ليو الرابع عشر يأسف لتراجع الإيمان أمام «المال والسلطة»

روبرت بريفوست... فاز متغلباً على الحظر التقليدي ضد رئيس للكنيسة الكاثوليكية من الولايات المتحدة

البابا ليو الرابع عشر برفقة البابا بنديكتوس السادس عشر الراحل (رويترز)
البابا ليو الرابع عشر برفقة البابا بنديكتوس السادس عشر الراحل (رويترز)
TT

ليو الرابع عشر يأسف لتراجع الإيمان أمام «المال والسلطة»

البابا ليو الرابع عشر برفقة البابا بنديكتوس السادس عشر الراحل (رويترز)
البابا ليو الرابع عشر برفقة البابا بنديكتوس السادس عشر الراحل (رويترز)

أسف البابا الجديد ليو الرابع عشر، الجمعة، لتراجع الإيمان لحساب «يقينيات أخرى مثل التكنولوجيا والمال والنجاح والسلطة واللذة»، وذلك خلال قُداسه الأول رئيساً للكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان. وقال البابا، في عظةٍ ألقاها بالإيطالية أمام الكرادلة: «لهذا السبب بالضبط، فإن المهمة مُلحة (...) لأن الافتقار إلى الإيمان يؤدي غالباً إلى مآسٍ».

ليو الرابع عشر، المُبشّر روبرت بريفوست، المولود في شيكاغو، الذي أمضى حياته الكنسية كاهناً في البيرو، وقاد مكتب تعيين الأساقفة ذا النفوذ في الفاتيكان، فاجأ العالَم، الخميس، عندما ظهر على شُرفة كنيسة القديس بطرس بوصفه البابا رقم 267، متغلباً على الحظر التقليدي ضد بابا من الولايات المتحدة.

ليو الرابع عشر في أول ظهور له بعد انتخابه. سبع مرات كرر «السلام» في كلمته (رويترز)

وفي اليوم الثاني من التئام مَجمع الكرادلة، أجمعت غالبية الثلثين على اسمه؛ أي أنه حصد 89 صوتاً على الأقلّ. لكنْ نظراً للسرية المطلقة المحيطة بالمجمع المغلق، لا يفصح عن تفاصيل العملية الانتخابية. ويؤشر انتخاب بريفوست، الذي عُيّن كاردينالاً في عام 2023، إلى رغبة في الاستمرار على نهج البابا فرنسيس، وإن كان يرجّح أن البابا الرابع عشر سيلتزم أكثر من البابا الراحل ببروتوكول الفاتيكان وبالتقاليد التي كان فرنسيس متمرّداً عليها.

وفي أول ظهورٍ له للعالم، ارتدى البابا (69 عاماً) العباءة الحمراء التقليدية للبابوية - والتي تجنَّبها البابا فرنسيس عند انتخابه في عام 2013 - مما يشير إلى العودة إلى درجةٍ ما من اتباع القواعد بعد حبرية فرنسيس غير التقليدية. ويُعد روبرت بريفوست مستمعاً جيداً ويصنَّف بين المعتدلين. له خبرة في العمل بين الناس على الأرض خلال وجوده في البيرو، وداخل الفاتيكان. وقال فرنسوا مابيي، مدير مرصد الأديان الجيوسياسي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن اختياره «يجمع في وقت واحد بين تعارض مع الحكومة الأميركية وأخذ للمعايير الجيوسياسية في الحسبان».

وكان بريفوست مرشحاً بارزاً لولا جنسيته. وكان هناك حظر، منذ أمد بعيد، على تولّي أميركي منصب البابا؛ نظراً للقوة الجيوسياسية التي تحظى بها الولايات المتحدة في المجال الدنيوي. ووجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهنئته إلى البابا، واصفاً ذلك بأنه «شرف عظيم» لبلاده. وقال ترمب، في منشور على منصته الاجتماعية «تروث سوشال»: «تهانينا للكاردينال روبرت فرنسيس بريفوست، الذي أُعلن بابا للتوّ. إنه لشرفٌ كبير أن نُدرك أنه أول بابا أميركي. يا لَلحماسة ويا له من شرف عظيم لبلدنا!». وأضاف: «أتطلع إلى لقاء البابا. ستكون لحظة بالغة الأهمية». وقال، في تصريحات مقتضبة: «أن يكون البابا من أميركا شرف عظيم. أيُّ شرف أعظم من هذا؟ نحن متفاجئون بعض الشيء، لكننا سعداء جداً». وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو كاثوليكي محافظ، في بيان، إن الولايات المتحدة «تتطلع» إلى بناء علاقة عمل مع البابا الجديد.

