تبادل طرد الدبلوماسيين يرشح العلاقات الجزائرية ــ الفرنسية لمزيد من التصعيد

باريس أكدت أنه كان عليها الرد على الإجراء الجزائري «بقوة وحزم»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)
TT

تبادل طرد الدبلوماسيين يرشح العلاقات الجزائرية ــ الفرنسية لمزيد من التصعيد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)

تجتاز العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية في الوقت الحاضر مرحلة بالغة التعقيد، وقد تكون مرشحة لمزيد من التصعيد إذا استمرت عملية «لي الذراع» بين الطرفين. وقد جاءت عملية الطرد المتبادلة لدبلوماسيين وموظفين من الجانبين، يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية أو القنصلية، لتبين أن أياً منهما لا يريد أن يظهر بمظهر الطرف الضعيف، بالنظر إلى العلاقات التاريخية المعقدة وإرثها. لكن الأهم من ذلك أن لها بُعداً سياسياً داخلياً لدى الجانبين، ما يضفي عليها مزيداً من الحساسية، خصوصاً إمكانية التصعيد وحتى الاشتعال.

الجزائر تركز على وزير الداخلية الفرنسي

هذا الطابع دفع الجزائر للرد على توقيف أحد موظفيها في قنصليتها بمدينة كريتي، جنوب شرقي باريس، بحملة إعلامية، استهدفت وزير الداخلية الفرنسي الذي تحمله مسؤولية التوتر الجديد لثلاثة اعتبارات: الأول هو أن برونو روتايو هو المشرف على الأجهزة الأمنية، التي اعتقلت ثلاثة أشخاص، بينهم الموظف القنصلي، وتوجيه تهم ثقيلة إلى الثلاثة، منها الخطف والاحتجاز وتشكيل عصابة من الأشرار ذات صلة بتنظيم إرهابي، ورمي ثلاثة في السجن. والثاني، أن الجانب الجزائري اختار 12 موظفاً قنصلياً ودبلوماسياً فرنسياً تابعين جميعاً لوزارة الداخلية الفرنسية، أي الوزارة التي يديرها روتايو. والثالث أن الأخير ينهج خطأ بالغ التشدد إزاء الجزائر بالنسبة لملفات الهجرة والأمن، وترحيل الأشخاص غير المرغوب في بقائهم في فرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً في 14 أبريل الحالي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

ويمثل روتايو، المنتمي إلى حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، «الخط الصدامي»، وهو ضالع في صراع على رئاسة الحزب مع النائب لوران فوكييز، رئيس المجموعة النيابية التابعة للحزب في البرلمان. كما أن روتايو لا يخفي طموحاته الرئاسية، وقد اعترف علناً بأن خطه المتشدد في المسائل المشار إليها سابقاً «له مردود سياسي».

بيد أن باريس ترفض هذه القراءة الجزائرية، وتبدو مستاءة من تركيز الطرف الآخر على روتايو، مؤكدة أن الموظف الجزائري لم يكن متمتعاً بالحصانة عند القبض عليه، لأن الحصانة قائمة فقط في إطار عمله الرسمي وليس خارجه. كما تشدد باريس على أن عملية التوقيف جاءت في إطار تحقيق قضائي، فُتح في شهر فبراير (شباط) الماضي، وأن القضاء مستقل في فرنسا، وبالتالي فإن استهداف روتايو ليس في مكانه الصحيح.

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو (إ.ب.أ)

كذلك تؤكد باريس أنه كان عليها أن ترد على الإجراء الجزائري «بقوة وحزم»، من خلال طرد 12 موظفاً جزائرياً، واستدعاء السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه إلى باريس للتشاور، وتحميل الجزائر مسؤولية التصعيد، الذي جاء بعد أقل من أسبوع على الزيارة، التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى الجزائر، التي نجحت إلى حد بعيد في إعادة المياه إلى مجاريها، وإطلاق التعاون الثنائي مجدداً.

جان نويل بارو الإطفائي

حقيقة الأمر أن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بات يلعب في هذه الأزمة المتفاقمة دور «الإطفائي» الحريص على تجنب مزيد من التصعيد. ولذا، فقد كثّف في الساعات الـ48 الماضية من المقابلات الصحافية والتصريحات، التي تدفع كلها باتجاه الاعتدال من غير ضعف. وقد برز ذلك مجدداً من خلال المقابلة الصباحية، التي أجرتها معه إذاعة «فرانس أنتير»، الأربعاء، والتي شدد فيها على أن «الحوار هو السبيل الوحيد لإيجاد حلول للتوترات (مع الجزائر) بشكل مستدام»، وندد بأصحاب الرؤوس الحامية الذين يرفضون الحوار، واصفاً موقفهم بأنه «غير مسؤول».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

ويرى بارو أن لفرنسا «مصلحة في إقامة علاقة طبيعية مع الجزائر، والخروج من التوتر لكي نتمكن من ترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير نظامية، وإقامة حوار في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، والنجاح في الإفراج عن مواطننا بوعلام صنصال المعتقل تعسفياً في الجزائر».

