رسوم ترمب الجمركية تضرب نشاط المصانع الصينية

إقالة وزير الصناعة واعتماد قانون تعزيز الاقتصاد الخاص

عمال ينقلون صناديق في منطقة تجارية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
عمال ينقلون صناديق في منطقة تجارية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

رسوم ترمب الجمركية تضرب نشاط المصانع الصينية

عمال ينقلون صناديق في منطقة تجارية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
عمال ينقلون صناديق في منطقة تجارية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

أظهر مسحٌ للمصانع، يوم الأربعاء، انكماش نشاط المصانع في الصين بأسرع وتيرة في 16 شهراً في أبريل (نيسان)، ما يُبقي على الدعوات لمزيد من التحفيز قائمة؛ حيث أدت حزمة الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترمب في «يوم التحرير» إلى إنهاء شهرين من التعافي.

وتتناقض هذه القراءة مع قناعة المسؤولين الصينيين بأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم في وضع جيد لاستيعاب صدمة التجارة الأميركية، وتشير إلى أن الطلب المحلي لا يزال ضعيفاً؛ حيث يُكافح أصحاب المصانع لإيجاد مشترين بديلين في الخارج.

وكان المصنعون يُجهّزون شحناتهم الخارجية مسبقاً تحسباً للرسوم الجمركية، لكن فرض الرسوم ألغى هذه الاستراتيجية، ما وضع ضغوطاً على صانعي السياسات لمعالجة إعادة التوازن الاقتصادي أخيراً.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات الرسمي في الصين إلى 49.0 نقطة في أبريل، مقابل 50.5 في مارس (آذار)، وفقاً للمكتب الوطني للإحصاء، وهو أدنى مستوى له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023، وأقل من متوسط ​​التوقعات البالغ 49.8 في استطلاع أجرته «رويترز».

وانخفض مؤشر مديري المشتريات غير الصناعي، الذي يشمل الخدمات والبناء، إلى 50.4 من 50.8 نقطة، لكنه ظل فوق مستوى 50 نقطة الذي يفصل النمو عن الانكماش.

وقال زيتشون هوانغ، الخبير الاقتصادي الصيني في «كابيتال إيكونوميكس»: «من المرجح أن يُبالغ الانخفاض الحاد في مؤشرات مديري المشتريات في تقدير تأثير الرسوم الجمركية بسبب الآثار السلبية على المعنويات، لكنه لا يزال يُشير إلى أن الاقتصاد الصيني يتعرض لضغوط مع تباطؤ الطلب الخارجي. وعلى الرغم من أن الحكومة تُكثّف الدعم المالي، فإنه من غير المرجح أن يُعوّض هذا التراجع بالكامل، ونتوقع أن ينمو الاقتصاد بنسبة 3.5 في المائة فقط هذا العام».

وأضاف هوانغ أن السلبية بين المشاركين في الاستطلاع «ربما تُبالغ في تأثير الرسوم الجمركية»، مُشيراً إلى أن «مؤشر طلبات التصدير الجديدة انخفض إلى أدنى مستوى له منذ أبريل 2012 بغض النظر عن اضطرابات حقبة (كوفيد – 19)».

ويأتي قرار الرئيس الأميركي ترمب بفرض رسوم جمركية على بكين بنسبة 145 في المائة في وقت عصيب للغاية بالنسبة للصين، التي تُعاني من الانكماش الاقتصادي بسبب تباطؤ نمو الدخل وأزمة عقارية مُطوّلة. واعتمدت بكين بشكل كبير على الصادرات لدعم الانتعاش الاقتصادي الهش منذ نهاية الجائحة، ولم تبدأ في اتخاذ خطوات لتعزيز الطلب المحلي بشكل أكثر جدية إلا في أواخر العام الماضي.

وقال تشاو تشينغهي، المسؤول في المكتب الوطني للإحصاء، في مذكرة مُرفقة بالبيان الصحافي، إن الانخفاض يُعزى إلى حد كبير إلى «التغيرات الحادة في البيئة الخارجية للصين».