الآلاف يستمعون لأول كلمة من البابا ليو الرابع عشر (رويترز)

لكن يوجد عدد من المنشورات على حساب روبرت بريفوست، اسم البابا قبل أن يتولى البابوية، على منصة «إكس» يرفض فيها سياسات القادة الجمهوريين. وأثارت هذه المنشورات انتقادات من أنصار ترمب المحافظين، ومن بينهم الناشطة لورا لومر. ولم يعلِّق مسؤولو البيت الأبيض على الانتقادات الواردة في حساب بريفوست. وأعاد بريفوست نشر مقال بعنوان «جي دي فانس مخطئ: يسوع لا يطلب منا تقييم حُبنا للآخرين»، في فبراير (شباط) الماضي. وعندما التقى ترمب رئيس السلفادور نجيب أبو كيلة، في أبريل (نيسان) الماضي لمناقشة سجن مَن نُقلوا جواً من الولايات المتحدة للاشتباه في أنهم أعضاء، أعاد بريفوست نشر تعليق يقول: «ألا ترى المعاناة؟ ألا يؤنّبك ضميرك؟».

وقلّل فانس من شأن هذه الخلافات بعدما التقى البابا فرنسيس في الفاتيكان، قبل يوم من وفاته، رغم أنها كانت خلافات كبيرة. ووصف فرنسيس سياسات ترمب المتعلقة بالهجرة بأنها عار. وأبدى أنصار حركة ترمب «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» استياءهم من انتخاب ليو. وكتبت لومر، على منصة «إكس»: «إنه مُناهض لترمب، ومناهض لحركة (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى)، ومؤيد لفتح الحدود، إنه ماركسيّ تماماً مثل البابا فرنسيس». وكتب الناشط اليميني تشارلي كيرك: «البابا ليو الرابع عشر: هل هو جمهوري مسجل في شيكاغو ومحارب مناهض للإجهاض، أم هو من دُعاة فتح الحدود العالمية وجرى تنصيبه لمواجهة ترمب؟». وقال فانس، وهو كاثوليكي، إنه متأكد من أن ملايين الكاثوليك الأميركيين وغيرهم من المسيحيين سيصلُّون من أجل نجاح ليو. وكتب، على منصة «إكس»، يقول: «فليباركه الرب!».

البابا ليو الرابع عشر برفقة البابا بنديكتوس السادس عشر الراحل (رويترز)

لكن بريفوست كان مؤهلاً أيضاً لأنه مواطن بيروفي، وأقام في البيرو لسنوات، مبشراً أولاً ثم رئيس أساقفة. وكان البابا فرنسيس يتابع بريفوست بوضوح، وكان يراه وريثاً له في نواحٍ عدة. وأحضره إلى روما، في عام 2023، لتولي رئاسة اللجنة البابوية لأميركا اللاتينية. في هذه الوظيفة ظلّ على اتصال منتظم مع التسلسل الهرمي الكاثوليكي في ذلك الجزء من العالم الذي يضم معظم الكاثوليك.

ومنذ وصوله إلى روما، ظل بريفوست بعيداً عن الأضواء، لكنه كان معروفاً جيداً للرجال البارزين. وبشكلٍ ملحوظ، ترأس بريفوست أحد أكثر الإصلاحات ثورية التي أجراها فرنسيس، عندما أضاف ثلاث نساء إلى كتلة التصويت التي تُقرر ترشيحات الأساقفة التي يجب تقديمها إلى البابا. وفي أوائل عام 2025، أظهر فرنسيس تقديره لبريفوست، مرة أخرى، من خلال تعيينه في أعلى مرتبة من مراتب الكرادلة.

