حسن المطروشي: بعض «الأعمال الكاملة» للشعراء مجرد عبء على رفوف المكتبات

قال لـ«الشرق الأوسط»: «المعلقة» علمتني «صناعة الشاعر النجم»

الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
TT

حسن المطروشي: بعض «الأعمال الكاملة» للشعراء مجرد عبء على رفوف المكتبات

الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)

يمثل الشاعر العُماني حسن المطروشي، تجربة شعرية ناضجة عبرّت عن تميزها بالفوز في فبراير (شباط) الماضي، بالمركز الأول في برنامج «المعلقة» عن فئة «الشعر الفصيح»، التي تنظمها وزارة الثقافة السعودية، وقيمة الجائزة مليون ريال.

المطروشي (1963) شاعر لديه العديد من المجموعات الشعرية، أصدرها مؤخراً في مجموعة كاملة، كما أنه مترجم وإعلامي، وخبير في التطوير الثقافي، وقد حصل على العديد من الجوائز من أهمها جائزة «توليولا» الإيطالية للشعر العالمي.

«الشرق الأوسط»، التقت الشاعر حسن المطروشي في مسقط بسلطنة عُمان، بمناسبة معرض مسقط الدولي للكتاب، وتحدث في هذا الحوار عن تجربته في مسابقة «المعلقة»، واصفاً ما مرّ به على مسرح «المعلقة» بأنه «كان أشبه بالأعاصير والطوافين الجارفة».

وقال إن الانفتاح على مختلف الفنون والدراسات النقدية ساهم في إنضاج تجربته الشعرية، واعتبر أن «الترجمة إحدى الضرورات الكبرى على مستوى التجربة الفردية وعلى المستوى الجمعي». وأكد أنه لا يكتب الطلاسم... وأنه يمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص، كما أوضح أن بعض نصوصه تفتش عن «القارئ النوعي»، كما تحدث عن الحداثة الشعرية في بلده عُمان، معتبراً أن هناك «حداثة واعية وعميقة مدركة لخصوصيتها رغم انفتاحها على منجز الحداثة».

فيما يلي الحوار مع الشاعر حسن المطروشي:

الشاعر العُماني حسن المطروشي عند إعلان فوزه بالمركز الأول في برنامج «المعلقة» عن فئة «الشعر الفصيح» فبراير الماضي (الشرق الأوسط)

أعاصير «المعلقة»...

* ماذا يعني لك الفوز بجائزة «المعلقة»، ماذا أضاف لك هذا الفوز؟

- لعلي لا أبالغ إذا قلت إنني بعد «المعلقة» غير الذي كنته قبلها. فهذه الجائزة تحظى بحضور إعلامي كثيف، ويتم نقلها عبر عدة قنوات فضائية عامة وثقافية من التي تحقق أعلى المشاهدات عربياً. وهنا تكمن صناعة الشاعر النجم، وهذا لم يتحقق لي عبر مسيرتي السابقة، رغم حضوري في المحافل والمهرجانات ومعارض الكتب طيلة أكثر من ربع قرن. وإلى جانب الحضور الإعلامي والقيمة المادية المجزية لهذه الجائزة، فهي أيضاً ذات قيمة أدبية عالية كونها تحتكم إلى المعايير الأدبية والفنية البحتة. كما لا أنسى أن الجهة المنظمة والراعية لهذه الجائزة هي وزارة الثقافة السعودية. كل ذلك يمنح الشاعر إحساساً عالياً بأنه أضاف إلى رصيده جائزة مرموقة جديرة بالفخر والاعتزاز.

