من الميكروويف إلى دمى باربي... ما السلع الصينية التي يعتمد عليها الأميركيون؟

دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

من الميكروويف إلى دمى باربي... ما السلع الصينية التي يعتمد عليها الأميركيون؟

دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)
دمى باربي معروضة للبيع في متجر ألعاب «فاو شوارتز» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

استثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية من رسومه الجمركية «المتبادلة»، لكن 46 من أصل 50 سلعة تعتمد الولايات المتحدة فيها بشكل كبير على الصين لا تزال خاضعة للرسوم.

يُظهر تحليل السلع التي تزيد قيمتها الإجمالية عن مليار دولار التأثير المحتمل للإجراءات الجديدة على المستهلكين الأميركيين، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز».

هواتف «أيفون 16» من «أبل» معروضة خلال حفل الإطلاق في متجر «أبل» بنيويورك (أ.ف.ب)

صُنع أكثر من ثلاثة أرباع أجهزة ألعاب الفيديو وأجهزة معالجة الطعام والمراوح الكهربائية المستوردة إلى الولايات المتحدة العام الماضي في الصين. وسيضطر أي شخص يرغب في شراء الألعاب إلى مواجهة ارتفاع الأسعار. فقد صنّعت الصين 75 في المائة من الدمى والدراجات ثلاثية العجلات والدراجات البخارية وغيرها من الألعاب ذات العجلات التي سُلّمت إلى المستهلكين الأميركيين من الخارج العام الماضي.

وحذرت شركة «ماتيل»، صانعة الألعاب وراء دمية باربي، من أنها قد ترفع أسعارها في الولايات المتحدة لتعويض تأثير الرسوم - وكان ذلك قبل تصعيد ترمب الأخير في حرب الرسوم الجمركية المتبادلة. وقالت الشركة التي يقع مقرها في ولاية كاليفورنيا، والتي تصنع أيضاً سيارات «هوت ويلز» ولعبة الورق «أونو»، إن 40 في المائة من منتجاتها يتم تصنيعها في الصين.

فوز لشركات التكنولوجيا

يأتي قرار إدارة ترمب بإعفاء الهواتف الذكية وأجهزة التوجيه ومعدات تصنيع الرقائق وبعض أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الكمبيوتر المحمولة مما يسمى الرسوم الجمركية المتبادلة على الصين بعد أسبوع من الاضطرابات في الأسواق الأميركية. ويُعد هذا الاستثناء فوزاً كبيراً لشركات التكنولوجيا الأميركية مثل «أبل» و«إنفيديا» و«مايكروسوفت»، والتي شهدت جميعها انخفاضاً في أسعار أسهمها الأسبوع الماضي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ميامي لمشاهدة بطولة القتال النهائي في مركز كاسيا (أ.ف.ب)

وكانت أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الذكية أعلى واردات من الصين من حيث القيمة العام الماضي، بقيمة إجمالية بلغت 74 مليار دولار. وسترحب «أبل» بالإعفاء بشكل خاص لأن الجزء الأكبر من سلسلة التوريد الخاصة بها يتركز في الصين.

لكن رسوم ترمب الجمركية لا تزال مصدر قلق للمتسوقين الذين يأملون في شراء سلع لا تزال خاضعة للرسوم البالغة 125 في المائة.

وقال تشاد باون، الزميل البارز في معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، إن سرعة ونطاق الإجراءات يعنيان أن التكاليف من المرجح أن تنتقل إلى المستهلكين. وأوضح أن الرسوم الجمركية على الصين فُرضت «بمستويات أعلى بكثير، وبسرعة أكبر بكثير، وعلى العديد من المنتجات الاستهلاكية الجديدة» التي لم تتأثر خلال ولاية ترمب الأولى.

وقال: «هناك احتمال أكبر بكثير لارتفاعات كبيرة في أسعار المستهلكين الذين يشترون هذه الأنواع من المنتجات اليوم».