لذا، فإنه طالب بتوفير «فرصة للحوار»، شرط أن يكون «صريحاً وواضحاً»، ودافع عن زيارته للجزائر ولقاء نظيره أحمد العطاف، والرئيس عبد المجيد تبون، ودافع عن القرار القضائي «المستقل»، مندداً بـ«رد فعل» الجزائر «غير المتناسب تماماً»، واصفاً إياه بأنه «متهور»، ومن شأنه أن «يقوض إمكانية إجراء حوار نوعي» مع السلطات الجزائرية.

ومساء الثلاثاء، أصدر الإليزيه بياناً اعتبر فيه أن «السلطات الجزائرية تتحمل مسؤولية التدهور العنيف لعلاقاتنا الثنائية». وبالنظر للاتهامات المساقة ضده، فقد قال روتايو في حديث لقناة «سي نيوز» اليمينية المتطرفة إنه «من غير المقبول أن تكون ميداناً تتلاعب فيه المخابرات الجزائرية»، واصفاً رد الرئاسة بطرد 12 موظفاً جزائرياً بأنه «متناسب تماماً».

مصير بوعلام صنصال

رغم كل ما حصل ما زالت باريس تأمل في أن يعمد الرئيس تبون إلى إصدار عفو عن الكاتب الفرنسي ــ الجزائري بوعلام صنصال. وفي هذا السياق، قال بارو: «أؤمن بإمكان حصول لفتة إنسانية» بشأنه.

الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

وكانت معلومات متداولة في باريس قد أشارت، بعد الاتصال الهاتفي المطول بين ماكرون وتبون وزيارة بارو للجزائر، إلى وعد بالعفو عن صنصال، الذي كان سجنه ثم محاكمته وصدور قرار بحبسه 5 سنوات أحد أسباب التوتر بين العاصمتين. وقد نددت باريس أكثر من مرة بظروف سجنه، وتراجع وضعه الصحي. كما قامت حركة في فرنسا ضاغطة على السلطات من أجل العمل على إطلاق سراحه.

وأمس، اعتبر أرنو بنديتي، مؤسس ورئيس الهيئة الداعمة لصنصال، أن الأخير «ضحية العلاقات البائسة بين فرنسا والجزائر، ولم يتم اعتقاله ليس فقط بسبب تصريحاته، بل لأنه نُظر إليه على أنه كثير القرب من فرنسا».

وكانت ابنتا صنصال قد حثتا الرئيس ماكرون، من خلال كتاب نشرته صحيفة «لو فيغاور» في عددها ليوم الثلاثاء، على العمل من أجل تحرير والدهما. وجاء في الكتاب: «خلال 5 أشهر من الانتظار كنا نأمل ببزوغ ضوء العدالة، ولكننا اليوم نشعر، نحن ابنتي بوعلام صنصال، بأننا مجبرتان على التوجه إليكم» لإخراجه من السجن.

وفي تصريحاته الأخيرة، حرص بارو على تذكير الجزائر بالحاجة إلى «احترام تعهداتها، والاتفاقيات المبرمة مع فرنسا»، وتحديداً بشأن تأشيرات السفر وواجب قبول مواطنيها المرحلين. كذلك عمد الوزير الفرنسي إلى الدفاع عن زميله وزير الداخلية بتأكيد أنه «لا علاقة له بقرار القضاء» الخاص بتوقيف وسجن الثلاثة، الذين يعتبرهم مسؤولين عن خطف المؤثر الجزائري المعارض أمير بوخرص. وخلاصة بارو أن هناك «خطأ واحداً تلتزم به الحكومة»، ساعياً بذلك إلى حرمان الجزائر من اللعب على حبل الخلافات داخل السلطة الفرنسية. ولمزيد من حرصه على التعاون مع الجزائر، أكد الوزير الفرنسي أنه سيلتقي في مرسيليا، الأربعاء، أعضاء من الجالية الجزائرية، مؤكداً أن «الفرنسيين الجزائريين، والفرنسيين الذين لديهم روابط مع الجزائر، يشكلون فرصة لفرنسا، ولا ينبغي لهم أن يتحملوا تبعات هذا التوتر بين بلدينا».

