حسن المطروشي: بعض «الأعمال الكاملة» للشعراء مجرد عبء على رفوف المكتبات

قال لـ«الشرق الأوسط»: «المعلقة» علمتني «صناعة الشاعر النجم»

الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
TT

حسن المطروشي: بعض «الأعمال الكاملة» للشعراء مجرد عبء على رفوف المكتبات

الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)
الشاعر حسن المطروشي: أمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص (الشرق الأوسط)

يمثل الشاعر العُماني حسن المطروشي، تجربة شعرية ناضجة عبرّت عن تميزها بالفوز في فبراير (شباط) الماضي، بالمركز الأول في برنامج «المعلقة» عن فئة «الشعر الفصيح»، التي تنظمها وزارة الثقافة السعودية، وقيمة الجائزة مليون ريال.

المطروشي (1963) شاعر لديه العديد من المجموعات الشعرية، أصدرها مؤخراً في مجموعة كاملة، كما أنه مترجم وإعلامي، وخبير في التطوير الثقافي، وقد حصل على العديد من الجوائز من أهمها جائزة «توليولا» الإيطالية للشعر العالمي.

«الشرق الأوسط»، التقت الشاعر حسن المطروشي في مسقط بسلطنة عُمان، بمناسبة معرض مسقط الدولي للكتاب، وتحدث في هذا الحوار عن تجربته في مسابقة «المعلقة»، واصفاً ما مرّ به على مسرح «المعلقة» بأنه «كان أشبه بالأعاصير والطوافين الجارفة».

وقال إن الانفتاح على مختلف الفنون والدراسات النقدية ساهم في إنضاج تجربته الشعرية، واعتبر أن «الترجمة إحدى الضرورات الكبرى على مستوى التجربة الفردية وعلى المستوى الجمعي». وأكد أنه لا يكتب الطلاسم... وأنه يمنح القارئ مشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص، كما أوضح أن بعض نصوصه تفتش عن «القارئ النوعي»، كما تحدث عن الحداثة الشعرية في بلده عُمان، معتبراً أن هناك «حداثة واعية وعميقة مدركة لخصوصيتها رغم انفتاحها على منجز الحداثة».

فيما يلي الحوار مع الشاعر حسن المطروشي:

الشاعر العُماني حسن المطروشي عند إعلان فوزه بالمركز الأول في برنامج «المعلقة» عن فئة «الشعر الفصيح» فبراير الماضي (الشرق الأوسط)

أعاصير «المعلقة»...

* ماذا يعني لك الفوز بجائزة «المعلقة»، ماذا أضاف لك هذا الفوز؟

- لعلي لا أبالغ إذا قلت إنني بعد «المعلقة» غير الذي كنته قبلها. فهذه الجائزة تحظى بحضور إعلامي كثيف، ويتم نقلها عبر عدة قنوات فضائية عامة وثقافية من التي تحقق أعلى المشاهدات عربياً. وهنا تكمن صناعة الشاعر النجم، وهذا لم يتحقق لي عبر مسيرتي السابقة، رغم حضوري في المحافل والمهرجانات ومعارض الكتب طيلة أكثر من ربع قرن. وإلى جانب الحضور الإعلامي والقيمة المادية المجزية لهذه الجائزة، فهي أيضاً ذات قيمة أدبية عالية كونها تحتكم إلى المعايير الأدبية والفنية البحتة. كما لا أنسى أن الجهة المنظمة والراعية لهذه الجائزة هي وزارة الثقافة السعودية. كل ذلك يمنح الشاعر إحساساً عالياً بأنه أضاف إلى رصيده جائزة مرموقة جديرة بالفخر والاعتزاز.

