سينما الأكشن الصينية: مغامراتها سطحية وصراعاتها مضحكة

غرام وانتقام ومعارك أبطالها غرباء

«غراند ماستر»: حركات الأصابع
«غراند ماستر»: حركات الأصابع
TT

سينما الأكشن الصينية: مغامراتها سطحية وصراعاتها مضحكة

«غراند ماستر»: حركات الأصابع
«غراند ماستر»: حركات الأصابع

المشهد
أنا هو...
* سأله المقدم: «من أنت؟»... قال له: «مخرج أعيش في لندن». وطفق يروي كيف وصل إلى لندن وكيف «عانى» بحثا عن فرص العمل، «وهي قليلة، ولا أنصح أي أحد أن يفعل ما قمت به إلا إذا كان مستعدا للتضحية والبذل من دون سؤال». قال ذلك «المخرج»، ووافقه ذلك «المقدم»؛ وطفقا يتكلمان عن مشروعه الذي ينوي تحقيقه والذي «أنا رأيي أنه سيحدث انقلابا في مفهوم السينما العربية»... صحيح. الانقلاب بدأ: المخرج ليس مخرجا والمقدم شرب المقلب وبعض المشاهدين كذلك.
* كلنا يمر بفترة نتخيل فيها أننا أناس آخرون: الكاتب يريد أن يصبح مثل توفيق الحكيم أو إرنست همنغواي، الممثل غارق في حب مارلون براندو أو آل باتشينو ويتصور أنه كان يمكن له أن يصبح أحدهما أو ثالثا أفضل منهما. المخرج يحلم بأن يكون المخرج ذاته الذي سيصعد منصـة «الأوسكار» ويرفع الجائزة بيده ثم يمضي الدقيقة الممنوحة له في شكر الماما والبابا والمحامي ووكيل الأعمال ولا تنسى الزوجة. ها هي تجلس هناك وتتساءل إذا ما كان سيتذكرها في لهفته أم لا.
* لكن، هناك فريق متزايد من الناس لا يتوقـف عند حدود التخيـل ولا التمني، بل ينتقل ليعيش في وهم الشخصية الأخرى التي تروق له. ما المطلوب؟ انتحال وظيفة؟ لم لا؟ «هو يفهم أصحاب الوظائف أكثر مني؟». إنه مخرج لأنه قال عن نفسه إنه مخرج. ناقد سينمائي لأنه يعتبر نفسه ناقدا سينمائيا.
* هذا انتحال كان لا بد أن يصدر فيه قانونا يحرمه كما يحرم القانون ذاته قيام شخص بانتحال شخصية طبيب أو صاحب مؤسسة وهمية لابتزاز الناس. فالناقد ليس من شاهد فيلما كل شهر أو حتى كل أسبوع وكتب رأيا ما عنه. هو حالة يـصاب بها عاشقون متيمون بالسينما من سنوات مبكرة، يبدأون خلالها مشاهدة الأفلام عوض استنشقاء الهواء، ومتابعة السينما بدلا من وجبات الطعام، يدخلون الصالات المعتـمة بدل معاكسة البنات أو يسهرون ليلا على شاشة فيلم قديم يعرضه التلفزيون عنوة عن مشاهدة «أراب آيدول». النقاد عشـاق متيمون، يملكون القدرة على عدم البوح بذلك العشق إلا لمن يثقون به، ويتابعون عالم السينما على نحو غير مجزأ، يذهبون إلى أوروبا لدراسة القانون أو طب الأسنان أو التخرج مهندسا «قد الدنيا»، لكنهم في السر يقعون في حب صالات السينما وما تعرضه.
* المخرج ليس كل من لديه كاميرا ديجيتال راح يصور بها بعض المشاهد وينتظر من يعاونه تكملتها. ليس كل من أخرج فيلما قصيرا أو اثنين - أو ربما اشتغل على فيلم كليب موجود على «اليوتيوب»، وليس من لم يصنع فيلما واحدا في حياته... لكن كل ذلك لا يهم. المهم أن يشير بأصبعه إلى صدره ويقول: أنا سينمائي؟ إذا كنت أنت سينمائي، إذن من كان يوسف شاهين أو محمد خان أو مارتن سكورسيزي أو أندريه تاركوفسكي؟ تلاميذك؟!
* قيمة التواضع ليست وحدها المفقودة فيما سبق، بل قيمة الوعي بالذات والمسؤولية التي يجب على كل فرد أن يحملها، قيمة الصدق بين المرء ونفسه أولا، ثم بينه وبين الآخرين. والدرب متاح لمن يرغب وكل يستطيع أن يحقق فيه، رغم الصعاب (بل إن الصعاب جزء من الرحلة)، قدرا حقيقيا، لكن ألا ينجز شيئا مما يقوله وينسب لنفسه الصفات، فإن ذلك يجعله، إذا لم يكن يعلم، أضحوكة من يعلم.

