مسؤول جزائري ينفي وجود استعداد لخوض حرب مع مالي

قلق متصاعد بعد المصادقة على «قانون للتعبئة العامة» وسط دعاية عسكرية غير عادية

من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)
من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)
TT

مسؤول جزائري ينفي وجود استعداد لخوض حرب مع مالي

من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)
من اجتماع الرئيس الجزائري مع أبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في 21 أبريل 2025 (الرئاسة)

استبعد مسؤول جزائري بارز توجه البلاد إلى حرب مع مالي، وذلك على خلفية إسقاط سلاح الجو الجزائري مسيّرة مالية مطلع الشهر الحالي.جاء ذلك بعد أن أثار إعلان السلطات عن قانون يخص «التعبئة العامة» قلقاً كبيراً في البلاد، وجاء في سياق دعاية عسكرية غير عادية بشأن إمكانية دخول نخبة القوات الخاصة في مواجهة مع «عدو خارجي».

اللواء عبد العزيز مجاهد (متداولة)

وصادق مجلس الوزراء، يوم الأحد الماضي، على مشروع قانون يضع الأسس القانونية لـ«التعبئة العامة»، وذلك في ارتباط مع نص دستوري يتيح للرئيس إعلانها، وقد بقي حتى الآن في وضعية «انتظار»، حيث خلفت إثارته المفاجئة على الساحة السياسية تساؤلات ومخاوف. وانتشرت بسرعة أخبار عن «عزم السلطات استدعاء جنود الاحتياط (نحو 300 ألف شخص) استعداداً لحرب وشيكة».

بقايا الطائرة المسيّرة المالية التي أسقطتها الجزائر (متداولة)

في هذا السياق، أجرى اللواء عبد العزيز مجاهد، المدير العام لـ«المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة» التابع للرئاسة، مقابلة مع الإذاعة العمومية، الثلاثاء، لطمأنة الجزائريين، لكن دون أن يزيل كلامُه تماماً الشكوكَ المحيطة بالأهداف الحقيقية للنص القانوني المرتقب.

وأكد اللواء أن هذا المشروع «لا يأتي نتيجة حالة طوارئ، بل يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز تنظيم المجتمع في مواجهة التحديات المعاصرة». وقال إن مشروع «قانون التعبئة العامة إطار دستوري بنيوي يحدد المسؤوليات الفردية والجماعية في حالات الأزمات، مع تعزيز روح المواطنة والتماسك الوطني».

وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت، في بيان صدر الأحد الماضي، أن مجلس الوزراء، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، صادق في اجتماعه على مشروع قانون يخص «التعبئة العامة» يهدف إلى «تحديد الأحكام المتعلقة بتنظيم وتحضير وتنفيذ التعبئة العامة، وفقاً لما هو منصوص عليه في (المادة99) من الدستور».

رئيس أركان الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

وتنص هذه المادة على أنه «لرئيس الجمهورية الحق في اتخاذ قرار التعبئة العامة في مجلس الوزراء، بعد الاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن، واستشارة رئيس مجلس الأمة (الغرفة البرلمانية العليا)، ورئيس المجلس الشعبي الوطني (غرفة البرلمان الثانية)».

ولفت مراقبون إلى توقيت إعادة طرح هذا المشروع، ارتباطاً بـ«السياق الجيوسياسي الإقليمي الذي يشهد حالة من عدم الاستقرار، وأيضاً بحكم أن الجزائر توجد في منطقة تطبعها توترات متعددة الأبعاد؛ أمنية واقتصادية».

وبالنسبة إلى قطاع واسع من الجزائريين، فإن تقديم هذا النص يبعث على التفكير في استعداد ضمني لمواجهة تهديدات خطيرة، وربما حتى سيناريوهات صراع، دون أن تقدم السلطات توضيحات دقيقة لطبيعة تلك التهديدات.

وحاول اللواء مجاهد تبديد هذه القراءات المثيرة للقلق، مشدداً على «ضرورة المشاركة الشعبية الواعية، وانخراط المواطن في مختلف أبعاد الحياة الوطنية»، مشدداً على أن «التعبئة العامة لا تعني الحرب، بل تعني التنظيم الجماعي والتضامن، والقدرة على الصمود في وجه شتى التحديات».

وأثنى العسكري المتقاعد، الذي كان مستشاراً للرئيس تبون في بداية ولايته الأولى (2019 - 2024)، على «التزام الجالية الجزائرية في الخارج بالدفاع عن الوطن»، وشدد على «أهمية دور كل مواطن في الحفاظ على السيادة الوطنية».

