البنك الدولي يدعو الدول النامية للاتفاق «سريعاً» مع واشنطن بشأن الرسوم

دعا لاقتصاد ما بعد الحرب في أوكرانيا

حاويات شحن في محطة حاويات بميناء لوس أنجليس في الولايات المتحدة (رويترز)
حاويات شحن في محطة حاويات بميناء لوس أنجليس في الولايات المتحدة (رويترز)
TT

البنك الدولي يدعو الدول النامية للاتفاق «سريعاً» مع واشنطن بشأن الرسوم

حاويات شحن في محطة حاويات بميناء لوس أنجليس في الولايات المتحدة (رويترز)
حاويات شحن في محطة حاويات بميناء لوس أنجليس في الولايات المتحدة (رويترز)

أعلن رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، أن من مصلحة الدول النامية التوصل «سريعاً» إلى اتفاق مع الولايات المتحدة للحد من آثار الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

وقال بانغا في مقابلة خاصة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب التوصل سريعاً إلى اتفاق مع الولايات المتحدة؛ لأنه كلما تأخرت (هذه المفاوضات)، كانت الآثار سلبية على الجميع».

وأشار رئيس البنك الدولي إلى أن «الولايات المتحدة كانت حتى الآن تفرض أدنى رسوم جمركية في العالم، في حين أن الرسوم المطبقة في الدول النامية أعلى. نشجعهم على خفضها، فهذا مفيد للجميع، وقد أظهرت البيانات الاقتصادية ذلك بوضوح».

كان ترمب قد فرض بداية أبريل (نيسان) الحالي، رسوماً جمركية على معظم دول العالم بحد أدنى 10 في المائة، و25 في المائة على بعض السلع، وذلك قبل أن يعاود ويعلقها 90 يوماً، باستثناء الصين التي رفعها إلى 145 في المائة.

وردّ رئيس البنك الدولي أيضاً على انتقادات وجّهها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في وقت سابق من الأسبوع الماضي، قال فيها إن بانغا ورئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا يجب أن «يكسبا ثقة الحكومة» الأميركية. وأوضح بانغا: «الناس يُركّزون على الولايات المتحدة لأنها أكبر مساهم لدينا، لكن دولاً كبرى أخرى غيّرت حكوماتها: اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا. حتّى إنّ فرنسا غيّرت حكومتها مرتين»، وهذه الدول تطلب إيضاحات من البنك الدولي.

رئيس البنك الدولي أجاي بانغا (رويترز)

وشدد على أن مهمة مؤسسته لم تتغير، وهي تتمثل في مساعدة البلدان على القضاء على الفقر، خصوصاً من خلال توفير فرص عمل مستدامة، وهو ما يعني «الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة»، وهي نقاط متفق عليها مع الحكومة الأميركية، بحسب بانغا.

وذكر أن الأمر يتعلق أيضاً بإنتاج الكهرباء، في وقت كان رئيس البنك قد أبدى فيه - في بداية ولايته - رغبته في ربط 300 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بشبكة الكهرباء.

وقال: «يجب أن نأخذ في الاعتبار احتياجات كل بلد، ونضمن ألا يكون الإنتاج متقطعاً، وأن يكون لدينا مصدر الطاقة الأكثر ملاءمة من أجل ضمان إمدادات منتظمة طوال اليوم».

اقتصاد ما بعد الحرب

شدد رئيس البنك الدولي أجاي بانغا على ضرورة إشراك القطاع الخاص في الاستثمارات اللازمة لإعادة بناء أوكرانيا بعد انتهاء الحرب.

وأشار بانغا إلى أن جهود إعادة الإعمار ستكون هائلة، متحدثاً عن مبلغ قيمته «أكثر من 500 مليار دولار على مدى 10 سنوات، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا». وفق «الصحافة الفرنسية».

وقال: «سيكون من المستحيل العودة إلى ما كانت عليه الأمور، لذلك نحن بحاجة إلى إيجاد حلول مبتكرة». وسيشمل ذلك الإصلاحات التي سبق للحكومة الأوكرانية أن نفّذتها، موضحاً: «لكن يجب فعل المزيد»؛ بهدف «إيجاد طرق لجذب رؤوس الأموال الخاصة».

وتابع رئيس البنك الدولي: «نحن نُقدّر أنّ من بين الـ500 مليار دولار المطلوبة، سيأتي ثلثها تقريباً من القطاع الخاص».