* أمامك اليوم نوعان من السينما الصينية: نوع ممل، ونوع مثير. نوع لا يتحرك إلا باللكز، ونوع لا يتوقـف. إذا ما كنت ترفض النوعين وتبحث عن سينما صينية ذات سمات فنية وإبداعية حقيقية، بات عليك أن تعود إلى عشرين سنة خلت عندما طالعتنا موجة جديدة من المخرجين الصينيين الذين أنجزوا نجاحات فنية مبهرة وأطلقوا أفلاما تسابقت عليها المهرجانات الرئيسة طمعا في الفوز بعرضها. بعد سبع سنوات من ذلك العهد، نفذ الأكسجين، تسرب الهواء من البالونات الملونة وتحول ربيع السينما الصينية إلى سراب.
بالطبع، هناك أنواع أخرى، مثل الكوميديا والدراما الاجتماعية وأفلام الرومانسيات، لكن ما أخذت المهرجانات تتخاطفه هو: إما أفلام تدعـي أنها مصنوعة للفن، وإما أخرى لا تدعي شيئا من هذا القبيل، لكن ليس لديها ما توفـره للمشاهد سوى مشاهد الأكشن ومقارعة السيوف وصعود الممثلين وهبوطهم من الأرض وإليها ربما بمصاعد كهربائية خفية.
طبعا، الغلبة هي لهذه الأفلام البراقة التي استمدت منوالها من أيام ما قام بروس ويليس بترويج سينما الكونغ فو في السبعينات بنجاح. مئات الأفلام تبعت خطاه، أنتجتها استديوهات هونغ كونغ. لكن الحاصل اليوم أن بيكينغ نفسها باتت المنتج الأول لها.
الحكايات ما زالت - على نحو أو آخر - هي ذاتها: غرام وانتقام. أسياد وعبيد. فرح وحزن. خير وشر. ظالمون ومظلومون، وذلك الصراع الذي يؤمـه فارس غريب ومجهول كانت سينما الوسترن سبقت إلى تقديمه في أفلام أفضل شأنا وقيمة.
في «غراند ماستر» لكار واي وونغ، نشاهد ذلك الرجل الآتي من مكان مجهول والذي لن تستمر الحياة من بعد وصوله كما كانت عليه قبل ذلك. قصـة «إب مان»، كما هو اسمه (وكما لعبه توني ليونغ تشيو واي) الذي درب بروس لي نفسه. المناسبة كانت نادرة للتعرف عليه وعلى كيف سنحت له فرصة ذلك ولقراءة بعض التاريخ الواقعي، لا سيما أنه شخصية حقيقية. لكن في نحو ساعة و110 دقائق شاهدنا كل شيء ما عدا المطلوب. شاهدنا نقاط المطر تنهمر بسرعة 30 ثانية للنقطة، وغبارا يرتفع عن الأرض كلما داس عليها أحد، وقفزا في العالي ومجابهة في الواطي والكثير من حركات الأصابع المعكوفة التي تليها ضربات مدروسة لا تحتمل الخطأ.
طريقها إلى العالمية
قبله، شاهدنا «تضحية» لتشن كايغي، الذي كان أحد عناوين السينما الصينية الجديدة قبل عقدين، والذي دار في تلك الفترة التي كانت لوردات الصين تتنازع على المناطق المختلفة من البلاد، وواحدة من تلك الأسر الكبيرة تتعرض لعملية فناء على أيدي رجال عصابة تنتمي إلى أسرة معادية. الناجي الوحيد منها هو طفل صغير، ولكي يدافع طبيب العائلة عنه يضحـي بولده هو، موهما الأعداء بأنه ابن العائلة الحاكمة. بعد عشرين سنة، ها هو الصبي قد شب وبات على شاكلة الممثل زاو ونهاو الذي يؤدي دور البطولة. وهو الآن منصرف إلى مواجهة المتآمر الذي قتل والده وتسبب في انتحار أمه وتشتيت المملكة.
