هل حان دور الصين لمواجهة تهديدات الإرهاب العابر للحدود؟

موسكو وبكين كانتا هدفين لتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»

جنود من «فرقة التدخل السريع - SWAT» خلال تدريب قتالي على مكافحة الإرهاب بمدينة هيتشي الصينية يوم 15 يناير 2025 (غيتي)
جنود من «فرقة التدخل السريع - SWAT» خلال تدريب قتالي على مكافحة الإرهاب بمدينة هيتشي الصينية يوم 15 يناير 2025 (غيتي)
TT

هل حان دور الصين لمواجهة تهديدات الإرهاب العابر للحدود؟

جنود من «فرقة التدخل السريع - SWAT» خلال تدريب قتالي على مكافحة الإرهاب بمدينة هيتشي الصينية يوم 15 يناير 2025 (غيتي)
جنود من «فرقة التدخل السريع - SWAT» خلال تدريب قتالي على مكافحة الإرهاب بمدينة هيتشي الصينية يوم 15 يناير 2025 (غيتي)

كانت إحدى السمات الأقل شهرة للحرب العالمية على الإرهاب، خلال العقدين اللذين أعقبا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، المحادثات التي تشاركت فيها الولايات المتحدة مع روسيا والصين بشأن مكافحته.

عناصر " داعش خرسان " منفذو الهجوم على مقر وزارة الاتصالات في العاصمة كابل "موقع أعماق"

وعلى الرغم من أن موسكو وبكين كانتا هدفاً للمتطرفين، مثل تنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فإنه كان هناك دائماً بعض الشكوك في واشنطن بشأن ما إذا كانت مشكلة الإرهاب في الصين بالحدة التي أعلنت عنها بكين.

هل كان «الحزب الشيوعي الصيني» يبالغ في حجم التهديد لتبرير القمع، الذي وصفته الولايات المتحدة ودول أخرى بـ«الإبادة الجماعية»؟ الآن، في عام 2025، لم يعد هناك شك بأن الصين في مرمى الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، فيمكن للجهات الفاعلة غير الحكومية العنيفة والقادرة والعازمة أن تسبب للصين المتاعب في مختلف المناطق الساخنة حول العالم، في سوريا وأفغانستان وباكستان وأماكن أخرى.

تُظهر هذه الصورة، الملتقطة في 3 أبريل/نيسان 2025، سيارةً متوقفةً بجوار أثر بوذي وقد كُتب على زجاج نافذتها الخلفية "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، على سفح تل منطقة شواكي، على مشارف كابل (أ.ف.ب)

ومنذ سقوط الدكتاتور السوري بشار الأسد في أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2024، استولى رجل الدولة أحمد الشرع على السلطة بمهارة.

غير أن المتشددين من الشيشان والبلقان وآسيا الوسطى، الذين ساعدوا في إطاحة الأسد، قد لا يكونون مؤيدين لمشروع الشرع الأكبر اعتدالاً لبناء الدولة الحديثة. وقد يؤدي ذلك إلى حدوث انشقاقات في الائتلاف الحاكم بسوريا، أو تجنيدهم من قبل تنظيم «داعش».

ومن بين هؤلاء متطرفون من الصين وآسيا الوسطى استغلوا الوقت بعد القتال، وحتى خلاله، ضد الأسد لتهديد الصين.

مقاتلو طالبان يقفون في حراسة موقع الانفجار ، بالقرب من مسجد ، في كابل ، أفغانستان ، الجمعة ، 23 سبتمبر ، 2022 (اب)

وبعد مدة وجيزة من فرار الأسد إلى روسيا، أصدر جهاديون شريط فيديو يُظهر الصواريخ التي جرى الاستيلاء عليها من مستودعات أسلحة الأسد، وهددوا الصين بصورة مباشرة.

وتعدّ أفغانستان أن خطر التهديد الإرهابي الرئيسي لجمهورية الصين الشعبية ومصالحها في آسيا الوسطى، يأتي من التنظيم المعروف اختصاراً باسم «داعش خراسان»، الذي يعمل انطلاقاً من أفغانستان.

تهديد «داعش خراسان»

ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وسيطرة حركة «طالبان» عليها في عام 2021، دبر تنظيم «داعش خراسان» سلسلة من الهجمات ضد حكومة «طالبان» وقوات الأمن، وكذلك ضد المواطنين والمصالح الأجنبية؛ بما فيها مصالح الصين.