وأردف: «هناك الكثير من القضايا المطروحة على الطاولة، كما تعلمون، بما في ذلك كيف يمكن لأوكرانيا استخدام ثرواتها من المعادن، من خلال العمل على شراكة، ربما مع الولايات المتحدة، من أجل التمكن من الاستثمار فيها».

وتريد الحكومة الأميركية دفع أوكرانيا إلى توقيع اتفاق «شراكة اقتصادية» من شأنه أن يُتيح إنشاء صندوق مشترك لاستغلال الموارد المعدنية، خصوصاً المعادن النادرة، وهو ما من شأنه أن يموّل إعادة إعمار أوكرانيا جزئياً.

ويأمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أن يُعوّض الاتّفاق مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية التي قدّمها سلفه جو بايدن إلى أوكرانيا.

وأشاد بانغا بـ«الإصلاحات التي تمّ تنفيذها حتى الآن، في سياق من الحرب، وهو أمر ليس سهلاً» من أجل جذب الاستثمارات الخاصة، داعياً الحكومة الأوكرانية إلى «بذل مزيد من الجهود».

وقال: «لقد بدأوا العمل على قطاع الطاقة وتنفيذ إصلاحات من شأنها أن تسمح للقطاع الخاص بالمجيء، وسنعمل على مشاريع يمكن أن تكون جذابة للمستثمرين، وتُساعدهم (الأوكرانيين) في الوقت نفسه على تحسين البنية التحتية لقطاعهم المصرفي».

وأوكرانيا ليست البلد الوحيد الذي شكل موضوعاً للمحادثات خلال هذا الأسبوع من اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ إذ إن بانغا ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا التقيا أيضاً ممثلين عن السلطات السورية الجديدة.

وقال بانغا: «نحن لسنا سوى في البداية، فالعقوبات لا تزال سارية وهذا ما يجعل الأمور أكثر تعقيداً»، مضيفاً: «ستذهب فِرَقنا وفرق صندوق النقد الدولي إلى هناك لمعرفة الاحتياجات بالتفصيل».


مقالات ذات صلة

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

الاقتصاد ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

أتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، عامه الأول في البيت الأبيض، وهو العام الذي اتسم بتبني نهج حمائي متشدد، وسياسات مالية متسارعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد فريدريش ميرتس يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة التنفيذية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في برلين يوم الاثنين (إ.ب.أ)

ميرتس يُحذر من تداعيات رسوم ترمب على الاقتصادين الأميركي والأوروبي

قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن تهديدات دونالد ترمب بفرض تعريفات جمركية على الدول التي تعارض مصالحه في غرينلاند ستنعكس سلباً على أميركا وأوروبا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته قاعدة «إيستر» الجوية العسكرية جنوب فرنسا 15 يناير 2026 (رويترز) play-circle

«مجلس الدفاع» الفرنسي يجتمع لمناقشة تطورات غرينلاند وسوريا وإيران

يجمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجلس الدفاع والأمن القومي، ظهر الاثنين، لمناقشة التطوّرات في العالم لا سيما في غرينلاند وإيران وسوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد عامل يضبط علمَيْ «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة بمقر «المفوضية» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

تهديد ترمب بضم غرينلاند يعيد الشركات الأوروبية إلى دائرة الخطر الجمركي

أعاد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الشركات الأوروبية إلى دائرة القلق؛ بعدما هدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي تعارض ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

رفع صندوق النقد الدولي مجدداً توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026، يوم الاثنين، في الوقت الذي تتكيف فيه الشركات والاقتصادات مع التعريفات الجمركية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب في دافوس... أجندة المليارديرات تلاحق وعود «الزعيم الشعبي»

الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
TT

ترمب في دافوس... أجندة المليارديرات تلاحق وعود «الزعيم الشعبي»

الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)

يصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إلى دافوس السويسرية للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، في توقيت سياسي حساس يتزامن مع الذكرى الأولى لتنصيبه. وبينما يحاول تسويق نفسه على أنه منقذ للاقتصاد الأميركي ومحارب لغلاء المعيشة، يجد نفسه محاطاً بالنخبة العالمية، والمليارديرات في بلدة جبلية تُعد رمزاً للرفاهية المفرطة، حيث يبلغ متوسط سعر شاليه التزلج فيها نحو 4.4 مليون دولار.