الفيلم ملحمي، لكنه ليس بالحجم الكبير الذي صاغه كايغي من قبل. وهو بالتأكيد ليس بحجم أفلام تاريخية من النوع نفسه، يؤمـها اليوم مخرجون صينيون كثيرون، من بينهم زانغ ييمو، الذي كان ثاني أشهر المخرجين المحتفى بهم حول العالم، والأكثر نشاطا من كايغي تشن في هذا المضمار، فهو أنجز سلسلة من الأفلام المثقلة بفرسانها وبطولاتها وعناصرها الإنتاجية الكبيرة كما بحكاياتها الهاربة من مشاكل اليوم إلى الأمس البعيد. من بين أعماله: «بطل»، و«بيت الخناجر الطائرة»، و«لعنة الوردة الذهبية»، و«امرأة، مسدس ودكان نودل»، وكلها في خلال السنوات العشر الأخيرة وحدها.
إنه ليس خفيا أن السينما الصينية باتت ترى هذا النوع من الأفلام طريقها إلى العروض العالمية. أفلام هذا النوع هي التي تعرض في عواصمنا العربية، وفي العواصم الأوروبية وفي المدن الأميركية والكندية الرئيسة. قبل خمسة أعوام، حقق فيلم «سادة الحرب» (The Warlords) نجاحا كبيرا داخل وخارج الصين (كما نال جوائز محلية)، وهو عبارة عن ثلاثة رجال يتعاهدون على القتال معا في فترة سلالة كينغ التي حكمت الصين ما بين 1644 و1912. مثله في هذا الاهتمام فيلم «سبعة سيوف» الذي ينحو بنفسه للحديث عن بداية حكم تلك السلالة واضطلاع قلـة من المحاربين للوقوف في وجه الحكـام المتسلطين. ودائما، في هذه الأفلام، هناك أسباب جوهرية، فالمحاربون يريدون العدالة لهم ولمجتمعاتهم، بينما يحاول المسيطرون على الحكم القضاء عليهم. بما أن البطولة للقلـة، فإن الناتج هو معارك فادحة ومستفيضة، مع مشاهد من نوع فانتازي كأن يقفز المتحاربون في الفضاء، مقاومين نظرية الجاذبية، بل لاغين إياها من الوجود، فعلى علو بضع عشرات من الأمتار يستطيعون الجمود في مكانهم فلا يسقطون بينما يتبادلون القتال بالسيف.
أما استخدام الأسلحة بأنواعها، فهو أيضا جنوح شديد، إذ إن بعض تلك الأسلحة لها عقل يقرر بنفسه أين يتجه وكيف يصيب الهدف.
وإذا كانت السينما الهندية عـرفت بميلودرامياتها الغنائية - الكوميدية - العاطفية مع خلطة من المغامرات، واليابانية عرفت بأفلام الساموراي، والأميركية سابقا بأفلام الغرب، والبرازيلية بأفلام المصارعين المقنعين، فإن خروج هذا العدد الكبير من أفلام القتال الصينية ليس مفاجئا. كل ما هنالك هو أن الصين تنتج مئات الأفلام الأخرى، لكنها لا تصدر للخارج إلا أفلام السكاكين.
هذا هو السائد حاليا، لكن هناك سينما أخرى تختلف ولو أن ليس كل اختلاف أمرا محمودا. أحد أحدث الأفلام الصينية الجديدة «المختلفة» هو «إلى أن يفرقنا الجنون» لوانغ بينغ الذي يحصر نفسه لأكثر من ساعتين في مستشفى للمصابين بأمراض عصبية وللمجانين، ويلاحق بعض شخصياتهم على نحو من لا يعلم أن من شروط السينما التأمـلية أن يكون الموضوع المنوي تأمـله مثيرا للتأمل وصالحا للغاية، وإلا فإن العملية كلها تطويل ورتابة مع عوارض من الصداع والرغبة في مشاهدة فيلم آخر للتو، لربما ساعد في تذويب آثار التجربة.

