الرحّالة الأردني عبد الرحيم العرجان: «درب البدو» بسيناء ملهم

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يسعى لنشر ثقافة المسير وسياحة المغامرة

فريق الرحلة مع أصدقاء مصريين التقوا بهم في الطريق (الشرق الأوسط)
فريق الرحلة مع أصدقاء مصريين التقوا بهم في الطريق (الشرق الأوسط)
TT

الرحّالة الأردني عبد الرحيم العرجان: «درب البدو» بسيناء ملهم

فريق الرحلة مع أصدقاء مصريين التقوا بهم في الطريق (الشرق الأوسط)
فريق الرحلة مع أصدقاء مصريين التقوا بهم في الطريق (الشرق الأوسط)

لم يكن الرحّالة الأردني عبد الرحيم العرجان مصمِّماً فقط على خوض مغامرة سفر مثيرة، حين قرر قطع مسار «درب البدو» (مسافة 200 كم) في سيناء بمصر سيراً على الأقدام، بل كان مُصراً أيضاً على خوض رحلة سياحية توثيقية، وترْك مخزون من الذكريات والمعلومات والصور التي سيضيفها لأرشيفه، وكتابه الذي سيصدره قريباً.

وبعد تدريب وإعداد خاص لقطع مسافات طويلة كهذه، اجتاز العرجان سيناء ضمن «الدرب النبطي التاريخي»، المتقاطع مع طريق المحمل المصري البري، وذلك عبر الطريق المعروف بـاسم «درب البدو»، انطلاقاً من نويبع وصولاً إلى منطقة «الطور» على خليج السويس، ومروراً بثلاث محميات طبيعية تحت إدارة الحكومة المصرية، وهي طابا، ونبق، وسانت كاترين.

مسار «درب البدو» يقع خارج حدود المدنية ويتمتع بالعزلة التامة (الشرق الأوسط)

وشملت الرحلة المرور بعدد من الأودية، وعبور شقوق وممرات، واجتياز كثبان رملية، مع التخييم الذاتي، والحصول في بعض الأحيان على دعم لوجيستي من أبناء العشائر البدوية على طول الطريق. وتأتي المغامرة في إطار اهتمام الرحالة الأردني بالسفر، وقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام، حيث يعد السفر بحسب قوله «تجربة يتعرف خلالها على الإرث التاريخي، والتراث بشقيه المادي والمعنوي، فضلاً عن تنمية العلاقات بين البلدان، واكتساب الجديد من المعرفة».

يُشار إلى أن العرجان فنان فوتوغرافي، أقام معارض محلية ودولية، ويسعى لنشر ثقافة المسير وسياحة المغامرة، ويهتم بالتاريخ والتراث والأصالة، وأنجز كتاباً منذ عام حول «مسارات المسير والترحال في الأردن» باللغة العربية، وهو قيد الترجمة للإنجليزية، كما كتب 132 مقالاً عن سياحة المغامرة في صحف عربية وأجنبية، وعبر سيراً على الأقدام دولاً عدة، وبلغ قمماً، كان آخرها «ميرا بيك» في جبال الهيمالايا. وقدم 5 أبحاث علمية في مؤتمرات متخصصة، ولا ينقطع عن الترحال. يقول الرحالة، إن «كل محطة هي استعداد للتي تليها».

التخييم كان جزءاً من الرحلة (الشرق الأوسط)

واختار المغامر الأردني «درب البدو» لكونه «مساراً مخصصاً لعشاق المسير والترحال ومحبي الطبيعة ومغرمي الاستكشاف»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يتميز هذا المسار بأنه خارج حدود المدنية، ومعزول تماماً عن شبكات الاتصال والضوضاء».

ويرى العرجان أن هذا الطريق ملهم للغاية، بسبب قيمته التاريخية الكبيرة؛ إذ يتقاطع مع الطريق النبطي التاريخي الذي كان يربط ما بين الحميمة والبترا في المملكة الأردنية الهاشمية، ومصر وشمال أفريقيا»، وتابع قائلاً: «هذا الدرب له قيمة حضارية، حيث يتقاطع مع (درب محمل الحج المصري البري) العابر إلى الديار المقدسة في المملكة العربية السعودية، وهي من الدروب التي هُجرت بعد اختراع السيارات، وتعبيد الطرق».

الرحالة الأردني يسعى لنشر ثقافة المسير وسياحة المغامرة (الشرق الأوسط)

وأردف: «يبدأ الدرب من (محمية طابا) مروراً بمحمية (نبق)، ووصولاً لمحمية (سانت كاترين) قرب خليج السويس بطول 200 كم، واستغرق المسير 9 أيام بمعدل مشي يومي 7 ساعات خلال فترة النهار».

وعَدَّ الرحالة الأردني الدرب واحداً من أجمل المناطق التي سافر إليها، وأكثرها إثارة، وعن ذلك يقول: «هذا الطريق متنوع بالمشاهد الطبيعية والتاريخية؛ ويمر بكثير من الأودية، والصدوع الصخرية التي لا تتجاوز ممراتها المتر الواحد، وهي عوائق مثيرة للمغامرة، وتتطلب تعاون الفريق لاجتيازها؛ الأمر الذي يعطي متعة فريدة أثناء المسير».