* أين موقع المجازر الشعرية بالنسبة لما حدث في مسابقة «المعلقة»؟ أنت قلتَ بعد الفوز «وصفتُ نفسي بأنني مثل الناجين من أحد الحروب أو الكوارث الكونية لأن هذه مجازر شعرية»

- بكل تأكيد أنني بعد انتهاء الفصل الأخير من الجائزة وتحقيق الفوز، تملكني ذلك الشعور، بأنني ناجٍ أكثر من كوني فائزاً. لأن ما مررت به وما واجهته على مسرح المعلقة كان أشبه بالأعاصير والطوافين الجارفة. كانت لحظات هائلة من القلق والتوجس. لأن الشعراء الذين واجهتهم في كل مراحل الجائزة لم يكونوا شعراء عاديين، بل كانوا كباراً وصائدي جوائز ولهم تجاربهم الكبيرة ومن الأسماء المعروفة على خريطة الشعر العربي. كان الرهان صعباً، والتحدي ضخماً ومرعباً. لذلك فإنني عند إعلان النتيجة في كل مرحلة من مراحل الجائزة لا أشعر بأنني فزت بقدر شعوري بأنني نجوت من مجزرة شعرية هائلة.

* قبل جائزة «المعلقة» حصلتَ على جائزة «توليولا» الإيطالية للشعر العالمي عن قصيدتك «النسل المطرود»، ما علاقة الجوائز بالإبداع؟

- الجوائز لها علاقة بالمبدع ذاته وبالإبداع أيضاً. ففيما يتعلق بالمبدع فإن الجوائز تمنحه مكاسب كثيرة من السطوع والشهرة وفرص الحضور والانتشار أكثر من غيره، ناهيك عما تقدمه بعض هذه الجوائز من مكاسب مالية تعين الأديب على الاستقرار الحياتي والمعيشي. أما فيما يتعلق بالإبداع، فإن الجوائز تشكل مؤشراً عملياً على قدراته الإبداعية، إذ لولا ذلك لما تمكن من منافسة كبار الكتاب والأدباء واقتناص الجوائز، لا سيما إذا ما تعددت هذه الجوائز في أكثر من منافسة وبلد.

«الأعمال الشعرية» لحسن المطروشي صدرت الشهر الحالي وتضم خمسة دواوين وهي «وحيداً... كقبر أبي» و«على السفح إيّاه» و«لدي ما أنسى» و«مكتفياً بالليل» و«ليس في غرفتي شبح» (الشرق الأوسط)

الأعمال الشعرية

* لماذا أسقطتَ أول ديوانين شعريين صدرا لك حين جمعتَ أعمالك الشعرية عام 2023 هما: ديوان «فاطمة»، و«قَسَم»، هل هذا تعبير عن عدم رضاك عن بداياتك الشعرية؟

- البدايات غالباً ما تكون بسيطة. التجربة الشعرية تبدأ مثل طفولة الكائنات غضة، مرتبكة وبسيطة، ثم تنمو رويداً كما تنمو الورود، حتى تبلغ نضجها في مرحلة ما. شخصياً أتأمل الأعمال الشعرية الكاملة للكثير من الشعراء، فأشعر أن الكثير مما دونوه لم يكن شعراً يستحق أن يصرف عليه المال وتملأ به الأوراق. هو مجرد عبء على رف المكتبة، بعيداً عن مسوغات الباحثين والنقاد. وعلى كل حال فأنا حاولت الإفلات من فكرة الأعمال الكاملة فاخترت أن يكون العنوان (الأعمال الشعرية: 2003 - 2019م)، وهذا يعني أنه يمكن أن يكون هناك أعمال قبل هذه المرحلة، وكذلك يفتح الباب لأية أعمال قادمة.

* يرى نقادٌ أن مجموعاتك الشعرية: «وحيداً... كقبر أبي»، و«على السفح إيّاه»، و«لَدَيَّ ما أنسى»، و«مكتفياً بالليل»، و«ليس في غرفتي شبح»، مثلّت مرحلة النضج في مسيرتك الشعرية؛ ما العوامل التي ساهمت في إنضاج هذه التجربة؟

- أبرز العوامل التي أسهمت في نضج التجربة لديّ تتمثل في القراءة الكثيرة، والانفتاح على مختلف الفنون والدراسات النقدية في المجالات الإبداعية الأخرى. كما لا أنسى تأثير مشاركاتي الكثيرة في المهرجانات واحتكاكي بالكثير من شعراء العالم والاستماع إلى وجهات النظر حول الشعر عامة وشعري خاصة، وعدم التعجل والاندفاع في البحث عن الشهرة.

