من طوكيو إلى الظهران... 8 أفلام تختصر روح السينما اليابانية

احتفاءً بتجربة المخرج الكبير كوجي يامامورا في مهرجان «أفلام السعودية»

فيلم «عودة النهر» افتتح عروض السينما اليابانية في المهرجان (تصوير: إيمان الخطاف)
فيلم «عودة النهر» افتتح عروض السينما اليابانية في المهرجان (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

من طوكيو إلى الظهران... 8 أفلام تختصر روح السينما اليابانية

فيلم «عودة النهر» افتتح عروض السينما اليابانية في المهرجان (تصوير: إيمان الخطاف)
فيلم «عودة النهر» افتتح عروض السينما اليابانية في المهرجان (تصوير: إيمان الخطاف)

لطالما عُرفت السينما اليابانية بفرادتها البصرية وعمقها الفلسفي، إذ تُجيد سرد التفاصيل الصغيرة بحسّ إنساني عالٍ، وتبني حضورها على لحظات السكون، وتأمل ما هو أبعد مما يُقال. وفي الدورة الحادية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، المُقامة حالياً شرق السعودية، حضرت هذه التجربة من خلال برنامج «أضواء على السينما اليابانية»، الذي أتاح للجمهور السعودي فرصة التعرّف على صوت سينمائي بعيد عن المألوف، لكنه شديد التأثير.

لم يكتفِ هذا البرنامج بالعروض، بل شمل ندوات ولقاءات مباشرة مع مُخرجين ومنتجين، من أبرزهم البروفيسور كوجي يامامورا، الذي احتفى المهرجان بتجربته عبر عرض فيلمين له مع استضافته في ندوة وحوارية وتقديمة ماستر كلاس حول تجربته الممتدة لـ40 عاماً في عالم الرسوم المتحركة، مستعرضاً كيفية بناء الأفكار وتطويرها، وذلك من خلال عمله الشهير Mt. Head الذي رُشّح لجائزة الأوسكار. كما شارك يامامورا مع صُناع أفلام يابانيين في ندوة بعنوان «أضواء على السينما اليابانية»، قدمت تجارب لافتة تروي رحلة السينما اليابانية في الوصول للعالمية.

حظيت عروض الأفلام اليابانية باهتمام الجمهور السعودي الذي حضر لمشاهدتها في المهرجان (تصوير: إيمان الخطاف)

ماسكازو كانيكو

ويعرض المهرجان 8 أفلام يابانية، أولها «عودة النهر» للمُخرج الياباني ماسكازو كانيكو، وحضرت «الشرق الأوسط» عرض الفيلم الذي يعود إلى اليابان عام 1958، حيث يسافر صبي صغير بمفرده إلى بِركة عميقة في الجبال؛ على أمل إنقاذ قريته وعائلته من الفيضان، متتبعاً تقليداً غامضاً. ويقدم الفيلم الطبيعة بصفتها عنصراً أساسياً، من النهر والأشجار وأصوات العصافير، وكل ذلك في قالب بصري يجعل المتلقي يشعر كأن هناك رحلة داخلية تجري تحت السطح.

وفي نهاية الفيلم، تحدَّث المخرج كانيكو، خلال جلسة حوارية معه عن تجربته والأفكار التي أراد إيصالها للجمهور، حيث أكد حرصه على ملامسة أعماق الجمهور عبر قصة إنسانية مليئة بالرمزيات، علماً بأنه قبل أن يتجه للسينما، كان كانيكو متأثراً بثقافات متعددة؛ من بينها الروسية والسلافية. وأول أفلامه الطويلة «The Albino’s Trees» عُرض في مهرجانات دولية، أما فيلمه الثاني «Ring Wandering» فحصد جائزة «الطاووس الذهبي» لأفضل فيلم في مهرجان الهند الدولي. وكانت له ندوة حوارية في المهرجان بعنوان «السرد المتدفق: الأسطورة، الذاكرة، والطبيعة في السينما».

8 أفلام

كما يَعرض المهرجان فيلم «أضواء أوزوماسا» للمُخرج كين أوتشياي، ففي استديوهات أوزوماسا الأسطورية في كيوتو، يواجه كيراياكو، المتقدم في السن - وهو سيد الموت بشكل جميل في أفلام الساموراي - خطر الزوال مع تلاشي شعبية الدراما التاريخية. لكن عندما يأخذ ممثلة شابة متحمسة تحت جناحه، قد يكون أداؤه الأخير هو الأكثر أهمية على الإطلاق.

يضاف إلى ذلك، أنه عُرض فيلم «أزرق وأبيض» للمخرج هايرويوكي نيشياما، ويتناول قصة ريوسوكي، الذي يعيش في حالة حزن، ويقوم بصنع الملح في يوم جنازة زوجته، بهدف الحفاظ على تاريخ الملح المحلي. وفيلم «توما رقم 2» للمخرج يوهي أوسابي، عن فتى يُدعى توما يقرر أن يضع والده، الذي يعاني الخرف، في دار رعاية، واكتشف كاميرا فورية في غرفة والده كان قد نسي تحميضها. وكانت الكاميرا، التي تحمل اسم «TOMA No. 2"، مليئة بذكريات عن والده.