* أين موقع المجازر الشعرية بالنسبة لما حدث في مسابقة «المعلقة»؟ أنت قلتَ بعد الفوز «وصفتُ نفسي بأنني مثل الناجين من أحد الحروب أو الكوارث الكونية لأن هذه مجازر شعرية»

- بكل تأكيد أنني بعد انتهاء الفصل الأخير من الجائزة وتحقيق الفوز، تملكني ذلك الشعور، بأنني ناجٍ أكثر من كوني فائزاً. لأن ما مررت به وما واجهته على مسرح المعلقة كان أشبه بالأعاصير والطوافين الجارفة. كانت لحظات هائلة من القلق والتوجس. لأن الشعراء الذين واجهتهم في كل مراحل الجائزة لم يكونوا شعراء عاديين، بل كانوا كباراً وصائدي جوائز ولهم تجاربهم الكبيرة ومن الأسماء المعروفة على خريطة الشعر العربي. كان الرهان صعباً، والتحدي ضخماً ومرعباً. لذلك فإنني عند إعلان النتيجة في كل مرحلة من مراحل الجائزة لا أشعر بأنني فزت بقدر شعوري بأنني نجوت من مجزرة شعرية هائلة.

* قبل جائزة «المعلقة» حصلتَ على جائزة «توليولا» الإيطالية للشعر العالمي عن قصيدتك «النسل المطرود»، ما علاقة الجوائز بالإبداع؟

- الجوائز لها علاقة بالمبدع ذاته وبالإبداع أيضاً. ففيما يتعلق بالمبدع فإن الجوائز تمنحه مكاسب كثيرة من السطوع والشهرة وفرص الحضور والانتشار أكثر من غيره، ناهيك عما تقدمه بعض هذه الجوائز من مكاسب مالية تعين الأديب على الاستقرار الحياتي والمعيشي. أما فيما يتعلق بالإبداع، فإن الجوائز تشكل مؤشراً عملياً على قدراته الإبداعية، إذ لولا ذلك لما تمكن من منافسة كبار الكتاب والأدباء واقتناص الجوائز، لا سيما إذا ما تعددت هذه الجوائز في أكثر من منافسة وبلد.

«الأعمال الشعرية» لحسن المطروشي صدرت الشهر الحالي وتضم خمسة دواوين وهي «وحيداً... كقبر أبي» و«على السفح إيّاه» و«لدي ما أنسى» و«مكتفياً بالليل» و«ليس في غرفتي شبح» (الشرق الأوسط)

الأعمال الشعرية

* لماذا أسقطتَ أول ديوانين شعريين صدرا لك حين جمعتَ أعمالك الشعرية عام 2023 هما: ديوان «فاطمة»، و«قَسَم»، هل هذا تعبير عن عدم رضاك عن بداياتك الشعرية؟

- البدايات غالباً ما تكون بسيطة. التجربة الشعرية تبدأ مثل طفولة الكائنات غضة، مرتبكة وبسيطة، ثم تنمو رويداً كما تنمو الورود، حتى تبلغ نضجها في مرحلة ما. شخصياً أتأمل الأعمال الشعرية الكاملة للكثير من الشعراء، فأشعر أن الكثير مما دونوه لم يكن شعراً يستحق أن يصرف عليه المال وتملأ به الأوراق. هو مجرد عبء على رف المكتبة، بعيداً عن مسوغات الباحثين والنقاد. وعلى كل حال فأنا حاولت الإفلات من فكرة الأعمال الكاملة فاخترت أن يكون العنوان (الأعمال الشعرية: 2003 - 2019م)، وهذا يعني أنه يمكن أن يكون هناك أعمال قبل هذه المرحلة، وكذلك يفتح الباب لأية أعمال قادمة.

* يرى نقادٌ أن مجموعاتك الشعرية: «وحيداً... كقبر أبي»، و«على السفح إيّاه»، و«لَدَيَّ ما أنسى»، و«مكتفياً بالليل»، و«ليس في غرفتي شبح»، مثلّت مرحلة النضج في مسيرتك الشعرية؛ ما العوامل التي ساهمت في إنضاج هذه التجربة؟

- أبرز العوامل التي أسهمت في نضج التجربة لديّ تتمثل في القراءة الكثيرة، والانفتاح على مختلف الفنون والدراسات النقدية في المجالات الإبداعية الأخرى. كما لا أنسى تأثير مشاركاتي الكثيرة في المهرجانات واحتكاكي بالكثير من شعراء العالم والاستماع إلى وجهات النظر حول الشعر عامة وشعري خاصة، وعدم التعجل والاندفاع في البحث عن الشهرة.