آخر إصدارات المطروشي «شبابيك الكلام» وهي مجموعة مختارة من المقالات الأدبية، تبدأ عناونيها بكلمة «عن» لتصبح هذه العنعنة «مجازاً» بمنزلة العتبة الأولى للدخول إلى فضاءات النص (الشرق الأوسط)

الشعر والترجمة

* تُرجم العديد من أعمالك إلى لغات مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وصدرت ترجمة إسبانية لمختارات من شعرك بعنوان «أطلّ عليكم من هذه الكوة» عن وزارة الثقافة بكوستاريكا. ماذا تضيف الترجمة لرصيد الشاعر؟

- ثمة مقولة ترى بأن الأدب المكتوب بلغته الأم هو أدب محلي، أما الأدب المترجم فهو أدب عالمي. وفي الحقيقة، وإن لم يحقق شعري صفة العالمية، فإنني أعتبر الترجمة هي الباب الوسع للوصول إلى الآخر ونقل صوتك الإبداعي وثقافتك وقيمك والتعريف بحضارتك. الترجمة إحدى الضرورات الكبرى على مستوى التجربة الفردية وعلى المستوى الجمعي.

* يظهر في نصوصك تأثر بالتراث العربي... إلى أي مدى يمثل التراث معيناً في ثقافتك وتجربتك الشعرية؟ ماذا يمنحك المكان والبيئة والتراث؟

- التراث العربي يجسد مرجعيتي الثقافية بشكل عام. أنا ابن المكان العربي واللسان العربي والتاريخ العربي. أنا عربي الوجه والدم واللسان، فكيف أتجرد من كل هذا وأنسلخ من هويتي؟ أنا بكل تأكيد أنفتح على ثقافات العالم وأقرأ الشعر الذي تكتبه كل الشعوب ويُقال في مختلف العواصم، ولكني أجد في تراثي العربي ثروة عظيمة تمنحني الخصوصية والفرادة عن غيري، كما أجد أنني مسؤول عن خدمة هذا التراث وإيصاله للعالم بلغة حديثة يفهمها الآخر.

القارئ النوعي

* تمتاز بعض أعمالك بالغموض، يصف ذلك الشاعر اللبناني الراحل محمد علي شمس الدين، قائلاً إن «المطروشي يكتب قصائده بضبابية موحية، والضبابية في الشعر تقدّم منطق الاحتمالات الخصب على منطق اليقين المحدد»، ما رأيك؟

- الغموض هو أحد الظواهر الأسلوبية في الشعر عموماً، وقد وُجِدت له جذور وتأصيلات في شعرنا العربي منذ القدم. فها هو أبو إسحاق الصابي أحد نقاد العصر العباسي يقول: «أفخم الشعر ما غمض، فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه». وهناك طائفة ترى عكس ذلك تماماً. أنا شخصياً أجد في «الغموض الشفيف» متعة خاصة. فلا أذهب إلى التعمية والترميز والإغلاق التام للنص ليصبح كالطلسم، وإنما أترك بيني وبين القارئ شعرة قائمة لأمنحه المشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص. رغم أنه هناك بالفعل لدي قصائد تتطلب قارئاً نوعياً. الشعر في نظري يدور في فضاء اللغة الإشارية أو ما يطلق عليه المجاز، ويذهب باتجاه الابتكار والتجديد، بعيداً عن القوالب القاموسية الجاهزة للألفاظ.