من «ماكدونالدز» إلى دافوس

خلال حملته الانتخابية، نجح ترمب في رسم صورة «زعيم شعبي» قريب من هموم الطبقة العاملة، وظهر في مشهد شهير وهو يقدم الوجبات في «ماكدونالدز». إلا أن عامه الأول في السلطة كشف عن ميل واضح نحو «العصر المذهب»؛ حيث تشير سجلاته العامة إلى قضاء وقت أطول مع أقطاب المال والأعمال مقارنة بالتواصل مع قاعدته من العمال، وفق «أسوشييتد برس». ويعلق أليكس جاكيز، رئيس السياسات في مركز «غراوند وورك»، قائلاً: «في نهاية المطاف، المستثمرون والمليارديرات في دافوس هم من يستحوذون على اهتمام ترمب، وليس العائلات التي تكافح لدفع فواتيرها».

شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)

أطماع غرينلاند تخطف الأضواء

رغم أن البيت الأبيض يحاول توجيه خطاب ترمب في دافوس نحو قضايا «القدرة الشرائية» لمواجهة تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، فإن ملفات السياسة الخارجية تبدو الأكثر استحواذاً على عقله. فقد برزت مساعيه لضم غرينلاند باعتبار أنه عنوان رئيس يهدد بتهميش أجندته الاقتصادية في المنتدى، وسط استياء واسع من الحلفاء الأوروبيين. وعلق ترمب على هذا التوتر بلهجة متحدية: «سيكون دافوس ممتعاً للغاية».

تآكل الثقة

تأتي هذه الزيارة في وقت حرج، حيث كشف استطلاع حديث لمركز (AP-NORC) عن حقائق صادمة لإدارة ترمب:

  • 60 في المائة من البالغين الأميركيين يرون أن سياسات ترمب أضرت بتكلفة المعيشة.
  • 16 في المائة فقط يعتقدون أنه ساعد «بشكل كبير» في جعل الحياة أكثر بساطة مالياً، وهي نسبة تراجعت بحدة مقارنة بـ 49 في المائة في بداية عام 2024.

حتى داخل البيت الجمهوري، بدأت الشكوك تتسرب إلى الناخبين الذين يرون أن النتائج الاقتصادية لم ترقَ إلى مستوى التوقعات المرتفعة.

ثروات المليارديرات في نمو مطرد

تكشف البيانات الاقتصادية عن فجوة تتسع باستمرار؛ فمنذ بداية عهد ترمب، نمت ثروات الـ0.1 في المائة الأكثر غنى في أميركا بمقدار 11.98 تريليون دولار، وهو ما يمثل أربعة أضعاف المكاسب التي حققها نصف الشعب الأميركي (الـ50 في المائة الأدنى دخلاً) خلال الفترة نفسها.

ورغم وعود ترمب بخفض أسعار الفائدة العقارية، ومنع الشركات الكبرى من احتكار المنازل، فإن المحللين يشككون في فعالية هذه الإجراءات، معتبرين أنها «تجميلية» لا تعالج الأزمة الهيكلية المتمثلة في نقص البناء، وارتفاع الأسعار بما يفوق نمو الأجور.

«القانون الكبير والجميل»

يفتخر ترمب بما يسميه «القانون الكبير والجميل»، الذي يقدم إعفاءات ضريبية على «البقشيش»، والعمل الإضافي. لكن لغة الأرقام الصادرة عن مكتب الموازنة بالكونغرس ترسم صورة مختلفة:

* الطبقة الوسطى: ستوفر ما بين 800 و1200 دولار سنوياً في المتوسط.

  • الأثرياء (أعلى 10 في المائة): سيحصلون على تخفيضات تصل إلى 13600 دولار.
  • المليونيرات: قد تصل مكاسبهم الضريبية إلى أكثر من 66500 دولار هذا العام وحده.

وزير الخزانة سكوت بيسنت يدلي ببيان من مقر البيت الأبيض الأميركي في دافوس (رويترز)

حكومة «نادي النخبة»

تعكس تعيينات ترمب مدى قربه من مراكز القوة المالية؛ حيث يحيط نفسه بوزراء ومستشارين تبلغ ثرواتهم المليارات، مثل وزير التجارة هوارد لوتنيك، والمبعوث ستيف ويتكوف. ورغم الصدامات العلنية أحياناً، كما حدث مع إيلون ماسك، فإن البيت الأبيض يصر على أن هذه «العلاقات الوثيقة مع أباطرة الصناعة» هي المحرك الذي سيؤمن تريليونات الدولارات من الاستثمارات.

