قيادي في تحالف «صمود» السوداني: نتواصل مع إدارة ترمب لوقف الحرب

خالد يوسف قال لـ«الشرق الأوسط» إن مؤتمر لندن «مبادرة جيدة للغاية» ونتواصل مع الجيش والدعم السريع

وزير شؤون الرئاسة السابق خالد عمر يوسف (موقعه على «إكس»)
وزير شؤون الرئاسة السابق خالد عمر يوسف (موقعه على «إكس»)
TT

قيادي في تحالف «صمود» السوداني: نتواصل مع إدارة ترمب لوقف الحرب

وزير شؤون الرئاسة السابق خالد عمر يوسف (موقعه على «إكس»)
وزير شؤون الرئاسة السابق خالد عمر يوسف (موقعه على «إكس»)

في ظل استمرار الحرب في السودان لعامين كاملين، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي وصفها الاتحاد الأوروبي بأنها «الكبرى في القرن الحادي والعشرين»، ينظر السودانيون بشيء من الأمل إلى مخرجات مؤتمر دولي يعقد في لندن، الثلاثاء، دعت إليه بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بمشاركة وزراء خارجية 20 دولة، لبحث سبل إنهاء الصراع في السودان، ومساعدة ملايين من المشردين السودانيين، في داخل البلاد وخارجها. ورغم أن السلطات البريطانية استثنت أطراف النزاع السوداني من المشاركة، فإن وفداً من تحالف «صمود» (أكبر تجمع للأحزاب والقوى المدنية السودانية)، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك، يزور العاصمة البريطانية منذ أيام، للالتقاء بالمشاركين في المؤتمر، وتقديم مقترحات تساعد في الوصول إلى صيغة، تدفع في اتجاه السلام والاستقرار في السودان، وممارسة مزيد من الضغوط الدولية على الأطراف لوقف الحرب، وتقديم الدعم اللازم لمواجهة الكارثة الإنسانية التي تعيشها البلاد.

القيادي في «صمود»، وزير شؤون الرئاسة في حكومة حمدوك السابقة، خالد عمر يوسف، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن أهداف الزيارة، والاستراتيجيات المطروحة، وتطلعات التحالف لإحلال السلام. كما تحدث عن آخر التطورات في السودان، مؤكداً وجود تواصل مستمر بين تحالفه وطرفي النزاع؛ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وخصمه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، كما أكّد وجود تواصل مع إدارة الرئيس دونالد ترمب، في مسعى لإنهاء الحرب في السودان.

بعض القادة السياسيين وبينهم خالد يوسف (وسط) خلال زيارة سابقة إلى عنتيبي بأوغندا (حساب الرئيس موسيفيني بمنصة «إكس»)

يؤكد يوسف أن مؤتمر لندن يمثل خطوة إيجابية لتوحيد الجهود الدولية، خاصة مع ضعف الاهتمام العالمي بالأزمة، رغم حجم الكارثة. ويشير إلى أن الأمم المتحدة تحتاج إلى 6 مليارات دولار لمواجهة الاحتياجات الإنسانية في 2025، لكن لم يتم جمع سوى 4 في المائة من المبلغ حتى مارس (آذار) الماضي. وقال: «حضورنا إلى لندن يهدف أيضاً إلى التواصل مع السودانيين في بريطانيا لتوحيد مطالبهم، ومع الوفود المشاركة في المؤتمر لعرض أفكار محددة، مثل إيجاد آلية تنسيق بين المجتمع الدولي، تعمل بصفة دائمة، لمعالجة الأزمة الإنسانية وتسريع جهود السلام».

مقترحات «صمود» للحلول العاجلة

كشف يوسف عن محاور المقترحات التي قدّمها التحالف، والتي تضمنت عقد اجتماع مشترك بين مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم الأفريقي لاتخاذ إجراءات لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، وعقد مؤتمر آخر للمانحين لسدّ الفجوة التمويلية للإغاثة، وتقديم الدعم اللازم لمواجهة الكارثة الإنسانية التي تعيشها البلاد، وإطلاق حوار سياسي برعاية أفريقية؛ الاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيغاد»، المعنية بالسلام في القرن الأفريقي، مدعومٍ من مجموعة تنسيق دولية. إضافة إلى صنع حزمة ضغوط على طرفي الحرب، لوقف إطلاق النار فوراً، تمهيداً لحوار سياسي تحت رعاية أفريقية، وبدء التخطيط لإعادة الإعمار حتى قبل انتهاء الحرب.

