تجتاز العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية في الوقت الحاضر مرحلة بالغة التعقيد، وقد تكون مرشحة لمزيد من التصعيد إذا استمرت عملية «لي الذراع» بين الطرفين. وقد جاءت عملية الطرد المتبادلة لدبلوماسيين وموظفين من الجانبين، يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية أو القنصلية، لتبين أن أياً منهما لا يريد أن يظهر بمظهر الطرف الضعيف، بالنظر إلى العلاقات التاريخية المعقدة وإرثها. لكن الأهم من ذلك أن لها بُعداً سياسياً داخلياً لدى الجانبين، ما يضفي عليها مزيداً من الحساسية، خصوصاً إمكانية التصعيد وحتى الاشتعال.
الجزائر تركز على وزير الداخلية الفرنسي
هذا الطابع دفع الجزائر للرد على توقيف أحد موظفيها في قنصليتها بمدينة كريتي، جنوب شرقي باريس، بحملة إعلامية، استهدفت وزير الداخلية الفرنسي الذي تحمله مسؤولية التوتر الجديد لثلاثة اعتبارات: الأول هو أن برونو روتايو هو المشرف على الأجهزة الأمنية، التي اعتقلت ثلاثة أشخاص، بينهم الموظف القنصلي، وتوجيه تهم ثقيلة إلى الثلاثة، منها الخطف والاحتجاز وتشكيل عصابة من الأشرار ذات صلة بتنظيم إرهابي، ورمي ثلاثة في السجن. والثاني، أن الجانب الجزائري اختار 12 موظفاً قنصلياً ودبلوماسياً فرنسياً تابعين جميعاً لوزارة الداخلية الفرنسية، أي الوزارة التي يديرها روتايو. والثالث أن الأخير ينهج خطأ بالغ التشدد إزاء الجزائر بالنسبة لملفات الهجرة والأمن، وترحيل الأشخاص غير المرغوب في بقائهم في فرنسا.

ويمثل روتايو، المنتمي إلى حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، «الخط الصدامي»، وهو ضالع في صراع على رئاسة الحزب مع النائب لوران فوكييز، رئيس المجموعة النيابية التابعة للحزب في البرلمان. كما أن روتايو لا يخفي طموحاته الرئاسية، وقد اعترف علناً بأن خطه المتشدد في المسائل المشار إليها سابقاً «له مردود سياسي».
بيد أن باريس ترفض هذه القراءة الجزائرية، وتبدو مستاءة من تركيز الطرف الآخر على روتايو، مؤكدة أن الموظف الجزائري لم يكن متمتعاً بالحصانة عند القبض عليه، لأن الحصانة قائمة فقط في إطار عمله الرسمي وليس خارجه. كما تشدد باريس على أن عملية التوقيف جاءت في إطار تحقيق قضائي، فُتح في شهر فبراير (شباط) الماضي، وأن القضاء مستقل في فرنسا، وبالتالي فإن استهداف روتايو ليس في مكانه الصحيح.

كذلك تؤكد باريس أنه كان عليها أن ترد على الإجراء الجزائري «بقوة وحزم»، من خلال طرد 12 موظفاً جزائرياً، واستدعاء السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه إلى باريس للتشاور، وتحميل الجزائر مسؤولية التصعيد، الذي جاء بعد أقل من أسبوع على الزيارة، التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى الجزائر، التي نجحت إلى حد بعيد في إعادة المياه إلى مجاريها، وإطلاق التعاون الثنائي مجدداً.
جان نويل بارو الإطفائي
حقيقة الأمر أن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بات يلعب في هذه الأزمة المتفاقمة دور «الإطفائي» الحريص على تجنب مزيد من التصعيد. ولذا، فقد كثّف في الساعات الـ48 الماضية من المقابلات الصحافية والتصريحات، التي تدفع كلها باتجاه الاعتدال من غير ضعف. وقد برز ذلك مجدداً من خلال المقابلة الصباحية، التي أجرتها معه إذاعة «فرانس أنتير»، الأربعاء، والتي شدد فيها على أن «الحوار هو السبيل الوحيد لإيجاد حلول للتوترات (مع الجزائر) بشكل مستدام»، وندد بأصحاب الرؤوس الحامية الذين يرفضون الحوار، واصفاً موقفهم بأنه «غير مسؤول».

