لماذا تراجع ترمب في اللحظة الأخيرة وقرر تعليق الرسوم الجمركية؟

TT

لماذا تراجع ترمب في اللحظة الأخيرة وقرر تعليق الرسوم الجمركية؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، عن سلسلة من التعريفات الجمركية القاسية التي تستهدف الأصدقاء والأعداء على حد سواء، في محاولة جريئة لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.

فلماذا تراجع في اللحظة الأخيرة؟

جاء إعلان ترمب في وقت مبكر من بعد الظهر، في أعقاب أسبوع مروِّع حذّره فيه المشرّعون الجمهوريون والمقربون منه بشكل خاص من أن التعريفات قد تُدمر الاقتصاد.

أثار مساعدوه بهدوء مخاوف بشأن الأسواق المالية، قبل أن يعلق نظام التعريفة الذي كشف عنه قبل أسبوع واحد فقط في حفل حديقة الورود.

وارتفعت سوق الأسهم مباشرةً بعد هذا التغيير، منهيةً أياماً من الخسائر.

سفينة شحن ترسو خارج محطة ميناء إليزابيث البحرية في نيوجيرسي (رويترز)

قبيل إعلان ترمب عن قراره، كان بعض مستشاريه في حالة من الذعر بشأن أسواق السندات، حسبما صرَّح مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لشبكة «إن بي سي نيوز» الأميركية الشريكة لشبكة «سكاي نيوز».

فقد ارتفعت أسعار الفائدة على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، على عكس ما يحدث عادةً عندما تنخفض أسعار الأسهم، ويسعى المستثمرون إلى الأمان في سندات الخزانة.

وكانت هذه الديناميكية غير المعتادة تعني أنه في الوقت نفسه الذي يُمكن أن تدفع فيه التعريفات الجمركية الأسعار للارتفاع، سيدفع الناس مزيداً من الأموال لشراء المنازل، أو سداد ديون بطاقات الائتمان بسبب ارتفاع أسعار الفائدة. كما أن الشركات التي تتطلع إلى التوسع ستدفع أكثر للحصول على قروض جديدة.

وقال المسؤول في الإدارة الأميركية إن اثنين من كبار مستشاري ترمب، وهما وزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير التجارة هوارد لوتنيك، قد قدَّما جبهة موحدة يوم الأربعاء، وحثَّاه على تعليق الرسوم الجمركية في ضوء سوق السندات.

ترمب يتحدث بعد توقيع أمر تنفيذي بحضور وزيري الخزانة سكوت بيسنت والتجارة هوارد لوتنيك (أ.ف.ب)

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن ترمب عن وقف مؤقت لمدة 90 يوماً، قال إنه سيستخدمه للتفاوض على صفقات مع عشرات الدول التي أبدت انفتاحها على مراجعة الشروط التجارية التي يدعي أنها تستغل الشركات والعمال الأميركيين.

أحد الاستثناءات هي الصين، فقد رفع ترمب التعريفة الجمركية على أكبر منافس جيوسياسي لبلاده إلى 125 في المائة، في إطار تصعيد متبادل في حرب تجارية آخذة في التطور.

غيَّر ترمب مساره بعد أسبوع واحد من ظهوره في حديقة الورود، وكشفه عن خطته لإعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة. وأعلن ترمب وهو يعرض رسماً بيانياً يوضح الرسوم الجمركية الجديدة المرتفعة التي ستواجهها الدول: «إخواني الأميركيين، هذا هو يوم التحرير».

لكن لم يدم ذلك طويلاً، فقد هوت الأسواق تحسباً لتصاعد الحروب التجارية، ما أدَّى إلى القضاء على ثروات تُقدر بتريليونات الدولارات.