وأظهر مسح منفصل للقطاع الخاص، نُشر يوم الأربعاء، انخفاضاً حاداً في طلبات التصدير الجديدة وتباطؤاً في النشاط الصناعي بشكل عام.

وانخفض اليوان الصيني مقابل الدولار بعد صدور البيانات؛ حيث أشارت أول بيانات منذ إعلان ترمب عن الرسوم الجمركية إلى بوادر مبكرة على تضرر الاقتصاد.

ونفت الصين مراراً سعيها للتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن حل للرسوم الجمركية، ويبدو أنها تراهن على أن واشنطن هي من ستبادر. ولذلك، قدّمت بكين خطط التحفيز لهذا العام لتخفيف المعاناة الاقتصادية الناجمة عن فقدان أكبر عملائها، مؤقتاً على الأقل.

وقال وانغ تشينغ، كبير محللي الاقتصاد الكلي في «أورينتال جينتشنغ»: «نتوقع أن يواصل مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الانكماش في مايو (أيار)، ولكن من المتوقع أن يرتفع إلى نحو 49.5 نقطة، مدفوعاً بزيادة سياسات النمو المستقرة».

وأضاف أنه قد تكون هناك حاجة إلى مزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة وزيادة الاحتياطيات التي يجب على البنوك التجارية الاحتفاظ بها مع تدهور الأوضاع.

ويوم الاثنين، صرّح تشاو تشن شين، نائب رئيس هيئة تخطيط الدولة الصينية، بأن اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح ستطرح سياسات جديدة خلال الربع الثاني من العام، بما يتماشى مع الظروف الاقتصادية السائدة... وذلك عقب تعهدات المكتب السياسي، الهيئة النخبوية لصنع القرار في الحزب الشيوعي، يوم الجمعة، بدعم الشركات والعمال الأكثر تضرراً من الرسوم الجمركية.

ويُجمع المراقبون للشأن الصيني على أن حرباً تجارية ثانية مع الولايات المتحدة ستؤثر بشكل كبير على النمو، إلا أن تشاو أعرب عن ثقته بأن البلاد ستحقق هدفها للنمو الاقتصادي لعام 2025، والبالغ نحو 5 في المائة.

وخفض كل من صندوق النقد الدولي و«غولدمان ساكس» و«يو بي إس» مؤخراً توقعاتهم للنمو الاقتصادي للصين خلال عامي 2025 و2026، مشيرين إلى تأثير الرسوم الجمركية الأميركية؛ ولا يتوقع أي منهم أن يصل الاقتصاد إلى هدف النمو الرسمي الذي حددته بكين.

وفي سياق موازٍ، أفادت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، يوم الأربعاء، بأن جين تشوانغلونغ، وهو شخصية بارزة في قطاع الفضاء والطيران الصيني، أُقيل من منصبه وزيراً للصناعة، وخلفه لي ليتشنغ، وفقاً للتقرير.

واتُّخذ القرار في جلسة عادية للهيئة التشريعية العليا في الصين، التي اختُتمت يوم الأربعاء. وكان لي قد خلف جين في منصب أمين عام الحزب الشيوعي بوزارة الصناعة في فبراير (شباط) الماضي.

وبالتزامن، أقرّ المجلس التشريعي الصيني، أعلى هيئة تشريعية في البلاد، يوم الأربعاء، قانون تعزيز الاقتصاد الخاص، وفقاً لوكالة أنباء «شينخوا» الرسمية. وسيدخل القانون حيز التنفيذ بدءاً من 20 مايو، ويتضمن أحكاماً تتعلق بالمنافسة العادلة، والوصول إلى الاستثمار والتمويل، وحماية الحقوق.