من تدريب تكتيكي بالذخيرة الحية (الدفاع الجزائرية)

وعلى الرغم من نبرة حديثه المطمئنة في ظاهرها، فإن مجاهد لم يقدم أجوبة عن المخاوف المطروحة: لماذا الآن؟ وما التهديدات المحدقة بالبلاد فعلياً؟ وما الحالات التي يمكن تطبيق هذا القانون فيها خلال الوقت الراهن؟

واللافت أن خطاب السلطات بشأن «التعبئة العامة» جاء بعد يوم واحد من حدثين متشابهين وقعا السبت الماضي؛ الأول: خطاب رئيس أركان الجيش، الفريق أول السعيد شنقريحة، أمام كوادر عسكريين، الذي أكد فيه أن بلاده «مستهدفة من طرف أعداء لا يريدون لها أن تبقى موحدة متماسكة ومتصالحة مع ذاتها، ومعتزة بتاريخها وموروثها الحضاري، ولا يراد لها أن تبني نفسها اقتصادياً واجتماعياً وعلمياً، ولا يراد لها كذلك أن تكون قوية ومنيعة ومتحصنة بكل أسباب القوة» من دون توضيح من يقصد. ورُبط كلامه بتوترات حادة مع الجيران في الساحل، خصوصاً مالي.

وشدد شنقريحة على أن الجيش «حريص على تمتين دعائم قدرتنا العسكرية واستنهاض أداتها الرادعة، لتكون دوماً بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التفكير في المسّ بسيادة الجزائر وأمنها الوطني ومقدراتها الاقتصادية».

وحمل خطاب قائد الجيش تلميحاً إلى وجود استعداد للدخول في مواجهة مع دولة ما.

أما الحدث الثاني، فيتمثل في عرض وزارة الدفاع عبر القنوات التلفزيونية المملوكة للدولة، تدريبات مكثفة لنخبة من القوات الخاصة، مرفقة بخطاب مشحون بالجاهزية للتصدي لـ«تهديد من الخارج».

وفي ليل 31 مارس (آذار) - 1 أبريل (نيسان) 2025 أسقطت الجزائر طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي قرب الحدود المشتركة، بعد أن اخترقت مجالها الجوي بمسافة 1.6 كيلومتر. ووصفت الجزائر الحادث بـ«المناورة العدائية الصريحة»، مؤكدة أن الطائرة «عادت في مسار هجومي؛ مما استدعى إسقاطها بأمر من قيادة الدفاع الجوي».

في المقابل، اتهمت مالي جارتها الشمالية بـ«العدوان المتعمد»، مشيرة إلى أن حطام الطائرة وُجد على بُعد 9.5 كيلومتر من الحدود الجزائرية. ورداً على ذلك، استدعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر لـ«التشاور»، بينما استدعت الجزائر سفيريها من باماكو ونيامي، وأجّلت اعتماد سفيرها الجديد في واغادوغو. كما قررت مالي الانسحاب من «لجنة رؤساء الأركان المشتركة»، وهي هيئة عسكرية تضم الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا، كانت تأسست عام 2010 لمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل.


مقالات ذات صلة

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

شمال افريقيا الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر )
شمال افريقيا منشأة غازية بشمال الجزائر (وزارة الطاقة)

الغاز الجزائري... بين تهافت العواصم الأوروبية ومحدودية الإمدادات

تجد الجزائر نفسها، بوصفها رائدة إنتاج الغاز في أفريقيا والعاشرة عالمياً، في قلب استقطاب دولي غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزيرا الخارجية الجزائري والإسباني خلال لقائهما في العاصمة الجزائرية (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر تقرر إعادة تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا

قرَّرت الجزائر، أمس (الخميس)، إعادة تفعيل «معاهدة الصداقة وحُسن الجوار والتعاون» التي تربطها بإسبانيا منذ أكتوبر «تشرين الأول» 2002.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية مع كبار المسؤولين الجزائريين (الرئاسة الجزائرية)

الغاز الجزائري يعيد رسم خريطة الثقة مع إسبانيا وإيطاليا

تقرر زيادة الإمدادات الجزائرية من الغاز إلى مدريد بنسبة 12 في المائة خلال زيارة وزير الخارجية الإسباني، اليوم (الخميس)، إلى الجزائر.


وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).