رافعات تعمل على أكوام من الحاويات في ميناء بانكوك (أ.ب)

الديمقراطيون يحاولون استغلال ما حصل

وقد استغل الديمقراطيون هذه القضية، متطلعين إلى تقويض أحد مصادر جاذبية ترمب الشعبية، وهو الرأي القائل إنه يمكن الوثوق به في توجيه اقتصاد البلاد.

وقال زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، يوم الأربعاء في مجلس الشيوخ قبل ساعات من تراجع ترمب: «لقد أدَّى انهيار السوق الذي تسبب فيه دونالد ترمب إلى تبخير مبلغ ضخم قدره 104 آلاف دولار من حساب التقاعد العادي».

وقد كشفت هذه الحادثة عن الخلافات داخل فريق كبار مستشاري ترمب؛ حيث كافح البيت الأبيض لتقديم حجة واضحة ومتسقة حول مدة الرسوم الجمركية.

وفي حين بدا بيسنت منفتحاً على المفاوضات، بدا أن بيتر نافارو، وهو مستشار تجاري كبير، يتخذ موقفاً أكثر تشدداً.

وكان إيلون ماسك، قد وصف نافارو بأنه «أغبى من كيس من الطوب»، في حين وصف نافارو ماسك بأنه مجرد «مُجمِّع سيارات، في كثير من الحالات».

لكن الدراما التي استمرت أسبوعاً كاملاً أكدت أيضاً خطورة عملية صنع السياسات التي غالباً ما تكون مرتبطة برغبات وتقلبات رجل واحد: دونالد ترمب.

تميل الأسواق إلى تفضيل القدرة على التنبؤ، وكذلك الأمر بالنسبة لقادة الأعمال الذين يقررون أين يبنون مصانع جديدة. ومع ذلك، عندما يُحدد ترمب مساره، فلا بد أن تكون هناك انعطافات.

وقال أحد أصدقائه، الذي تحدَّث معه في الأيام الأخيرة، إن ترمب لم يُعطِ أي إشارة على أنه على وشك «التراجع سريعاً عن هذه الأمور».

وقال هذا الشخص إن ترمب يعتقد أن الدول الأخرى تتاجر بشكل غير عادل، ويرى أن التعريفات الجمركية أداة لجعل الولايات المتحدة أكثر قدرة على المنافسة.

وأضاف الشخص، الذي تَحدَّث شرط عدم الكشف عن هويته: «إنه واثق جداً بأن هذا الأمر سينجح معه».

ومع ذلك، في الفترة التي سبقت إعلان الأربعاء، كان ترمب ومساعدوه يستمعون أيضاً إلى مشرّعين من الحزب الجمهوري وحلفاء خارجيين يحثون على مسار بديل.

وكان من بينهم لاري كودلو، الذي يقدم برنامجاً على شبكة «فوكس بيزنس نتورك» وكان مستشاراً اقتصادياً بارزاً في فترة ولاية ترمب الأولى.

قال كودلو لشبكة «إن بي سي نيوز» إنه أجرى محادثات «مستمرة» مع الأصدقاء في الجناح الغربي حول الحاجة إلى التفاوض مع الدول الأخرى، قبل أن تصفعهم الولايات المتحدة بتعريفات جمركية قائمة إلى الأبد.

ووصف كودلو الخطوة التي اتخذها ترمب يوم الأربعاء بأنها «رائعة». وأضاف: «عقد الصفقات هو أفضل شيء يمكن القيام به. ففي الساعات الـ48 ساعة الماضية، انتقل ترمب من عدم التفاوض إلى التفاوض. من الواضح جداً أن بيسنت هو الآن رجل المرحلة في مجال التجارة. واضح جداً».

الجمهوريون قلقون أيضاً

كما أبدى المشرعون الجمهوريون القلقون من الحزب الجمهوري رأيهم أيضاً.

وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إنه تحدَّث إلى ترمب مطولاً ليلة الثلاثاء، وأخبره بأنه سمع من مصنعي السيارات الذين يشعرون بالقلق بشأن كيفية تأثير الرسوم الجمركية على أعمالهم. وتدير شركة «بي إم آي» مصنعاً في ولاية غراهام، وهي إحدى الشركات التي قال إنه تحدث إليها.

