع «البحرية» الأميركية)
سفينة الإنزال الأميركية «يو إس إس كيرسارج» والفرقاطة الألمانية «إف جي إس ساكسن» والفرقاطة الفرنسية «إف إس لاتوش-تريفيل» تُجري تدريبات قبالة سواحل آيسلندا خلال مناورات «فايكنغ الشمالية 2022» (موقع «البحرية» الأميركية)
TT

روسيا: مناورات «الناتو» في القطب الشمالي تهديد مباشر لأمن موسكو

سفينة الإنزال الأميركية «يو إس إس كيرسارج» والفرقاطة الألمانية «إف جي إس ساكسن» والفرقاطة الفرنسية «إف إس لاتوش-تريفيل» تُجري تدريبات قبالة سواحل آيسلندا خلال مناورات «فايكنغ الشمالية 2022» (موقع «البحرية» الأميركية)
سفينة الإنزال الأميركية «يو إس إس كيرسارج» والفرقاطة الألمانية «إف جي إس ساكسن» والفرقاطة الفرنسية «إف إس لاتوش-تريفيل» تُجري تدريبات قبالة سواحل آيسلندا خلال مناورات «فايكنغ الشمالية 2022» (موقع «البحرية» الأميركية)

أكد مدير إدارة الشؤون الأوروبية بوزارة الخارجية الروسية فلاديسلاف ماسلينيكوف، اليوم الاثنين، أن أي مناورات يُجريها حلف شمال الأطلسي «الناتو» في القطب الشمالي تزيد من مخاطر وقوع حوادث قد تؤدي إلى مواجهة، وتُشكل تهديدات مباشرة لأمن روسيا.

وقال ماسلينيكوف: «مناورات (نورثرن فايكنج)، شأنها شأن أي مناورات يُجريها (الناتو) في خطوط العرض العليا، تسهم في زيادة مخاطر وقوع حوادث قد تؤدي إلى مواجهة مسلّحة وتُشكل تهديدات مباشرة لأمن روسيا»، وفق ما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي وقت سابق، أوضح ماسلينيكوف أن «الاتحاد الأوروبي ودُوله الأعضاء لا يرغبون فحسب في التخلي عن تسييس قضايا التعاون في خطوط العرض العليا، بل يعتزمون أيضاً اتخاذ مسار التصعيد».

وأشار إلى أن التوجهات الرئيسية لسياسة القطب الشمالي المحدّثة للاتحاد الأوروبي جرى الإعلان عنها خلال القمة الأوروبية للقطب الشمالي، التي عُقدت في الفترة من 13 إلى 14 سبتمبر (أيلول) الحالي، في فنلندا.

وتُعد «نورثرن فايكنغ 26» (Northern Viking 26) مناورةً تجري بتوجيه من القيادة الأميركية في أوروبا وبقيادة القوات البحرية الأميركية في أوروبا، ويُنفذها الأسطول السادس الأميركي. وتُعزز هذه المناورة قابلية العمل المشترك وجاهزية القوات لدى كل من الولايات المتحدة وآيسلندا والدول الحليفة، فضلاً عن إعداد القوات المشارِكة للعمل معاً في سبيل الدفاع عن آيسلندا وحماية خطوط الاتصال الاستراتيجية عبر شمال المحيط الأطلسي.