أعلن الفاتيكان، الجمعة، أن قداس التنصيب الرسمي للبابا الجديد سيقام في ساحة القديس بطرس، يوم الأحد 18 مايو (أيار) الحالي، وسيُجري الحبر الأعظم أول لقاء له مع الجمهور في 21 مايو.

الدخان الأبيض يتصاعد من مدخنة كنيسة سيستينا بالفاتيكان (إ.ب.أ)



خاطب البابا ليو الرابع عشر الكرادلة بالإنجليزية قائلاً: «لقد دعوتموني لأحمل الصليب وتحلّ علي البركة». وطلب مساعدتهم لنشر المذهب الكاثوليكي. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُدلي فيها بتصريحات علنية باللغة الإنجليزية، بعد أن تحدّث بالإيطالية والإسبانية فقط في تعليقاته الأولى للعالم من شُرفة كاتدرائية القديس بطرس، الخميس. وأضاف، باللغة الإيطالية، في أول تعليقاته للعالم: «يجب علينا معاً أن نحاول اكتشاف كيفية أن نكون كنيسة تبشيرية، كنيسة تبني الجسور، وتؤسس للحوار، وتكون دائماً مفتوحة وقادرة على استقبال - كما هي الحال في هذه الساحة بأذرع مفتوحة - كل من يحتاج إلى صداقتنا، وحضورنا، والحوار والحب».

وأضاف متأثراً: «شكراً للبابا فرنسيس»، الذي تُوفي في 21 أبريل (نيسان) الماضي عن 88 عاماً، كما شكر زملاءه الكرادلة على انتخابه. وعند خروجه إلى شُرفة بازيليك القديس بطرس، استقبلته حشود المؤمنين والسياح بالتصفيق الحارّ، في حين قُرعت أجراس الكاتدرائية لأكثر من ساعة، بعد تصاعد الدخان الأبيض من المدخنة التي وُضعت على سطح كنيسة سيستينا.

لكنْ عندما أطلق على نفسه اسم ليو؛ نسبة إلى البابا المصلح والداعم للعدالة الاجتماعية في القرن التاسع عشر، وبالإشارة إلى بعض أولويات فرنسيس، ربما كان البابا الجديد يريد أيضاً الإشارة إلى خط قوي من الاستمرارية: كان هناك ليو آخر في تاريخ الكنيسة وهو الأخ ليو، الراهب الذي عاش في القرن الثالث عشر وكان رفيقاً عظيماً للقديس فرنسيس الأسيزي، الذي سُمي البابا الراحل باسمه.

وذكر الفاتيكان أن البابا ليو طلب من جميع رؤساء مكاتب الفاتيكان، الذين فقدوا وظائفهم عملياً بوفاة البابا فرنسيس، أن يعودوا لممارسة أعمالهم حتى إشعارٍ آخر. وأضاف الفاتيكان أنه يرغب في أن يكرس بعض الوقت في «التفكير والصلاة والحوار»، قبل أن يتخذ أي قرارات أخرى بشأن المصادقة على تعيينهم بصورة نهائية.

جون بريفوست يشير إلى صورة قديمة لإخوته بمن فيهم البابا ليو الرابع عشر المنتخَب حديثاً (يسار) (أ.ب)

عندما انبعث الدخان الأبيض من كنيسة سيستينا ليعلن اختيار بابا جديد، فتح جون بريفوست التلفاز في ولاية إلينوي الأميركية ونادى على ابنة أخيه ليشاهدا في ترقب إعلان اسم شقيقه. وقال بريفوست، في مقابلة مع وكالة أنباء «أسوشييتد برس»: «بدأت ابنة أخي الصراخ، حيث وقع الاختيار على عمها، وأنا لم أصدِّق أن هذا يمكن أن يحدث، حيث إنه أبعد ما يكون عما توقَّعنا أن يحدث». وأضاف، في المقابلة بمنزله في نيو لينوكس بولاية إلينوي، أنه شعر بإحساس كبير بالفخر بأن شقيقه الكاردينال روبرت بريفوست صار الحبر الأعظم رقم 267 لرئاسة الكنيسة الكاثوليكية، فقد أصبح المُبشّر المولود في شيكاغو أول بابا أميركي.

