تصميم منتجات الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«إدارة مطعم تتغير قائمته يومياً»

تقرير موسع لاستطلاع آراء 2500 من العاملين في التصميم والتطوير

تصميم منتجات الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«إدارة مطعم تتغير قائمته يومياً»
TT

تصميم منتجات الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«إدارة مطعم تتغير قائمته يومياً»

تصميم منتجات الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«إدارة مطعم تتغير قائمته يومياً»

الذكاء الاصطناعي رائع حقاً. أليس كذلك؟ انظر إلى تلك الفيديوهات الرائعة. وآلاف التكرارات لتصميم المنتجات لمجرد إطلاق العنان للإبداع. بالتأكيد. رائع. أم أنه كذلك؟ ربما. من يدري؟ يبدو أن كل هذا هو ملخص تقرير «فيغما للذكاء الاصطناعي لعام 2025» Figma 2025 AI Report، استناداً إلى استطلاع رأي شمل 2500 مصمم ومطور.

(«فيغما» -‏ تطبيق ومحرر رسومات وأداة للنماذج الأولية يعتمد بشكل أساسي على الويب، مع ميزات إضافية غير متصلة بالإنترنت، يتمتع بقدرات عالية على تحرير وتصميم واجهة المستخدم وتجربة المستخدم - «الويكيبيديا»).

وبينما تم بنجاح إدماج أدوات مثل «تشات جي بي تي» مع ميزات الذكاء الاصطناعي الموجودة في تطبيق «فيغما» مُدمجة في سير العمل اليومي، يكشف التقرير عن انفصال واضح بينهما.

لقطة مصورة لتقرير «فيغما»

حماس كبير وتأثيرات عملية طفيفة

الحماس لإمكانات الذكاء الاصطناعي مرتفع، لكن تأثيره العملي لا يزال متفاوتاً، كما تُظهر الأرقام، لأن الأهداف غامضة، وهناك مخاوف تتعلق بالجودة، وتوقعات مبهمة.

سلّط التقرير الضوء على مفارقة: يرى المحترفون الذكاء الاصطناعي ضرورياً لمستقبلهم، لكنهم يُكافحون من أجل تسخيره بشكل هادف اليوم. يتناسب هذا إلى حد ما مع تجربتي الخاصة. إنه موجود، ولكن ليس هناك بعد. تُظهر دراسة Figma أن 76% من مشاريع الذكاء الاصطناعي تُعطي الأولوية لأهداف غامضة مثل «تجربة الذكاء الاصطناعي» على أهداف ملموسة. إلا أن تطبيقها على هدف مثل نمو الإيرادات، حقق نسبة مذهلة تبلغ 9%.

وهذا ما يجعلني أبكي على كل الغيغاواط من الطاقة الكهربائية التي تتبخر باسم ثورة لم تحدث بالفعل، على الأقل بالنسبة للمصممين والمطورين.

غموض بسبب الحالة الناشئة للتكنولوجيا

يعكس الغموض الحالة الناشئة للتكنولوجيا، كما أخبرني أندرو هوغان، رئيس قسم الرؤى في «فيغما»، في مقابلة هاتفية. ويوضح، مُقارناً اللحظة الحالية بتطوير تطبيقات الهاتف الجوال في مراحله المبكرة: «هناك الكثير من اللعب والتجريب - إنه أمر طبيعي».

وقد شبّه أحد المشاركين في الاستطلاع بناء منتجات الذكاء الاصطناعي بـ«إدارة مطعم تتغير قائمته يومياً».

لستُ متأكداً تماماً من هذا التشبيه مع تطوير تطبيقات الهاتف الجوال، الذي بدا لي ثورةً أسرع وأكثر تأثيراً من الذكاء الاصطناعي، من الناحية الاقتصادية العملية والملموسة، وليس مجرد مكاسب ورقية.

تأثير الذكاء الاصطناعي - متدرج وغير ثوري

أحدثت التحولات التكنولوجية السابقة، مثل النشر المكتبي أو هواتف آيفون تغييراتٍ صناعيةً هائلةً في غضون أشهر. بالمقارنة، يبدو تأثير الذكاء الاصطناعي تدريجياً وغير مُوثّق. صحيحٌ أن هناك أمثلةً رائعةً على تأثيرات الذكاء الاصطناعي الكبيرة في بعض الصناعات - معظمها سمعية بصرية - لكن وجود تابعٍ بحثيٍّ اصطناعي، أو مساعدٍ مُتكرر المهام، أو صديقٍ إبداعيٍّ اصطناعيٍّ لا يبدو ثورياً تماماً مثل مليار هاتف ذكيٍّ تسيطر على حياتنا.

ويُقرّ هوغان بذلك، وفي الوقت نفسه، يُحذّر: تُخاطر الشركات برفض الذكاء الاصطناعي مُبكراً جداً إذا ما فشلت التجارب في تحقيق مكاسب سريعة، ما قد يُفقدها مزايا استراتيجية. ويضيف أنه في حين يسلط البحث الضوء على نقاط البيانات المتناقضة بين التوقعات/الرغبات والواقع، فإن البيانات تُظهر تقدماً حقيقياً: فقد شحن 34% من مستخدمي «فيغما» منتجات الذكاء الاصطناعي هذا العام، بزيادة عن 22% في عام 2024.

والسؤال هو ما إذا كانت الأهداف الغامضة - التي ذكرتها نسبة 76% من المذكورة أعلاه التي تقول دعونا «نلعب... ونر» - ستتجسد في عائد استثمار قابل للقياس قبل أن تسيطر عليها حالة خيبة الأمل.