تختتم المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، المشهد بقولها إن ثراء ترمب الشخصي هو سر قوته؛ ففي نظرها «هو رجل أعمال يفهم الاقتصاد»، لكن التحدي أمام ترمب في دافوس هو إثبات أن هذا الفهم سيترجم إلى رخاء في بيوت العمال، وليس فقط في حسابات المليارديرات الجالسين معه حول الطاولة.


ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)

أتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، عامه الأول في البيت الأبيض، وهو العام الذي اتسم بتبني نهج حمائي متشدد، وسياسات مالية متسارعة أحدثت صدمات في الأسواق العالمية، وأعادت صياغة التوازنات التجارية الدولية. ومع انتقال الإدارة إلى عامها الثاني، تبرز ملامح تحرر هيكلي من القيود المؤسسية، مع توجه لتعزيز التوسع في الصلاحيات الرئاسية عبر قرارات أحادية الجانب، مما يرفع من حدة المخاطر الجيوسياسية، ويعمق الانقسام في المشهدين السياسي، والاقتصادي للولايات المتحدة.

أجندة التغيير الجذري

عند عودته المظفرة إلى السلطة في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تعهد ترمب بإعادة تشكيل الاقتصاد، والبيروقراطية الفيدرالية، وسياسات الهجرة. وبالفعل، نفّذ جزءاً كبيراً من هذه الأجندة، ليصبح أحد أقوى الرؤساء في التاريخ الأميركي الحديث. وشملت إجراءاته الاقتصادية الجذرية تقليص حجم الجهاز الإداري الفيدرالي، وإلغاء وكالات حكومية، وخفض المساعدات الخارجية، وفرض تعريفات جمركية شاملة أثارت توترات تجارية عالمية. كما مرّر حزمة ضريبية ضخمة، وسعى لتقييد بعض اللقاحات، في وقت واصل فيه الضغط على المؤسسات الأكاديمية، والقانونية، والإعلامية، مع التركيز على أولوياته الاقتصادية المحلية.

تمركز السلطة وتحدي الاستقلالية النقديّة

وفي الأسابيع الأخيرة، أعاد ترمب طرح خطته المثيرة للجدل للاستحواذ على غرينلاند، ولوّح بخيارات عسكرية تجاه إيران، متجاهلاً المخاوف المتعلقة بالتحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول. وفي مقابلة مع «رويترز» الأسبوع الماضي، أبدى ترمب عدم اكتراثه بالتداعيات الاقتصادية المحتملة للضغط على باول، مصرحاً: «لا يهمني». كما أكد في حديثه لـ«نيويورك تايمز» أن القيد الوحيد الذي يحده باعتبار أنه القائد الأعلى هو «أخلاقياته الشخصية»، مما يعكس فلسفته في الحكم التي تُعلي من شأن التقدير الشخصي فوق القيود المؤسسية.

باول يتحدث عن تهديد إدارة ترمب بملاحقة جنائية بسبب تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي 11 يناير 2026 (رويترز)

معضلة التضخم واختبار الشعبية

ورغم إصراره على أن الاقتصاد الحالي هو «الأقوى» تاريخياً، يواجه ترمب ضغوطاً شعبية متزايدة جراء الضغوط التضخمية، وارتفاع الأسعار المستمر، وهو التحدي الأكبر قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني). وتزداد جهوده لخفض تكاليف المعيشة تعقيداً بسبب تضارب رسائله حول التضخم، الذي وصفه أحياناً بـ«الخدعة الديمقراطية». ويرى محللون أن التركيز المفرط على الشؤون الخارجية قد يضعف فاعلية سياساته الاقتصادية الداخلية، بينما يعتزم ترمب القيام بجولات ميدانية للترويج لخطته في معالجة غلاء الأسعار.

تحول مركز القرار الاقتصادي

من الناحية التنفيذية، استثمر ترمب الأوامر التنفيذية، وإعلانات الطوارئ لنقل ثقل القرار الاقتصادي من الكونغرس إلى البيت الأبيض. وتستند هذه السياسات إلى دعم الأغلبية المحافظة في المحكمة العليا، وسيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، وولاء أعضاء فريقه الوزاري، مما يمنحه قدرة استثنائية على التنفيذ دون عراقيل تذكر. ويصف المؤرخون الاقتصاديون هذا النفوذ بأنه غير مسبوق منذ عهد فرانكلين روزفلت (1933-1945) الذي تمتع بدعم شعبي، وتشريعي واسع لمواجهة الكساد العظيم، بينما يمارس ترمب سلطته الحالية في ظل انقسام حاد في الرأي العام.