صورة قديمة لبابا الفاتيكان الجديد (رويترز)

ووصف جون بريفوست شقيقه بأنه يهتم كثيراً بالفقراء ومَن ليس لهم صوت. وفي نقطةٍ ما أثناء المقابلة، أدرك جون بريفوست أنه فاتته عدة مكالمات هاتفية من أخيه، لذلك عاود الاتصال بالبابا الجديد.

وبعد رسالة تهنئة قصيرة ومناقشة قصيرة، تحدّث الاثنان، كأيِّ شقيقين، عن ترتيبات السفر ثم أنهيا المكالمة. وكان ليو الأصغر ضمن ثلاثة أشقاء أولاد.

وقال جون بريفوست، الذي يكبره بعام واحد فقط، إنه يتذكر أن روبرت بريفوست كان جيداً للغاية في المدرسة وهو صغير، وكان يستمتع بلعبة مونوبولي وريسك. وأكد جون بريفوست أنه وشقيقه يتحدثان عبر الهاتف بصفة يومية حالياً، حيث يتصل به روبرت ويتناقش الاثنان في كل الأمور؛ من السياسة إلى الدين، وأشياء أخرى، لكنه قال إنه لا يعلم كم من الوقت سوف يحظى بالتجدث إلى شقيقه بعدما صار بابا الفاتيكان، وكيف سيتواصل الاثنان مستقبلاً.


مقالات ذات صلة

البابا يدعو لوضع حد للعنف القائم على معاداة السامية بعد اعتداء سيدني

العالم البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

البابا يدعو لوضع حد للعنف القائم على معاداة السامية بعد اعتداء سيدني

صلّى البابا ليو الرابع عشر، الاثنين، من أجل ضحايا اعتداء سيدني الذي أودى بحياة 15 شخصاً، ودعا إلى وضع حد للعنف القائم على معاداة السامية.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا البابا ليو بابا الفاتيكان (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان يطالب المخابرات الإيطالية بعدم تشويه سمعة السياسيين والصحافيين

حث البابا ليو (بابا الفاتيكان) أجهزة المخابرات الإيطالية على تجنب «تشويه سمعة الشخصيات العامة والصحافيين».

«الشرق الأوسط» (روما)
المشرق العربي كنيسة المهد في بيت لحم (أ.ب)

إضاءة شجرة الميلاد في ساحة كنيسة المهد ببيت لحم للمرة الأولى منذ عامين

أضيئت شجرة عيد الميلاد، السبت، في ساحة كنيسة المهد بمدينة بيت لحم في الضفة الغربية بحضور عدد من رجال الدين والمسؤولين والدبلوماسيين والمواطنين.

«الشرق الأوسط» (بيت لحم )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر يتحدث في الفاتيكان (أ.ب) play-circle

البابا: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام انتهاكات حقوق الإنسان

أكد البابا ليو الرابع عشر أمام سفراء جدد، اليوم (السبت)، أن الفاتيكان لن يقف مكتوف الأيدي أمام انتهاكات حقوق الإنسان في أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم البابا ليو الرابع عشر يتحدث إلى الصحافيين حول انتخابه والعلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا على متن رحلة متجهة إلى روما (رويترز)

البابا يحث أميركا على عدم محاولة الإطاحة برئيس فنزويلا بالقوة العسكرية

حث البابا ليو الثلاثاء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عدم محاولة الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باستخدام القوة العسكرية

«الشرق الأوسط» (روما - واشنطن)

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، اليوم (الخميس)، إن طموح الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند «لا يزال قائماً»، مشيرة إلى أن الاجتماع الذي جرى أمس في واشنطن بشأن الجزيرة «لم يكن سهلاً».