السؤال المطروح اليوم يتناول مستقبل العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية، واحتمال تراجع التصعيد. وإذا كان من الصعب استشراف المستقبل، باعتبار أن عمليات الطرد المتبادل ما زالت «ساخنة»، إلا أنه من الواضح أن ازدياد التوتر هو السيناريو الأكثر احتمالاً. والسبب في ذلك أن الخلافات بين الطرفين عميقة جداً، وأن الجزائر لم تتغلب بعد على الاستدارة التي قام بها ماكرون في ملف مصير الصحراء، عندما اعتبر أن «حاضرها ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية».

وزير الداخلية الفرنسي (أقصى اليسار) بمعية نظيره المغربي عبد الوافي لفتيت في الرباط خلال الزيارة الرسمية التي قام بها إلى المغرب (أ.ف.ب)

والمفارقة أنه في الوقت الذي كان فيه الطرفان الفرنسي والجزائري يتشاحنان، كان وزير الخارجية المغربي في باريس للتأكيد على عمق الصداقة بين الطرفين، ولتجديد التزام باريس بموقفها من قضية الصحراء. كذلك كان روتايو، المغضوب عليه جزائرياً، زائراً في الرباط لتعزيز التعاون الأمني بين وزراتي الداخلية في البلدين. أمّا الزيارة التي كانت مقررة لوزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر في هذين اليومين فقد أصبحت مجهولة المصير.



«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
TT

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)
لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

أكد مجلس النواب الليبي رفض أي «مساومة» على الأموال المجمدة، واعتبرت «لجنة التحقق ومتابعة الأموال الليبية المجمدة بالخارج» في مجلس النواب، خلال زيارة رسمية إلى اليونان، أن حماية هذه الأرصدة «تمثل مسؤولية وطنية كبرى»، وأنها «لن تسمح بأي شكل من أشكال التلاعب، أو سوء الاستغلال، أو الاستخدام غير المشروع للأموال الليبية المجمدة».

وشددت اللجنة، السبت، على أن هذه الأصول ليست محلاً للتصرف أو المساومة؛ بل هي ثروة سيادية يجب الحفاظ عليها وإدارتها وفق أعلى المعايير الدولية، وبما يضمن حقوق الأجيال الليبية القادمة. وقالت إنها ناقشت مع مسؤولين في البرلمان اليوناني جهود الدولة الليبية لتعزيز الشفافية والرقابة الدولية على هذه الأصول، ومن بينها التقدم بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يهدف إلى تكليف مكتب مراجعة دولي مستقل لمراجعة وتدقيق كافة الأموال الليبية المجمدة بالخارج، بما يعزز الثقة، ويمنع أي ممارسات تضر بالمصلحة الوطنية الليبية.

كما شددت «اللجنة» على تطلعها إلى تعاون بنَّاء من جميع الدول المعنية بحفظ الأصول الليبية، مؤكدة أن حماية هذه الأموال «ليست شأناً ليبياً داخلياً فحسب؛ بل مسؤولية دولية تفرضها القوانين والقرارات الأممية، ومبادئ احترام سيادة الدول وحقوق شعوبها في ثرواتها».

وأدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية، وترسيخ مبدأ المساءلة والشفافية، والعمل مع الشركاء الدوليين لضمان صون هذه الأصول من أي عبث أو استغلال».

سفير مالطا خلال اجتماعه مع المبعوثة الأممية (السفير)

في غضون ذلك، قال سفير مالطا، فرانكلين أكويلينا، إنه بحث مع رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، نيكوليتا جيوردانو: «تعزيز سبل التعاون في مجالات العودة الإنسانية الطوعية، والرعاية الصحية للمهاجرين، وإدارة الحدود، دعماً لجهود الهجرة الآمنة والإنسانية». كما بحث مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري «خريطة طريق الأمم المتحدة» والحوار المهيكل، وأهمية دعم المؤسسات الليبية كمسار نحو الاستقرار والمصالحة، لافتاً إلى تجديد مالطا التزامها بالبقاء كشريك بناء لدعم عملية سياسية، تيسِّرها الأمم المتحدة، ويقودها ويملك زمامها الليبيون، بما يخدم مصلحة الشعب الليبي.