حمدوك يتوسط قيادات مدنية خلال مؤتمر سابق في لندن (الشرق الأوسط)

ويقول يوسف، الذي يشغل في ذات الوقت منصب نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» من لندن، إن رئيس «صمود» د. عبد الله حمدوك أرسل رسالة بالمقترحات المذكورة لوزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، وعبره إلى المشاركين في المؤتمر.

مبادرة جيدة في وقت مفصلي

وصف يوسف اجتماع لندن بأنه «مبادرة جيدة للغاية أتت في وقت مفصلي». وأوضح أن الكارثة الإنسانية الناتجة عن الحرب تقع على قمة القضايا الأولويات التي سيبحثها وفده مع أعضاء المؤتمر. وتابع: «مجرد عقد المؤتمر بهذا المستوى الرفيع أمر مهم، يمكن العالم من الإسهام في القضايا الرئيسية وقضية إحلال السلام في السودان».

وقال: «الحرب أثّرت على كل ولايات البلاد، وخلقت حالة من عدم الإحساس بالأمان، طالت حتى الولايات التي لا تشهد مواجهات عسكرية مباشرة، وهو أمر لا يمكن تفاديه إلا باتفاق ملزم للطرفين بوقف إطلاق النار، والامتناع عن أي أفعال عسكرية، سواء أكانت هجوماً برياً أم جوياً أم غيره، لذلك ندعو لندن إلى تبني حزمة ضغوطات على طرفي القتال».

انقسام المجتمع الدولي

وعند سؤاله عن ضعف الاهتمام الدولي، مقارنة بأزمات مثل غزة وأوكرانيا، وسوريا ولبنان، والانقسام الدولي حول التطورات في السودان، يجيب يوسف: «الحلّ يجب أن يبدأ من السودانيين، وتقع على عاتقهم المسؤولية الرئيسية». وأوضح أن «الانقسام الإقليمي والدولي المحيط بنا يزيد من تعقيد الأزمة، ويصعب على السودانيين الحلول، لذلك تواصلنا مع المجتمع الدولي ليسهل إيجاد حلول للأزمة وألا يعرقلها، وهذا هو الأساس في تواصلنا مع الأسرة الدولية». ويضيف: «الحرب لم تعد تهدد السودان فقط، بل أصبحت خطراً على أمن المنطقة، خاصة مع انتشار الجماعات الإرهابية في بعض دول الجوار».

وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي تستضيف بلاده الثلاثاء مؤتمراً لبحث وقف حرب السودان بمشاركة 20 دولة (إكس)

خطر الإرهاب

وتابع: «ليس من مصلحة السودانيين والمجتمعين الإقليمي والدولي استمرار الحرب، فقد وضح الآن أنها تجاوزت كونها حرب سودانية داخلية، وبدأت تؤثر على الأمن والاستقرار في دول الجوار، وبدأت تتطور إلى حروب ونزاعات مماثلة في دول الجوار، مهددةً السلم والأمن الإقليمي والدولي».

وحذّر القيادي في تحالف «صمود» مما أسماه «تزايد الأنشطة الإرهابية داخل السودان»، ومن تأثيراته على المنطقة التي وصفها بأنها «حساسة للغاية»، وقال: «السودان يتصل بأكثر من إقليم استراتيجي؛ القرن الأفريقي، الساحل والصحراء، البحر الأحمر، شمال أفريقيا. لذلك فإن الحرب ليست مهددةً للسودانيين وحدهم، بل هي مهدد إقليمي ودولي، ومن مصلحة الأسرة الدولية وقفها».

