«الاغتيالات الغامضة»... جرائم يغذيها التناحر المسلح في ليبيا

منظمات حقوقية تتحدث عن «ازدياد» انتهاكات حقوق الإنسان

انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)
انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)
TT

«الاغتيالات الغامضة»... جرائم يغذيها التناحر المسلح في ليبيا

انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)
انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)

«جثة عليها آثار رصاص أو تعذيب»... جملة مكررة تلخّص مشهد العثور على قتيل من وقت لآخر في ليبيا، وذلك منذ الانفلات الأمني الذي ضربها بعد إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي وحتى الآن.

فخلال السنوات التي تلت «ثورة 17 فبراير» عام 2011، تبدّل المشهد العام في ليبيا، ونمت في قلبه جماعات مصالح وميليشيات مسلحة اتسعت بينها رقعة التناحر، مُخلّفةً جرائم عديدة تُفجع الليبيين، فيما بات يُعرف بـ«الاغتيالات الغامضة».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

أعداد كبيرة من القتلى يُعثر عليهم داخل أحراش بمزارع أو بالطرق، وعلى جثثهم آثار رصاص، وجلُّهم - وفقاً لجهات التحقيق - ينتمون إلى مدن ومناطق بغرب ليبيا، آخرهم علاء ميلود الغويل، الملقب بـ«الشايطة»، الذي تمت تصفيته بمنطقة الركينة بمدينة الزاوية بغرب ليبيا.

وغالباً ما يجري التحقيق في مثل هذه الجرائم من قِبل النيابة العامة، لكن عادة لا يتم التوصل إلى نتيجة، فتُضاف الحادثة إلى سجل قضايا «الاغتيالات الغامضة» التي تشهدها ليبيا، ومن ضمنها مقتل عسكريين وأمنيين كبار.

ويقول جمال المبروك، رئيس منظمة «التعاون والإغاثة الليبية»، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «غالبية جرائم التصفيات التي تشهدها ليبيا تقع بين أفراد من ميليشيات بينهم خلافات تتعلق بمكاسب تهريب البشر والمخدرات والهجرة غير النظامية».

مجموعات مسلحة

وفيما لم تصدر عن النيابة العامة أي إفادة حول مقتل «الشايطة» في مدينة الزاوية، تتجه جلّ تفسيرات من كانوا قريبين من الحادث إلى أنه قُتل على يد مجموعة مسلحة قريبة الصلة بقائد إحدى الميليشيات.

والتفسيرات المتعاقبة على جريمة مقتل «الشايطة» تلفت إلى تغوّل جماعات المصالح والتشكيلات المسلحة. ويرى الناشط الليبي حسام القماطي أنها تأتي «في ظل تصاعد وتيرة العنف والفوضى الأمنية التي تشهدها مدينة الزاوية».

ويُرجع القماطي في إدراج له عبر صفحته على «فيسبوك» مثل هذه الجرائم إلى «ازدياد النفوذ المسلح للجماعات التابعة لأمراء الحرب؛ في غياب أي تحرك حقيقي من السلطات لفرض النظام ومحاسبة المتورطين».

وبجانب مقتل «الشايطة»، أبلغ مواطنون الأجهزة الأمنية في الثالث من الشهر الحالي أنهم عثروا على جثة مواطن ملقاة في منطقة الهضبة بالعاصمة طرابلس و«عليها آثار رصاص»، تبين لاحقاً أنها لشاب يُدعى شاكر سالم.

كما ذكرت أجهزة الأمن في مدينة درج بغرب ليبيا أنها أُبلغت بعثور مواطنين على جثة داخل سيارة بطريق درج وعليها آثار رصاص، وتبين بعد فحصها أنها تعود للمواطن أحمد سليمان هبو.

فوضى السلاح

ويرى المستشار القانوني والباحث في قضايا حقوق الإنسان الليبي إحميد الزيداني أن عمليات القتل والتصفيات التي تشهدها البلاد من وقت لآخر «ترجع في غالبيتها لأسباب جنائية، بعيداً عن كونها سياسية؛ ويدعم ذلك ويغذيه انتشار السلاح، وعدم حصره في قبضة الدولة».

وتعاني ليبيا من ظاهرة انتشار «السلاح السائب». وخلال السنوات الماضية دخلت البلاد حقبة فوضى أمنية عارمة، انتشر خلالها نحو 29 مليون قطعة سلاح بين خفيفة ومتوسطة وثقيلة، وفق تقارير دولية.

ويلفت الزيداني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الأزمات السياسية المتعاقبة وتأثيراتها من فوضى وانقسام في الدولة خلقت أجواءً اعتبرها الجناة بيئة مواتية تشجعهم على ارتكاب مثل هذه الجرائم».

وأرجع ذلك إلى «ضعف المؤسسات الأمنية وما واكبه من ضعف إنفاذ القانون وعدم قدرة تلك المؤسسات على بسط الأمن».

أسباب جنائية أم سياسية؟

بجانب عمليات القتل العديدة، رصد نشطاء حقوقيون وصفحات داعمة لـ«ثورة 17 فبراير» على مواقع التواصل الاجتماعي تورط مجموعة مسلحة - لم يسموها - بخطف الشاب أحمد الشلحي، الذي ينتمي إلى حي أبوسليم بطرابلس، وذلك قبل أربعة أيام.

وعلى عكس وجهة النظر التي تُرجع مثل هذه الجرائم لأسباب جنائية، تعيش ليبيا على وقع كابوس دائم يتمثل في وقوع محاولة اغتيال قادة سياسيين وعسكريين.

فسبق وأعلن وزير الداخلية ورئيس الوزراء السابق، فتحي باشاغا، أنه تعرض لمحاولة اغتيال. كما نجا مستشار رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة رئيس هيئة السلامة الوطنية بالحكومة، عبد المجيد مليقطة، من محاولة مماثلة.

عبد المجيد مليقطة (صفحته على فيسبوك)

وكان مليقطة قد تعرض لمحاولة اغتيال في 14 من يونيو (حزيران) 2024، عبر استهدافه بعبوة ناسفة زُرعت في سيارة وُضعت في مسار مروره في طرابلس، ما أسفر عن إصابته بجروح قبل أن يفر المتهمون إلى تونس.

وتداولت صفحات ليبية على مواقع التواصل العثور على جثة في مدينة تاجوراء بطرابلس، لفتاة يُعتقد أنها مصرية الجنسية في نهاية العقد الثاني من عمرها، وعليها آثار رصاص، فيما لا تزال الأجهزة الأمنية تحقق في الجريمة.

وتحدثت منظمات حقوقية ليبية عن ازدياد معدل الجرائم المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. ووثقت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» في تقريرها السنوي الأخير «استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الدولية في مختلف أنحاء البلاد، وسط غياب أي جهود فعالة لمحاسبة الجناة».

589 انتهاكاً عام 2024

ويرصد التقرير 589 انتهاكاً وقع خلال عام 2024، ويستند بشكل رئيسي إلى 62 ملف توثيق وشهادة حية لضحايا وناجين وشهود، قالت المنظمة إن فريق الرصد والتوثيق الميداني جمعها خلال العام.

ويغطي التقرير 24 مدينة من شرق ليبيا وجنوبها وغربها، ويسلط الضوء على استمرار ما سمَّاه بـ«أنماط انتهاكات ممنهجة»، من بينها اعتقالات تعسفية، وإخفاء قسري، وتعذيب في السجون ومراكز الاحتجاز، وجرائم قتل خارج نطاق القانون؛ كما يوثق انتهاكات واسعة النطاق ضد مهاجرين وطالبي لجوء ولاجئين.

العثور على مقبرة في مدينة زلة تضم 4 جثث لمهاجرين غير نظاميين (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

ومن وقت إلى آخر يُعلن عن العثور على العديد من الجثث لمهاجرين غير نظاميين في «مقابر جماعية». وأحدث هذه الجرائم كشفت عنها «لجنة إعادة تنظيم الجنوب»، مساء الأحد، بعد اعتراف أحد مهربي البشر بقتل أربعة مهاجرين ودفنهم في صحراء مدينة زلة، جنوب شرقي طرابلس.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في طرابلس (مكتب المنفي)

انقسام مسلحي غرب ليبيا حيال «مبادرة بولس» لتوحيد الجيش والحكومة

بدت التشكيلات المسلحة الموالية لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية والمعارضة له في حالة ما بين «الاستنفار والغضب» منذ مناورة «فلينتلوك 2026».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.