آخر إصدارات المطروشي «شبابيك الكلام» وهي مجموعة مختارة من المقالات الأدبية، تبدأ عناونيها بكلمة «عن» لتصبح هذه العنعنة «مجازاً» بمنزلة العتبة الأولى للدخول إلى فضاءات النص (الشرق الأوسط)

الشعر والترجمة

* تُرجم العديد من أعمالك إلى لغات مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وصدرت ترجمة إسبانية لمختارات من شعرك بعنوان «أطلّ عليكم من هذه الكوة» عن وزارة الثقافة بكوستاريكا. ماذا تضيف الترجمة لرصيد الشاعر؟

- ثمة مقولة ترى بأن الأدب المكتوب بلغته الأم هو أدب محلي، أما الأدب المترجم فهو أدب عالمي. وفي الحقيقة، وإن لم يحقق شعري صفة العالمية، فإنني أعتبر الترجمة هي الباب الوسع للوصول إلى الآخر ونقل صوتك الإبداعي وثقافتك وقيمك والتعريف بحضارتك. الترجمة إحدى الضرورات الكبرى على مستوى التجربة الفردية وعلى المستوى الجمعي.

* يظهر في نصوصك تأثر بالتراث العربي... إلى أي مدى يمثل التراث معيناً في ثقافتك وتجربتك الشعرية؟ ماذا يمنحك المكان والبيئة والتراث؟

- التراث العربي يجسد مرجعيتي الثقافية بشكل عام. أنا ابن المكان العربي واللسان العربي والتاريخ العربي. أنا عربي الوجه والدم واللسان، فكيف أتجرد من كل هذا وأنسلخ من هويتي؟ أنا بكل تأكيد أنفتح على ثقافات العالم وأقرأ الشعر الذي تكتبه كل الشعوب ويُقال في مختلف العواصم، ولكني أجد في تراثي العربي ثروة عظيمة تمنحني الخصوصية والفرادة عن غيري، كما أجد أنني مسؤول عن خدمة هذا التراث وإيصاله للعالم بلغة حديثة يفهمها الآخر.

القارئ النوعي

* تمتاز بعض أعمالك بالغموض، يصف ذلك الشاعر اللبناني الراحل محمد علي شمس الدين، قائلاً إن «المطروشي يكتب قصائده بضبابية موحية، والضبابية في الشعر تقدّم منطق الاحتمالات الخصب على منطق اليقين المحدد»، ما رأيك؟

- الغموض هو أحد الظواهر الأسلوبية في الشعر عموماً، وقد وُجِدت له جذور وتأصيلات في شعرنا العربي منذ القدم. فها هو أبو إسحاق الصابي أحد نقاد العصر العباسي يقول: «أفخم الشعر ما غمض، فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه». وهناك طائفة ترى عكس ذلك تماماً. أنا شخصياً أجد في «الغموض الشفيف» متعة خاصة. فلا أذهب إلى التعمية والترميز والإغلاق التام للنص ليصبح كالطلسم، وإنما أترك بيني وبين القارئ شعرة قائمة لأمنحه المشاركة في الاستمتاع بالنص والجرأة على ابتكار تأويله الخاص. رغم أنه هناك بالفعل لدي قصائد تتطلب قارئاً نوعياً. الشعر في نظري يدور في فضاء اللغة الإشارية أو ما يطلق عليه المجاز، ويذهب باتجاه الابتكار والتجديد، بعيداً عن القوالب القاموسية الجاهزة للألفاظ.

* كيف ترى صورة المشهد الشعري والابداعي في عُمان؟ أين موقع التجربة الحداثية في هذا المشهد؟

- أستطيع القول إن نهر الشعر في عمان يتدفق منذ الأزل ولم فتر يوماً أبداً. والمشهد الشعري في عمان يجسد الامتداد الطبيعي لسلالته الشعرية المجيدة منذ أقدم العصور. الشعر في عمان مواكب لكل تحولات الشعر في العالم، وقد أفرز تجربة حداثية كان لها حضورها وتأثيرها في المشهد العربي بشكل عام. ثمة حداثة واعية وعميقة مدركة لخصوصيتها العمانية ومخلصة لهويتها المكانية بامتياز، رغم انفتاحها الواسع على منجز الحداثة في سياقها الإنساني الكبير.

نص شعري

حِيَلٌ لغزواتٍ خاسرة

أَبَتاهُ... سَلِ الطرقاتِ عن ابنِكَ يا أبتي، سترى بَحَّاراً خَطَّاء،

لا ذكرى، لا امرأةً، لا صحبَ لديه هُنا

أبتي... أنا هذا الهاربُ مِنْ قَسَماتِكَ مُذْ نَبَذَتْني كُلُّ كتاتيبِ الحاراتِ،

أُسَمّي الغيمَ حقيبتَنا

أَتَسَكَّعُ وحدي مَذْعوراً، أُخْفي وحْشِيةَ أسلافٍ غرباءَ بدائيينَ، جبيني يَرْشَحُ مِلْحاً، يفْضَحُني

ويدلُّ الحُرّاسَ عَلَيَّ،

ولكني لَمْ أبرحْ مُدَّخِراً أحزانَكَ يا أبتي

كيْ أفتَحَ منزلَنا

سأخونُ أسانيدَ التاريخِ وأشْطُبُ مِنْ زمني الزمَنا

سأَشنُّ رحيلاً، فَلْيَصِفوا وَطَنا

هيّأْتُ الليلةَ مُتَّكَأ الغَوّاصِ الكَهْلِ،

عَثَرْتُ بسَحْنتِهِ فَتَطايَرَ سِرْبُ نوارسَ هاجعةٍ، أيقظْتُ البحْرَ وهيّأْتُ الشطآنْ هيّأْتُ سلاماً للجيرانْ

هيّأْتُ مواسمَ للبحَّارةِ والغرقى، هيّأْتُ «عريشَ القيظِ» أحاديثَ السُّمارِ،

حَكايا الجِنِّ، وقَهْوَتَنا

هيّأْتُ رياحيَ والسُّفُنا

أحْضَرْتُ نُباحَ الليلِ الصاعدَ مِنْ آبارٍ نائيةٍ، ومُواءَ الظُّهْرِ يعَكِّرُ قَيْلولةَ صَيَّادٍ مُضْنى

هيّأْتُ ُلِيُتْمي أدعيةً

وعباءَةَ أُمّي... بَسْمَتَها الأشهى، إبريقَ وضوءِ أبي، وبَكَيْتُ كعاداتِ الأشجارِ طويلاً

أحْضَرْتُ سماءً دافئةً ونخيلا

هيّأْتُ حظائرَ فارِغَةً لنُرَبّي أحلاماً لنْ تُشْبِهَنا

هيّأْتُ طريقي الضائعَ نَحْو مُصَلّى الحَيِّ،

جَلَبْتُ قصائديَ الأولى للبنتِ،

قصائديَ المنحولةَ مِنْ موسيقى ضِحكتِها العصماءْ

هيّأْتُ دُروباً ماطرةً للمنسيّين بلا أسماءْ

أَنْجَبْتُ لِذاتيَ أشْباهاً كُثراً وغَزوْتُ بِهمْ مُدُنا

أحْضَرْتُ رُعودَ الأزمنةِ الأولى، ورأَيْتُ الدهرَ بِرُمَّتِه ينهارُ على بابي، والأرضُ مهيأةٌ كيْ تخْرُجَ للتجْوالِ معي عَلَنا

المشهدُ مُكْتَمِلٌ، والآن سأنْفُخُ مِنْ روحي، وأُعيدُ العالَمَ سيرتَه الأولى،

لكنَّ المفقودَ الأوْحَدَ كان... أنا!



إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»


«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين
TT

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها، بل أصبح وسيلة للكشف عن الآثار العميقة التي خلفتها الحروب والحصار، والقمع في حياة الإنسان العراقي، ولا سيما المثقف، وما تركته من جروح وتحولات في رؤيته لنفسه والعالم.

