إنجاز «الإصلاح» في الانتخابات المحلية البريطانية يربك حزبي «العمال» و«المحافظين»

فاراج عزّز حضور حزبه في مجلس العموم بمقعد خامس

زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» في بريطانيا نايجل فاراج يحتفل بعد فوز حزبه في انتخابات فرعية... 2 مايو 2025 (د.ب.أ)
زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» في بريطانيا نايجل فاراج يحتفل بعد فوز حزبه في انتخابات فرعية... 2 مايو 2025 (د.ب.أ)
TT

إنجاز «الإصلاح» في الانتخابات المحلية البريطانية يربك حزبي «العمال» و«المحافظين»

زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» في بريطانيا نايجل فاراج يحتفل بعد فوز حزبه في انتخابات فرعية... 2 مايو 2025 (د.ب.أ)
زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» في بريطانيا نايجل فاراج يحتفل بعد فوز حزبه في انتخابات فرعية... 2 مايو 2025 (د.ب.أ)

انتزع حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف، مقعداً برلمانياً من حزب «العمال» بزعامة رئيس الوزراء كير ستارمر، الجمعة، في الانتخابات المحلية التي وجَّهت ضربةً قويةً للحزبين التقليديين (العمال والمحافظين) في بريطانيا.

وفاز حزب «إصلاح المملكة المتحدة»، بزعامة نايجل فاراج المناهض للهجرة، في الانتخابات الفرعية في رنكورن وهيلسبي بشمال غرب إنجلترا بفارق 6 أصوات فقط، وحقَّق مكاسب في دوائر أخرى بما في ذلك رئاسة إحدى البلديات، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويواصل الأداء القوي لحزب «إصلاح المملكة المتحدة» الزخم الذي اكتسبه في الانتخابات العامة العام الماضي، ما يؤكد توجه بريطانيا إلى عصر السياسة المتعددة الأحزاب.

وقال فاراج، مناصر «بريكست»، عن أول فوز لحزبه في انتخابات فرعية وأول خسارة لستارمر منذ توليه منصبه في يوليو (تموز) الماضي: «بالنسبة للحركة وللحزب إنها لحظة مهمة جداً».

وعلّق ستارمر على هزيمة حزبه في هذه الانتخابات الفرعية، عادّاً النتيجة «مخيبة للأمل»، لكنه أكد تصميم حكومته على المضي «أبعد وأسرع» في الإصلاحات والتغيير، في مقابلة أجرتها معه شبكة «جي بي نيوز».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال زيارة إلى ليوناردو أحد أكبر موردي معدات الدفاع والأمن لوزارة الدفاع البريطانية في لوتون بشمال لندن... 2 مايو 2025 (رويترز)

انتزاع مقاعد

كذلك انتزع حزب «إصلاح المملكة المتحدة» عشرات المقاعد في مجالس محلية من حزبَي «العمال» و«المحافظين» في وقت تظهر بوادر تشرذم في المشهد السياسي البريطاني.

وفي المعركة على 6 مناصب لرئاسة بلديات، فاز «إصلاح المملكة المتحدة» في لينكولنشير الكبرى، بينما فاز حزب «العمال» بـ3 منها. غير أن حزب «العمال» بالكاد تُمكَّن من الاحتفاظ برئاسة بلدية نورث تاينسايد بعد تأرجح في نسبة التصويت بلغ 26 في المائة لصالح حزب «إصلاح المملكة المتحدة».

وقالت رئيسة بلدية لينكولنشير الكبرى الجديدة، أندريا جينكينز، إن «معركة إنقاذ قلب وروح بلدنا العظيم بدأت الآن».

وأضافت: «الآن وقد أصبح حزب الإصلاح في موقع سلطة، يُمكننا المساعدة على إعادة بناء بريطانيا تدريجياً».

وهذه أول انتخابات تُجرى في إنجلترا منذ أن تولى ستارمر رئاسة الوزراء، وتولت كيمي بادنوك قيادة حزب «المحافظين» المتعثّر العام الماضي.

وجرى التنافس، الخميس، على 1641 مقعداً في 23 مجلساً محلياً، وهو ما يمثل جزءاً صغيراً من أعضاء المجالس المحلية في إنجلترا، البالغ عددهم 17 ألفاً، لكن النتائج الأولية تشير إلى أن تقدم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» في استطلاعات الرأي ينعكس في صناديق الاقتراع.

وقال الخبير السياسي جون كورتيبس ﻟ«بي بي سي»، إن «السؤال الأهم الذي أردنا معرفته بعد هذه النتائج هو: هل استطلاعات الرأي مُحقة في الإشارة إلى أن حزب (إصلاح المملكة المتحدة) يمثل الآن تحدياً كبيراً لكل من المحافظين وحزب العمال؟ الإجابة عن هذا السؤال حتى الآن هي: نعم بكل وضوح».

ومن المتوقع أيضاً أن يحقق الليبراليون الديمقراطيون الوسطيون وحزب «الخضر» اليساري مكاسب، إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن البريطانيين يشعرون بخيبة أمل من الحزبَين الرئيسيَّين في ظل ضعف النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات الهجرة غير النظامية، وتراجع الخدمات العامة.