تعني هذه الرسوم أن البقاء بارداً خلال أشهر الصيف قد يكون مكلفاً للأميركيين غير المستعدين مسبقاً - تسعة من كل 10 مراوح كهربائية تم شراؤها من الخارج في الولايات المتحدة العام الماضي جاءت من الصين، وكذلك 40 في المائة من وحدات تكييف الهواء ذاتية الاحتواء. وتهيمن الصين على سوق التصدير العالمي لكليهما.

كذلك، سيواجه الأميركيون الذين يفكرون في شراء «ميكروويف» جديد أيضاً زيادات محتملة في الأسعار؛ لأن 90 في المائة من تلك المستوردة بالولايات المتحدة العام الماضي جاءت من الصين، وتسيطر بكين على ثلاثة أرباع سوق التصدير العالمي.

إن هيمنة الصين على هذا العدد الكبير من الصادرات العالمية تعني أن إيجاد بدائل للمصنّعين لن يكون سهلاً، وفقاً للمسؤولة السابقة في وزارة التجارة البريطانية، آلي رينيسون، التي تعمل الآن في شركة الاستشارات SEC Newgate.

وقالت: «لقد نقلت الشركات الأميركية والغربية سلاسل التوريد الخاصة بها من الصين إلى دول آسيوية أخرى في السنوات الأخيرة. ولكن مع استمرار دخول الكثير من المواد الخام الصينية وقطع الغيار إلى المنتجات التي تُجمّعها، سيعتمد الكثير على مدى صرامة هذه القواعد الخاصة بكل منتج ومدى تأييد هذه الدول للولايات المتحدة». وأضافت: «لا يكمن التحدي في إيجاد موردين بديلين، نظراً لزيادة إنتاج معظم دول جنوب شرقي آسيا من السلع الصناعية، بل في الشروط التي ستفرضها الولايات المتحدة على اتفاقياتها مع تلك الدول».

وقال جيسون ميلر، الأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة ولاية ميشيغان: «سيكون الفصل السريع صعباً للغاية، خاصة بالنسبة للسلع مثل الهواتف الذكية حيث يجب إنشاء سعة إضافية وتدريب العمال وإنشاء خطوط إمداد بديلة للمدخلات».

هواتف «أيفون 16» من «أبل» معروضة خلال حفل الإطلاق في متجر «أبل» بنيويورك (أ.ف.ب)

إذا احتفظت «أبل» بإنتاجها الكامل من هواتف «أيفون» من الهند للسوق الأميركية، فسيظل ذلك يغطي فقط نحو نصف الطرازات التي تزيد عن 50 مليون طراز تشحنها الشركة إلى الولايات المتحدة كل عام، وفقاً لما ذكره المحلل في «بنك أوف أميركا» وامسي موهان.

بشكل عام، تم تصنيع أربعة من كل خمسة من الهواتف الذكية وأجهزة الألعاب المستوردة إلى الولايات المتحدة العام الماضي في الصين. لم يستبعد ترمب إعفاء بعض الشركات الأميركية من الرسوم الجمركية المتبادلة، لكن قلق المتسوقين هو أن المنتجات الأخرى قد لا تكون متاحة على الإطلاق.

وقال ميلر: «إن أكبر مصدر قلق للمستهلكين هو أن المستوردين، خوفاً من عدم قدرتهم على تمرير زيادات تكلفة الرسوم الجمركية إلى المستهلكين، يوقفون استيراد بعض السلع من الصين».

يُعدّ نقل التصنيع خارج الصين صعباً بشكل خاص بالنسبة للمنتجات الإلكترونية، مثل أجهزة الألعاب والهواتف المحمولة، نظراً لتعقيد سلاسل التوريد والمهارات اللازمة لتصنيعها.

ما السلع التي تستوردها الصين من الولايات المتحدة؟

لقد كانت الصين ثالث أكبر سوق تصدير للولايات المتحدة في عام 2023، بعد كندا والمكسيك، حيث شحنت الشركات سلعاً بقيمة 145 مليار دولار إلى الدولة الآسيوية، وفقاً لمجلس الأعمال الأميركي الصيني. ودعمت الصادرات الأميركية إلى الصين 931231 وظيفة أميركية في عام 2022، وقد استند معظمها إلى صادرات الزراعة والثروة الحيوانية.