وفي رواية «خيانات صاخبة» للكاتب علي حسن الفواز، الصادرة عن مؤسسة «أبجد»، 2023، لا يكتفي السرد بتوثيق الأحداث، بل يكشف عما خلّفته التحولات العنيفة من آثار نفسية وروحية في الإنسان العراقي. والكتابة وسيلة لفهم هذا الخراب الداخلي وكشف زيف الخطاب الرسمي.السرد الخائن وتعدد الأصوات

تقوم رواية «خيانات صاخبة» على فكرة أن السرد لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله للكشف عن أبعاده الخفية. لذلك لا تبدو الخيانة في الرواية فعلاً أخلاقياً، بل وسيلة فنية لفهم الواقع وتمثيله. ويعلن السارد هذه الرؤية منذ البداية بقوله: «السرد يخون الواقع حتماً، يناقضه، يشاكه، يصطنع له نصاً خائناً» (ص 7).

كما تنتقل الرواية من السارد العليم في بدايتها إلى تعدد الأصوات في الفصول اللاحقة، حيث تمنح الشخصيات فرصة الحديث عن تجاربها وذكرياتها وآلامها، فتتحول من شخصيات يُحكى عنها إلى شخصيات تروي حكاياتها بنفسها.

وفي الملحق، يقترب السارد من القارئ، معترفاً بأن هذه الشخصيات ليست سوى أقنعة وزع عليها أجزاء من ذاكرته وتجربته، ليستعيد من خلالها ما تركته الحروب والهزائم والاغتراب من آثار عميقة. ولهذا يؤكد أن «السرد الخائن هو اللعبة التي تدفع السارد إلى الحفر في مخزن الذاكرة والمكتبة، بحثاً عن أشباح، أو أقنعة» (ص 15).

ومن هنا يصبح التخييل والحيلة الفنية وسيلتين للتعبير عن واقع معقد ومؤلم، وهو ما يوضِّحه السارد بقوله: «لا تتطلب براءة في الكتابة، بقدر ما تستدعي كثيراً من الحيل النسقية، أو حتى الكذب الذي يسوغ تمثيل تلك اليوميات المريبة» (ص 8).

السيولة والصلابة

تقوم الرواية على تقسيم الفضاء إلى عالمين متقابلين يعكسان الصراع بين الحرية والقمع؛ الأول الفضاء السائل، ويمثله شارع أبي نواس في بغداد؛ وهو مكان يهرب إليه الفارّون من الحرب ليجدوا مساحة أقل خضوعاً للسلطة: «وحين هربوا إلى (الشارع السكران) ليدونوا سردياتهم، وجدوا فيه الفضاء الوحيد الذي لا يخدعهم ولا يطالبهم بطقوس الطاعة، فظلوا يمارسون في لياليه الغرائبية خياناتهم الصاخبة» (ص 24)

في هذا المكان، تتحول مظاهر اللهو كــ(السكر والثرثرة) إلى مقاومة صامتة ضد الحرب والخطاب الرسمي. لكنه لا يبقى آمناً؛ إذ سرعان ما تمتد إليه يد الرقابة الحكومية: «بات الحديث عن الشارع وكأنه حديث عن جبهة أخرى، فالخوف أصاب الكثيرين بهلع غريب، بعد أن قامت الحكومة بإخضاع الشارع إلى رقابتها» (ص 81). ثم يشتد القمع بقرار سياسي يغير ملامح المكان ويحجب الحياة عنه: «غيبت الحكومة، وبقرار رئاسي، ضفة الشارع الطينية لتكون ضفة أمنية ومحروسة، ومغطاة بمتاريس تحجب عنه رائحة الماء» (ص 120).

والثاني: الفضاء الصلب، وتمثله السجون ومصحة الشماعية، وهما رمزان لأجهزة الدولة القمعية التي تراقب الفرد وتعيد تشكيله بالقوة، حيث يُختزل الإنسان الأعزل في تهمة جاهزة: «الفرد هو الخائن، هكذا وجدت نفسي أمام هذا الديناصور، فالجماعة لا تخون، ربما لسهولة توريط هذا الفرد بالخيانة» (ص 31). ولا يقتصر القمع هنا على الجسد، بل يمتد لمحاكمة الفكر والنوايا داخل أقبية التحقيق: «نحن نحاسبك اليوم على النوايا، فأنت تُضمر للوطن كراهية، وأن علمانيتك الفاضحة هي موقف سلبي من الإيمان الوطني» (ص 52). ويتحول هذا الفضاء المغلق إلى أداة لإسكات المختلف عبر صناعة تهمة «الخيانة» وتعميمها لتبرير الإعدام والتصفية: «السلطة تقول كلمة الخيانة بعمومية سطحية وفجة، وتجاهر بها... فكل أوهام وحكايات الحد والقتل والزندقة والإعدام... كانت بسبب الترويج الفاضح والمجاني للعنة الخيانة» (ص 30).