كما قال السيناتور جون كيندي، وهو مشرع جمهوري كان على اتصال بالإدارة الأميركية، يوم الثلاثاء، إنه يعتزم تناول الغداء مع بيسنت. وفي يوم الأربعاء، أخبر شبكة «إن بي سي نيوز» بأنه كان يتحدث أيضاً مع البيت الأبيض.

وشبّه كيندي ترمب بـ«الثور الذي أمسك بالسيارة». وقال إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الذي ستفعله بالسيارة؟

متداولان في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ترمب يُعيد التفكير

بعد مزيد من الخسائر في السوق هذا الأسبوع، ومع تصاعد الضغوط من الجمهوريين في الكابيتول هيل، بدأ ترمب إعادة التفكير.

في فترة ولايته الأولى، غالباً ما كان ينظر إلى تقلبات سوق الأسهم صعوداً وهبوطاً بوصفها نوعاً من بطاقة تقرير عن فترة رئاسته، محتفياً بصعودها. وقد لفت انتباهه هذا التراجع.

واعترف يوم الأربعاء في حدث مع أبطال سباقات ناسكار: «كان الناس يشعرون بالغثيان قليلاً». وقال للصحافيين في وقت لاحق من اليوم في ظهور له في المكتب البيضاوي: «خلال الأيام القليلة الماضية» بدأ يُفكر بجدية أكبر في إيقاف الرسوم الجمركية الإضافية.

وقال المسؤول الكبير في الإدارة الأميركية إن أحد الاحتمالات التي أثارت اهتمامه هو التفاوض شخصياً على صفقات تجارية جديدة مع الدول التي تتطلَّع إلى الخروج من تحت التعريفات الجمركية.

لقد اتخذ قراره. وبجلوسه مع بيسنت ولوتنيك، قام بصياغة المذكرة التي أعلن فيها عن التأجيل لمدة 90 يوماً وإنهاء أكبر أزمة اقتصادية في الوقت الحالي في فترة رئاسته الشابة.

«لقد كتبناها من قلوبنا، أليس كذلك؟» قال ترمب. «لقد كتبناها بوصفها شيئاً أعتقد أنه إيجابي للغاية بالنسبة للعالم ولنا، ولا نريد أن نؤذي الدول التي لا تحتاج إلى أن تتأذى، وجميعها تريد التفاوض».

وأغلق اليوم مع ارتفاع مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 8 في المائة تقريباً، ماحياً بعض -ولكن ليس كل- خسائر «ما بعد يوم التحرير».

وبقدر ما بدا كل شيء فوضوياً، أصرَّت إدارته على أن كل شيء يسير كما هو مخطط له.

فقد نشر نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر بعد ظهر يوم الأربعاء: «لقد شاهدتم أعظم استراتيجية اقتصادية رئيسية من رئيس أميركي في التاريخ».


مقالات ذات صلة

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

الاقتصاد ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

أتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، عامه الأول في البيت الأبيض، وهو العام الذي اتسم بتبني نهج حمائي متشدد، وسياسات مالية متسارعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد فريدريش ميرتس يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة التنفيذية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في برلين يوم الاثنين (إ.ب.أ)

ميرتس يُحذر من تداعيات رسوم ترمب على الاقتصادين الأميركي والأوروبي

قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن تهديدات دونالد ترمب بفرض تعريفات جمركية على الدول التي تعارض مصالحه في غرينلاند ستنعكس سلباً على أميركا وأوروبا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته قاعدة «إيستر» الجوية العسكرية جنوب فرنسا 15 يناير 2026 (رويترز) play-circle