هوليوود صينية

* تمر السينما الصينية اليوم برواج تجاري يجعلها متلهـفة للاستفادة منه. عشرات من أفلامها ما هي إلا نسخ من تلك التي عرفتها السينما الأميركية طويلا. سينما السيوف وفنون القتال اليدوية هي بديل للوسترن الأميركي، والأفلام التي تدور حول المقاومة الصينية للاحتلال الياباني تنتمي إلى نوعية سينما الحرب الأميركية في الخمسينات. أما أفلامها البوليسية (وأحد أنجحها أخيرا فيلم بعنوان «شارة الغضب»)، فما هي إلا استنساخات من أعمال بروس ويليس على طريقة غيت لي.

وحيد في آخر الكون
* الفيلم: Riddick
- إخراج: ديفيد تووهي.
- أدوار أولى: فين ديزل، مع جوردي مولا، مات نابل، كاتي ساكوف
- النوع: مغامرات- رعب [ الولايات المتحدة - بريطانيا - 2013]
- تقييم: *** (من خمسة)

* تعني «الوحدة» شيئا مختلفا بحسب اختلاف الشعوب. في السينما المصرية، كان فريد الأطرش، رحمه الله، يحب أن يحمل اسم وحيد في الأفلام، خصوصا تلك التي تصوره على أنه وحيد ومنقطع عن العالم. وحدته كانت حزنا كأغانيه وسمات وجهه. والذروة كانت حين تقع في حبـه البطلة بسبب ذلك الحزن البادي عليه.
لكن الوحدة في الأفلام الأميركية، هي من مفهوم آخر: الوحيد قد لا يكون بالضرورة رجلا باكيا أو مهموما، لكنه بالتأكيد شخص يرفض محيطه الاجتماعي لدرجة رفضه الأصحاب وازدرائه العواطف. ريديك، كما يؤديه فين ديزل في هذا الفيلم الذي يحمل اسم شخصيته والذي أنتجه ديزل نفسه، هو من هذا النوع. وحيد حتى العظم، أو - ببعض المرح - حتى آخر نقطة ديزل في مشواره فوق تلك الصقاع المظلمة على سطح كوكب فيه مخلوقات ناهشة للجسد.
نرى ريديك في مطلع الفيلم بساق مكسورة وعليه أن يعالج تلك الساق سريعا وإلا تناوبت عليه المخلوقات المتوحـشة التي تطارده. إنه مضحك بالفعل عندما يداوي البطل في أي فيلم كسرا في اليد أو الساق أو القدم بنفسه. لكن، ما الذي يستطيع ريديك فعله؟ إنه وحيد في آخر الكون وليست هناك مستشفيات حوله.
طوال الفيلم ينجو ريديك من خطر ليقع في خطر آخر: من وحوش على أربعة إلى أخرى على قدمين، ومن مخلوقات شيطانية إلى عاصفة هوجاء تقترب. ليس أنه يخلو من قصـة تربطه وشخصيات بشرية أخرى، لكن الأساس هنا هو أن ريديك فرد يحب الوحدة ويراها ملجأ نفسيا يتماشى وشخصيـته المنطوية والواثقة بأنها تعرف ما تريد وتستطيع الوصول إليه منفردة أفضل وأسرع من الوصول إليه بصحبة آخرين.
فين ديزل في الدور هو طينة أخرى غير تلك التي يبدو عليها كلما أبدى سعادته وراء مقود واحدة من سيارات سلسلة «سريع وغاضب». إنه يملك الهيئة البدنية التي تساعده على أن يبدو واقعيا في أدوار الخطر، ثم تلك الملامح الهادئة التي تكشف عن نفس حسـاسة. وهو اعتاد هذا الدور كونه صاحب السلسلة من عام 2000 عندما قام والمخرج تووهي بتقديم «سوداء داكنة» كأول فيلم من بطولة هذه الشخصية المغامرة. ذلك الفيلم كان جيدا ومتينا. الثاني تخلـف قليلا. هذا الثالث أفضل من الثاني ومواز للأول في متانته التنفيذية. لا يخجل من أن يكون مصنوعا للترفيه لأنه يوفر لونا فنيـا فيه، مبتعدا عن السهل والصارخ والمبتذل. لا يخجل الفيلم أيضا من تقديمه، كشخصية، كرجل يعيش في الوقت المستعار من الموت. كما يقول في التعليق: «لا أعرف كم مرة تم شطبي من الحياة».
للفيلم دكانة مرغوبة في الأجواء كما في اللون وفي التحليل النفسي لشخصية بطله. أكثر من مرة يبتدئ الكوكب الذي لا يحمل اسما كما لو كان الصراع الأخير قبل القيامة. والفيلم يستعير فعلا أجواء أحد مشاهد فيلم فرنسيس فورد كوبولا «سفر الرؤيا... الآن». المشهد الذي نرى فيه مارتن شين وهو يخرج من الماء بوجه يسيل عليه الدم.
ربما المشهد أقوى من أن يتحمـله البعض، لكن الفيلم موجـه إلى البعض الآخر. وفي كل الأحوال هو استعادة لسينما ترفيهية مضبوطة الصنعة.