التفكيك النفسي والثقافي للأقنعة

تعيش شخصيات الرواية ضياعاً واغتراباً عميقَين يجعلانها قريبة من أجواء الفلسفة الوجودية، حيث يتحول صمتها إلى عذاب وخوف دائم من القمع: «ويتحول صمتهم إلى جحيم دانتوي بعيداً عن الفرح، وقريباً من اللعنة، واستغراقاً في النفي الداخلي» (ص 23).

وقد توزّع هذا الاغتراب على أربعة أقنعة تمثل حال المثقف:

* سيف المقداد: يحتمي بالتهكم والضحك الأسود لتغطية هشاشته الداخلية؛ فالسخرية عنده ليست ترفاً، بل وسيلة وحيدة للبقاء بعد انهيار الأحلام وتعاظم الخوف.

* غالي التلف: يهرب من قسوة الواقع إلى الحلم والانتظار، ويخلط بين الحقيقة والأسطورة ليخفف عبء الحاضر: «أصرّ (غالي) على دعوته لمشاطرة الجالسين هذا الليل الدسم بالسكرة والباجة، ليعرف أن الزمن الضائع هنا، وليس هناك في باريس، فالجميع هنا ضائعون تماماً» (ص 106).

* سطوع البارد: يعيش أزمة ضعف وانكسار داخلي، ويبحث عن أمان مؤقت في علاقات عابرة (المرأة الباشا) مثلاً، لكنه يكتشف أنها امتداد آخر لتبعية السلطة.

* خالد الخالد (قمع العقل): يمثل التصفية الكاملة للمثقف؛ حيث حوّلت السلطة فكره واختلافه إلى مرض وجنون داخل المصحة النفسية، لتوجه القمع نحو العقل ذاته ومحوه كلياً.

الحرب... والجسد

تنظر الرواية إلى الحرب بوصفها سبب الخراب الأساسي، وترفض الخطاب الذي يقدّسها. فالهروب منها ليس جبناً، بل رفضاً لها. كما تسخر من الواقع السياسي الذي يقوم على الإغراء والطاعة عبر المصالح المادية التي تُستعمل لتدجين الناس.

وفي ظل القمع والخوف، يظهر الجسد بوصفه مساحة للهرب والتعويض، خاصة في فضاء (المرأة الباشا)، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة مؤقتة لمواجهة الرعب والضعف. وتكشف الرواية عن جانب خطير من القمع، حيث تُستعمل المصحات النفسية أداة لإخضاع المعارضين ومحو ذاكرتهم عبر العلاج القسري والصدمات: «وأن إخضاعهم للتعقيم، ولتخريب ذاكرتهم أهداف تأتي من جهات عليا... وبما يجعل ذاكرتهم قابلة للتآكل والمحو» (الرواية: 100 - 101).

وأخيراً، تظهر الرواية كيف يتسرب (وحش) السلطة إلى حيوات الأبطال ليُجبرهم على الانكسار بطرق مختلفة: سيف انكسر قانونياً بتوقيع «تعهدٍ» جعله يراقب نفسه ويخاف ظله، وسطوع انكسر عاطفياً باحتماءٍ زائف في علاقةٍ سلبت استقلاله، وخالد انكسر جسدياً وعقلياً بصدماتٍ ومحوٍ للذاكرة في المصحة، بينما غالي انكسر زمنياً بهروبه من الواقع إلى الخمر والعيش في أوهام الحلم والانتظار.

بذلك، تقدم رواية «خيانات صاخبة» شهادة حيّة على مأساة جيل كامل من المثقفين الذين تآكلت أحلامهم؛ فهي تجسيد حقيقي لكيفية اشتغال الخوف الذي يقتل الإنسان ببطء ويسلبه هويته وكرامته، يرويها كاتبٌ عاصر هذه المرحلة وعاش تفاصيل رعبها بوعيه ونقده.