وفي ديسمبر 2022، أسفر الهجوم الذي شنه تنظيم «داعش خراسان» على فندق «لونغ آن»، وهو فندق شهير لرجال الأعمال الصينيين الذين يزورون أفغانستان، عن مقتل 3 أفغان وإصابة 18 شخصاً؛ بينهم 5 مواطنين صينيين.

وبعد ذلك بشهر، استهدف هجوم انتحاري من تنظيم «داعش خراسان» وفداً من جمهورية الصين الشعبية خارج وزارة الخارجية في كابُل.

يقف أفراد أمن تابعون لطالبان حراسًا قرب نقطة الصفر عند معبر تورخام الحدودي الدولي بين أفغانستان وباكستان، في ولاية ننغرهار، في 20 أبريل نيسان 2025 (أ.ف.ب)

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن تنظيم «داعش خراسان» مسؤوليته عن مقتل مواطن صيني يعمل في شركة تعدين كان مسافراً بمقاطعة تخار الشمالية بالقرب من الحدود الطاجيكية. وفي السنوات الأخيرة، ركزت دعاية تنظيم «داعش خراسان» بشكل متصاعد على الصين، مسلطة الضوء على انتهاكات «الحزب الشيوعي الصيني» وقمع الأقليات المسلمة في الصين. وقد هدد التنظيم مشروعات البنية التحتية لـ«مبادرة الحزام والطريق» في أفغانستان؛ بما فيها عمليات التعدين ومشروعات خطوط الأنابيب في الشمال. ويرجع ذلك، إلى حد كبير، لاعتقاد التنظيم أن تهديد المواطنين الصينيين والمصالح الاقتصادية الصينية سوف يقوض المشروعات والاستثمارات التي يمكن أن تساعد حكومة «طالبان». غير أن «الحزب الشيوعي الصيني»، الذي كان أول حكومة تسمي سفيراً لها لدى أفغانستان التي تحكمها حركة «طالبان»، لديه ما هو أكثر من الربح أو استخراج الموارد، فهو ينظر إلى الاستثمار الاقتصادي بوصفه وسيلةً لتحقيق الاستقرار في ذلك البلد ودول آسيا الوسطى المتاخمة للصين. ولطالما كانت الصين حذرة من حدود المنطقة التي يسهل اختراقها والأرض الخصبة لتجنيد الجهاديين الذين يمكنهم أن يهددوا مصالح الصين الاقتصادية وأمن الطاقة في المنطقة.

وقد أدى الانسحاب الأميركي من أفغانستان إلى تفاقم هذه المخاوف؛ الأمر الذي يضع تنظيم «داعش خراسان» و«الحزب الشيوعي الصيني» في مسار تصادمي داخل أفغانستان، وربما في خارجها. وقد أظهرت الجماعة الإرهابية قدرتها على تنظيم هجمات إرهابية خارج أفغانستان، مثل التفجير المدمر الذي وقع العام الماضي في كرمان بإيران، والهجوم على قاعة «كروكس سيتي» في موسكو.

وفي باكستان، ربما يشكل الإرهاب والعنف السياسي أعلى التهديدات إلحاحاً ضد المصالح الاستراتيجية للصين، فقد أصبح الوجود الدبلوماسي الصيني والمصالح الاقتصادية والرعايا الصينيين هدفاً للمنظمات الإرهابية والانفصالية التي لها مظالم لدى بكين. ففي عام 2018، هاجم «جيش تحرير بلوشستان» الانفصالي القنصلية الصينية في كراتشي. وفي عام 2021، دبرت حركة «طالبان باكستان» هجوماً استهدف سفير الصين لدى باكستان.

كما شهد العام الماضي سلسلة من الهجمات المميتة التي شنها الجناح العسكري لـ«جيش تحرير بلوشستان» على مشروعات «مبادرة الحزام والطريق» في الجنوب وعلى العمال ورجال الأعمال الصينيين؛ بما في ذلك بمدينة غوادر الساحلية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجوم على قافلة بالقرب من مطار كراتشي أسفر عن مقتل اثنين من الرعايا الصينيين.

باكستان: تدهور الوضع الأمني

وقد أثار هذا الهجوم، الذي جاء في أعقاب عام محفوف بالمخاطر على الرعايا الصينيين والمشروعات الصينية، انتقادات حادة وقلقاً شديداً من «الحزب الشيوعي الصيني»، الذي حثّ باكستان على اتخاذ إجراءات ضد «جميع الجماعات الإرهابية المعادية للصين في البلاد».

وفي الأثناء ذاتها، تدهور الوضع الأمني العام في باكستان منذ استيلاء حركة «طالبان» على الحكم في أفغانستان المجاورة عام 2021. فقد شهد عام 2023 زيادة بنسبة 34 في المائة بالهجمات التي تشنها المنظمات الإرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.

وفي العام الماضي، وصل عدد الهجمات الإرهابية إلى أكثر من الضعف، فبلغ ألف هجوم. تركز أغلب تلك الهجمات على الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني، وهو يمر بالمناطق الواقعة على طول الحدود الأفغانية - الباكستانية، وفي منطقة بلوشستان حيث يجري تنفيذ كثير من مشروعات «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الرئيسية؛ مما يهدد هدفاً استراتيجياً رئيسياً؛ هو إنشاء طريق لاستيراد الطاقة لا يمر عبر مضيق ملقا الضيق. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أجرت بكين وإسلام آباد أول تدريبات عسكرية مشتركة لمكافحة الإرهاب منذ 5 سنوات. وفي فبراير (شباط) الماضي، اتفق الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الباكستاني آصف علي زرداري على تعزيز التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف لمكافحة الإرهاب. وفي نهاية مارس (آذار) الماضي، نشرت جمهورية الصين الشعبية بشكل دائم متعاقدين أمنيين خاصين في باكستان لحماية الرعايا الصينيين المشاركين في مشروعات «مركز التعاون الصيني - الباكستاني»، وهي خطوة غير مسبوقة.

وتعكس هذه الإجراءات، وغيرها كثير، على الأرجح إحباط بكين المتنامي وضغطها على إسلام آباد مع تدهور الأوضاع الأمنية. ومن الواضح أنها أصبحت قضية ملحة، وأن الصين قد تزيد من وجودها الأمني بالمنطقة تحت اسم حماية مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة.

* يُنشر هذا التقرير بالتنسيق مع «منتدى الأمن العالمي 2025» الذي تُعدّ مجلة «ديفينس وان» شريكاً إعلامياً له.

* خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
أفريقيا رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

أعلن «تنظيم القاعدة» مسؤوليته عن مقتل 7 من جنود جيش بوركينا فاسو وميليشيات مُوالية له بشمال البلد الواقع غرب أفريقيا

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024  (أ.ف.ب)

نيجيريا: جدل بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي

جدل في نيجيريا بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج التعاون مستمر بين الجانبين لمكافحة التطرف الرقمي والحد من انتشاره (الشرق الأوسط)

«اعتدال» و«تلغرام» يكافحان التطرف الرقمي بإزالة 97 مليون مادة خلال 2025

أسفرت الجهود المشتركة بين المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال) ومنصة «تلغرام»، في مجال مكافحة التطرف الرقمي، عن إزالة 97.611.787 مادة متطرفة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تحليل إخباري «تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

صنّفت واشنطن جماعة الإخوان المسلمين بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، بعد أكثر من 12 عاماً من حظرها في مصر.

محمد محمود (القاهرة)

تايوان تتهم صحافياً برشوة ضباط بالجيش لتسريب معلومات إلى الصين

يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)
يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

تايوان تتهم صحافياً برشوة ضباط بالجيش لتسريب معلومات إلى الصين

يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)
يمرّ زوار بجوار نقطة مراقبة بالكاميرا (وسط) وعَلم صيني (يمين) في جزيرة بينغتان أقرب نقطة إلى تايوان بمقاطعة فوجيان شرق الصين (أ.ف.ب)

احتُجز صحافي في تايوان، السبت بتهمة رشوة ضباط في الجيش لتقديم معلومات عسكرية لأشخاص من البر الرئيسي للصين، في الوقت الذي تكثِّف فيه الجزيرة، ذات الحكم الذاتي، حملتها ضد التسلل المحتمل من الصين.