* TOP 10

1 (-) Cloudy with a Chance of Meatballs 2: $34.017.930 **
المخترع فلينت يجد أن الشركة التي يعمل لها تغش في العناصر المؤلـفة لاختراعه فيستقيل ويحاول إعادة الأمور إلى سيرتها الأولى في هذا الأنيماشن المتوسط.
2 (1) Prisoners: $10.865.262 ***
الفيلم الثاني من بطولة هيو جاكمن خلال أسابيع قليلة بعد «وولفرين». «سجناء» مختلف في أنه فيلم تشويقي، لكنه ممتزج بوضع درامي فاعل حول رجل يبحث عن ابنته المخطوفة.
3 (-) Rush: $10.014.920 ****
منافسة شديدة بين سائقي سيارات سباق؛ هما: جيمس هانت (كريس همسوورث)، ونيكي لاودا (دانيل برول) في هذه الدراما المشوقة المأخوذة من أحداث وشخصيات حقيقية.
4 (-) Baggage Claim: $9.031.102 **
دراما عاطفية نسائية في معالجتها (رغم أن مخرجها وكاتبها رجل هو ديفيد تالبرت) حول امرأة بلغت أواخر الثلاثينات في حياتها وما زالت بلا عريس.
5 (-) Don Jon: $8.677.009 **
الممثل جوزيف غوردون - ليفيت ينجز هنا أول فيلم من إخراجه: دراما خفيفة حول رجل يبحث عن معنى الحياة راغبا في الوقوع في حب من تستأهل شغفه العاطفي.
6 (2) Insidious Chapter 2: $6.552.114 *
قفزة رباعية إلى الوراء لفيلم الرعب الذي يدور حول عائلة تحاول معرفة لماذا البيت الذي انتقلت إليه مسكون لتتلقـف مفاجآت. مع باتريك ويلسون وروز بيرن في البطولة.
7 (3) The Family: $3.743.432 **
يحمل «العائلة» على عاتقه التوجـه إلى الجمهور السائد، لكنه لا ينجز المطلوب تماما: عائلة ذات تاريخ مافياوي تنتقل للعيش في النورماندي حيث لا تستطيع ترك ماضيها وراءها.
8 (4) Instructions Not Included: $3.466.408 **
كوميديا صغيرة عن يوجينيو دربز في دور رجل مرتبط بابنته ذات السنوات الست منذ أن هجرتها والدتها.
9 (6) We're the Millers: $2.887.472 *
كوميديا حول عائلة مزيـفة يشيدها تاجر حشيشة الماريوانا لتساعده في تجنـب السلطات ولاتخاذها كواجهة لاستمرار نشاطاته. مع جنيفر أنيستون وإيما روبرتس.
10 (7) The Butler: $2.400.739 **
يتراجع هذا الفيلم مجددا ولو ببطء. دراما حول رئيس خدم البيت الأبيض وتاريخه من حين كان طفلا. فورست ويتيكر ربما يغازل «الأوسكار» هذا العام.

* سنوات السينما: 1937
- درة فرنسية
* بين الأفلام الأكثر بروزا من إنتاجات هذا العام الذي ما زلنا بصدده، فيلم بعنوان «Pépé le Moko» قام به المخرج الفرنسي جوليان ديفيفييه وقام ببطولته جان غابان. يفتح الفيلم على خريطة حائط في مركز لإدارة البوليس في الجزائر وفي وسطها كلمة «القصبة» - ذلك الحي الذي بقي عصيـا على القوات الفرنسية خلال الثورة الجزائرية والذي رفع فيلم «معركة الجزائر» (جيلو بونتيكورفو - 1962) من شهرته كما سنرى لاحقا.
محور الفيلم أن بيبي فرنسي مطلوب من البوليس لذلك لا يغادر حي القصبة، لكن حبـه لامرأة يقضي على حذره ومناعته إثر أحداث تجمع جيدا بين الدراما والتشويق وتم تحقيقها لاحقا بنسخ أخرى.
يتبع...



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.