دور أميركي في عهد ترمب

وحول التواصل مع الإدارة الأميركية الجديدة، أبلغ يوسف «الشرق الأوسط» أن تحالفه على اتصال مع إدارة الرئيس دونالد ترمب، بقوله: «لدينا اتصالات مع الأميركان، ونأمل أن تطور إدارة الرئيس دونالد ترمب رؤية واضحة لكيفية مساعدة السودانيين في إنهاء الحرب».

وأبدى يوسف أمله في أن تشمل جهود الإدارة الجديدة، العاملة على إسكات صوت البنادق حول العالم، السودان، وأن تبذل جهوداً مماثلة لوقف الحرب في السودان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قاد في دورة حكمه الأولى عدة مناسبات بشأن السودان (أ.ف.ب)

وأضاف: «للإدارات الأميركية المتتالية مواقف إيجابية تجاه السودانيين، فقد ظلت تعمل على إيجاد حلول تفاوضية منذ اتفاق السلام الشامل في (نيفاشا)، ونحن نأمل في دور أميركي في ظل إدارة الرئيس ترمب يسهل جهود السلام».

بصيص أمل رغم الدمار

أبدى يوسف تفاؤله بوقف الحرب، وقال: «لم نفقد الأمل في عودة الحكمة والتعقل لأهل الشأن، فالحرب أدّت إلى جرائم ضخمة في حق المدنيين، وتنذر بتفتيت البلاد، ووصلت مرحلة اللاعودة»، وأضاف: «نأمل أن ينبذ السودانيون العنف ويلجأوا لحل الخلافات عبر الحوار والسبل السلمية لإدارة تبايناتهم، وليس عبر البندقية».

وأرجع يوسف تفاؤله بنهاية الحرب إلى ما أسماه «تزايد واتساع قاعدة المؤمنين بالحلول السلمية باضطراد»، وقال: «هناك حوار وعمل مدني وتمسك بالحلول السلمية السودانية، لتعزيز جهود إنهاء الحرب في أقرب وقت».

تهديد وحدة البلاد

وعدّ يوسف الانقسامات العميقة بين السودانيين التي أحدثتها الحرب «أكبر خطر يواجه وحدة البلاد»، بموازاة مخاوف من تقسيم السودان، بقوله: «هناك استقطاب حاد بين مكونات اجتماعية عديدة في البلاد، سيخلق بيئة خصبة لمشروعات تفكيك السودان»، وتابع: «ظللنا نتحدث عنها قبل اندلاع الحرب، بأنها سيناريوهات قد تقود إلى تفتيت السودان، واستمرار الحرب سيؤدي إلى تفتيت البلاد، ويهدد وحدتها وتماسكها»، ورأى أن الوقف الفوري للقتال والانخراط في حوار جدي بين السودانيين هو الطريق الوحيد للحفاظ على وحدة السودان وسيادته.

الحرب هدفها وقف التحول المدني

رداً على حملات استهداف المدنيين الرافضين للحرب في تحالف «تقدم» سابقاً، و«صمود» حالياً، قال يوسف إن «الحرب في الأصل هي ضد التحول المدني الديمقراطي وقوى ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة، لذلك يستهدف دعاته وقوى الثورة»، وأضاف: «هناك قوى نشطة تستخدم الحرب لقبر آمال السودانيين في التحول الديمقراطي، واستهداف كلّ من ظلّ متمسكاً بهذه القيم».

جندي من الجيش السوداني أمام القصر الرئاسي بعد يومين من استعادته (نيويورك تايمز)

وقال إن من أطلق عليهم «قوى الحرب والاستبداد» يرون في التحالف المدني خطراً على مشاريع «الاستبداد المحمولة على البنادق»، لذلك يوجهون بنادقهم إليه، ويوظفون آلتهم الإعلامية لشنّ حملات تضليل إعلامي ضد المدنيين، وتابع: «هذه ضريبة واجبنا في مقاومة مشاريع الاستبداد والحرب في السودان».

ورداً على الاتهامات بضعف تأثير «صمود»، قال يوسف: «لو لم يكن لنا تأثير لما انشغلت بنا قوى الحرب، فهي تحشد قواها وتستنفرها لمواجهة أي مبادرة يطلقها (صمود)»، ويضيف: «تظل القوى المدنية مصدر تأثير بخطابها العاقل في مواجهة خطابات الدمار والجنون، و(صمود) يعبر عن قاعدة واسعة من المناهضين للحرب والمبشرين بمشروع سوداني مدني ديمقراطي».