ويرى بارو أن لفرنسا «مصلحة في إقامة علاقة طبيعية مع الجزائر، والخروج من التوتر لكي نتمكن من ترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير نظامية، وإقامة حوار في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، والنجاح في الإفراج عن مواطننا بوعلام صنصال المعتقل تعسفياً في الجزائر».
لذا، فإنه طالب بتوفير «فرصة للحوار»، شرط أن يكون «صريحاً وواضحاً»، ودافع عن زيارته للجزائر ولقاء نظيره أحمد العطاف، والرئيس عبد المجيد تبون، ودافع عن القرار القضائي «المستقل»، مندداً بـ«رد فعل» الجزائر «غير المتناسب تماماً»، واصفاً إياه بأنه «متهور»، ومن شأنه أن «يقوض إمكانية إجراء حوار نوعي» مع السلطات الجزائرية.
ومساء الثلاثاء، أصدر الإليزيه بياناً اعتبر فيه أن «السلطات الجزائرية تتحمل مسؤولية التدهور العنيف لعلاقاتنا الثنائية». وبالنظر للاتهامات المساقة ضده، فقد قال روتايو في حديث لقناة «سي نيوز» اليمينية المتطرفة إنه «من غير المقبول أن تكون ميداناً تتلاعب فيه المخابرات الجزائرية»، واصفاً رد الرئاسة بطرد 12 موظفاً جزائرياً بأنه «متناسب تماماً».
مصير بوعلام صنصال
رغم كل ما حصل ما زالت باريس تأمل في أن يعمد الرئيس تبون إلى إصدار عفو عن الكاتب الفرنسي ــ الجزائري بوعلام صنصال. وفي هذا السياق، قال بارو: «أؤمن بإمكان حصول لفتة إنسانية» بشأنه.

وكانت معلومات متداولة في باريس قد أشارت، بعد الاتصال الهاتفي المطول بين ماكرون وتبون وزيارة بارو للجزائر، إلى وعد بالعفو عن صنصال، الذي كان سجنه ثم محاكمته وصدور قرار بحبسه 5 سنوات أحد أسباب التوتر بين العاصمتين. وقد نددت باريس أكثر من مرة بظروف سجنه، وتراجع وضعه الصحي. كما قامت حركة في فرنسا ضاغطة على السلطات من أجل العمل على إطلاق سراحه.
وأمس، اعتبر أرنو بنديتي، مؤسس ورئيس الهيئة الداعمة لصنصال، أن الأخير «ضحية العلاقات البائسة بين فرنسا والجزائر، ولم يتم اعتقاله ليس فقط بسبب تصريحاته، بل لأنه نُظر إليه على أنه كثير القرب من فرنسا».
وكانت ابنتا صنصال قد حثتا الرئيس ماكرون، من خلال كتاب نشرته صحيفة «لو فيغاور» في عددها ليوم الثلاثاء، على العمل من أجل تحرير والدهما. وجاء في الكتاب: «خلال 5 أشهر من الانتظار كنا نأمل ببزوغ ضوء العدالة، ولكننا اليوم نشعر، نحن ابنتي بوعلام صنصال، بأننا مجبرتان على التوجه إليكم» لإخراجه من السجن.
وفي تصريحاته الأخيرة، حرص بارو على تذكير الجزائر بالحاجة إلى «احترام تعهداتها، والاتفاقيات المبرمة مع فرنسا»، وتحديداً بشأن تأشيرات السفر وواجب قبول مواطنيها المرحلين. كذلك عمد الوزير الفرنسي إلى الدفاع عن زميله وزير الداخلية بتأكيد أنه «لا علاقة له بقرار القضاء» الخاص بتوقيف وسجن الثلاثة، الذين يعتبرهم مسؤولين عن خطف المؤثر الجزائري المعارض أمير بوخرص. وخلاصة بارو أن هناك «خطأ واحداً تلتزم به الحكومة»، ساعياً بذلك إلى حرمان الجزائر من اللعب على حبل الخلافات داخل السلطة الفرنسية. ولمزيد من حرصه على التعاون مع الجزائر، أكد الوزير الفرنسي أنه سيلتقي في مرسيليا، الأربعاء، أعضاء من الجالية الجزائرية، مؤكداً أن «الفرنسيين الجزائريين، والفرنسيين الذين لديهم روابط مع الجزائر، يشكلون فرصة لفرنسا، ولا ينبغي لهم أن يتحملوا تبعات هذا التوتر بين بلدينا».
السؤال المطروح اليوم يتناول مستقبل العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية، واحتمال تراجع التصعيد. وإذا كان من الصعب استشراف المستقبل، باعتبار أن عمليات الطرد المتبادل ما زالت «ساخنة»، إلا أنه من الواضح أن ازدياد التوتر هو السيناريو الأكثر احتمالاً. والسبب في ذلك أن الخلافات بين الطرفين عميقة جداً، وأن الجزائر لم تتغلب بعد على الاستدارة التي قام بها ماكرون في ملف مصير الصحراء، عندما اعتبر أن «حاضرها ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية».

والمفارقة أنه في الوقت الذي كان فيه الطرفان الفرنسي والجزائري يتشاحنان، كان وزير الخارجية المغربي في باريس للتأكيد على عمق الصداقة بين الطرفين، ولتجديد التزام باريس بموقفها من قضية الصحراء. كذلك كان روتايو، المغضوب عليه جزائرياً، زائراً في الرباط لتعزيز التعاون الأمني بين وزراتي الداخلية في البلدين. أمّا الزيارة التي كانت مقررة لوزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر في هذين اليومين فقد أصبحت مجهولة المصير.