وأكدت فريدريكسن أن بلادها ستواصل التصدي للمساعي الأميركية لضم غرينلاند، وذلك فيما يبدو بعد فشل الاجتماع الذي ضم وزيري خارجية الدنمارك وغرينلاند مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وفقاً لما ذكرته وكالة بلومبرغ.

وقالت رئيسة وزراء الدنمارك: «لا يزال هناك خلاف جوهري لأن الطموح الأميركي للسيطرة على غرينلاند لا يزال قائماً. هذا أمر خطير، ولذلك سنواصل جهودنا لمنع تحقيق هذا السيناريو».

صورة مركَّبة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى علم غرينلاند (رويترز)

وتظهر تصريحات فريدريكسن تصاعد حدة التوتر بشأن غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي تابعة لمملكة الدنمارك، بعد أن أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً أن الولايات المتحدة بحاجة للسيطرة عليها لأغراض الأمن القومي.

وعلى صعيد آخر، تم الإعلان عن تنظيم مظاهرات في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، وفي نوك، كبرى مدن غرينلاند، إضافة إلى 3 مدن دنماركية أخرى، لإرسال إشارة إلى الإدارة الأميركية، تفيد بأنه لا يمكن ضم غرينلاند أو شراؤها.

وفي بروكسل، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن غرينلاند يمكنها الاعتماد على الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الاتحاد يناقش الاستثمارات مع حكومة الجزيرة.

وأكدت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي سيواصل العمل مع الولايات المتحدة بشأن أمن القطب الشمالي، في ما يبدو أنه ردّ على مخاوف ترمب من تهديدات روسيا والصين لأمن المنطقة.

كان ترمب قد صرح أمس بأن «أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند غير مقبول».

وأضاف ترمب، في تصريحات صحافية، أنه «إذا لم نحصل على غرينلاند فستحصل عليها روسيا والصين، وهذا لن يحدث».

وتابع أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) «يجب أن يمهد لنا الطريق للحصول على غرينلاند»، معتبراً أن الحلف سيصبح أكثر قوة وفاعلية بوجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة.


الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
TT

الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)

أحبط فشل الاجتماع الثلاثي رفيع المستوى في البيت الأبيض، الأربعاء، الذي ضمّ ممثّلين عن الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند آمال كوبنهاغن ونوك «عاصمة غرينلاند» والعواصم الأوروبية في التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تدفعه إلى التراجع عن هدفه المعلن بالاستحواذ على الجزيرة القطبية.

وكان جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، وماركو روبيو وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، بالغي الوضوح، وفق الصحافة الأميركية لجهة عزم ترمب على السيطرة على الجزيرة؛ لسبيين رئيسيين: الأول، منعها من الوقوع تحت سيطرة روسيا والصين بسبب ضعف الدفاعات الدنماركية، والثاني حاجة الولايات المتحدة إليها لأمنها القومي. وتوافق الأطراف الثلاثة على تشكيل «مجموعة عمل» لمواصلة المناقشات.

«الاستيلاء» على غرينلاند

ما حصل لم يُرضِ بتاتاً رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي وزّعت بياناً مكتوباً، الخميس، كشفت فيه عن «خلاف جوهري» مع واشنطن، باعتبار أن «الطموح الأميركي بالاستيلاء على غرينلاند ما زال قائماً بلا تغيير». وأضافت في بيانها ما حرفيته: «هذه بالطبع مسألة خطرة، ونحن نواصل جهودنا للحؤول دون أن يصبح هذا السيناريو واقعاً».

من جهته، جدّد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، في منشور على «فيسبوك»، الخميس، تأكيده أن الجزيرة «لا تريد أن تُحكم أو تُمتلك من قبل الولايات المتحدة، وأنها ستبقى جزءاً من الدنمارك ومن الحلف الأطلسي».

وقال: «الآن ليس وقت النقاشات الداخلية. الآن هو وقت الوحدة والهدوء وتحمّل المسؤولية. أتابع الوضع عن كثب، وأنا إلى جانبكم من أجل رعاية غرينلاند». وبذلك، قطع نيلسن الطريق على محاولات اللعب الأميركية على حبل الخلافات الكامنة بين كوبنهاغن ونوك، مُفضّلاً إبراز جبهة موحدة في مواجهة الأطماع الأميركية.