وحول علاقة تحالف «صمود» بتحالف «تأسيس»، الذي يسعى لإقامة حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع»، قال يوسف: «خلافنا الرئيسي معهم في الوسائل لبلوغ هذه الأهداف المشتركة». وأضاف: «نحن نؤمن بأن القوى المدنية الديمقراطية يجب أن تكون مستقلة كلياً عن طرفي الحرب، وتطرح مشروعات لإنهاء الحرب من موقع مستقل، وبالوسائل السلمية. هذه هي نقطة الخلاف الأساسية، والتباين بيننا ليس حول الأزمة السودانية، ولا الأهداف والغايات، بل حول طريقة الحلول».

وأكد يوسف أن تحالفه يرفض الاعتراف بأي شرعية قد تنتجها الحرب، بقوله: «الحكومة الشرعية هي تلك التي انقلب عليها العسكر في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وهذا هو موقفنا من قضية الشرعية، فالشرعية تأتي نتاجاً لعملية سياسية بتوافق السودانيين».

وكشف يوسف استمرار التواصل بين تحالفه وطرفي الحرب، بقوله: «تواصلنا مع قادة القوات المسلحة، وقوات الدعم السريع لم ينقطع كلياً. وباستمرارٍ نتواصل معهم، بالرسائل والأفكار والمقترحات ودعوات وقف الحرب».


مقالات ذات صلة

هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

تحليل إخباري الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

تثير الرسالة التي بعثها رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تساؤلات عن فرص تحريك مقترح الهدنة الأميركي.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

طرح عضو في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون لإقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة والسودان، تقوم على تبادل الموارد المعدنية السودانية بالتكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

يحاول السائق المصري سامي لطفي (40 عاماً) على مدار الساعة، أن يصل إلى زميله وشريكه الموجود حالياً في السودان، لنقل شحنة تجارية، دون فائدة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)

البرهان يبعث برسالة إلى ترمب يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام

بعث رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، برسالة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الخميس، يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

السودان: تباطؤ العمليات العسكرية والغارات على الجبهات

يعزى تراجع المعارك إلى أن الطرفين المتحاربين في السودان يكثفان الحشود العسكرية على الأرض، استعداداً لمرحلة جديدة من المعارك.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
TT

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

يضع تلويح أميركا بفرض عقوبات على «معرقلي العملية السياسية» في ليبيا جدية واشنطن في استخدام أدوات الضغط أمام اختبار جديد، خاصة في ظل الخلافات حول اتفاق لجنة «4+4»، المتعلق بالتشريعات الانتخابية، واستمرار الانقسام الذي يعطل جهود توحيد المؤسسات.

وبدا هذا الموقف الأميركي أكثر وضوحاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، حين انفردت السفيرة جينيفر لوسيت، نائبة الممثل الخاص للشؤون السياسية في البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة، بين مندوبين تحدثوا خلال الجلسة، بالتشديد على أن «الأفراد والكيانات التي تعرقل العملية الانتقالية قد تخضع لعقوبات المجلس»، منتقدة رفض المجلس الأعلى للدولة لهذا الاتفاق.

بين التلويح والتنفيذ

لكن الانتقال من التلويح الأميركي بـ«العقوبات» إلى تنفيذها يظل موضع تساؤل، في ظل عدم وضوح ما إذا كانت هذه التهديدات ستتحول إلى إجراءات فعلية أم ستبقى في إطار الضغط السياسي، لا سيما أن تجارب سابقة أظهرت محدودية قدرة العقوبات على إنهاء الخلافات السياسية في ليبيا.

وتتباين تقديرات دبلوماسيين وخبراء بشأن قدرة هذه التدابير على تغيير حسابات الأطراف المتنافسة، بين من يطالب بخطوات عملية، ومن يدعو إلى معالجة الاعتراضات السياسية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وفي هذا السياق، من غير المستبعد أن يضع الموقف الأميركي الأخير مصداقية واشنطن على المحك، بحسب رؤية هاني شنيب، رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية»، الذي رأى أن التهديد بإجراءات عقابية «يفقد تأثيره إذا لم يقترن باستعداد حقيقي لاستخدام أدوات الضغط لإحداث تغيير».

