سموتريتش... آخر من يريد إسقاط حكومة إسرائيل

يرى في وجود ترمب «فرصة العمر» لتحقيق مخططه

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية سموتريتش في أحد اجتماعات «الكابينت» (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية سموتريتش في أحد اجتماعات «الكابينت» (رويترز)
TT

سموتريتش... آخر من يريد إسقاط حكومة إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية سموتريتش في أحد اجتماعات «الكابينت» (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية سموتريتش في أحد اجتماعات «الكابينت» (رويترز)

الساذجون فقط في إسرائيل هم من يأخذون تهديدات وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بإسقاط حكومة بنيامين نتنياهو بمحمل الجدية؛ فخطوة كهذه ستكون بالنسبة إليه وحزبه بمثابة «انتحار سياسي»، بحسب وصف محللين وخبراء.

ويكاد البعض يجزم بأن كل تهديدات سموتريتش المقصود منها «تثبيت» هذه الحكومة، وإن أمكن إطالة عمرها لفترة أخرى وتمديد حكمها لما بعد سنة 2026.

فبادئ ذي بدء، يرى سموتريتش - اليميني القومي المتشدد - في الحكومة الحالية «فرصة العمر» التي ربما لن تعود، لتحقيق أهدافه السياسية الاستراتيجية والآيديولوجية؛ فهو صاحب ما يُعرف بـ«خطة الحسم» التي نشرها في سنة 2017، لتصفية القضية الفلسطينية.

ضمن هذه الخطة توسيع نطاق الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة إن أمكن، على نحو يفرض فيه السيادة الإسرائيلية على الضفة ويمنع إقامة دولة فلسطينية. وتشتمل الخطة على عدة مراحل، تبدأ بإشاعة الفوضى، وتحطيم السلطة الفلسطينية، والقضاء على «منظمة التحرير» وسائر الحركات الفلسطينية، وتنفيذ مخطط التهجير.

وإضافة إلى موقعه كوزير للمالية يتولى سموتريتش مهمة وزير ثانٍ في وزارة الدفاع، وهو المسؤول عن جمهور المستوطنين الذي يتجاوز نصف مليون نسمة في الضفة الغربية.

وتشير كل الدلائل إلى أنه يعمل حثيثاً، طيلة السنتين الماضيتين، على تنفيذ مشروعه.

فرصة العمر «الثانية»

ثانياً، يرى سموتريتش في وجود الرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض «فرصة عمر» أخرى يصعُب أن تتكرر؛ فهو يعتقد أن أفكار ترمب تتماهى مع مخططه الاستيطاني في الضفة الغربية، وأنه سبق اليمين الإسرائيلي ذاته في مشروعه لتهجير أهالي غزة.

ولهذا، فإن الوزير اليميني يرى أنه لا يجوز تمرير هذه الحقبة من دون تنفيذ خطوات عملية لتحقيق ذلك. وقد أعلن أنه سيضع خزينة الدولة تحت تصرف هذا المشروع لتمويل وتشجيع الهجرة الفلسطينية.

ثالثاً، تشير الغالبية الساحقة من استطلاعات الرأي التي جرت خلال السنتين الماضيتين إلى أن الجمهور الإسرائيلي لا يرى فيه قائداً سياسياً «مُقنِعاً»، حتى بين اليمين المتطرف والمستوطنين.

ومن المعروف أن سموتريتش دخل الكنيست (البرلمان) في الانتخابات الأخيرة على رأس تحالف مع حزب «عوتسما يهوديت» (العظمة اليهودية) بزعامة إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الحالي. وقد حصلا معاً على 14 مقعداً؛ ثمانية منها لحزب سموتريتش «الصهيونية الدينية»، وستة لحزب بن غفير.

أرشيفية للوزيرين المتطرفين في حكومة نتنياهو إيتمار بن غفير (يسار) وبتسلئيل سموتريتش (أ.ف.ب)

لكن الاستطلاعات تشير إلى أنه في حال إجراء انتخابات جديدة، سيسقط حزب سموتريتش ولن يتجاوز نسبة الحسم، البالغة 3.25 بالمائة من الأصوات، في حين سيزيد عدد مقاعد حزب بن غفير إلى تسعة أو حتى عشرة مقاعد.

ويرى خبراء أن هذا من شأنه أن «يصيب سموتريتش بالجنون»، وهو الذي يرى نفسه قائداً للمشاريع الفعلية ضد القضية الفلسطينية، في حين يعتمد بن غفير على «الجعجعة الكلامية».