ومن الأفلام اليابانية المشارِكة، فيلم «كابوراجي» للمخرج ريسا ناكا. وكابوراجي هو مصور لمجلة أسبوعية يكشف فضيحة تدفع ممثلة إلى الانتحار، ويقع في حالة من الركود لكنه يتعهد بالعودة إلى التصوير لرئيسه وزملائه. وفي أحد الأيام، يتلقى رسالة من مصدر مجهول يبلّغه بمعلومات عن فنانة مشهورة كان يطاردها.

المخرج كوجي يامامورا في ندورة حوارية بالمهرجان (الشرق الأوسط)

أفلام كوجي يامامورا

وأخيراً، هناك فيلمان للمُخرج كوجي يامامورا؛ الأول «جبل الرأس»، ويروي الفيلم قصة رجل بخيل يبتلع نوى الكرز، لتبدأ شجرة كرز النمو من رأسه، مما يجلب له الشهرة والمشاكل. وبأسلوبه الساخر والمستوحى من الفلكلور الياباني، يناقش الفيلم الجشع وعواقبه. وقد جرى ترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة قصير عام 2003. والفيلم الثاني «قصير للغاية»، ويستند إلى قصة قصيرة للكاتب هيديو فوروكاوا، حيث يبحث رجل عن أقصر شيء في طوكيو، ويكتشف أنه مقطع لفظي ينطق به رجل يحتضر. يستكشف الفيلم مفهوم الزمن واللغة بأسلوب بصري مبتكر. جرى عرضه في أسبوعَي المخرجين بمهرجان «كان» السينمائي 2024.

الحضور الياباني في المهرجان لم يكن مجرد مشاركة ثقافية، بل نافذة فتحت للجمهور السعودي والعربي أفقاً مختلفاً في تلقّي السينما. واللافت أيضاً أن هذا البرنامج لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع، إذ تحرص إدارة المهرجان سنوياً على تسليط الضوء على سينما عالمية غير تقليدية، فبعد أن كانت السينما الهندية حاضرة في الدورة الماضية، جاء الدور، هذا العام، على السينما اليابانية، في خطوةٍ تنمُّ عن وعي سينمائي عابر للحدود.

الجدير بالذكر أن المهرجان الذي تُنظمه «جمعية السينما»، بالشراكة مع «مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي» (إثراء)، ودعم هيئة الأفلام، أصبح احتفالية سنوية ينتظرها عشّاق السينما، وشهدت دورته الحادية عشرة الأعمال السينمائية التي حصلت على حضور لافت، لمراجعتها وطرح التساؤلات حولها، وسيسدل المهرجان الستار على عروضه وفعالياته، مساء الأربعاء المقبل.


مقالات ذات صلة

إدانات عربية وإسلامية واسعة لتصريحات سفير أميركا لدى إسرائيل

الخليج مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

إدانات عربية وإسلامية واسعة لتصريحات سفير أميركا لدى إسرائيل

نددت دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك اليوم (الأحد)، بتصريحات أدلى بها سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة سعودية رونالدو محتفلا مع لاعبي النصر بعد الفوز على الحزم (موقع النادي)

«بشت التأسيس» يزين احتفالات رونالدو بصدارة النصر

قاد الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو احتفالات النصر باستعادة صدارة الدوري السعودي للمحترفين، مرتديا البشت السعودي بطرازه القديم والتاريخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الخليج «التعاون الخليجي» عدّ تصريحات المسؤول الأميركي عن قبول سيطرة إسرائيل على أراضٍ عربية انتهاكاً صريحاً للمواثيق والمعاهدات الدولية (الشرق الأوسط)

استنكار خليجي إزاء تصريحات سفير أميركا لدى إسرائيل

أعرب مجلس التعاون الخليجي، السبت، عن رفضه واستنكاره للتصريحات غير المسؤولة الصادرة عن سفير أميركا لدى إسرائيل، التي تضمنت قبول سيطرة الاحتلال على أراضٍ عربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج تأتي هذه المساعدات في إطار الدعم السعودي المقدم عبر «مركز الملك سلمان للإغاثة» للشعب الفلسطيني في قطاع غزة (واس)

وصول الطائرة السعودية الـ81 لإغاثة أهالي غزة

وصلت إلى مطار العريش الدولي بمصر، السبت، الطائرة الإغاثية الـ81 التي يسيّرها «مركز الملك سلمان للإغاثة» وحملت على متنها سلالًا غذائية وإيوائية.

«الشرق الأوسط» (العريش)
الخليج جددت السعودية في هذا الصدد موقفها الراسخ برفض كل ما من شأنه المساس بسيادة الدول وحدودها وسلامتها الإقليمية (الشرق الأوسط)

السعودية تدين تصريحات سفير أميركي عن «حق إسرائيل» في الشرق الأوسط

أكدت السعودية رفضها القاطع لهذه التصريحات غير المسؤولة التي تعد خرقاً للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدبلوماسية، وسابقةً خطيرة في صدورها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز