الصين تلعب بورقة المعادن النادرة في حربها التجارية ضد الولايات المتحدة

70 % من واردات واشنطن بين 2020 و2023 جاءت من بكين

عمال يعملون في مصنع للتعدين التنغستن في تشونغشان منطقة قوانغشي ذاتية الحكم لقومية تشوانغ (رويترز)
عمال يعملون في مصنع للتعدين التنغستن في تشونغشان منطقة قوانغشي ذاتية الحكم لقومية تشوانغ (رويترز)
TT

الصين تلعب بورقة المعادن النادرة في حربها التجارية ضد الولايات المتحدة

عمال يعملون في مصنع للتعدين التنغستن في تشونغشان منطقة قوانغشي ذاتية الحكم لقومية تشوانغ (رويترز)
عمال يعملون في مصنع للتعدين التنغستن في تشونغشان منطقة قوانغشي ذاتية الحكم لقومية تشوانغ (رويترز)

علّقت الصين صادراتها من مجموعة واسعة من المعادن والمغناطيسات الأساسية، مُهدّدة بخنق إمدادات المكونات الأساسية لشركات صناعة السيارات، ومصنعي الطائرات، وشركات أشباه الموصلات، والمقاولين العسكريين حول العالم.

وتوقفت شحنات المغناطيسات، الضرورية لتجميع كل شيء من السيارات والطائرات من دون طيار إلى الروبوتات والصواريخ، في العديد من الموانئ الصينية، ريثما تُصوغ الحكومة الصينية نظاماً تنظيمياً جديداً، وفق صحيفة «نيويورك تايمز». وبمجرد تطبيقه، يُمكن للنظام الجديد أن يمنع وصول الإمدادات إلى شركات مُعيّنة، بما في ذلك المقاولون العسكريون الأميركيون، بشكل دائم.

تُعدّ هذه الحملة الرسمية جزءاً من ردّ الصين على الزيادة الحادة في الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي بدأت في 2 أبريل (نيسان).

أميركا تعتمد كثيراً على المعادن النادرة من الصين

وبحسب موقع «ستاتيكا» للإحصاءات، تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على واردات المعادن الأرضية النادرة من الصين، التي شكلت 70 في المائة من وارداتها بين عامي 2020 و2023، بينما تُعدّ ماليزيا واليابان وإستونيا الموردين الرئيسيين الثلاثة الآخرين للولايات المتحدة. ويُستورد الإيتريوم، أحد العناصر المشمولة بالقواعد الجديدة، بشكل شبه حصري من الصين، حيث تأتي 93 في المائة من مركبات الإيتريوم المستوردة إلى الولايات المتحدة بين عامي 2020 و2023 من الصين. ووفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، تعتمد الولايات المتحدة على استيراد الإيتريوم بنسبة 100 في المائة، وهو يُستخدم بشكل أساسي في المحفزات والسيراميك والإلكترونيات والليزر والمعادن والفوسفور.

في الرابع من أبريل، فرضت الحكومة الصينية قيوداً على تصدير ستة معادن أرضية نادرة ثقيلة، تُكرّر بالكامل في الصين، بالإضافة إلى مغناطيسات أرضية نادرة، يُنتج 90 في المائة منها في الصين. لا يُمكن الآن شحن هذه المعادن، والمغناطيسات الخاصة المصنوعة منها، خارج الصين إلا بتراخيص تصدير خاصة.

لكن الصين لم تبدأ بعدُ في إنشاء نظام لإصدار التراخيص، مما أثار قلق مسؤولي الصناعة من احتمال إطالة أمد العملية، ومن احتمال انخفاض الإمدادات الحالية من المعادن والمنتجات خارج الصين. وإذا نفدت مغناطيسات الأرضية النادرة القوية من المصانع في ديترويت وأماكن أخرى، فقد يمنعها ذلك من تجميع السيارات وغيرها من المنتجات المزوّدة بمحركات كهربائية تتطلب هذه المغناطيسات. وتتفاوت الشركات بشكل كبير في حجم مخزوناتها الاحتياطية لمثل هذه الحالات الطارئة، لذا يصعب التنبؤ بتوقيت انقطاع الإنتاج.

ما هي أوجه استخدام المعادن الأرضية النادرة؟

تُستخدم ما يُسمى بالمعادن الأرضية النادرة الثقيلة التي يشملها تعليق التصدير في المغناطيسات الأساسية للعديد من أنواع المحركات الكهربائية. وتُعدّ هذه المحركات مكونات أساسية للسيارات الكهربائية، والطائرات من دون طيار، والروبوتات، والصواريخ، والمركبات الفضائية. تستخدم السيارات التي تعمل بالبنزين أيضاً محركات كهربائية مزودة بمغناطيسات أرضية نادرة لأداء مهام حيوية مثل التوجيه.