* كيف ترى صورة المشهد الشعري والابداعي في عُمان؟ أين موقع التجربة الحداثية في هذا المشهد؟

- أستطيع القول إن نهر الشعر في عمان يتدفق منذ الأزل ولم فتر يوماً أبداً. والمشهد الشعري في عمان يجسد الامتداد الطبيعي لسلالته الشعرية المجيدة منذ أقدم العصور. الشعر في عمان مواكب لكل تحولات الشعر في العالم، وقد أفرز تجربة حداثية كان لها حضورها وتأثيرها في المشهد العربي بشكل عام. ثمة حداثة واعية وعميقة مدركة لخصوصيتها العمانية ومخلصة لهويتها المكانية بامتياز، رغم انفتاحها الواسع على منجز الحداثة في سياقها الإنساني الكبير.

نص شعري

حِيَلٌ لغزواتٍ خاسرة

أَبَتاهُ... سَلِ الطرقاتِ عن ابنِكَ يا أبتي، سترى بَحَّاراً خَطَّاء،

لا ذكرى، لا امرأةً، لا صحبَ لديه هُنا

أبتي... أنا هذا الهاربُ مِنْ قَسَماتِكَ مُذْ نَبَذَتْني كُلُّ كتاتيبِ الحاراتِ،

أُسَمّي الغيمَ حقيبتَنا

أَتَسَكَّعُ وحدي مَذْعوراً، أُخْفي وحْشِيةَ أسلافٍ غرباءَ بدائيينَ، جبيني يَرْشَحُ مِلْحاً، يفْضَحُني

ويدلُّ الحُرّاسَ عَلَيَّ،

ولكني لَمْ أبرحْ مُدَّخِراً أحزانَكَ يا أبتي

كيْ أفتَحَ منزلَنا

سأخونُ أسانيدَ التاريخِ وأشْطُبُ مِنْ زمني الزمَنا

سأَشنُّ رحيلاً، فَلْيَصِفوا وَطَنا

هيّأْتُ الليلةَ مُتَّكَأ الغَوّاصِ الكَهْلِ،

عَثَرْتُ بسَحْنتِهِ فَتَطايَرَ سِرْبُ نوارسَ هاجعةٍ، أيقظْتُ البحْرَ وهيّأْتُ الشطآنْ هيّأْتُ سلاماً للجيرانْ

هيّأْتُ مواسمَ للبحَّارةِ والغرقى، هيّأْتُ «عريشَ القيظِ» أحاديثَ السُّمارِ،

حَكايا الجِنِّ، وقَهْوَتَنا

هيّأْتُ رياحيَ والسُّفُنا

أحْضَرْتُ نُباحَ الليلِ الصاعدَ مِنْ آبارٍ نائيةٍ، ومُواءَ الظُّهْرِ يعَكِّرُ قَيْلولةَ صَيَّادٍ مُضْنى

هيّأْتُ ُلِيُتْمي أدعيةً

وعباءَةَ أُمّي... بَسْمَتَها الأشهى، إبريقَ وضوءِ أبي، وبَكَيْتُ كعاداتِ الأشجارِ طويلاً

أحْضَرْتُ سماءً دافئةً ونخيلا

هيّأْتُ حظائرَ فارِغَةً لنُرَبّي أحلاماً لنْ تُشْبِهَنا

هيّأْتُ طريقي الضائعَ نَحْو مُصَلّى الحَيِّ،

جَلَبْتُ قصائديَ الأولى للبنتِ،

قصائديَ المنحولةَ مِنْ موسيقى ضِحكتِها العصماءْ

هيّأْتُ دُروباً ماطرةً للمنسيّين بلا أسماءْ

أَنْجَبْتُ لِذاتيَ أشْباهاً كُثراً وغَزوْتُ بِهمْ مُدُنا

أحْضَرْتُ رُعودَ الأزمنةِ الأولى، ورأَيْتُ الدهرَ بِرُمَّتِه ينهارُ على بابي، والأرضُ مهيأةٌ كيْ تخْرُجَ للتجْوالِ معي عَلَنا

المشهدُ مُكْتَمِلٌ، والآن سأنْفُخُ مِنْ روحي، وأُعيدُ العالَمَ سيرتَه الأولى،

لكنَّ المفقودَ الأوْحَدَ كان... أنا!



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.