ويأمل حزب «إصلاح المملكة المتحدة» الذي تعهَّد بـ«وقف قوارب» المهاجرين غير النظاميين الذين يعبرون قناة المانش، أن يُسهم فوزه برئاسة بلديات، وحصوله على مئات المقاعد في المجالس، في تعزيز نشاطه الشعبي قبل الانتخابات العامة المقبلة المرجح إجراؤها في عام 2029.

زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» في بريطانيا نايجل فاراج يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد فوز حزبه في انتخابات فرعية... 2 مايو 2025 (د.ب.أ)

الصدارة بالاستطلاعات

وهيمن حزب «العمال» (يسار الوسط) وحزب «المحافظين» (يمين الوسط) على الحياة السياسية البريطانية منذ أوائل القرن العشرين.

وكتب جون كورتيس في صحيفة «التليغراف» هذا الأسبوع: «يبدو أن المشهد السياسي في بريطانيا آخذ في التشرذم».

وقال الخميس، إن الانتخابات «ستكون على الأرجح الأولى التي يشارك فيها ما يصل إلى 5 أحزاب بشكل جدي».

وفاز حزب «العمال» بأغلبية برلمانية في يوليو بنيله 33.7 في المائة فقط من الأصوات، وهي أدنى نسبة يحققها أي حزب يفوز في انتخابات عامة منذ الحرب العالمية الثانية.

وحصد المحافظون 24 في المائة فقط من الأصوات، وحصلوا على 121 مقعداً فقط من أصل 650 في البرلمان، في أسوأ هزيمة انتخابية للحزب على الإطلاق.

وحصل حزب «إصلاح المملكة المتحدة» على 5 مقاعد، وهو إنجاز غير مسبوق لحزب يميني متشدد بريطاني، علماً بأن أحد النواب أصبح الآن مستقلاً. وبعد فوز الجمعة أصبح عدد مقاعدهم 5 مرة أخرى.

فاز الليبراليون الديمقراطيون في يوليو بـ61 مقعداً إضافياً مقارنةً بالانتخابات السابقة، ورفع حزب «الخضر» تمثيله بـ4 أضعاف ليصل إلى 4 مقاعد.

وفاز حزب «العمال» في دائرة رنكورن بنسبة 53 في المائة من الأصوات العام الماضي، بينما حصل «إصلاح المملكة المتحدة» على 18 في المائة فقط.

وأفاد مسؤولو الانتخابات، مع إعلان نتائج أولية قبيل الساعة السادسة صباحاً (05.00 ت.غ) الجمعة، بحصول سارة بوتشين مرشحة حزب «إصلاح المملكة المتحدة» على 12645 صوتاً مقابل 12639 صوتاً لمرشحة حزب «العمال» كارين شور. وبلغت نسبة المشارَكة 46 في المائة.

وجاءت الانتخابات الفرعية في رنكورن إثر إدانة النائب العمالي مايك أمسبري بتهمة لكم رجل.

وقال متحدث باسم حزب «العمال» إن الانتخابات الفرعية «دائماً ما تكون صعبةً على الحزب الحاكم»، وإن الأحداث المحيطة بانتخابات رنكورن زادتها «صعوبةً».

وتصدَّر حزب «إصلاح المملكة المتحدة»، الثلاثاء، استطلاعاً أجرته مؤسسة «يوغوف» لنوايا التصويت في بريطانيا بنسبة 26 في المائة، متقدماً بـ3 نقاط على حزب «العمال» وبـ6 نقاط على حزب «المحافظين».

وواجه حزب «العمال» انتقادات؛ بسبب خفض الرعاية الاجتماعية، وزيادة الضرائب التي يقول إنها ضرورية لاستقرار الاقتصاد. ومع توجه حزب «العمال» نحو اليمين، فإنه يواجه تهديداً متزايداً من حزب الخضر (يسار).

كما يتعرَّض حزب «المحافظين» لضغوط من الليبراليين الديمقراطيين (يسار)، الحزب الثالث التقليدي الذي كان يأمل في تحقيق مكاسب في الجنوب الغني.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

شمال افريقيا وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

تعوّل حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة) في غرب ليبيا على إشراك عمداء البلديات ومجالسها المنتخبة في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

تتواصل في العاصمة التونسية، لليوم الثاني، السبت، محادثات ليبية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام العسكري والمؤسسي

خالد محمود (القاهرة )
الولايات المتحدة​ رجل يضع قبعة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» خلال مناسبة انتخابية في مونرو بميشيغان يوم الخميس (أ.ف.ب)

الأميركيون يتطلعون إلى «تغيير جذري» في الانتخابات

أفاد استطلاع أن الأميركيين يرغبون في تغيير جذري خلال الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط اعتقاد بتقصير داخلي وخارجي من الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب في حدث انتخابي في مونتانا في 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب ومعركة مجلس النواب... اختبار للأغلبية الجمهورية

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، الولايات التي ستحسم معركة مجلس النواب، وكيف لإعادة رسم الخرائط الانتخابية أن تغيّر موازين القوى

رنا أبتر (واشنطن)
العالم العربي الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

«الشرق الأوسط» (مقديشو)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.