«مجلس الدفاع» الفرنسي يجتمع لمناقشة تطورات غرينلاند وسوريا وإيران

يجمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجلس الدفاع والأمن القومي، ظهر الاثنين، لمناقشة التطوّرات في العالم لا سيما في غرينلاند وإيران وسوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد عامل يضبط علمَيْ «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة بمقر «المفوضية» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

تهديد ترمب بضم غرينلاند يعيد الشركات الأوروبية إلى دائرة الخطر الجمركي

أعاد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الشركات الأوروبية إلى دائرة القلق؛ بعدما هدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي تعارض ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

رفع صندوق النقد الدولي مجدداً توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026، يوم الاثنين، في الوقت الذي تتكيف فيه الشركات والاقتصادات مع التعريفات الجمركية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الدولار يواصل التراجع مع تصاعد توترات غرينلاند والضغوط على الأصول الأميركية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يواصل التراجع مع تصاعد توترات غرينلاند والضغوط على الأصول الأميركية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

واصل الدولار الأميركي خسائره لليوم الثاني على التوالي خلال التعاملات الآسيوية يوم الثلاثاء، في ظل موجة نفور من الأصول الأميركية أثارتها تهديدات البيت الأبيض تجاه الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل غرينلاند، مما ضغط على الأسهم وسندات الخزانة الأميركية معاً.

وانخفض مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، بنحو 0.2 في المائة إلى 98.891، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 13 يناير (كانون الثاني)، وسط تزايد قلق المستثمرين حيال انكشافهم على الأسواق الأميركية. وكانت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتجددة بشأن فرض تعريفات جمركية على حلفاء أوروبيين قد أعادت إلى الواجهة سيناريو «بيع أميركا» الذي شهدته الأسواق عقب إعلان الرسوم في أبريل (نيسان) الماضي، حين تراجعت الأسهم وسندات الخزانة والدولار في آنٍ واحد. وتستأنف الأسواق الأميركية تداولاتها الثلاثاء بعد عطلة رسمية بمناسبة «يوم مارتن لوثر كينغ جونيور».

وقال محلل الأسواق لدى شركة «آي جي» في سيدني، توني سيكامور، إن المستثمرين يتخلّصون من الأصول المقومة بالدولار بسبب «استمرار حالة عدم اليقين، وتوتر التحالفات، وتآكل الثقة بالقيادة الأميركية، واحتمالات الرد بالمثل، وتسارع وتيرة الابتعاد عن الدولار».

وأضاف أن الآمال لا تزال قائمة في أن تتراجع الإدارة الأميركية عن حدة تهديداتها، كما حدث في جولات سابقة من التصريحات الجمركية، إلا أن ملف غرينلاند يبقى، على ما يبدو، محوراً أساسياً في اعتبارات الأمن القومي للإدارة الحالية.

وفي سوق السندات، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بنحو 3 نقاط أساس إلى 4.2586 في المائة. وتشير تسعيرات العقود الآجلة لصناديق «الاحتياطي الفيدرالي» إلى احتمال ضمني يبلغ 95 في المائة للإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير في اجتماع البنك الأسبوع المقبل، وفق أداة «فيد ووتش»، وهو ما يمثّل تغيراً طفيفاً مقارنة بيوم الجمعة.

على صعيد العملات، ارتفع اليورو بنسبة 0.1 في المائة إلى 1.1658 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني بالنسبة نفسها إلى 1.3437 دولار. وذكر محللو بنك «أو سي بي سي»، في مذكرة بحثية، أن الأسواق لا تزال متشككة حيال التنفيذ الفعلي للرسوم الجمركية، مشيرين إلى أن تدفقات تقليص المراكز بالدولار تفوق حالياً الأثر السلبي المحتمل على اليورو والجنيه الإسترليني في حال خفض توقعات النمو في أوروبا والمملكة المتحدة.

وتراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.1 في المائة إلى 157.905 ين، بعدما تعهّدت رئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكايتشي بتعليق ضريبة المبيعات على المواد الغذائية لمدة عامَين، وهو ما سلّط الضوء على هشاشة أوضاع المالية العامة في اليابان. وجاء ذلك رغم ضعف الإقبال على مزاد السندات الحكومية اليابانية لأجل 20 عاماً، دون أن ينعكس الأمر بتقلبات حادة على الين.

أما مقابل اليوان الصيني المتداول في «هونغ كونغ» فانخفض الدولار بنسبة 0.1 في المائة إلى 6.9540 يوان، وهو أضعف مستوى له منذ مايو (أيار) 2023، بعد أن أبقى بنك الشعب الصيني أسعار الفائدة المرجعية دون تغيير للشهر الثامن على التوالي، كما كان متوقعاً.

وفي الأسواق الناشئة، هوت الروبية الإندونيسية إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 16985 مقابل الدولار، وسط مخاوف المستثمرين بشأن استقلالية البنك المركزي بعد ترشيح الرئيس برابوو سوبيانتو أحد أقاربه للانضمام إلى مجلس محافظي «بنك إندونيسيا».

في المقابل، ارتفع الدولار الأسترالي بنسبة 0.2 في المائة إلى 0.6727 دولار أميركي، في حين صعد الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.58265 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له منذ بداية العام.

وفي سوق العملات الرقمية، تراجع سعر البتكوين بنسبة 0.6 في المائة إلى 92336.99 دولار، في حين انخفض الإيثيريوم بنسبة 0.8 في المائة إلى 3186.86 دولار.


ترمب في دافوس... أجندة المليارديرات تلاحق وعود «الزعيم الشعبي»

الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
TT

ترمب في دافوس... أجندة المليارديرات تلاحق وعود «الزعيم الشعبي»

الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)
الحضور يستمعون إلى خطاب افتراضي ألقاه ترمب في اجتماع دافوس العام الماضي (أ.ب)

يصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إلى دافوس السويسرية للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، في توقيت سياسي حساس يتزامن مع الذكرى الأولى لتنصيبه. وبينما يحاول تسويق نفسه على أنه منقذ للاقتصاد الأميركي ومحارب لغلاء المعيشة، يجد نفسه محاطاً بالنخبة العالمية، والمليارديرات في بلدة جبلية تُعد رمزاً للرفاهية المفرطة، حيث يبلغ متوسط سعر شاليه التزلج فيها نحو 4.4 مليون دولار.

من «ماكدونالدز» إلى دافوس

خلال حملته الانتخابية، نجح ترمب في رسم صورة «زعيم شعبي» قريب من هموم الطبقة العاملة، وظهر في مشهد شهير وهو يقدم الوجبات في «ماكدونالدز». إلا أن عامه الأول في السلطة كشف عن ميل واضح نحو «العصر المذهب»؛ حيث تشير سجلاته العامة إلى قضاء وقت أطول مع أقطاب المال والأعمال مقارنة بالتواصل مع قاعدته من العمال، وفق «أسوشييتد برس». ويعلق أليكس جاكيز، رئيس السياسات في مركز «غراوند وورك»، قائلاً: «في نهاية المطاف، المستثمرون والمليارديرات في دافوس هم من يستحوذون على اهتمام ترمب، وليس العائلات التي تكافح لدفع فواتيرها».

شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)

أطماع غرينلاند تخطف الأضواء

رغم أن البيت الأبيض يحاول توجيه خطاب ترمب في دافوس نحو قضايا «القدرة الشرائية» لمواجهة تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، فإن ملفات السياسة الخارجية تبدو الأكثر استحواذاً على عقله. فقد برزت مساعيه لضم غرينلاند باعتبار أنه عنوان رئيس يهدد بتهميش أجندته الاقتصادية في المنتدى، وسط استياء واسع من الحلفاء الأوروبيين. وعلق ترمب على هذا التوتر بلهجة متحدية: «سيكون دافوس ممتعاً للغاية».