تساؤلات حول تسريع العمل وتحسين الجودة

ويُظهر البحث أن هناك مكاسب في الكفاءة بفضل الذكاء الاصطناعي، ولكن هناك تناقض هنا أيضاً. يقول 78% من المهنيين إنه يُسرّع عملهم (مقارنةً بـ 71% في العام الماضي)، لكن 58% فقط يعتقدون أنه يُحسّن الجودة، بينما يشعر 47% أنه يُحسّن أداءهم.

ماذا عن أولئك الذين يعتقدون أن الجودة متساوية أو أسوأ، و53% الذين لا يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يُحسّن أداءهم؟ إنه تناقض غريب ومحير. يُفيد المطورون عن رضا أعلى (67% يقولون إن الذكاء الاصطناعي يُحسّن جودة العمل) مقارنةً بالمصممين (40%)، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن أدوات توليد الأكواد (الرموز الكمبيوترية) تُقدّم فائدة أوضح.

تحولات طويلة المدى

في الوقت نفسه، يُكافح المصممون مع مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي غير المتوقعة. يُرجع هوغان هذه الفجوة إلى «قيود كيفية تفاعلنا كبشر مع هذه الأشياء»، وليس إلى التكنولوجيا نفسها. ويستشهد بقانون أمارا Amara’s Law: نحن نُبالغ في تقدير التغيير قصير المدى ونقلل من شأن التحول طويل المدى. يقول، مشيراً إلى تطور تطبيق «أوبر»: «استغرقت الهواتف الجوالة سنوات لإعادة تشكيل الصناعات». ومع ذلك، أثارت أدوات مثل «تشات جي بي تي» توقعات بإحداث تغيير جذري سريع بمستوى «آيفون» وهو أمر لم يتجاوزه الذكاء الاصطناعي بعد.

(قانون أمارا سمي باسم العالم الأميركي روي أمارا، ويقول: التطورات التكنولوجية تحظى باهتمام مبالغ فيها في بداية ظهورها لكن يستهان بأثرها على المدى البعيد - «الويكيبيديا»).

تضاؤل ​​التوقعات

على الرغم من أن 85% من المتخصصين يعتبرون الذكاء الاصطناعي أساسياً للنجاح المستقبلي، فإن توقعات تأثيره على المدى القريب آخذة في التضاؤل. يتوقع 27% فقط أن يؤثر الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على أهداف الشركات في العام المقبل، دون تغيير عن عام 2024.

ويصف هوغان هذا الأمر بأنه إعادة تقييم، وليس خيبة أمل. ويضيف: «الضجة الإعلامية تسبق ما يمكن لمعظم الناس فعله اليوم»، مشبهاً مسار الذكاء الاصطناعي بالاعتماد التدريجي للإنترنت. ومع ذلك، فإن «الانفجار العملاق» لتطبيقات الذكاء الاصطناعي - مثل الذي حدث مع تطبيقات «آيفون» لم يأتِ بعد.

صحيح أن هناك تطبيقات متخصصة مثل ترجمة المستندات الطبية أو أدوات الصيانة التنبئية، ولكن أين التطبيقات التحويلية الحقيقية التي تتجاوز مجرد القدرة على التحدث إلى «ويكيبيديا»؟ أين «أوبر» الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي الوكيل

قد يكمن الجواب في الذكاء الاصطناعي الوكيل، وهو أسرع فئات المنتجات نمواً. وقد شهدت هذه الأدوات، التي تُؤتمت المهام متعددة الخطوات، زيادةً سنويةً بنسبة 143% في التطوير (من 21% في عام 2024 إلى 51% في عام 2025). لكن هوغان يُحذر من أنها تتطلب إعادة النظر في مبادئ التصميم. «متى يجب على الوكيل التواصل مع المستخدمين؟ ما المعلومات التي يجب أن يُشاركها؟».

إن دور التصميم هنا بالغ الأهمية - يقول 52% من المُطورين إن التصميم أكثر أهمية لمنتجات الذكاء الاصطناعي من المنتجات التقليدية، حيث تسد الواجهات الذكية، الفجوة بين القدرات وبين سهولة الاستخدام.

تنبع مفارقة الذكاء الاصطناعي - من نشأته. إذ يجد المصممون والمطورون أنفسهم عالقين بين الحماس والهستيريا الجماعية والبراغماتية، وهم يُبحرون في مشهدٍ حيث أصبحت النماذج الأولية والتكرار أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إمكانات واعدة

إن إمكانات التكنولوجيا حقيقية، نعم. يُسرّع إنشاء الرموز الكمبيوترية بالفعل عملية التطوير، ويستخدمه 59% من المطورين. وتُبشّر الأدوات الوكيلة بثورات في سير العمل، ويتزايد استخدامها. ولكن من دون أهداف أوضح، وثقة في المخرجات، وتحسين قائم على التصميم، يُخاطر الذكاء الاصطناعي بأن يصبح مجرد مجموعة أدوات بلا مخطط تفصيلي.

يقول هوغان: «ما زلنا في بداية الطريق». التحدي لا يكمن في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل التصميم، بل في قدرة فرق التصميم على تطوير عملياتها بسرعة كافية لتلبية وعوده غير المتوازنة.

في الوقت الحالي، المستقبل ملكٌ لمن يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي ليس كعصا سحرية، بل كصلصال - قابل للتشكيل، وبعيد كل البعد عن التشكيل الكامل.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.