وقال شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن الإدارة الأميركية «فقدت بعض مصداقيتها حين لوّحت بالتهديد في ملفات دولية وإقليمية عدة خلال العام الأخير، وحققت نجاحاً في بعضها، مثل فنزويلا وكوبا، وأخفقت في أخرى، وتحديداً في إيران والسودان وأوكرانيا، وهو ما أربك خصومها وحلفاءها»، محذراً من أن استمرار الشلل السياسي في ليبيا قد يقود إلى اضطراب أمني وإداري خطير، مستحضراً تداعيات الأزمة الصومالية عام 1992.

من اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

والملاحظ أن المندوبة الأميركية خصت بالذكر المجلس الأعلى، الرافض للاتفاق، متحدثة عما وصفته بـ«مناورته» لعرقلة «التقدم الانتخابي»، بموجب اتفاق بين ممثلي «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» المؤقتة في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حول «مجلس المفوضية»، وقوانين انتخابية تحسم شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للرئاسة.

تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات

يرى الدبلوماسي الليبي عادل عيسى أن العقوبات أصبحت أداة حاضرة في الخطاب الدولي بشأن ليبيا، وليست مجرد احتمال نظري، معتبراً أن الرسالة الأميركية تربط تعطيل المسار الانتخابي بكلفة سياسية وقانونية محتملة.

وقال عيسى لـ«الشرق الأوسط» إن جدية هذا التوجه ستتضح من خلال خطوات عملية، مثل تحديد مسؤوليات الأطراف المعنية، أو التحرك داخل لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، أو الإعلان عن إجراءات أميركية مستقلة، بما يكشف عن مدى استعداد واشنطن لتحويل التحذيرات إلى تدابير قابلة للتنفيذ.

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتستحضر هذه المناقشات تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات الدولية، التي ارتبطت في تسعينات القرن الماضي بقضية تفجير طائرة «لوكربي»، قبل أن ترفع الأمم المتحدة العقوبات المفروضة على البلاد عام 2003. وفي عام 2011 فرض مجلس الأمن تدابير جديدة في سياق الانتفاضة، التي انتهت بسقوط نظام معمر القذافي.

أما خلال سنوات الانقسام اللاحقة فلم يقتصر الضغط الدولي على التصريحات؛ إذ فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على شخصيات ليبية، بينها رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، والرئيس السابق لـ«المؤتمر الوطني العام» نوري أبو سهمين، ورئيس حكومة «الإنقاذ» السابقة خليفة الغويل، فيما فرض مجلس الأمن عقوبات على المسلح صلاح بادي. ورُفعت العقوبات لاحقاً عن أبو سهمين والغويل وبادي.

عقيلة صالح الرئيس السابق لمجلس النواب الليبي (رويترز)

تشكيك في جدوى العقوبات

في ضوء هذه التجارب، يشكك الدكتور عارف التير، عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، في قدرة العقوبات على حل الأزمة، داعياً إلى معالجة اعتراضات الأطراف الرافضة لاتفاق «4+4»، وتقديم ضمانات بشأن تنفيذه.

وتساءل التير عن النتائج العملية التي يمكن أن تحققها العقوبات، وعن الأساس القانوني لملاحقة شخصيات بتهمة عرقلة العملية السياسية، ومدى استيفاء الأفعال المنسوبة إليها شروط المسؤولية القانونية. ورأى أن حرمان المستهدفين من دخول دول غربية لا يضمن تغيير سلوكهم، داعياً إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتفاهمات السياسية.

وهناك من يرى أن الرسالة الأميركية والدولية تستهدف نقل ليبيا من إدارة الأزمة إلى تنفيذ خطوات ملموسة نحو الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، وهي أيضاً رؤية أشرف بودوارة، عضو «الحوار المهيكل»، الذي رعته الأمم المتحدة.