تآكل الثقة

تأتي هذه الزيارة في وقت حرج، حيث كشف استطلاع حديث لمركز (AP-NORC) عن حقائق صادمة لإدارة ترمب:

  • 60 في المائة من البالغين الأميركيين يرون أن سياسات ترمب أضرت بتكلفة المعيشة.
  • 16 في المائة فقط يعتقدون أنه ساعد «بشكل كبير» في جعل الحياة أكثر بساطة مالياً، وهي نسبة تراجعت بحدة مقارنة بـ 49 في المائة في بداية عام 2024.

حتى داخل البيت الجمهوري، بدأت الشكوك تتسرب إلى الناخبين الذين يرون أن النتائج الاقتصادية لم ترقَ إلى مستوى التوقعات المرتفعة.

ثروات المليارديرات في نمو مطرد

تكشف البيانات الاقتصادية عن فجوة تتسع باستمرار؛ فمنذ بداية عهد ترمب، نمت ثروات الـ0.1 في المائة الأكثر غنى في أميركا بمقدار 11.98 تريليون دولار، وهو ما يمثل أربعة أضعاف المكاسب التي حققها نصف الشعب الأميركي (الـ50 في المائة الأدنى دخلاً) خلال الفترة نفسها.

ورغم وعود ترمب بخفض أسعار الفائدة العقارية، ومنع الشركات الكبرى من احتكار المنازل، فإن المحللين يشككون في فعالية هذه الإجراءات، معتبرين أنها «تجميلية» لا تعالج الأزمة الهيكلية المتمثلة في نقص البناء، وارتفاع الأسعار بما يفوق نمو الأجور.

«القانون الكبير والجميل»

يفتخر ترمب بما يسميه «القانون الكبير والجميل»، الذي يقدم إعفاءات ضريبية على «البقشيش»، والعمل الإضافي. لكن لغة الأرقام الصادرة عن مكتب الموازنة بالكونغرس ترسم صورة مختلفة:

* الطبقة الوسطى: ستوفر ما بين 800 و1200 دولار سنوياً في المتوسط.

  • الأثرياء (أعلى 10 في المائة): سيحصلون على تخفيضات تصل إلى 13600 دولار.
  • المليونيرات: قد تصل مكاسبهم الضريبية إلى أكثر من 66500 دولار هذا العام وحده.

وزير الخزانة سكوت بيسنت يدلي ببيان من مقر البيت الأبيض الأميركي في دافوس (رويترز)

حكومة «نادي النخبة»

تعكس تعيينات ترمب مدى قربه من مراكز القوة المالية؛ حيث يحيط نفسه بوزراء ومستشارين تبلغ ثرواتهم المليارات، مثل وزير التجارة هوارد لوتنيك، والمبعوث ستيف ويتكوف. ورغم الصدامات العلنية أحياناً، كما حدث مع إيلون ماسك، فإن البيت الأبيض يصر على أن هذه «العلاقات الوثيقة مع أباطرة الصناعة» هي المحرك الذي سيؤمن تريليونات الدولارات من الاستثمارات.

تختتم المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، المشهد بقولها إن ثراء ترمب الشخصي هو سر قوته؛ ففي نظرها «هو رجل أعمال يفهم الاقتصاد»، لكن التحدي أمام ترمب في دافوس هو إثبات أن هذا الفهم سيترجم إلى رخاء في بيوت العمال، وليس فقط في حسابات المليارديرات الجالسين معه حول الطاولة.


ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

ترمب في عامه الثاني... «قبضة سيادية» تفرض واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً

ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)
ترمب يحضر جلسة نقاش حول الاستثمارات في الصحة الريفية في البيت الأبيض (د.ب.أ)

أتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، عامه الأول في البيت الأبيض، وهو العام الذي اتسم بتبني نهج حمائي متشدد، وسياسات مالية متسارعة أحدثت صدمات في الأسواق العالمية، وأعادت صياغة التوازنات التجارية الدولية. ومع انتقال الإدارة إلى عامها الثاني، تبرز ملامح تحرر هيكلي من القيود المؤسسية، مع توجه لتعزيز التوسع في الصلاحيات الرئاسية عبر قرارات أحادية الجانب، مما يرفع من حدة المخاطر الجيوسياسية، ويعمق الانقسام في المشهدين السياسي، والاقتصادي للولايات المتحدة.

أجندة التغيير الجذري

عند عودته المظفرة إلى السلطة في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تعهد ترمب بإعادة تشكيل الاقتصاد، والبيروقراطية الفيدرالية، وسياسات الهجرة. وبالفعل، نفّذ جزءاً كبيراً من هذه الأجندة، ليصبح أحد أقوى الرؤساء في التاريخ الأميركي الحديث. وشملت إجراءاته الاقتصادية الجذرية تقليص حجم الجهاز الإداري الفيدرالي، وإلغاء وكالات حكومية، وخفض المساعدات الخارجية، وفرض تعريفات جمركية شاملة أثارت توترات تجارية عالمية. كما مرّر حزمة ضريبية ضخمة، وسعى لتقييد بعض اللقاحات، في وقت واصل فيه الضغط على المؤسسات الأكاديمية، والقانونية، والإعلامية، مع التركيز على أولوياته الاقتصادية المحلية.

تمركز السلطة وتحدي الاستقلالية النقديّة

وفي الأسابيع الأخيرة، أعاد ترمب طرح خطته المثيرة للجدل للاستحواذ على غرينلاند، ولوّح بخيارات عسكرية تجاه إيران، متجاهلاً المخاوف المتعلقة بالتحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول. وفي مقابلة مع «رويترز» الأسبوع الماضي، أبدى ترمب عدم اكتراثه بالتداعيات الاقتصادية المحتملة للضغط على باول، مصرحاً: «لا يهمني». كما أكد في حديثه لـ«نيويورك تايمز» أن القيد الوحيد الذي يحده باعتبار أنه القائد الأعلى هو «أخلاقياته الشخصية»، مما يعكس فلسفته في الحكم التي تُعلي من شأن التقدير الشخصي فوق القيود المؤسسية.

باول يتحدث عن تهديد إدارة ترمب بملاحقة جنائية بسبب تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي 11 يناير 2026 (رويترز)

معضلة التضخم واختبار الشعبية

ورغم إصراره على أن الاقتصاد الحالي هو «الأقوى» تاريخياً، يواجه ترمب ضغوطاً شعبية متزايدة جراء الضغوط التضخمية، وارتفاع الأسعار المستمر، وهو التحدي الأكبر قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني). وتزداد جهوده لخفض تكاليف المعيشة تعقيداً بسبب تضارب رسائله حول التضخم، الذي وصفه أحياناً بـ«الخدعة الديمقراطية». ويرى محللون أن التركيز المفرط على الشؤون الخارجية قد يضعف فاعلية سياساته الاقتصادية الداخلية، بينما يعتزم ترمب القيام بجولات ميدانية للترويج لخطته في معالجة غلاء الأسعار.

تحول مركز القرار الاقتصادي

من الناحية التنفيذية، استثمر ترمب الأوامر التنفيذية، وإعلانات الطوارئ لنقل ثقل القرار الاقتصادي من الكونغرس إلى البيت الأبيض. وتستند هذه السياسات إلى دعم الأغلبية المحافظة في المحكمة العليا، وسيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، وولاء أعضاء فريقه الوزاري، مما يمنحه قدرة استثنائية على التنفيذ دون عراقيل تذكر. ويصف المؤرخون الاقتصاديون هذا النفوذ بأنه غير مسبوق منذ عهد فرانكلين روزفلت (1933-1945) الذي تمتع بدعم شعبي، وتشريعي واسع لمواجهة الكساد العظيم، بينما يمارس ترمب سلطته الحالية في ظل انقسام حاد في الرأي العام.