تُستخدم المعادن أيضاً في المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع محركات الطائرات، وأجهزة الليزر، ومصابيح السيارات، وبعض شمعات الاحتراق. وتُعدّ هذه المعادن النادرة مكونات أساسية في المكثفات، وهي مكونات كهربائية لرقائق الحاسوب التي تُشغّل خوادم الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية.

وصرّح مايكل سيلفر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «أميركان إليمنتس»، وهي شركة توريد مواد كيميائية مقرها لوس أنجليس، بأن شركته أُبلغت بأن الأمر سيستغرق 45 يوماً قبل إصدار تراخيص التصدير واستئناف صادرات المعادن الأرضية النادرة والمغناطيس. وأضاف سيلفر أن شركته زادت مخزونها الشتاء الماضي تحسباً لحرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين، ويمكنها الوفاء بعقودها الحالية أثناء انتظار التراخيص.

علم الصين بجوار عنصري الغاليوم والجرمانيوم (رويترز)

وأعرب دانيال بيكارد، رئيس اللجنة الاستشارية للمعادن الحرجة في مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة ووزارة التجارة، عن قلقه بشأن توافر المعادن النادرة. وقال: «هل من المحتمل أن يكون لضوابط أو حظر التصدير آثار وخيمة على الولايات المتحدة؟ نعم». وأكد بيكارد، وهو أيضاً رئيس قسم التجارة الدولية والأمن القومي في شركة «بوكانان إنغرسول وروني» للمحاماة، ضرورة إيجاد حل سريع لمشكلة المعادن النادرة؛ لأن استمرار انقطاع الصادرات قد يضر بسمعة الصين باعتبارها مورداً موثوقاً.

وفي تعقيد محتمل، منعت وزارة التجارة الصينية، التي أصدرت قيود التصدير الجديدة بالاشتراك مع الإدارة العامة للجمارك، الشركات الصينية من التعامل مع قائمة متزايدة من الشركات الأميركية، وخصوصاً المقاولين العسكريين.

وقال جيمس ليتينسكي، أحد رواد التعدين الأميركيين والرئيس التنفيذي لشركة «إم بي ماتيريالز»، إن إمدادات المعادن الأرضية النادرة للمقاولين العسكريين كانت مصدر قلق خاص. وأضاف: «تُعتبر الطائرات المسيرة والروبوتات على نطاق واسع مستقبل الحرب، وبناءً على كل ما نراه، فإن المدخلات الأساسية لسلسلة التوريد المستقبلية لدينا قد توقفت».

تمتلك شركة «إم بي ماتيريالز» منجم المعادن الأرضية النادرة الوحيد في الولايات المتحدة، وهو منجم ماونتن باس في صحراء كاليفورنيا بالقرب من حدود نيفادا، وتأمل في بدء الإنتاج التجاري للمغناطيس في تكساس بنهاية العام لشركة «جنرال موتورز» وغيرها من الشركات المصنعة. وتحتفظ بعض الشركات اليابانية بمخزونات من المعادن الأرضية النادرة تزيد على إمدادات عام كامل، بعد أن تضررت في عام 2010، عندما فرضت الصين حظراً لمدة سبعة أسابيع على صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان خلال نزاع إقليمي.

متى بدأت قيود التصدير الصينية؟

بدأت قيود التصدير الصينية حيز التنفيذ قبل أن تعلن إدارة ترمب مساء الجمعة أنها ستعفي العديد من أنواع الإلكترونيات الاستهلاكية الصينية من أحدث تعريفاتها الجمركية. وقال خمسة مسؤولين تنفيذيين في صناعة العناصر الأرضية النادرة إن صادرات المغناطيسات لا تزال محظورة هذا الأسبوع.

ومثل معظم السلع الصينية، تخضع المغناطيسات أيضاً لأحدث تعريفات ترمب عند وصولها إلى الموانئ الأميركية. حتى عام 2023، أنتجت الصين 99 في المائة من إمدادات العالم من المعادن الأرضية النادرة الثقيلة، مع إنتاج ضئيل من مصفاة في فيتنام. لكن هذه المصفاة أُغلقت خلال العام الماضي بسبب نزاع ضريبي، مما ترك الصين في حالة احتكار.