المؤشرات السياسية ومخاطر نوفمبر

وفقاً لاستطلاع «رويترز/ إبسوس»، بلغت نسبة التأييد لأداء ترمب 41 في المائة، مقابل معارضة 58 في المائة، وهو رقم منخفض نسبياً للرؤساء الأميركيين. وحذر الاستراتيجي الديمقراطي أليكس فلويد من أن «تجاهل ضوابط سيادة القانون» قد يكلف الجمهوريين في صناديق الاقتراع. ومن جانبه، اعترف ترمب لـ«رويترز» بخطر فقدان السيطرة على الكونغرس في نوفمبر، محذراً حزبه من أن أغلبية ديمقراطية قد تعني مواجهة دعوى عزله للمرة الثالثة.

حصاد العام الأول

خلال عامه الأول، قلّص ترمب حجم القوى العاملة المدنية الفيدرالية، وأغلق وكالات، وخفّض المساعدات الإنسانية، وأصدر أوامر بمداهمات واسعة للهجرة، بل وأرسل الحرس الوطني إلى مدن تديرها السلطات الديمقراطية. واقتصادياً، أشعل حروباً تجارية بفرض رسوم على سلع معظم الدول، ومرّر قانوناً لخفض الضرائب، والإنفاق، وواصل مقاضاة خصومه السياسيين، وألغى أو قيّد الوصول إلى بعض اللقاحات، وهاجم الجامعات، وشركات المحاماة، ووسائل الإعلام.

ورغم وعده بإنهاء حرب روسيا في أوكرانيا منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة، أحرز ترمب تقدماً ضئيلاً نحو اتفاق سلام، بينما زعم أنه أنهى ثماني حروب، وهو ادعاء متنازع عليه على نطاق واسع، نظراً لاستمرار النزاعات في أماكن عدة من هذه المناطق الساخنة.

توقعات المرحلة المقبلة

قال المؤرخ الرئاسي تيموثي نافتالي إن ترمب مارس سلطاته التنفيذية خلال فترة رئاسته الثانية مع قيود أقل مقارنة بأي رئيس منذ عهد فرانكلين روزفلت. ففي السنوات الأولى من رئاسة روزفلت (1933-1945)، تمتع الرئيس الديمقراطي بأغلبية كبيرة في الكونغرس، ما مكّنه من تمرير معظم أجندته الداخلية لتوسيع نطاق الحكومة دون مقاومة كبيرة، بالإضافة إلى الدعم الشعبي الكبير لجهوده في مواجهة الكساد العظيم، بينما كانت المعارضة الجمهورية متفرقة، وضعيفة.

مبنى الكابيتول في واشنطن (أ.ب)

ويشير محللون واستراتيجيون من الحزب «الجمهوري» إلى أن صعوبة ترمب في إقناع الناخبين بأنه مدرك لتحدياتهم المعيشية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة، قد تدفع بعض النواب الجمهوريين إلى الابتعاد عنه لضمان حماية مقاعدهم في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر.

ويُظهر تحليل مسار سياسات ترمب الحالية أنه زاد من قوة الرئاسة التنفيذية بمعدل نادر، محوّلاً معظم عملية اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي إلى المكتب البيضاوي، مع الحد من تأثير الكونغرس، والضوابط المؤسسية. ومع ذلك، يثير «نقص الانضباط» في الرسائل الاقتصادية، وتشتت خطاباته الأخيرة قلق بعض الاستراتيجيين الجمهوريين، الذين يخشون أن يؤدي تركيزه على القضايا الخارجية إلى تراجع التأثير على الناخبين المتضررين من تكاليف المعيشة، مما قد يحفز بعض نواب الحزب للابتعاد عن سياساته، لحماية مقاعدهم الانتخابية.