مقالات ذات صلة

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

الاقتصاد رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

اختارت اليابان والولايات المتحدة عدداً من المشاريع مرشحين أوليين ضمن خطة طوكيو الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو تنخفض بفعل تهديدات رسوم ترمب

شهدت عوائد سندات الحكومات بمنطقة اليورو تراجعاً طفيفاً، يوم الاثنين، مع لجوء بعض المستثمرين إلى أصول الملاذ الآمن، بعد تهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية إضافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار المنتدى الاقتصادي العالمي في مكان انعقاده بدافوس السويسرية (رويترز)

السعودية في دافوس... مشاركة مرتقبة في نقاشات الاقتصاد العالمي والتحولات الجيوسياسية

يستعد الوفد السعودي للمشاركة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 من خلال حضور واسع في عدد من الجلسات الحوارية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد «شيفرون» تصدر حالياً نحو 50 في المائة فقط من إنتاجها من النفط في فنزويلا وتورد الباقي للحكومة الفنزويلية كرسوم امتياز وضرائب (إكس)

«شيفرون» الأميركية لتسويق وبيع النفط الفنزويلي

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الولايات المتحدة تتحرك بأسرع ما يمكن لتوسيع إطار الترخيص الممنوح ​لشركة «شيفرون» لإنتاج النفط في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد إيلون ماسك يحضر مراسم تأبين الناشط المحافظ تشارلي كيرك في سبتمبر الماضي (أ.ب)

ماسك يطالب «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بـ134 مليار دولار تعويضات

بدأ الملياردير إيلون ماسك فصلاً جديداً وأكثر حدة في صراعه القضائي ضد شركة «أوبن إيه آي» وشريكتها الاستراتيجية «مايكروسوفت».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)

أفاد مصدران مطلعان لوكالة «رويترز» بأن اليابان والولايات المتحدة اختارتا عدداً من المشاريع مرشحين أوليين ضمن خطة طوكيو الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار، بما في ذلك مشروع مرتبط بمجموعة «سوفت بنك».

وأضاف المصدران، يوم الاثنين، أن الحكومتين كثّفتا مناقشاتهما لاختيار المشاريع الأولية ضمن خطة الاستثمار، التي تم الاتفاق عليها، وذلك جزءاً من اتفاقية طوكيو مع واشنطن لخفض الرسوم الجمركية على الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً للمصدرين، اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتهما لأن المحادثات غير علنية، فإن الجانبين يهدفان إلى إضفاء الطابع الرسمي على المشروع الأول قبل الزيارة المقررة لرئيس الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى الولايات المتحدة في الربيع.

كما أفادت أربعة مصادر بأن مشروعاً ضخماً للبنية التحتية، تشارك فيه مجموعة «سوفت بنك» في بناء مركز بيانات، من بين المشاريع المختارة. وتشمل حزمة الاستثمار اليابانية أسهماً وقروضاً وضمانات قروض من وكالتي اليابان الحكومية، بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وعقدت اليابان والولايات المتحدة أربعة اجتماعات للجنة الاستشارية منذ ديسمبر (كانون الأول) لمناقشة المشاريع المحتملة، بمشاركة وزارة التجارة ووزارة الطاقة الأميركيتين، ومن اليابان، وزارات الخارجية والمالية والصناعة، بالإضافة إلى بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وأضافت المصادر أن المحادثات قد بدأت بالفعل مع البنوك اليابانية الكبرى، التي قد تنضم إلى بنك اليابان للتعاون الدولي في تمويل المشاريع. وبناءً على مدخلات اللجنة الاستشارية؛ سترفع لجنة الاستثمار، برئاسة وزير التجارة الأميركي، توصياتها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سيتخذ القرار النهائي.

وفي حين أن صدور حكم من المحكمة العليا الأميركية بشأن شرعية التعريفات الجمركية العالمية التي فرضها ترمب بات وشيكاً، صرّحت طوكيو بأنها تعتزم المضي قدماً في مبادرة الاستثمار بغض النظر عن النتيجة، مؤكدةً أنها مصممة لبناء سلاسل إمداد رئيسية مشتركة تعود بالنفع على كلا البلدين.


دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
TT

دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)

دعت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، كاتارينا دروجه، الاتحاد الأوروبي لأن يدرس وقف واردات الطاقة من الولايات المتحدة، وذلك في ظل الخلاف بشأن المطالب الأميركية بالسيادة على غرينلاند.

