تقسيمات الحرب شمال شرقي سوريا تحرم آلاف الطلاب من التقدم للامتحانات في مدنهم

25 ألفاً من طلبة الشهادات العامة مهددون بخسارة عامهم الدراسي

طالبات كرديات في بهو مدرسة (صقر بن قريش) قبل بدء الدوام الدراسي (الشرق الأوسط)
طالبات كرديات في بهو مدرسة (صقر بن قريش) قبل بدء الدوام الدراسي (الشرق الأوسط)
TT

تقسيمات الحرب شمال شرقي سوريا تحرم آلاف الطلاب من التقدم للامتحانات في مدنهم

طالبات كرديات في بهو مدرسة (صقر بن قريش) قبل بدء الدوام الدراسي (الشرق الأوسط)
طالبات كرديات في بهو مدرسة (صقر بن قريش) قبل بدء الدوام الدراسي (الشرق الأوسط)

بعد تعثر التفاهمات بين الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق و«الإدارة الذاتية» في شمال شرقي سوريا حول اعتماد مراكز امتحانية ومناهج التعليم، أجبر كثير من العائلات في مناطق الإدارة، مع اقتراب الامتحانات، على تسجيل أبنائها في مدارس محافظات الداخل السوري، رغم بُعد المسافة، والتكلفة المادية الكبيرة، للحفاظ على مستقبل أبنائها الذين كانوا يرتادون مدارس حكومية، وتعلموا مناهج رسمية في مربعات أمنية قبل سقوط النظام السابق نهاية العام الفائت.

وقبل ستة أشهر من اليوم، كانت الطالبة سولنار رمو، المتحدرة من مدينة القامشلي التابعة للحسكة، تحلم بالتوجه إلى إحدى الجامعات الحكومية يملأها الفخر والسعادة وهي تستعد لخوض غمار امتحانات الشهادة الثانوية بفرعها العلمي، غير أن توقف المفاوضات بين القامشلي ودمشق، وعدم التوصل لاتفاق يراعي مصير هؤلاء الطلبة، وضع هذه الفتاة الكردية أمام خيارات صعبة. وتقول: «كنت أحلم أن أدخل الجامعة، وأصبح طبيبة، لكن هذا الحلم بدأ يتبخر حيث تفصلنا 20 يوماً فقط عن موعد الامتحانات».

خياران مكلفان

وتشرح والدة سولنار وتدعى نورا رمو (45 عاماً) كيف خلفت الحرب الدائرة في بلدها منذ أعوام وهروب الرئيس المخلوع بشار الأسد تقسيمات وحدوداً عسكرية بين الأطراف الحاكمة لا يدفع فاتورتها سوى هؤلاء الطلبة، وذويهم، وقالت خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «نحن أمام خيارين: إما فقدان عام دراسي كامل، وتبديد أحلام ابنتي، أو السفر إلى مدارس الشام وحلب للتقدم للامتحانات، وهو خيار مكلف نتيجة النفقات الكبيرة، وبُعد المسافة، والمخاطر الأمنية».

وتجسد معاناة سولنار حالة 25 ألف طالب وطالبة بحسب تقديرات تربوية في الحسكة يواجهون خطر خسارة عامهم الدراسي، والحرمان من التقدم للامتحانات الأساسية هذا العام في مراكز امتحانية في مدنهم، بسبب استمرار إغلاق المدارس الحكومية بعد سقوط الأسد، والإحجام عن فتحها من قبل الإدارة الانتقالية.

طالبات كرديات في فصل دراسي بمدرسة (صقر بن قريش) في مدينة القامشلي (الشرق الأوسط)

وذكرت حياة سلو، وهي والدة طالبة بالثانوية العامة، وطالب آخر بالتاسع الإعدادي، أنها سجلتهما في مدارس العاصمة دمشق، وأخبرت: «طوال العام وأبنائي يدرسون دورات خصوصية، وتحملنا أعباء مالية كبيرة، لكن حقيقةً نخشى من الذهاب للشام بسبب تدهور الوضع الأمني، وخطورة طريق السفر، خياراتنا تفوق قدراتنا الشخصية».

ورغم إعلان وزير التربية السوري محمد تركو الشهر الماضي التوصل إلى تفاهمات أولية مع سلطات الإدارة حول ملف التعليم بشمال شرقي البلاد، لكن الوزارة مددت فترة التسجيل للتقدم للامتحانات العامّة لأبناء مدينتي الحسكة والقامشلي حتى منتصف هذا الشهر، في محاولة لتذليل العقبات أمام أولياء أمور الطلبة، وتمكينهم من تسجيل أبنائهم ليصار لهم التقدم للامتحانات، وجاءت بمثابة رسالة واضحة لسلطات الإدارة بتوقف المفاوضات.

