أنوار البابا الطيب

كان يرى أن العالم الإسلامي سائر على طريق التقدم والاستنارة

البابا في العراق (أ.ب)
البابا في العراق (أ.ب)
TT

أنوار البابا الطيب

البابا في العراق (أ.ب)
البابا في العراق (أ.ب)

لماذا ننعته بـ«الطيب»؟ لأنه جعل من الانفتاح على الإسلام والمسلمين أحد المحاور الأساسية لعهدته البابوية. وقد لقيتْ مبادراته أصداء واسعة في كلا العالمَين العربي والإسلامي. وربما كانت أجمل صورة سيحتفظ بها التاريخ عنه هي عندما رأيناه يوقِّع في أبوظبي على وثيقة «الأخوة الإنسانية» مع شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، بتاريخ 4 فبراير (شباط) عام 2019. عندئذٍ تَعانق الإسلام والمسيحية لأول مرة على الأرض العربية من خلال هاتين الشخصيَّتين الدينيَّتين الكبيرتين. وهي الوثيقة التي تدعو إلى السلام العالمي والعيش المشترك بين الأمم. إنها تدعو إلى الحوار والتعاون والتفاهم بين مختلف الأديان والأقوام والشعوب. وهذا يمثل تطبيقاً حرفياً أو شبه حرفي للآية الكريمة التي تقول: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا...» (الحجرات الآية 13).

ولكن المصيبة هي أن التيار الآخر المتشدد الذي يجتاح العالمَين العربي والإسلامي حالياً يرفض هذا الانفتاح والحوار والتعايش. إنه يراهن على الانغلاق والتعصب وإثارة النعرات الدينية والمذهبية وتهييجها إلى أقصى حدٍّ ممكن. فأي التيارين سوف ينتصر يا ترى؟ هل التيار الظلامي هو الذي سينتصر أم التيار الأنواري؟ هل المسلمون الحقيقيون هم الذين سينتصرون أم المتأسلمون المتاجرون بالدين كما يقول ممدوح المهيني في مقالة رائعة هنا في «الشرق الأوسط»؟ بناء على انتصار هذا التيار أو ذاك سوف يُحسم مصير العرب والمسلمين ككل. ليس لدينا أدنى شك في أن تيار الانفتاح والتقدم هو الذي سوف ينتصر في نهاية المطاف؛ لأنه يتماشى مع حركة التاريخ؛ ولأن العرب صناع حضارات كما برهنوا على ذلك في الماضي إبان العصور الذهبية. وليس لدينا أدنى شك في أن تيار التعصب والانغلاق سوف ينهزم؛ لأنه مضاد لحركة التاريخ. ولكن متى سيتحقق ذلك؟ المعركة لن تكون سهلة ميسورة، وإنما صعبة وضارية. هذا أقل ما يمكن أن يقال. قوى الماضي التي تشد إلى الخلف لا تزال حتى الآن أقوى من قوى المستقبل التي تشد إلى الأمام. القوى الظلامية الشعبوية الراسخة طيلة عصور الانحطاط لا تزال أقوى من القوى النهضوية التنويرية التي تبزغ أنوارها حالياً في شتى ربوع العالم العربي.

لتوضيح هذه النقطة أكثر، دعونا نَعُدْ إلى البابا ذاته وإلى تاريخ الأديان المقارنة. فعن طريق المقارنة تتوضح الأشياء. و«من لا يقارن لا يعرف» كما يقول المثل الصيني. لقد عبَّر البابا يوماً ما عن خطورة الحزازات المذهبية داخل المسيحية، عندما قال ما فحواه: «عندما كنت طفلاً صغيراً في بلادي، الأرجنتين، كانوا يقولون لنا إن البروتستانتيين جميعاً كفرة، سوف يذهبون إلى الجحيم. جميعهم عن بكرة أبيهم». كان ذلك في أربعينات القرن الماضي عندما كان البابا في التاسعة أو العاشرة من عمره. عندما يقول البابا هذا الكلام بعد أن كبر وبلغ من العلم والنضج مبلغه فإنه يكاد ينفجر بالضحك. ثم يضيف: كنا نعتقد اعتقاداً جازماً بأنه لا يمكن أن يدخل الجنة إلا الكاثوليك؛ لأنهم الفرقة الناجية الوحيدة في المسيحية.