وذكر مكتب الادعاء العام في منطقة تشياوتو بتايوان، في بيان، أن محكمة جزئية أمرت باحتجاز مراسل تلفزيوني يلقب بـ«لين» و5 ضباط عسكريين حاليين ومتقاعدين. ولم يحدِّد البيان هوية الصحافي، لكن قناة «سي تي آي تي في» أصدرت بياناً بشأن احتجاز مراسلها لين تشن-يو.

وقالت الشركة إنها لا تعرف تفاصيل القضية، لكنها دعت إلى عملية قضائية عادلة.

وبينما تلاحق تايوان بانتظام قضايا التجسُّس داخل الحكومة والجيش، فإن الاتهامات الموجَّهة ضد الصحافيين تعدُّ أمراً غير معتاد.

وتقوم بكين، التي تدعي أن تايوان جزء من أراضيها وتهدِّد بالسيطرة على الجزيرة بالقوة إذا لزم الأمر، بزيادة الضغط العسكري ضد الجزيرة. وفي الشهر الماضي، أطلق الجيش الصيني تدريبات واسعة النطاق حولها لمدة يومين بعد إعلان واشنطن مبيعات أسلحة ضخمة لتايوان.

ويتهم المدعون لين بدفع مبالغ تتراوح بين عدة آلاف إلى عشرات الآلاف من الدولارات التايوانية (عشرات إلى مئات الدولارات الأميركية) لضباط عسكريين حاليين مقابل تقديمهم معلومات لـ«أفراد صينيين». ولم يحدِّد المكتب هوية هؤلاء الأشخاص الصينيين، أو ما إذا كانوا مرتبطين بالحكومة الصينية.

وداهمت السلطات مقار إقامة الصحافي و9 عسكريين حاليين ومتقاعدين،الجمعة في إطار تحقيق في انتهاكات لقوانين الأمن القومي والفساد في تايوان والكشف عن معلومات سرية. وقالت قناة «سي تي آي» إن مكاتبها لم تتعرَّض للمداهمة.

ووفقاً لصفحة لين على «فيسبوك»، فقد كان مراسلاً سياسياً ومذيعاً يغطي أخبار الهيئة التشريعية في الجزيرة.


ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
TT

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا المسلمة في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

وتعقد أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة جلسات لمدّة 3 أسابيع في هذه القضيّة التي رفعتها غامبيا متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر أعمال قمع مارستها في حقّ أفراد هذه الأقليّة المسلمة سنة 2017.

وشدّد كو كو هلاينغ، الوزير المنتدب من الرئاسة البورمية أمام المحكمة التي تتّخذ في لاهاي مقرّاً، على «وجوب البتّ في هذه المسألة بناءً على وقائع مثبتة وليست ادعاءات لا أساس لها». وأشار إلى أن «الخطابات العاطفية والعروض الملتبسة للوقائع لا تقوم مقام تحليل معمّق للوضع».

ولطالما اعتبرت سلطات ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو» كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين الروهينغا بعد هجمات أودت بنحو 12 من عناصر الأمن.

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة الروهينغا المسلمة هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حيث تحدثوا عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واليوم، يعيش نحو 1.17 مليون منهم في مخيّمات متهالكة في كوكس بازار في بنغلاديش.

«وصمة عار»

واعتبر كو كو هلاينغ في المحكمة أنه «ما كان يجدر بميانمار أن تقف مكتوفة اليدين وتدع الإرهابيين يتحرّكون بلا حسيب أو رقيب في شمال ولاية راكين». وأشار إلى أن «هذه الهجمات كانت مبرّراً لعمليات التطهير، وهو مفهوم عسكري يحيل على عمليات صدّ التمرّد أو مكافحة الإرهاب».

وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة في ضوء شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني.

وفي 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة العدل الدولية التي تبتّ في منازعات بين الدول.

ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على بورما.

وصرّح الوزير المنتدب من رئاسة ميانمار بأن «إدانة بارتكاب إبادة جماعية من شأنها أن تشكّل وصمة عار على بلدي وشعبي»، مشدّداً على «الأهمية القصوى لهذه الإجراءات بالنسبة إلى سمعة بلدي ومستقبله».

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قدّمت غامبيا شهادات مروّعة عن أعمال القمع التي شملت اغتصابات جماعية وعمليات قتل وتعذيب.

وقال وزير العدل الغامبي متكلّما عن أفراد الروهينغا: «تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب؛ إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.