«الشعبوية»... سمة العصر

ويلاحظ البعض أن سموتريتش يضع، مع فريق من المستشارين والاستراتيجيين، خطة لرفع أسهمه، مُتّبعاً طريق «الشعبوية» السائدة بين العديد من السياسيين في هذا العصر؛ فبها صعد اليمين في أوروبا، وبها انتصر ترمب في الانتخابات، وبها يصمد نتنياهو رغم الاحتجاجات. وعندما يدير نتنياهو حرباً على رونين بار، رئيس جهاز «الشاباك»، يحاول سموتريتش المزايدة عليه؛ فيسعى لإهانة بار علناً، بل يتجاوز ذلك إلى إهانة رئيس أركان الجيش الجديد، إيال زامير. فخلال جلسة مجلس الوزراء الأمني المصغر (الكابينت)، مساء الثلاثاء الماضي، انقض على بار الذي قررت الحكومة إقالته في مطلع الشهر، لكن محكمة العدل العليا جمدت القرار.

وكان سموتريتش قد أعلن مقاطعة أي جلسة يحضرها بار، وكان ذلك من أسباب عدم توجيه الدعوة إلى بار لحضور المشاورات الأمنية الحساسة حول غزة. لكن هذا القرار أثار ردود فعل واسعة، ليس فقط في إسرائيل، بل أيضاً لدى أصدقائها وحلفائها في الخارج، فاضطر إلى وقف مقاطعته، لكن عندما شرع بار في الحديث عن الوضع الأمني في تلك الجلسة، قاطعه سموتريتش وسأل نتنياهو: «لماذا نحتاج إلى سماع تقرير أمني منه؟ لقد استمعنا لتقرير من رئيس الأركان، وهذا يكفي».

لم يعلق نتنياهو، فما كان من سموتريتش إلا أن نهض وقال: «أنا ذاهب إلى الحمام».

اصطدام بالواقع

هناك قصة أخرى تتعلق بزامير؛ فقد اشترط سموتريتش للبقاء في الحكومة أن يكون شريكاً في القرار حول اختيار رئيس أركان الجيش الجديد، وكان له ذلك. ووقع الاختيار على زامير الذي كان قد ترك الجيش وأصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن؛ لأنه وافق على أن يكون ولاؤه للحكومة، وأن ينفذ سياستها المتعلقة بمواصلة الحرب على غزة، ووُصف وقتها بأنه رئيس أركان «هجومي»، وراح يضع خططاً حربية تصعيدية، لكن يبدو أن زامير بدأ يصطدم بالواقع، وتشابكت حساباته مع حسابات مرؤوسيه من ذوي التجربة، وصار قلِقاً مثل سابقيه من احتمال محاكمته هو وكبار ضباطه بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وبعدما كان يوافق على احتلال غزة، وعلى تولي مهمة إدارة شؤونها المدنية، غيَّر رأيه وقال إنه لا يريد أن يكون الجيش حاكماً عسكرياً في القطاع، ولن يكون الجهة التي ستوزع المساعدات فيه.

ووفقاً لموقع «واي نت» الإلكتروني، رد سموتريتش مخاطباً زامير: «ما هذا الذي تقوله من أن الجيش لن يفعل كذا ولن يفعل كذا؟ الجيش لا يختار مهامه. نحن قررنا وقلنا إنه يجب أن تستعدوا لهذا الأمر».

وواصل هجومه: «نحن نقرر ماذا تفعلون وأنتم تقررون كيف ستنفذون. وإذا لم تكن قادراً على التنفيذ، فسنُحضر من هو قادر على ذلك. وإذا كنت لا تعرف كيفية التنفيذ، فسنجد من يعرف».

وربما كان أكثر ما أسعد سموتريتش هو أنه احتل عناوين الصحف ليومين، بدا خلالهما «القائد القوي» الذي يُقيم الحكومة ويُقعدها.

وسينتظر سموتريتش نتائج استطلاعات الرأي التي ستُنشر في نهاية الأسبوع، ليرى إن كانت هجماته قد ساعدته على استرداد أصوات الناخبين الذين تخلوا عنه.


مقالات ذات صلة

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي لقطة تُظهر أنقاض المباني التي دُمرت خلال الحرب في شمال قطاع غزة (رويترز)

تقرير: مقتل فلسطينيين اثنين برصاص إسرائيلي ونسف مربعات سكنية بغزة

ذكر تقرير إخباري أن فلسطينيين اثنين لقيا حتفهما برصاص الجيش الإسرائيلي في منطقتي جباليا البلد والواحة شمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية (رويترز)

تركيا توقف رجلين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل

أوقفت أجهزة الاستخبارات التركية شخصين للاشتباه بتجسسهما لحساب الموساد الإسرائيلي، وتزويده بمعلومات ساعدته في تنفيذ اغتيالات.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية صورة بتسلئيل زيني شقيق رئيس الشاباك (وسائل إعلام إسرائيلية)

الجيش الإسرائيلي: قضية تهريب البضائع لغزة «خطر كبير على أمننا»

أصدر الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، تعليقاً بشأن قضية تهريب بضائع لقطاع غزة، والمتهم فيها شقيق رئيس جهاز «الشاباك» و14 مشتبهاً بهم آخرين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.


رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.