وكانت البذور الزيتية والحبوب أبرز واردات الصين من الولايات المتحدة في عام 2023، يليها النفط والغاز. انخفضت صادرات البذور الزيتية والحبوب بمقدار 7 مليارات دولار بين عامي 2022 و2023، وقد تنخفض بشكل أكبر في ظل الخلاف التجاري الحالي بين الولايات المتحدة والصين بشأن الرسوم الجمركية. تشمل الحبوب محاصيل مثل فول الصويا والقمح والذرة.

وصرح مجلس الأعمال الأميركي الصيني في تقريره لعام 2024: «إن أي زيادات جديدة في الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات من الصين، والتي يقترحها العديد من المشرعين والقادة السياسيين بنشاط، قد تؤثر سلباً على قطاع الزراعة الأميركي إذا أدت إلى إجراءات انتقامية».

وتأتي شحنات النفط والغاز إلى الصين بشكل رئيسي من ولايتي تكساس ولويزيانا، اللتين تمثلان معاً 96 في المائة من صادرات النفط والغاز الأميركية. وتُعدّ المنتجات الصيدلانية والأدوية، وأشباه الموصلات ومكوناتها، ومنتجات الفضاء، والمواد الكيميائية، والمركبات الآلية من بين أكبر فئات السلع التي تستوردها الصين من الولايات المتحدة.

ما هي السلع الأميركية الأكثر تصديراً إلى الصين؟

بحسب الولايات، كانت تكساس أكبر مُصدّر للبضائع إلى الصين في عام 2023، حيث استوردت بكين منتجات بقيمة 25.7 مليار دولار منها في ذلك العام. كما استوردت الصين بضائع بقيمة 16.4 مليار دولار من كاليفورنيا، و6.5 مليار دولار من لويزيانا. واستكملت كارولينا الجنوبية قائمة العشرة الأوائل، حيث صدّرت بضائع بقيمة 3.9 مليار دولار إلى الصين في ذلك العام.


مقالات ذات صلة

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

أصدر الرئيس الأميركي تهديدا صريحا بوقف افتتاح جسر جوردي هاو الدولي، الذي يربط بين أونتاريو الكندية وميشيغان الأميركية، متهما كندا بـ«معاملة غير عادلة» لأميركا.

هبة القدسي (واشنطن)
أميركا اللاتينية رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم تتحدث خلال مؤتمرها الصحافي الصباحي اليومي في القصر الوطني في مكسيكو سيتي 5 يناير 2026 (أ.ف.ب)

رئيسة المكسيك: الرسوم الأميركية «الجائرة» قد تخنق اقتصاد كوبا

انتقدت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم، الاثنين، بشدة، تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على الدول المصدرة للنفط إلى كوبا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الاقتصاد البرلمان الكوري الجنوبي يصوّت على تشكيل لجنة لتسريع تشريعات الاستثمار في أميركا خلال جلسة عامة في الجمعية الوطنية (إ.ب.أ)

كوريا الجنوبية تُسرّع تشريعات الاستثمار الأميركية بعد تهديد ترمب بالرسوم

صوَّت البرلمان الكوري الجنوبي يوم الاثنين على تشكيل لجنة خاصة لتسريع التشريعات المتعلقة بالتزامات سيول الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 350 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شرائح أشباه الموصلات على لوحة دوائر كمبيوتر في صورة توضيحية (رويترز)

تايوان تحسم الجدل: نقل 40 % من إنتاج الرقائق إلى أميركا «مستحيل»

أكدت كبيرة مفاوضي تايوان بشأن الرسوم الجمركية أن نقل 40 % من طاقتها الإنتاجية لأشباه الموصلات إلى الولايات المتحدة «مستحيل».

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
الاقتصاد رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة مومباي (رويترز)

الأسواق الهندية تبدأ الأسبوع على مكاسب بدعم التفاؤل التجاري مع أميركا

سجَّلت الأسواق الهندية أداءً إيجابياً في مستهل تعاملات يوم الاثنين، مدعومة بتفاؤل المستثمرين حيال الإطار المؤقت للاتفاقية التجارية بين الهند والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (مومباي )

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.