والذي أكد أن الأطراف التي يثبت تعمدها تقويض المسار السياسي، أو عرقلة الانتخابات أو تهديد الاستقرار والمنشآت النفطية، قد تواجه إجراءات دولية وفقاً للمعايير والقرارات المعمول بها. لكنه شدد على ضرورة تطبيق العقوبات بمعايير واضحة ومتساوية على جميع الأطراف، بالتوازي مع خطوات عملية لإنهاء الانقسام.

ورغم أن الحديث على مائدة المجتمع الدولي ينصب راهناً على حل ليبي عبر لجنة «4+4»، فإن مراقبين يرون أن طيف «مبادرة أميركية» لتوحيد السلطة في ليبيا لم يغب عن سياقات الخطاب الأميركي الأخير.

وانعكس ذلك، من منظورهم، على رسالة السفيرة لوسيت للقادة الليبيين بدعوتهم إلى «الإسراع» في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، والتمهيد للانتخابات وفق اتفاق «4+4»، بل إعادة التذكير بدور واشنطن في رعاية اتفاق للميزانية الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة بين القوات المتخاصمة من شرق ليبيا وغربها في أبريل (نيسان) الماضي.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

يشار إلى أن المتداول عن مبادرة طرحها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، يقوم على تولية نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، فيما يحتفظ رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، بمنصبه رئيساً لحكومة موحدة.


هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
TT

هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

أثارت الرسالة التي بعثها رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تساؤلات بشأن فرص تحريك المقترح الأميركي الداعي إلى هدنة إنسانية في السودان؛ وما إذا كان إعلان الالتزام بجهود واشنطن يعكس استعداداً لتسوية الخلافات حوله، أم أنه يعيد تقديم الموقف السابق بلغة أكثر مرونة.

وأعلن البرهان، الخميس، في منشور على منصة «إكس»، أنه بعث برسالة إلى ترمب أكد فيها التزام حكومته بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعدادها للتعاون مع جميع الأطراف من أجل الوصول إلى تسوية تصون سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه وكرامة شعبه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

لكن الرسالة لم تنص صراحة على قبول هدنة التسعين يوماً التي اقترحتها واشنطن، ولم تتطرق إلى ترتيبات تنفيذها أو الضمانات المطلوبة لإنجاحها. وتدعو المبادرة الأميركية الطرفين إلى هدنة إنسانية من دون شروط مسبقة، لإتاحة وصول المساعدات إلى المتضررين، تمهيداً لمسار تفاوضي أوسع.

وتأتي المبادرة الأميركية ضمن تحرك تقوده الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، ومصر، للانتقال من إعلان تأييد السلام إلى الاتفاق على إجراءات عملية لخفض القتال، وتأمين المساعدات، وفتح الطريق أمام عملية سياسية يقودها السودانيون.

وكان مستشار البرهان للشؤون السياسية والعلاقات الدولية أمجد فريد قد قال لـ«رويترز» في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي إن حكومته قدمت تعديلات على المقترح الأميركي، في مقدمتها انسحاب قوات «الدعم السريع» من المناطق الحضرية تحت رقابة دولية. وأبدى مخاوف من أن تؤدي الصيغة المطروحة إلى تكريس انقسام البلاد، وإبقاء القوات شبه العسكرية طرفاً مؤثراً في مستقبلها السياسي.

مواقف متباينة

ويرى الدكتور ياسر نور الدين، وهو كاتب وباحث سوداني مقيم في كندا، في تحليل نشره، أن رسالة البرهان تعيد تقديم مطالبه السابقة بلغة شراكة مع واشنطن، من دون أن تتضمن قبولاً صريحاً بالهدنة. ويعتقد أن مضمونها يحوّل المطالب من «شروط مسبقة» إلى ترتيبات مقترحة لتنفيذ وقف القتال، بما قد يفتح باباً للتفاوض في إطار المبادرة الأميركية.

ويدعو نور الدين إلى نقل السؤال من «هل تقبل الحكومة الهدنة؟» إلى «كيف يمكن تصميم هدنة قابلة للنجاح؟»، معتبراً أن فرصة الرسالة ستتوقف على استعداد واشنطن للتعامل معها بوصفها عرضاً للتفاوض، لا مجرد إعادة إنتاج للمواقف السابقة.