وقد استطاعوا فرض هذه الفكرة لأنهم الأقوى والأكثر عدداً. نقول ذلك على الرغم من أن البروتستانتيين هم جماعة الإصلاح الديني. وبالتالي فهم الأكثر عقلانية وتطوراً في فهم الدين المسيحي، وهم الأكثر تحرراً من قوالب العصور الوسطى البالية والعقائد الدوغمائية المتحجرة. ولكنهم كانوا مغلوبين على أمرهم لأنهم أقلية، والحق دائماً مع الأكثرية. والأكثرية كانت تعدّهم زنادقة وكفاراً، بل ومرتدين عن الدين. ولذلك كانت تذبحهم وتُعمل المجازر فيهم على أساس طائفي محض. ولهذا السبب فروا من فرنسا بمئات الألوف هائمين على وجوههم. أما الآن فقد انتهت الحزازات المذهبية في أوروبا المستنيرة المتحضرة، وأصبحت من مخلفات التاريخ. ولم يعد الكاثوليكيون يكفِّرون البروتستانتيين أو يحرمونهم من نعمة الله ودخول الجنة. فلماذا لا يتحقق ذلك يوماً ما بين المسلمين عندما يستنيرون ويتحضِّرون؟ لا شيء مستحيلاً في التاريخ. حركة التقدم والتطور سوف تفعل فعلها يوماً ما بعد أن يتثقف الشعب ويتعلم. ثم يضيف هذا البابا الطيب قائلاً: «نحن جميعاً ننتمي إلى الجنس البشري. نحن جميعاً من مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين إلى آخره من مخلوقات الله، أو من عيال الله، كما يقول المفكر التونسي محمد الطالبي». فلماذا لا نؤمن بالوحدة من خلال التنوع والتعدد؟ لماذا لا نعدّ أنفسنا جميعاً إخوة في البشرية والإنسانية والآدمية؟ وهذا هو مضمون الوثيقة التاريخية الموقَّعة في أبوظبي. الناس الطيبون الأخيار موجودون في كل الأديان والمذاهب. ولكن المشكلة هي أن الأصوليين الانغلاقيين يرفضون ذلك رفضاً قاطعاً. إنهم لا يقيمون وزناً لأي شخص إن لم يكن ينتمي إلى طائفتهم أو مذهبهم، أو حتى تنظيمهم الحزبي ومرشدهم الأعلى. نقول ذلك على الرغم من أن القرآن الكريم يقرُّ صراحةً بالتنوع والتعددية. ألم يقل: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة»؟ ولكنه لم يشأ. هل الله عاجز عن جعل الناس كلهم على دين واحد؟ مستحيل. معاذ الله. الله قادر على كل شيء. ولكنه شاء التنوع والتعددية لحكمة تعلو على عقولنا وأفهامنا. وهذا يعني أن الفرقة الناجية كما يفهمها البابا هي تلك الفرقة التي تجمع كل الناس الطيبين الفاعلين للخير أياً كانت أديانهم ومذاهبهم. نقطة على السطر.