كما تنتج الصين 90 في المائة من إجمالي إنتاج العالم من مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة، الذي يبلغ نحو 200 ألف طن سنوياً، وهي أقوى بكثير من مغناطيسات الحديد التقليدية. تنتج اليابان معظم الكمية المتبقية، وتنتج ألمانيا كمية ضئيلة أيضاً، لكنهما تعتمدان على الصين في الحصول على المواد الخام.

وتقع أغنى رواسب المعادن الأرضية النادرة الثقيلة في العالم في وادٍ صغير مُغطى بالأشجار على مشارف مدينة لونغنان في تلال الطين الأحمر بمقاطعة جيانغشي في جنوب وسط الصين. وتقع معظم مصافي التكرير ومصانع المغناطيس الصينية في لونغنان وغانتشو أو بالقرب منهما، وهي بلدة تبعد نحو 80 ميلاً. وتقوم المناجم في الوادي بنقل الخام إلى المصافي في لونغنان، حيث تقوم المصافي بإزالة الملوثات وإرسال المعادن النادرة إلى مصانع المغناطيس في قانتشو.


مقالات ذات صلة

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

الاقتصاد رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

سددت المحكمة العليا ضربة قاصمة إلى جوهر الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، معلنةً بطلان أضخم وأجرأ حزمة رسوم جمركية فرضها خلال ولايته الثانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وسط مطالبة برد أموال... المزارعون الأميركيون يحثون ترمب على انتهاج مسار مختلف

حث المزارعون الأميركيون الرئيس دونالد ترمب على انتهاج مسار مختلف فيما يتعلق بالرسوم الجمركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه وقع أمرا تنفيذيا لفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة «سارية بشكل فوري تقريبا» بعد هزيمته في المحكمة العليا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب يتوعد بإجراءات «أكثر صرامة» بشأن الرسوم الجمركية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​في ‌إفادة، أنه ​سيوقع على أمر بفرض رسوم جمركية عالمية تبلغ 10 ‌في المائة ​بموجب المادة ‌122 ‌من قانون التجارة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

المحكمة العليا توجّه ضربة لرسوم ترمب الجمركية

خلصت المحكمة العليا الأميركية إلى أن الرئيس دونالد ترمب تجاوز صلاحياته بفرضه مجموعة من الرسوم الجمركية التي تسبّبت باضطراب التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

في لحظة فارقة أعادت رسم حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، سددت المحكمة العليا ضربة قاصمة إلى جوهر الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، معلنةً بطلان أضخم وأجرأ حزمة رسوم جمركية فرضها خلال ولايته الثانية. لم يكن الحكم مجرد انتصار قانوني للشركات المستوردة، بل كان بمنزلة زلزال دستوري أكد فيه القضاة أن «سلطة الجباية» هي حق أصيل للكونغرس لا يمكن انتزاعه تحت عباءة قوانين الطوارئ. وبينما غادر القضاة منصاتهم، تركوا خلفهم تساؤلاً بمليارات الدولارات يتردد صداه في أروقة الكابيتول هيل: كيف ستعيد الحكومة 133 مليار دولار جُمعت بالفعل بشكل غير قانوني؟ وكيف سيتعامل البيت الأبيض مع هذا الانهيار المفاجئ لأدوات نفوذه في التجارة الدولية؟

مبنى المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

حيثيات الحكم وانقسام المحكمة

جاء قرار المحكمة بأغلبية 6 إلى 3، حيث انضم رئيس المحكمة جون روبرتس وقضاة آخرون، بمن فيهم اثنان من مرشحي ترمب السابقين، إلى الجناح الليبرالي لرفض استخدام قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) الصادر عام 1977 لفرض ضرائب استيراد.

وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن هذا القانون لا يمنح الرئيس سلطة «مطلقة» أو «غير محدودة» لفرض الرسوم، مشددةً على أن الدستور الأميركي كان واضحاً في منح الكونغرس وحده الحق في فرض الضرائب والرسوم.

المدافع الوحيد عن سلطة ترمب

في مقابل هذه الأغلبية، برز صوت القاضي بريت كافانو، وهو أحد القضاة الثلاثة الذين عيّنهم ترمب في المحكمة العليا عام 2018. كافانو، الذي يُعد من أبرز الوجوه المحافظة في القضاء الأميركي، كان الوحيد من بين «قضاة ترمب» الذي انبرى للدفاع عن شرعية الرسوم، حيث قاد جبهة المعارضة وكتب «رأياً مخالفاً» هاجم فيه زملاءه بحدة.