* ناقد عراقي


دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية
TT

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة الإنسانية بكل صراعاتها وآلامها وأحلامها إلى شعر متجذر»، وهي ليلى الأخيلية.

ولا يكتفي الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) «بتتبع سيرة ليلى الأخيلية أو جمع أخبارها، بل يتجه إلى تحليل تجربتها الشعرية من خلال منهج نقدي حديث، هو الأسلوبية التكوينية، في محاولة للكشف عن العلاقة بين اللغة الشعرية وشخصية الشاعرة وبيئتها وتجربتها الإنسانية بعامة» كما كتب الناشر.

يتضمن الكتاب مقدمة ومدخلاً وتمهيداً وأربعة فصول رئيسية، تناول أولها «الإطار اللغوي للأسلوب»، ودور الكلمات والأفعال والتراكيب في تشكيل المعنى الشعري، بينما بحث الفصل الثاني في «الأسلوب الفني» عند الشاعرة، مثل الانزياح والمفارقة والثنائيات الضدية والصورة الشعرية، بما فيها التشبيه والاستعارة والكناية، أما الفصل الثالث فتناول «الإيقاع الشعري التطبيقي» سواء الخارجي أو الداخلي، من البحور والقوافي إلى التكرار والجناس والتوازي، في حين خصص الفصل الرابع «قراءات نصية وفق منظور الأسلوب والأسلوبية» لتحليل تجربتين شعريتين لليلى؛ إحداهما في رثاء توبة، والأخرى في مدح الحجاج.

تكمن أهمية هذا الكتاب في اختيار شخصية شعرية لها أهمية كبيرة؛ فليلى الأخيلية لم تكن شاعرة تقليدية في زمنها، بل كانت امرأة ذات حضور اجتماعي وفكري، عرفت بقوة شخصيتها وفصاحتها، وعاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، وارتبط اسمها بقصة حبها الشهيرة مع الشاعر توبة بن الحمير، وهي القصة التي شكلت جانباً لا يُستهان به من تجربتها الشعرية.

وترى المؤلفة د. مي في كتابها أن شعر «ليلى كان فضاءً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع قضايا المجتمع والقبيلة والسلطة والمرأة، وقد استطاعت الشاعرة أن تجعل من تجربتها الخاصة مادة شعرية واسعة، تكشف عن شخصية امرأة تواجه ظروف عصرها بصوت واضح وحضور قوي».

وتشير الباحثة إلى أن جرأة ليلى الأخيلية تمثلت في إعلان حبها لتوبة دون خوف أو تردد، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السياق الاجتماعي آنذاك؛ إذ كان صوت الرجل العاشق غالباً هو المسيطر في قصص الحب، بينما جاءت ليلى الأخيلية لتمنح التجربة العاطفية صوتاً أنثوياً صريحاً ومباشراً أيضاً.

وتكشف بكليزي أن الشاعرة ليلى الأخيلية حازت على تقدير كبار الأدباء والنقاد قديماً، إذ أشاد بها عدد من الشعراء والعلماء، ورأى بعضهم أنها تجاوزت عدداً من الشعراء الفحول في جودة القول وقوة التعبير، ونبعت هذه المكانة من شعرها ومن حضور شخصيتها، إذ عرفت مجالس الخلفاء والأمراء، وكانت قادرة على الحوار والمواجهة بثقة، كما يظهر في مواقفها مع معاوية وعبد الملك والحجاج.

وفي جانب اللغة، تؤكد المؤلفة أن لغة ليلى الأخيلية امتلكت قدرة عالية على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء فني متكامل، فقد وظفت البيئة من حولها في شعرها، واستحضرت المكان والطبيعة والرموز المرتبطة بحياة البادية، كما استخدمت الإيقاع بما يخدم الحالة النفسية للنص، لتثبت عبر كل ذلك حضورها الأدبي والفني وامتلاكها أدوات البلاغة العربية والقدرة على توظيفها في شعرها، إلى جانب أنها لم تترك باباً من أبواب الإبداع إلا وطرقته، سواء في الصورة الشعرية أو الموسيقى أو في بناء المعنى.