ليس سراً أن المسؤولة الدنماركية تسعى منذ شهور لتعبئة شركاء بلادها في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي للوقوف إلى جانبها، ومحاولة ثني ترمب عن خططه. لكن التصريحات المتواترة للرئيس الأميركي، وما شدد عليه فانس وروبيو، أغلقت نوافذ الحوار وتخطت كافة الحجج الأوروبية - الأطلسية التي كانت كلها تسعى لإقناع ساكن البيت الأبيض بانتفاء الحاجة للسيطرة التامة على الجزيرة.

والحُجّة الأولى تأكيد انتفاء التهديد الروسي - الصيني المباشر، بالنظر أن أنشطة موسكو وبكين البحرية لم تتزايد في الأشهر الأخيرة، ولا شيء يشي برغبتهما بوضع اليد عليها. والحُجّة الثانية أن لواشنطن أمرين أساسيين؛ الأول، وجود قاعدة عسكرية - فضائية قريبة من العاصمة نوك. والثاني، تمكن الولايات المتحدة من تعزيز حضورها العسكري في غرينلاند استناداً إلى اتفاقية ما زالت صالحة أبرمت بينها وبين كوبنهاغن في عام 1954، أي في أثناء الحرب الباردة.

كذلك يصر الأوروبيون - الأطلسيون على جاهزيتهم لمساعدة الدنمارك عسكرياً؛ إنْ لحماية غرينلاند أو لضمان أمن القطب الشمالي.

لم يكن لهذه الحجج التي فصّلها وزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن في اجتماع البيت الأبيض أي أثر على المقاربة الأميركية، إلى درجة أنه أعلن، في المؤتمر الصحافي الذي عقد مباشرة عقب الاجتماع في مقر سفارة بلاده في واشنطن، أنه «لم يتمكن من تغيير الموقف الأميركي. ومن الواضح أن الرئيس ترمب لديه رغبة في غزو غرينلاند. وقد أوضحنا بشكل جيد جداً، أن هذا ليس في مصلحة المملكة».

كذلك، وصف الوزير الدنماركي الخلاف مع واشنطن بأنه «جوهري»، وأن «لا مبرر» لاستيلاء أميركا على الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي في إطار السيادة الدنماركية. أما بالنسبة للخطط الروسية - الصينية، فقد سارعت موسكو إلى اعتبار أن حديث حلف شمال الأطلسي عن كون موسكو وبكين تُعدّان لتهديد غرينلاند بأنه «أسطورة» الهدف منها «إثارة الهيستيريا». وحذّرت روسيا من مخاطر تصعيد المواجهة في المنطقة. ولا توجد حالياً سوى أدلة محدودة على إبحار أعداد كبيرة من السفن الصينية والروسية قرب سواحل غرينلاند.

حضور رمزي

إزاء ما سبق، وبسبب عبثية المساعي «العقلانية» لدفع واشنطن لتغيير مقاربتها، فقد كان على كوبنهاغن والعواصم الأوروبية أن تفتش عن بديل. ولكن المشكلة تكمن في أن الأوروبيين حريصون على التحرك بحذر في هذه المرحلة الخطرة وتجنب إغاظة ترمب لحاجتهم الماسة إليه في حرب أوكرانيا والتطورات في إيران.

من هنا، سعوا للتحرك بعيداً عن الاستفزازات العبثية. وشددت رئيسة الحكومة الدنماركية على «وجود توافق في إطار حلف شمال الأطلسي على أن تعزيز الوجود في الدائرة القطبية الشمالية هو أمر أساسي بالنسبة إلى الأمن الأوروبي والأميركي الشمالي».