وقالت دروجه، في تصريحات تلفزيونية: «هذا الاعتماد يمثل خطراً على صعيد السياسة الاقتصادية وسياسة الطاقة».

كان الاتحاد الأوروبي قد تعهّد، في صيف العام الماضي، في إطار الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة، بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية الرئيس دونالد ترمب، ومن بينها الغاز الطبيعي المسال. وقالت دروجه: «من وجهة نظري، ينبغي إعادة النظر تحديداً في هذا القرار».

وأوضحت دروجه أن ترمب لم يعد يقبل حدود الدول الأخرى، مشيرة في ذلك إلى الهجوم الأميركي على فنزويلا، وإلى إعلانه نيته وضع غرينلاند تحت السيطرة الأميركية.

وقالت دروجه: «بصفتنا الاتحاد الأوروبي، نحن بحاجة، الآن، إلى وضوح مفاده أننا لن نقبل مثل هذا التصرف من جانب ترمب»، مضيفة أن ذلك يعني إبداء الاستعداد لاتخاذ إجراءات مضادة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على اليد الممدودة لإتاحة استمرار الحوار.

ويُصر ترمب على أن الولايات المتحدة ستضم غرينلاند، وهو ما يرفضه، بشدة، الشركاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

كان ترمب قد أعلن، السبت، فرض رسوم عقابية على ألمانيا ودول أخرى بالحلف، في ضوء هذا الخلاف.


الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
TT

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة، في خطوة من شأنها أن تساعد في تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية.

ووفقاً للمصدرين، اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لعدم تخويلهما التصريح لوسائل الإعلام، أوصى بنك الاحتياطي الهندي الحكومة بإدراج مقترح ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية على جدول أعمال قمة الـ«بريكس» لعام 2026. ومن المقرر أن تستضيف الهند القمة في وقت لاحق من هذا العام، وفق «رويترز».

وفي حال تبني التوصية، سيكون هذا أول طرح رسمي لفكرة ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية بين دول الـ«بريكس»، التي تضم، من بين أعضائها، البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب أفريقيا.

وقد تثير هذه المبادرة تحفظات الولايات المتحدة، التي سبق أن حذَّرت من أي خطوات تهدف إلى تجاوز الدولار في المعاملات الدولية. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وصف تحالف الـ«بريكس» سابقاً بأنه «معادٍ لأميركا»، ملوحاً بفرض رسوم جمركية على أعضائه.

ويُعدّ اقتراح بنك الاحتياطي الهندي بربط العملات الرقمية للبنوك المركزية في دول الـ«بريكس» لتمويل التجارة والسياحة عبر الحدود طرحاً غير مسبوق؛ إذ لم يُنشر من قبل.

بناء الجسور

يستند المقترح إلى إعلان صدر خلال قمة الـ«بريكس» لعام 2025 في ريو دي جانيرو، دعا إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع في الدول الأعضاء، بما يسهم في جعل المعاملات العابرة للحدود أكثر كفاءة وسلاسة.

وكان بنك الاحتياطي الهندي قد أبدى اهتماماً علنياً بربط الروبية الرقمية الهندية بالعملات الرقمية للبنوك المركزية في دول أخرى؛ بهدف تسريع المعاملات الدولية وتعزيز استخدام العملة الهندية على المستوى العالمي. وفي الوقت نفسه، أكد البنك أن جهوده الرامية إلى توسيع نطاق استخدام الروبية لا تهدف إلى تشجيع التخلي عن الدولار الأميركي.

ورغم أن أياً من دول الـ«بريكس» لم تطلق عملتها الرقمية للبنك المركزي بشكل كامل، فإن الدول الخمس الرئيسية في المجموعة تنفذ حالياً مشاريع تجريبية في هذا المجال.

وقد استقطبت الروبية الرقمية الهندية، المعروفة باسم «الروبية الإلكترونية»، نحو 7 ملايين مستخدم من الأفراد منذ إطلاقها في ديسمبر (كانون الأول) 2022، في حين تعهدت الصين بتوسيع الاستخدام الدولي لليوان الرقمي.