رأى كافانو أن الدستور والتاريخ والقوانين السابقة تمنح الرئيس سلطة واسعة لاستخدام الرسوم الجمركية في حالات الطوارئ الوطنية، مثل مواجهة تهريب المخدرات أو الاختلالات التجارية. ولم يكتفِ كافانو بالدفاع القانوني، بل وجَّه توبيخاً إلى زملائه القضاة لأنهم «تجاهلوا» العواقب الكارثية لقرارهم، محذراً من أن الحكومة الآن عالقة في مأزق مالي لا مخرج منه.

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

ترمب يمتثل غاضباً

لم يتأخر رد فعل الرئيس ترمب، الذي وصف القضاة بـ«العار» واتهمهم بالرضوخ لمصالح أجنبية، معتبراً القرار خيانةً للدستور. ومع ذلك، امتثل للقرار عبر توقيع أمر تنفيذي بإلغاء الرسوم الباطلة، لكنه لم يستسلم لمبدأ التراجع التجاري. فرغم الضربة القضائية، سارع ترمب لتأكيد أن لديه «بدائل عديدة وعظيمة» لمواصلة سياسة الحماية التجارية.

وبدأ البيت الأبيض بتفعيل ترسانة قانونية بديلة للالتفاف على حكم المحكمة وتصعيد المواجهة:

- المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974: وقّع ترمب فوراً أمراً بفرض رسوم عالمية جديدة بنسبة 10 في المائة على الواردات كافة، مستخدماً هذه المادة التي تعالج عجز موازين المدفوعات. ورغم أنها تمنحه سلطة فورية، فإنها «سلاح مؤقت» ينتهي مفعوله بعد 150 يوماً ما لم يتدخل الكونغرس.

- المادة 301 و«التحقيقات السريعة»: أعلنت الإدارة بدء تحقيقات واسعة النطاق في الممارسات التجارية غير العادلة للدول الأخرى. هذه المادة تمنح واشنطن حق فرض رسوم انتقامية قوية، وهي «أكثر متانة قانونية» لأنها تستند إلى معالجة أضرار اقتصادية محددة بدلاً من إعلان طوارئ عام.

- المادة 338 من قانون 1930: يُلوِّح البيت الأبيض باستخدام هذا القانون «المهجور» منذ الكساد الكبير، والذي يسمح بفرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على الدول التي تميز ضد التجارة الأميركية.

- سلاح التراخيص والقيود الكمية: أشار ترمب إلى إمكانية استخدام نظام التراخيص لتقييد حجم الواردات بدلاً من فرض ضرائب عليها، وهي وسيلة أخرى للضغط على الشركاء التجاريين دون الاصطدام المباشر بسلطة الكونغرس الضريبية.

معضلة الـ133 مليار دولار

في حين يتحضر البيت الأبيض للتصعيد عبر البدائل المذكورة، تواجه وزارة الخزانة ضغوطاً هائلة لإعادة المبالغ المحصَّلة بشكل غير قانوني. فبينما تطالب كبرى الشركات مثل «كوسكو» و«ريفلون» باستعادة أموالها، حذَّر خبراء قانونيون من أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. ومن المتوقع أن تتولى وكالة الجمارك وحماية الحدود، بالتعاون مع محكمة التجارة الدولية في نيويورك، هندسة عملية الاسترداد التي قد تستغرق ما بين 12 و18 شهراً. وتكمن الصعوبة في أن المستهلكين العاديين، الذين تحملوا العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، قد لا يرون فلساً واحداً من هذه التعويضات، حيث ستذهب الأموال غالباً إلى الشركات المستوردة التي دفعت الرسوم مباشرةً للحكومة.

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محملة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

الصفقات الدولية والتحركات الديمقراطية

على الصعيد الدولي، حذَّر القاضي كافانو من أن الحكم يُزعزع استقرار اتفاقات تجارية بمليارات الدولارات مع الصين واليابان والمملكة المتحدة، التي أُبرمت تحت تهديد تلك الرسوم الملغاة.

أما داخلياً، فلم يفوّت الديمقراطيون الفرصة لتحويل الأزمة إلى ضغط سياسي؛ حيث قاد حاكم إيلينوي، جي بي بريتزكر، حملة تطالب بـ«إعادة الأموال المنهوبة» للعائلات، مرسلاً «فاتورة» لترمب تطالبه برد 8.7 مليار دولار لسكان ولايته. وانضم إليه حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم وحكام ولايات أخرى، معتبرين أن الرسوم كانت «ضريبة خلفية» غير قانونية أثقلت كاهل المزارعين والطبقة الوسطى. هذا الحراك السياسي يزيد من تعقيد المشهد أمام وزارة الخزانة، التي تحاول موازنة استقرار الميزانية مع الضغوط القانونية المتزايدة للوفاء برد المبالغ.