النفط يرتفع على خلفية بيانات اقتصادية صينية إيجابية

مصفاة نفط تابعة لشركة صناعة النفط في صربيا (NIS) في بانشيفو (أ.ب)
مصفاة نفط تابعة لشركة صناعة النفط في صربيا (NIS) في بانشيفو (أ.ب)
TT

النفط يرتفع على خلفية بيانات اقتصادية صينية إيجابية

مصفاة نفط تابعة لشركة صناعة النفط في صربيا (NIS) في بانشيفو (أ.ب)
مصفاة نفط تابعة لشركة صناعة النفط في صربيا (NIS) في بانشيفو (أ.ب)

ارتفعت أسعار النفط، اليوم الثلاثاء، بعد أن عززت بيانات النمو الاقتصادي الصينية، التي فاقت التوقعات، التفاؤل بشأن الطلب، في حين تراقب الأسواق أيضاً تهديدات الرئيس دونالد ترمب بزيادة الرسوم الجمركية الأميركية على الدول الأوروبية بسبب رغبته في شراء غرينلاند.

وزادت العقود الآجلة لخام برنت 19 سنتاً، أو 0.3 في المائة، لتصل إلى 64.13 دولار للبرميل بحلول الساعة 01:00 بتوقيت غرينتش. كما ارتفع عقد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي لشهر فبراير (شباط)، الذي ينتهي يوم الثلاثاء، 25 سنتاً، أو 0.4 في المائة، عن إغلاق يوم الجمعة ليصل إلى 59.69 دولار.

وارتفع أيضاً سعر عقد خام غرب تكساس الوسيط لشهر مارس، وهو الأكثر تداولاً، بمقدار 0.08 سنت، أو 0.13 في المائة، ليصل إلى 59.42 دولار.

ولم تُجرَ تسوية لعقود خام غرب تكساس الوسيط، يوم الاثنين، بسبب عطلة يوم مارتن لوثر كينغ جونيور في الولايات المتحدة.

وقال توني سيكامور، محلل الأسواق في شركة «آي جي»، في مذكرة: «يتداول خام غرب تكساس الوسيط على ارتفاع طفيف... مدعوماً ببيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع من عام 2025 الصادرة أمس، والتي جاءت أفضل من المتوقع». وأضاف: «هذه المرونة لدى أكبر مستورد للنفط في العالم عززت معنويات الطلب».

ووفقاً للبيانات الصادرة، يوم الاثنين، نما الاقتصاد الصيني بنسبة 5.0 في المائة العام الماضي، محققاً بذلك هدف الحكومة من خلال الاستحواذ على حصة قياسية من الطلب العالمي على السلع لتعويض ضعف الاستهلاك المحلي. وقد خففت هذه الاستراتيجية من تأثير الرسوم الجمركية الأميركية، ولكن بات من الصعب الحفاظ عليها.

وأظهرت بيانات حكومية صدرت، يوم الاثنين، أن إنتاج مصافي النفط الصينية ارتفع بنسبة 4.1 في المائة على أساس سنوي في عام 2025، بينما نما إنتاج النفط الخام بنسبة 1.5 في المائة. وقد سجل كلا المؤشرين أعلى مستوياتهما على الإطلاق.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، تصاعدت المخاوف من تجدد الحرب التجارية بعد أن صرّح ترمب بأنه سيفرض رسوماً إضافية بنسبة 10 في المائة اعتباراً من 1 فبراير على السلع المستوردة من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، على أن ترتفع إلى 25 في المائة في 1 يونيو (حزيران) في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند.

وأضافت شركة سايكامور: «مما ساهم في دعم سعر النفط ضعف الدولار الأميركي، والذي نتج عن بيع الأسواق للدولار رداً على تهديدات الرئيس ترمب المستمرة بفرض تعريفات جمركية على غرينلاند».

وانخفض الدولار بنسبة 0.3 في المائة مقابل العملات الرئيسية. ويجعل ضعف الدولار عقود النفط المقومة بالدولار أرخص لحاملي العملات الأخرى.

وتُراقب الأسواق عن كثب قطاع النفط الفنزويلي بعد تصريح ترمب بأن الولايات المتحدة ستتولى إدارة هذا القطاع عقب القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.

وذكرت مصادر تجارية متعددة أن شركة «فيتول» عرضت النفط الفنزويلي على مشترين صينيين بخصومات تصل إلى نحو 5 دولارات للبرميل مقارنةً بسعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال لتسليم أبريل (نيسان).

كما تستورد الصين أكبر كمية من خام الأورال الروسي منذ عام 2023 بأسعار أقل من أسعار النفط الإيراني، وذلك بعد أن خفضت الهند، أكبر مستورد للخام، وارداتها بشكل حاد بسبب العقوبات الغربية وقبل حظر الاتحاد الأوروبي للمنتجات المصنعة من النفط الروسي، وفقاً لمصادر تجارية وبيانات الشحن.