ماكرون يخاطب جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (رويترز)

وقرنت ميته فريدريكسن القول بالفعل عن طريق تعزيز حضور بلادها العسكري بحرياً وبرياً وزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي الوقت نفسه، لم يتردّد الأوروبيون في مدّ يد العون إليها، والاستجابة لطلبها، والقيام من جانبهم وبناء على طلبها بإرسال مجموعات عسكرية «رمزية وقليلة العدد في مرحلة أولى» من أجل إبراز التضامن مع الدنمارك والتهيئة لمناورات عسكرية واسعة لاحقاً.

وحتى اليوم، قامت السويد وألمانيا والنرويج وفرنسا وهولندا بإرسال وحدات رمزية وصلت إلى العاصمة نوك، فيما وُصف بأنه «مهمة استطلاع» تحضيرية للمشاركة في مناورات «الصمود في القطب الشمالي». وجاءت مشاركة ألمانيا، وإن كانت رمزية، بالغة الأهمية بالنظر للعلاقات الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة التي ما زالت لديها قوات ترابط على أراضيها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما أنها تنشر في إحدى قواعدها صواريخ مزودة برؤوس نووية.

فائدة الانتشار العسكري

ليس سراً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريد أن يتزعم الفريق الداعي لقيام «الاستقلالية الأوروبية الاستراتيجية»، وأنه كان الأشدّ تنديداً بالمطامع الأميركية. وفي الخطاب الذي ألقاه، بعد ظهر الخميس، أمام القادة العسكريين في قاعدة «إيستر» الجوية القريبة من مدينة مرسيليا جنوب البلاد، أكّد ماكرون أن طليعة القوة الفرنسية المكونة من 15 رجلاً سوف تعزز بإرسال «وسائل جوية وبحرية وبرية في الأيام المقبلة، إلا أنه امتنع عن تقديم تفاصيل عن ذلك.

وفسّر مشاركة بلاده في هذه القوة بأنه «يتعين على فرنسا أن تكون إلى جانب دولة ذات سيادة من أجل مساعدتها على حماية أراضيها». وأضاف ماكرون أن على فرنسا والأوروبيين أن «يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، ومن دون أي مساومة».

هل سيكون للانتشار العسكري المتواضع تأثير على المقاربة الأميركية؟ من الواضح أن الأوروبيين لا يريدون أبداً مواجهة الأميركيين عسكرياً، فالأمر محسوم سلفاً.

وقال مصدر عسكري في باريس إن الغرض إحراج الجانب الأميركي للتبعات السياسية المترتبة على عملية مواجهة عسكرية بين دول تنتمي كلها للحلف الأطلسي، ولما لذلك من نتائج كارثية على صورة الحلف وعلى الولايات المتحدة بشكل رئيسي. ومن جانب آخر، فإن تعزيز الوجود الأوروبي - الأطلسي يراد أن ينظر له على أنه «استجابة» لما يطلبه ترمب من حماية غرينلاند، وهي الحماية التي يطالب بها الأخير.


بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
TT

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي، وقال خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب، الخميس، إن العالم ينزلق نحو مزيد من التصعيد. وأوضح أنه إلى جانب الأزمات القديمة المستفحلة، تظهر بؤر توتر جديدة؛ بسبب ميل أطراف، وصفها بأنها «الأقوى»، إلى التصرفات الأحادية وسياسات الإملاء والهيمنة.

وأكد الرئيس الروسي انفتاح بلاده على الحوار مع البلدان الغربية، التي قال إن العلاقات بها وصلت إلى أدنى مستوياتها، واقترح إحياء الحوار مع البلدان الأوروبية بشأن مبادئ الأمن المشترك التي اقترحتها روسيا في وقت سابق، عادّاً أن هذا المدخل يشكل عنصراً مهماً لدفع التسوية في أوكرانيا.

وتسلم بوتين خلال المراسم أوراق اعتماد 32 سفيراً جديداً؛ بينهم ممثلون لـ11 دولة مصنفة لدى روسيا ضمن الدول «غير الصديقة»، منها فرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، بالإضافة إلى سفراء بلدان قال بوتين إنها «حليفة وشريكة لروسيا منذ سنوات طويلة»، مثل أفغانستان وكوبا وسريلانكا وبيرو. ومن المنطقة العربية تسلم بوتين أوراق اعتماد سفراء المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان والجزائر.