سيارات سوبارو متوقفة في وكالة بيع سيارات بمنطقة بيدفورد أوتو مايل بأوهايو (أ.ب)

ختاماً، فإن «قص» أجنحة ترمب الاقتصادية لم يُنهِ المعركة، بل نقلها إلى ساحة أكثر تعقيداً؛ فبينما تحاول الأسواق العالمية استيعاب هذا التحول، يبقى الاقتصاد الأميركي رهين حالة من عدم اليقين بين مطالبات قانونية برد الـ133 مليار دولار ولجوء ترمب إلى بدائل قانونية مؤقتة. ورغم أن إلغاء الرسوم قد يخفف من الضغوط التضخمية، فإن النزاعات الطويلة المتوقعة في ساحات القضاء الأدنى ومكاتب الجمارك ستُبقي المستثمرين في حالة ترقب، بانتظار المواجهة الكبرى في أروقة الكونغرس الذي بات الآن «صاحب الكلمة الفصل» في تقرير مصير السياسة التجارية. ويبقى السؤال الأهم الذي سيحدد ملامح الاقتصاد الأميركي لسنوات مقبلة: هل سينجح ترمب في إعادة بناء جدار الحماية التجاري الخاص به قبل أن تنتهي صلاحية أدواته المؤقتة وتصطدم بحائط الصد التشريعي؟

Your Premium trial has ended


ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه وقع أمرا تنفيذيا لفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة «سارية بشكل فوري تقريبا» بعد هزيمته في المحكمة العليا.

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «إنه لشرف عظيم بالنسبة لي أن وقعت، من المكتب البيضاوي، على رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة على كل الدول، والتي ستكون «سارية بشكل فوري تقريبا».

وكان ترمب قد حذر في وقت سابق من الخطوة، قائلا إن الرسوم الجمركية الجديدة بنسبة 10 في المائة سوف «تضاف إلى رسومنا الجمركية العادية التي يتم

بالفعل فرضها».

وقال ترمب إنه سيتم فرض الضريبة بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والذي يمنح الرئيس السلطة لفرض إجراءات تجارية مؤقتة لعلاج

مشكلات ميزان المدفوعات.

وجاء الإعلان بعدما وجهت المحكمة العليا الأميركية ضربة كبيرة لأجندة ترمب الخاصة بالرسوم الجمركية، حيث ألغت الرسوم التبادلية التي فرضها

على دول العالم في أبريل (نيسان) الماضي.


ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول)، مما يعكس استمرار ضغوط الأسعار في الاقتصاد الأميركي، ويزيد التوقعات بأن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قد يؤجل أي خفض لأسعار الفائدة حتى يونيو (حزيران).

وأفاد مكتب التحليل الاقتصادي في وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع 0.4 في المائة في ديسمبر بعد زيادة 0.2 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني)، متجاوزاً توقعات الخبراء التي كانت تشير إلى 0.3 في المائة. وعلى أساس سنوي، قفز التضخم الأساسي بنسبة 3 في المائة مقابل 2.8 في المائة في نوفمبر، وهو أحد المقاييس الرئيسية التي يتابعها البنك المركزي لتحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة، وفق «رويترز».

وأظهر التقرير أن الإنفاق الاستهلاكي، الذي يُشكِّل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي، ارتفع بنسبة 0.4 في المائة في ديسمبر، بوتيرة نوفمبر نفسها، وعند تعديله وفقاً للتضخم، سجَّل زيادةً بنسبة 0.1 في المائة، ما يشير إلى نمو اقتصادي بطيء مع بداية الرُّبع الأول من 2026.

وأكد الخبراء أن بعض فئات الخدمات، مثل الخدمات القانونية، سجَّلت زيادات كبيرة في يناير، مما قد يضيف نقاطاً إضافية إلى التضخم الأساسي، رغم تقلب هذه الفئات وصعوبة التنبؤ باتجاهاتها المستقبلية.

وسيصدر تقرير التضخم لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يناير في 13 مارس (آذار)، بعد تأخير بسبب إغلاق الحكومة العام الماضي، في حين قد تؤثر بيانات مؤشر أسعار المنتجين لشهر يناير على تقديرات التضخم لاحقاً.