المؤشرات السياسية ومخاطر نوفمبر

وفقاً لاستطلاع «رويترز/ إبسوس»، بلغت نسبة التأييد لأداء ترمب 41 في المائة، مقابل معارضة 58 في المائة، وهو رقم منخفض نسبياً للرؤساء الأميركيين. وحذر الاستراتيجي الديمقراطي أليكس فلويد من أن «تجاهل ضوابط سيادة القانون» قد يكلف الجمهوريين في صناديق الاقتراع. ومن جانبه، اعترف ترمب لـ«رويترز» بخطر فقدان السيطرة على الكونغرس في نوفمبر، محذراً حزبه من أن أغلبية ديمقراطية قد تعني مواجهة دعوى عزله للمرة الثالثة.

حصاد العام الأول

خلال عامه الأول، قلّص ترمب حجم القوى العاملة المدنية الفيدرالية، وأغلق وكالات، وخفّض المساعدات الإنسانية، وأصدر أوامر بمداهمات واسعة للهجرة، بل وأرسل الحرس الوطني إلى مدن تديرها السلطات الديمقراطية. واقتصادياً، أشعل حروباً تجارية بفرض رسوم على سلع معظم الدول، ومرّر قانوناً لخفض الضرائب، والإنفاق، وواصل مقاضاة خصومه السياسيين، وألغى أو قيّد الوصول إلى بعض اللقاحات، وهاجم الجامعات، وشركات المحاماة، ووسائل الإعلام.

ورغم وعده بإنهاء حرب روسيا في أوكرانيا منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة، أحرز ترمب تقدماً ضئيلاً نحو اتفاق سلام، بينما زعم أنه أنهى ثماني حروب، وهو ادعاء متنازع عليه على نطاق واسع، نظراً لاستمرار النزاعات في أماكن عدة من هذه المناطق الساخنة.

توقعات المرحلة المقبلة

قال المؤرخ الرئاسي تيموثي نافتالي إن ترمب مارس سلطاته التنفيذية خلال فترة رئاسته الثانية مع قيود أقل مقارنة بأي رئيس منذ عهد فرانكلين روزفلت. ففي السنوات الأولى من رئاسة روزفلت (1933-1945)، تمتع الرئيس الديمقراطي بأغلبية كبيرة في الكونغرس، ما مكّنه من تمرير معظم أجندته الداخلية لتوسيع نطاق الحكومة دون مقاومة كبيرة، بالإضافة إلى الدعم الشعبي الكبير لجهوده في مواجهة الكساد العظيم، بينما كانت المعارضة الجمهورية متفرقة، وضعيفة.

مبنى الكابيتول في واشنطن (أ.ب)

ويشير محللون واستراتيجيون من الحزب «الجمهوري» إلى أن صعوبة ترمب في إقناع الناخبين بأنه مدرك لتحدياتهم المعيشية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة، قد تدفع بعض النواب الجمهوريين إلى الابتعاد عنه لضمان حماية مقاعدهم في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر.

ويُظهر تحليل مسار سياسات ترمب الحالية أنه زاد من قوة الرئاسة التنفيذية بمعدل نادر، محوّلاً معظم عملية اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي إلى المكتب البيضاوي، مع الحد من تأثير الكونغرس، والضوابط المؤسسية. ومع ذلك، يثير «نقص الانضباط» في الرسائل الاقتصادية، وتشتت خطاباته الأخيرة قلق بعض الاستراتيجيين الجمهوريين، الذين يخشون أن يؤدي تركيزه على القضايا الخارجية إلى تراجع التأثير على الناخبين المتضررين من تكاليف المعيشة، مما قد يحفز بعض نواب الحزب للابتعاد عن سياساته، لحماية مقاعدهم الانتخابية.