وسعى بنك الاحتياطي الهندي إلى تعزيز اعتماد الروبية الإلكترونية عبر إتاحة المدفوعات غير المتصلة بالإنترنت، وتمكين برمجة تحويلات الدعم الحكومي، والسماح لشركات التكنولوجيا المالية بتوفير محافظ للعملات الرقمية.

وأشار أحد المصدرين إلى أن نجاح ربط العملات الرقمية لدول الـ«بريكس» يتطلب معالجة عدد من القضايا الأساسية، من بينها تطوير تكنولوجيا قابلة للتشغيل البيني، ووضع أطر حوكمة واضحة، وإيجاد آليات لتسوية اختلالات أحجام التجارة بين الدول الأعضاء.

وحذَّر المصدر من أن تردد بعض الدول في تبني منصات تكنولوجية طورتها دول أخرى قد يؤدي إلى تأخير تنفيذ المقترح، مؤكداً أن إحراز تقدم ملموس يستلزم توافقاً واسعاً بشأن التكنولوجيا والأطر التنظيمية.

وأضاف المصدران أن إحدى الأفكار المطروحة لمعالجة اختلالات التجارة المحتملة تتمثل في استخدام اتفاقيات مقايضة العملات الأجنبية الثنائية بين البنوك المركزية. ولفتا إلى أن محاولات سابقة بين روسيا والهند لزيادة التجارة بالعملات المحلية واجهت صعوبات، بعدما راكمت روسيا أرصدة كبيرة من الروبية الهندية ذات الاستخدام المحدود؛ ما دفع البنك المركزي الهندي لاحقاً إلى السماح باستثمار تلك الأرصدة في السندات المحلية.

وأوضح المصدر الآخر أن من بين المقترحات المطروحة إجراء تسويات أسبوعية أو شهرية للمعاملات عبر اتفاقيات المقايضة.

طريق طويل

تأسست مجموعة الـ«بريكس» عام 2009 على يد البرازيل، وروسيا، والهند والصين، قبل أن تنضم إليها جنوب أفريقيا لاحقاً. ومنذ ذلك الحين، توسعت المجموعة بانضمام دول جديدة، من بينها الإمارات العربية المتحدة، وإيران وإندونيسيا.

وعادت الـ«بريكس» إلى واجهة الاهتمام العالمي في ظل تصاعد الخطاب التجاري للرئيس الأميركي دونالد ترمب وتهديداته بفرض تعريفات جمركية، بما في ذلك تحذيرات موجهة إلى الدول المنضمة إلى المجموعة. وفي الوقت ذاته، عززت الهند تقاربها مع كل من روسيا والصين، في ظل مواجهتها لتوترات تجارية مع الولايات المتحدة.

وقد واجهت محاولات سابقة لتحويل الـ«بريكس» قوةً اقتصادية موازنة تحديات عدة، من بينها فكرة إنشاء عملة موحدة للمجموعة، وهي مبادرة طُرحت من قِبل البرازيل ثم جرى التراجع عنها لاحقاً.

ورغم تراجع الزخم العالمي للعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية مع تنامي استخدام العملات المستقرة، تواصل الهند الترويج للروبية الإلكترونية بوصفها بديلاً أكثر أماناً وخضوعاً للتنظيم.

وكان نائب محافظ بنك الاحتياطي الهندي، تي رابي شانكار، قد صرح الشهر الماضي بأن العملات الرقمية للبنوك المركزية «لا تنطوي على الكثير من المخاطر المرتبطة بالعملات المستقرة». وأضاف أن العملات المستقرة، إلى جانب تسهيل المدفوعات غير المشروعة والتحايل على ضوابط الرقابة، تثير مخاوف جدية تتعلق بالاستقرار النقدي والسياسة المالية والوساطة المصرفية والمرونة النظامية.

وذكرت «رويترز» في سبتمبر (أيلول) الماضي أن الهند تخشى أن يؤدي الانتشار الواسع للعملات المستقرة إلى تفتيت منظومة المدفوعات الوطنية وإضعاف بنيتها التحتية للمدفوعات الرقمية.