شهادة غير معترف بها

يقول مصدر تربوي مسؤول في «الإدارة الذاتية» طلب عدم الإفصاح عن اسمه إنهم بحثوا مع مسؤولي وزارة التربية والتعليم العالي في ثلاث جولات الشهر الماضي إمكانية تنظيم امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوي في مدارس الحسكة والقامشلي، وتحت إشرافها، وبمراقبة مدرسين يتم تعيينهم من قبل حكومة دمشق.

وبحسب ذات المصدر طالب مسؤولو الإدارة باعتراف وزارة التربية الحكومية بمناهج الإدارة التعليمية ومدارسها القائمة، وتخصيص التدريس باللغة الكردية لمن يرغب من الطلاب، وترك حرية الاختيار للأهالي والطلاب، والاعتراف الرسمي بجامعات الإدارة (روج آفا) بالقامشلي، والشرق بالرقة، وكوباني في مدينة عين العرب «كوباني» بحلب، أسوة ببقية الجامعات الخاصة في مدينتي إدلب وحلب بعد سقوط النظام، دون التوصل إلى اتفاق كامل.

يروي سامان عبدي (56 سنة) وهو والد طالب في المرحلة الإعدادية جزءاً من معاناته وآخرين، والتي بدأت بعدم وجود أيّ تصريح حكومي من وزارة التربية، أو تفسير ما يجري بين هذه الأطراف، ليقول: «تنقلنا كثيراً ما بين مديرية التربية السورية ومكاتب التربية بالإدارة للحصول على الأوراق المطلوبة، وجميع المسؤولين هنا لا يعرفون كيف ومتى ستنتهي هذه الأزمة، ولا تفصلنا سوى أيام عن الامتحانات».

ووقع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي اتفاقاً في 10 من مارس (آذار) الماضي، يقضي بدمج مؤسسات الإدارة والقوات العسكرية والأمنية في هياكل الدولة، ونجح هذا الاتفاق في وقف إطلاق النار في سد تشرين بريف حلب، وخفض التصعيد، وانسحاب «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية داخل مدينة حلب، إلا أن هذا الاتفاق لم ينسحب على واقع التعليم، ما يهدد مستقبل آلاف الطلبة من أبناء تلك المناطق.

طالبات كرديات يحملن كتاب باللغة الكردية ويتعلمن مناهج الإدارة الذاتية (الشرق الأوسط)

وتصاعد نفوذ الأكراد مع اتساع رقعة الحرب سنة 2013 بعدما ظلوا لعقود مهمشين مقابل تقلص سلطة النظام في المناطق ذات الغالبية الكردية، وأقاموا إدارة ذاتية مدنية في الجزيرة (الحسكة)، وكوباني (عين العرب) بريف حلب، ومركز مدينة الرقة، والريف الشمالي الشرقي لدير الزور، وفرضت المنهاج الكردي إلى جانب العربي، والسرياني في مدارسها والمديريات التابعة لها، شملت جميع المراحل التعليمية، بما فيها المعاهد المتوسطة، والجامعات.

شغف باللغة الكردية

ورغم الشغف باللغة الكردية الأم يفضّل قسم من أهالي الحسكة والقامشلي أن يتعلم أبناؤهم في مدارس تعتمد المنهاج الحكومي، بدلاً من منهاج الإدارة غير المعترف به، ومن بين هؤلاء دلدار داري (45 سنة)، الذي أرسل جميع أبنائه إلى مدارس الحكومة في الحسكة، ويتلقون دروسهم عبر دورات خصوصية، ليقول: «أنا مع الكردية، وكانت حلماً لنا، لكن لا أريد مستقبلاً مجهولاً لأبنائي، فشهادات مدارس الإدارة غير معترف بها، ولا تزال الكردية غير رسمية، لا في سوريا، ولا في أي دولة ثانية».

وعن الأزمة التي خلفها إغلاق المدارس الحكومية بعد سقوط النظام، وتعثر المفاوضات بين دمشق والقامشلي، ختم داري حديثه ليقول: «لحماية مستقبل أبنائي سجلتهم في حلب، لأنها شهادة معترف بها».


مقالات ذات صلة

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

المشرق العربي مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

بدأت قوات الجيش السوري الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قسد».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على المعتقلات وتتمسك بالتطبيق الكامل لمضمون الاتفاق بين دمشق و«قسد».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي انسحاب مركبات قوات سوريا الديمقراطية من خطوط المواجهة في الحسكة بسوريا اليوم الثلاثاء (رويترز)

انسحاب «قسد» من الخطوط الأمامية في مدينة الحسكة

بدأت قوات سوريا الديمقراطية بسحب قواتها من الخطـوط الأمامية في مدينة الحسكة بينها حاجز دوار البانوراما جنوب المدينة.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».