بوتين يخاطب السفراء الأجانب الجدد (رويترز)

واستهل بوتين المراسم بخطاب سياسي تضمن قراءة لعلاقات بلاده مع البلدان التي حضر ممثلوها، بالإضافة إلى رؤيتها مسار العلاقات الدولية بشكل عام. وقال الرئيس الروسي إن الأزمة الأوكرانية خلقت تهديداً مباشراً لبلاده، مؤكداً انفتاح موسكو على التوصل إلى تسوية في أسرع وقت ممكن. وقال إن موسكو تدعو إلى سلام طويل الأمد، لكنه أعرب عن أسفه؛ لأنه «ليس الجميع يرغب في إحلال السلام، بما في ذلك كييف والعواصم الداعمة لها... لا تبدو مستعدة لذلك، لكننا نأمل أن يأتي الاعتراف بهذه الحاجة عاجلاً أم آجلاً. وحتى ذلك الحين، فستواصل روسيا السعي بثبات لتحقيق أهدافها».

وتحدث عن العلاقة بالبلدان الغربية، وقال إنها «تمر بأسوأ مراحلها، رغم أن الأطراف كانت بَنَت في أوقات سابقة علاقات تعاون مثمرة». وأعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات بالبلدان الأوروبية إلى مسارها الصحيح»، واقترح العودة لمناقشة مقترحات بلاده التي قُدمت نهاية عام 2021 لبناء هيكل أمني عادل وشامل في أوروبا، ورأى أن هذا من شأنه أن يساعد بحل النزاع في أوكرانيا.

وقال بوتين: «ليس من قبيل الصدفة أن يُقال: السلام لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُبنى، ويستمر كل يوم. السلام يتطلب جهداً ومسؤولية واختياراً واعياً.» وزاد أنه «لا يمكن ضمان أمن الدول على حساب دول أخرى؛ فالأزمة الأوكرانية ناجمة عن تجاهل المصالح المشروعة لروسيا». ورأى بوتين أن العلاقات الدولية تنزلق نحو الأسوأ... و«يتدهور الوضع على الساحة الدولية بشكل متصاعد. تعاني عشرات الدول من الفوضى وانعدام القانون، وتفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها». ومن دون أن يشير إلى الولايات المتحدة مباشرة، زاد: «تتضاءل الدبلوماسية والسعي إلى التوافق والحلول التوافقية، لمصلحة أعمال أحادية الجانب وخطيرة. وبدلاً من الحوار بين الدول، نسمع مونولوغ (حوار ذاتي) أولئك الذين، بحكم قوتهم، يرون أنه من حقهم فرض إرادتهم، وتلقين الآخرين أساليب العيش، وإصدار الأوامر». وقال إن موسكو ملتزمة «الحفاظ على علاقاتها بالراغبين في التعاون، وتدعو إلى تعزيز دور الأمم المتحدة في الشؤون العالمية». وأكد: «ستواصل روسيا اتباع نهج سياسي متوازن والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب».

عدد من السفراء الأجانب خلال تقديمهم أوراق اعتمادهم لموسكو (رويترز)

وفي سياق متصل، أمرت السلطات الروسية، الخميس، دبلوماسياً بريطانياً بمغادرة البلاد بناء على مزاعم بالتجسس، وهي الاتهامات التي وصفتها المملكة المتحدة بأنها «دون أساس». وقال «جهاز الأمن الاتحادي (إف إس بي)» الروسي إن عضو طاقم السفارة عمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن اعتماد الدبلوماسي قد أُلغي، وأنه يجب الآن أن يغادر البلاد خلال أسبوعين. واستُدعيت القائمة بالأعمال في السفارة البريطانية لدى روسيا، داناي دولاكيا، إلى مقر الوزارة بموسكو لتسلم الإخطار.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها «تدرس بعناية» الرد على طرد روسيا دبلوماسياً بريطانياً، مضيفة أن هذه ليست أول مرة يوجه فيها الكرملين اتهامات «كيدية ودون أساس» ضد الموظفين.