ثم يذكِّرنا البابا فرنسيس بهذه الحكمة الجوهرية: ينبغي أن نتحاشى المغالطات التاريخية. بمعنى لا ينبغي أن نسقط مفاهيم الحاضر على الماضي. بمعنى آخر لا ينبغي أن نحاكم أناس الماضي المساكين المحدودين عقلياً على ضوء مقاييس الزمن الحاضر. في الماضي كنا متعصبين وطائفيين لأن عقلية ذلك الزمان ما كانت تستطيع أن تتصور وجود دين آخر صحيح غير الدين المسيحي، أو وجود مذهب واحد صحيح غير المذهب الكاثوليكي البابوي. لم يكن يخطر على بالهم إطلاقاً إمكانية التعايش مع الآخر المختلف ديناً ومذهباً. كيف يمكن أن تتعايش مع كافر؟ أعوذ بالله، معاذ الله. ولكن أوروبا تطورت وتقدمت وتجاوزت كل هذه الانغلاقات المذهبية والطائفية. لقد خلفتها وراء ظهرها بسنوات ضوئية. ثم يردف البابا قائلاً: «إن العالم الإسلامي، الذي لا يزال غاطساً جزئياً في ظلمات العصور الوسطى، سائر على طريق التقدم والاستنارة لا محالة. ولكن ينبغي أن نكون صبورين معه. فهذه الطفرة المعرفية والإيمانية ليس من السهل تحقيقها بين عشية وضحاها». وهذا ما يقوله ريجيس دوبريه أيضاً وكل عقلاء الغرب. الأصولية المتطرفة لن تنتصر في نهاية المطاف في العالم العربي، ولكنَّ هزيمتها ليست بالأمر السهل، فالثورات العلمية والفلسفية والسياسية، بل وحتى الدينية، التي هضمتها الشعوب الأوروبية على مدار ثلاثة قرون، لا يمكن للشعوب العربية أن تهضمها على مدار ثلاثة عقود. يلزمنا وقت أطول. ثم إننا لا نهدف إلى استئصال الدين كما يزعم بعضهم، وإنما فقط إلى استئصال المفهوم الطائفي والظلامي والتكفيري للدين. فرق كبير.

نحن جميعاً ننتمي إلى الجنس البشري

البابا

ثم يرى البابا أنه لكي يتمكَّن العالم العربي من تجاوز الأصولية القروسطية المظلمة فإن عليه أن يقبل بتطبيق المناهج التاريخية والفلسفية الحديثة على نصوصه التراثية الكبرى مثلما فعلنا نحن مع الإنجيل والتوراة. فهذه هي الخطوة الأولى التي لا بد منها لتجاوز العقلية الانغلاقية والتفسيرات القديمة للدين. وهذا ما فعلناه نحن في أوروبا. ولولا ذلك لبقينا نذبح بعضنا بعضاً على أساس طائفي أو مذهبي حتى الآن. لا يمكن تجاوز الطائفية إلا عن طريق ثورة عقلية وفكرية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بفهم الدين وتفسيره. هذا شيء مؤكد. وبالتالي فأمام المسلمين مهمة ضخمة ينبغي أن يحققوها في السنوات المقبلة. كان الله في عونهم.

هذا، وقد صرَّح البابا في أثناء زيارته التاريخية الناجحة جداً للعراق عام 2021 قائلاً: «شيئان متضادان لا يجتمعان بأي حال من الأحوال: الإيمان بالله من جهة، وارتكاب العنف والتفجيرات العشوائية من جهة أخرى. من يؤمن بالله لا يمكن أن يستبيح دماء الناس الآمنين. ولا يمكن أن يمارِس أعمال التفجير والتكفير والترويع. كفانا عنفاً، كفانا تطرفاً، كفانا تعصباً. الرسالة موجهة للدواعش وكل الجماعات المتطرفة بطبيعة الحال».

أخيراً لقد كشف لنا البابا في مذكراته الأخيرة سراً دفيناً مهماً، وهو أنه تعرَّض لعملية اغتيال حقيقية في أثناء وجوده على أرض العراق. ولكن الله نجاه منها بمعونة المخابرات البريطانية. وهي من أقوى المخابرات وأكثرها دقةً وفاعليةً في العالم. ففي أحد لقاءاته العامة خلال تلك الزيارة، كان هناك شخصان داعشيان مدججان بالقنابل ومستعدان لتفجير المكان كله بمَن فيه البابا وغير البابا. مجزرة حقيقية. ولكن المعلومة البريطانية الحاسمة وصلت قبل آخر لحظة لحسن الحظ، فتمكنت السلطات العراقية من القبض عليهما وتحييدهما. انظر بهذا الصدد مذكرات البابا الصادرة في الترجمة الفرنسية عن دار نشر «ألبان ميشال» قبل بضعة أسابيع، في 400 صفحة بعنوان: «البابا فرنسيس مفعم بالأمل». السيرة الذاتية التي شكلت حدثاً تاريخياً في مجال النشر. ظهرت بشكل متزامن في أكثر من 100 بلد.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.