وفي قراءة أميركية أكثر تشاؤماً، رأى كاميرون هدسون، الزميل البارز في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، أن مخاطبة البرهان ترمب مباشرة تمثل «إشارة سيئة».

وقال هدسون في حسابه على «إكس» إن قناة اتصال قائمة أصلاً بين البرهان ومسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، وإن تجاوزها يأتي في أعقاب أزمة تأشيرة الأمم المتحدة وما وصفه بضغوط غير موفقة مارسها بولس على الجيش السوداني. وأضاف أن الخطوة ليست مفاجئة، لكنها تثير تساؤلات بشأن مستوى الثقة والتواصل بين الخرطوم والإدارة الأميركية.

أما المحلل السياسي محمد لطيف، فيضع الرسالة في سياق ضغوط داخلية وخارجية متزايدة على البرهان، تشمل انتقادات لأداء الحكومة في حماية المدنيين، وما يصفه بـ«الاعتداءات المصرية»، إلى جانب تشدد الموقف الأميركي والضغط المرتبط باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، وعلاقة البرهان بالقوى الإسلامية.

وقال لطيف لـ«الشرق الأوسط» إن «كل هذه المعطيات تشكل ضغطاً خانقاً على البرهان»، لكنه استبعد أن تمثل الرسالة انعطافاً حاسماً في مواقفه. وأضاف: «لا أتصور أن البرهان ينتقل فجأة من مربع الحرب إلى مربع السلام»، مرجحاً أن يكون الهدف هو تهدئة الضغوط الأميركية وتجاوز الأزمة الداخلية وكسب الوقت، انتظاراً لتغير قد يعيد ترتيب الموازين لصالحه.


مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

استدعت مصر القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح سفارة لكولومبيا في القدس. وأفاد مصدر مصري مطلع، الجمعة، بأن وزارة الخارجية استدعت القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة، للإعراب عن احتجاج مصر الشديد ورفضها القاطع لافتتاح كولومبيا سفارة لها في القدس المحتلة، باعتبار ذلك «خطوة أحادية غير مقبولة، تتعارض مع الوضع القانوني والتاريخي القائم للمدينة، ومخالفة صريحة لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأكد المصدر، وفق ما أوردته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية المصرية، الجمعة، أن «هذا الإجراء يُعد باطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأوضح المصدر المطلع أنه «جرى التأكيد خلال الاستدعاء على أن مثل هذه الخطوات غير المسؤولة ستكون لها تداعيات سلبية على الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ومن شأنها تأجيج التوترات».

كما شدد على «ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي للقدس المحتلة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بفرص تحقيق السلام على أساس (حل الدولتين)».

وكان وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، ومصر، وفلسطين، وتركيا، وجيبوتي، ولبنان، وليبيا، واليمن، وقطر، والأردن، والصومال، وماليزيا، وإندونيسيا، والكويت، والجزائر، وسلطنة عُمان، وسوريا، والسودان، وباكستان، وجنوب أفريقيا، قد أعربوا عن رفضهم القاطع لقيام كولومبيا بافتتاح سفارتها في القدس. وعدّوها «خطوة تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم قائم على حل الدولتين».

عائلة وضعت خيمتها فوق أنقاض منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية في غزة (أ.ب)

وأعاد الوزراء، في بيان مشترك، الجمعة، تأكيد أن «أي إجراء أو قرار يهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو التاريخي للقدس المحتلة، أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، هو باطل ولاغٍ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. ويتماشى هذا الموقف مع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما قراري مجلس الأمن رقم (476) لعام 1980 ورقم (478) لعام 1980، اللذين يرفضان محاولات تغيير طابع القدس أو وضعها، ويدعوان الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة التي تُعدّ جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967».

كما دعا وزراء الخارجية، في بيانهم، الحكومة الكولومبية إلى «إعادة النظر في هذا القرار والتراجع عنه، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، والامتناع عن اتخاذ تدابير تمس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقّه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تكون القدس الشرقية عاصمة لها».