في شأن آخر، أشاد الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، بما وصفه بالدور الفرنسي البارز في مكافحة الإرهاب، لافتاً -خلال لقائه، مساء الجمعة، في قصر الإليزيه بالعاصمة الفرنسية باريس، مع فنسنت جيرو، رئيس الأركان الخاص للرئيس الفرنسي، ومبعوثه الخاص بول سولير- إلى مستوى التعاون القائم بين الطرفين على مدى السنوات الماضية، والذي أسفر عن نتائج إيجابية ومثمرة على صعيد دعم الاستقرار في ليبيا، ومواجهة التهديدات الأمنية المختلفة.

مجلس النواب خلال اجتماعات لجنة متابعة الأموال الليبية في اليونان (المجلس)

وأكد صدام في أول زيارة عمل رسمية إلى فرنسا، منذ توليه مهام عمله نائباً للمشير حفتر، رغبة قيادة «الجيش الوطني» في تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية مع فرنسا، والارتقاء بها على كافة الصُّعد، ولا سيما في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والتطوير العسكري، وتبادل الخبرات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية دعم الجهود الدولية لاستقرار ليبيا ووحدتها وسيادتها كأولوية قصوى.

وأوضح صدام أن اللقاء ناقش أيضاً آخر المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، ووجهات النظر حول التحديات الأمنية الراهنة؛ مشيراً إلى التأكيد على ضرورة استمرار التشاور والتنسيق المشترك؛ خصوصاً في مكافحة الإرهاب والعصابات العابرة للحدود، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

إلى ذلك، أعلنت إدارة مطار الكفرة الدولي في جنوب البلاد، أنه تقرر إغلاقه مؤقتاً بدءاً من الاثنين القادم، لمدة شهر كامل، لإجراء أعمال صيانة شاملة لمهبط الطائرات، مشيرة إلى أنها ستعلن لاحقاً عن موعد إعادة فتح المطار، فور الانتهاء من أعمال الصيانة.

وأوضحت الإدارة، السبت، أن هذا الإجراء يأتي في إطار الحرص على السلامة الجوية، ورفع كفاءة البنية التحتية للمطار، بما يضمن جاهزيته لاستقبال الرحلات وفق المعايير المعتمدة.


هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
TT

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا حول مجلس مفوضية الانتخابات مزيداً من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة البعثة على المضي قدماً في تنفيذ بنود «خريطة الطريق» المُعطّلة، والانتقال إلى «خيارات بديلة».

وخلال الأسبوع الماضي، صعّد المجلس الأعلى للدولة من إجراءاته بانتخاب رئيس وأعضاء جدد لمجلس المفوضية، في خطوة وُصفت بأنها تحدٍّ مباشر لقرار مجلس النواب، القاضي بالإبقاء على مجلس إدارة المفوضية الحالي برئاسة عماد السايح.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة الليبي (المجلس)

ويرى سياسيون أن ما يجري من تنازع حول مجلس المفوضية «يمثّل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المسار الأممي على الصمود، والانتقال إلى «خيارات بديلة»، بعد تعثّر المفاوضات المتكررة بين المجلسين المنوط بهما التوافق على القوانين الانتخابية وشاغلي «المناصب السيادية»، ولذا يرى رئيس «حزب التجديد» الليبي، سليمان البيوضي، أن البعثة «لن تنتظر طويلاً توافق النواب والدولة».

وتوقع البيوضي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح البعثة آلية جديدة للمضي قدماً في خريطتها، بعد السعي إلى تنسيقها مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوى إقليمية فاعلة»، وقال إن «العقبة الحقيقية أمام البعثة ليست المجلسين بقدر ما هي التوافق الدولي حول هذه الآلية البديلة».

من إحاطة هانا تيتيه الأخيرة أمام مجلس الأمن بخصوص الأوضاع السياسية في ليبيا (المجلس)

وكانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد لوّحت في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، باللجوء إلى «آلية بديلة» في حال فشل المجلسين في إنجاز استحقاقات المرحلة الأولى، والمتمثلة في استكمال مجلس المفوضية، والتوافق على الإطار القانوني للانتخابات.

غير أن غموض هذه الآلية البديلة وغياب تفاصيلها إلى الآن «عزز الشكوك بشأن جدواها»، وفي هذا السياق قال المحلل السياسي، فرج فركاش، إن الحديث عن «آلية غير محددة يعكس غياب توافق دولي بشأنها».

وحمّل فركاش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، البعثة مسؤولية حالة الجمود الراهنة، مشيراً إلى أن «خريطتها فقدت قابليتها للتنفيذ لاعتمادها من البداية على مجلسين؛ يعرف الجميع مسار الخلاف المتجذر، خصوصاً بشأن ملفي القوانين والمناصب السيادية ومنها المفوضية، بينهما».