الدرب متنوع بالمشاهد البيئية والطبيعية والتاريخية (الشرق الأوسط)

وأضاف: «تطلبت الرحلة اجتياز كثبان رملية ساحرة تسرق الألباب، وكان لكل مرحلة جمال يميزها، خصوصاً بين الجبال متعددة الألوان؛ بسبب خامات المعادن والأملاح التي تتكون منها، وقمنا بتوثيق كل ذلك بأجمل الصور».

شارك العرجان تأملاته حول مغامرة المشي في الطريق المصري، وتجربته في توثيق رحلته فريق مكون من 9 أفراد، من تنظيم وإدارة «آي كامب»، خضعوا لتدريب خاص للسير في البادية، والتكيف مع الظروف الصحراوية، في جنوب المملكة الأردنية؛ لتشابه البيئة مع مسارهم في سيناء، ويقول: «كنا فريقاً متجانساً في القدرة والإعداد، وتبادلنا الخبرات والمعرفة».

استكشاف المسار والتوثيق له بتدوين المعلومات والتصوير الفوتوغرافي (الشرق الأوسط)

الفريق مر في طريقه على مناطق يسكنها أبناء العشائر البدوية، وعن تلك المرحلة يقول العرجان: «رحب بنا أبناء هذه العشائر بحفاوة، وقد جمعتنا بهم محبة الطبيعة، وحس الاكتشاف، وعيش التجربة»، وتابع: «كانوا عنصراً أساسياً لنجاح الرحلة، وهم العارفون بغياهب البادية، وقصص المكان، وما فيه من طبيعة وكيفية استغلالها». وأوضح: «عرفت منهم كثيراً عن فوائد النباتات البرية، والتعامل مع العزلة، وحياة الخلاء، وطريقة التكيف معها».

الرحّالة الأردني حرص على التقاط صور في مختلف أنحاء الدرب ( الشرق الأوسط)

وعن مشاعره خلال الرحلة يقول: «لمست عمق الروابط بين الأردن ومصر: اللغة، العروبة، والعلاقة الأخوية المتينة بين الدولتين الشقيقتين»، وأضاف: «في الطريق، كنت أرفع العلم الأردني بفخر في كل موقع أصل إليه، وكان مثبتاً أيضاً على حقيبة ملابسي»، وتابع: «في رحلاتي، أحرص على حمل رسالة وطنية تعريفية، ودعوة لزيارة الأردن، والتعرف على مساراته الطبيعية والتاريخية، وهذه المرة، اخترت الترويج لمنطقة (الحميمة)، ذات الخصوصية المشتركة مع هذا المسار؛ فقد كانت ملتقًى لطرق القوافل عبر التاريخ، أثناء مرورها بين مصر وشمال أفريقيا والعاصمة النبطية البترا).

الرحلة توثق جمال المكان (الشرق الأوسط)

تجدر الإشارة إلى أن العرجان يعكف الآن على تدوين كتابه التالي في الترحال الدولي، وسيتضمن تفاصيل رحلته في «درب البدو»، مشفوعاً بصور التقطها بعدسته، فضلاً عن تضمينه مشروعه الثقافي المستمر، وهو إعداد موسوعة عربية للترحال.


مقالات ذات صلة

لمحبي المشي وركوب الدراجات... كمبريا الإنجليزية تعدكم بالكثير

سفر وسياحة لمحبي المشي وركوب الدراجات... كمبريا الإنجليزية تعدكم بالكثير

لمحبي المشي وركوب الدراجات... كمبريا الإنجليزية تعدكم بالكثير

يحمل ربيع عام 2026 معه حدثاً بارزاً لمحبي المشي لمسافات طويلة وركوب الدراجات في إنجلترا، مع إطلاق المسار المُجدَّد «كوست تو كوست» (من الساحل إلى الساحل).

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة التجارة بأميال السفر والضيافة الغير شرعية تكلف الشركات الكثير (شاترستوك)

كيف تتفادى سرقة أميال السفر على الإنترنت المظلم؟

كشف بحث جديد عن أن حسابات الولاء لشركات الطيران تتعرض للسرقة وتباع على «الإنترنت المظلم» Dark Web بأسعار زهيدة تبدأ من 56 بنساً فقط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة أرشيفية من داخل مطار برلين (رويترز)

مطار برلين سيبقى مغلقاً الجمعة بسبب الجليد الأسود

نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن متحدث باسم مطار برلين، قوله إن المطار سيظل مغلقاً، اليوم (الجمعة)، بسبب الجليد الأسود.

«الشرق الأوسط» (برلين)
سفر وسياحة «هومستيد» في نامبيتي (أفضل 50 فندقاً)

من المالديف إلى فيينا... أفضل فنادق للإقامة بحسب أشهر السنة

رغم أن السفر دائماً ما يكون مصدر بهجة، تتمتع كل وجهة حول العالم بلحظة تألق وإشراق خاصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زوار يلقون العملات المعدنية في نافورة تريفي في روما بعد أن فرضت المدينة رسوماً بقيمة يوروين لمشاهدتها عن قرب (أ.ف.ب)

نافورة تريفي بتذكرة دخول… خطوة جديدة لتنظيم السياحة في روما

سيُضطر السياح الراغبون في الاقتراب من نافورة تريفي الشهيرة إلى دفع رسوم قدرها يوروان (2.36 دولار)، وذلك في إطار مساعي مدينة روما للسيطرة على الحشود.

«الشرق الأوسط» (روما)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.