وسلط المحلل السياسي الضوء على مفارقة أن الخلاف اليوم «يدور حول مجلس المفوضية، في حين كانت جميع الأطراف راضية عن تشكيله خلال محاولة إجراء انتخابات 2021».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وفي مقابلة إعلامية أجريت مؤخراً، استعرض رئيس المفوضية، عماد السايح، أسباب «القوة القاهرة» التي عرقلت انتخابات 2021، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية التي أقرها البرلمان، لا سيما ما يتعلق «بالطعون على المرشحين» للرئاسة، مؤكداً أن «المفوضية طالبت بتعديلها دون استجابة».

وهنا يحذر فركاش من أن استمرار الخلاف الحالي قد يؤدي إلى انقسام المفوضية، ما يفقد أي قوانين انتخابية مستقبلية قيمتها التنفيذية، مشدداً على أن الأولوية «كان ينبغي أن تُمنح من البداية للتوافق على الإطار القانوني وتوحيد الحكومتين، بما يمهّد لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتهيئة مناخ انتخابي قائم على حد أدنى من الثقة المفقودة بالساحة».

وتعيش ليبيا معضلة انقسام سياسي، يتمثل في وجود حكومتين متنافستين على السلطة؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

في المقابل، قلّل نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، من خطورة ما يجري على مستقبل «الخريطة الأممية»، مشيراً إلى أن البعثة سبق أن رفضت تقسيم المفوضية.

ورأى المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البعثة «قد تكون بصدد إطلاق حوار سياسي جديد، يضم مزيجاً من أعضاء النواب و(الأعلى للدولة) ونخب سياسية ومدنية وشخصيات ذات ثقل اجتماعي وقبلي، يعهد إليه بحسم ملف المفوضية والقوانين الانتخابية، وربما تشكيل حكومة موحدة تمهد للاستحقاق».

ويحذّر سياسيون من خطورة تمحور خلاف المجلسَين حول المفوضية المنوطة بتنفيذ الانتخابات المؤجلة، التي يعلّق عليها الليبيون آمالاً واسعة لإنهاء حالة الانسداد.

من جانبه، دعا القانوني الليبي، هشام سالم الحاراتي، البعثة الأممية إلى «تجاوز دور المجلسين»، معتبراً «أن تبادل الخلافات بينهما حول المسار الانتخابي يعزز الشكوك باستهداف عرقلته، بما يخدم استمرارهما في المشهد، دون اكتراث بتداعيات الانقسام على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لليبيين».

ورغم إقراره بانشغال الشارع الليبي بأزماته المعيشية، حذر الحاراتي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من أن «إدراك الشارع بأن جوهر هذه الأزمات يظل مرتبطاً باستمرار الانقسام، ووجود حكومتين تنفقان دون رقابة، وهو ما يعني تحميله كل الأطراف والسلطات، بما فيها البعثة، مسؤولية ما يعانيه».


إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
TT

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي والكتيبة «166»، التي أكدت تورطه ضمن تشكيل عصابي امتهن تنظيم أفعال الهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر في مدينتي الكفرة وإجدابيا.

وذكر مكتب النائب العام، في بيان أوردته وكالة الأنباء الليبية (وال)، السبت، أن إجراءات الاستدلال جاءت بمشاركة مأموري الضبط القضائي، وأسفرت عن تحرير 195 مهاجراً كانوا محتجزين قسرياً، وتعرضوا لشتى أنواع التعذيب، بهدف إرغام ذويهم على دفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

وحسب المكتب، فقد جرى تعيين محل دفن 21 جثة تعود لمهاجرين استضعفوا وقتلوا أثناء نشاط التشكيل العصابي.

وواجه وكيل النيابة المتهم بالوقائع المنسوبة إليه، وأبلغه بالجرائم الثلاث المرفوعة ضده سابقاً، شاملة جرائم قتل المهاجرين، وجرائم المتاجرة بالبشر، تمهيداً لإرساله إلى القضاء للفصل في القضايا.

وتابع المحققون جمع عينات البصمة الوراثية من الجثث، وإجراء متطلبات تشريحها، ووجهت الضابطة القضائية باتخاذ التدابير اللازمة لتفكيك التشكيل العصابي، وملاحقة بقية أفراده، في إطار جهود النيابة العامة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وحماية حقوق المهاجرين، وضمان محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.