هانز كونغ والحوار مع الإسلام

كتبه عن الأديان السماوية الثلاثة تشكل شرحاً مفصلاً لبرنامجه الديني - الفلسفي

هانز كونغ
هانز كونغ
TT

هانز كونغ والحوار مع الإسلام

هانز كونغ
هانز كونغ

كان العالم اللاهوتي الكاثوليكي السويسري هانز كونغ (1928-2021) متحمساً جداً للحوار مع الإسلام. والكثيرون يعدونه أكبر عالم دين مسيحي في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين أو من أكبرهم على الأقل. وهو ليس فقط رجل دين وإنما أحد كبار فلاسفة الدين في التاريخ. لقد جمع في شخصه بين الانفتاح الديني الواسع والتعمق الفلسفي الرائع. وهذا شيء نادر أن نراه لدى رجل دين. ولا يوازيه في الجهة العربية أو الإسلامية إلا شخصية فلسفية كبرى كمحمد أركون. لقد كان هذا العالم المسيحي منفتحاً على الإسلام انفتاحاً كبيراً وطيباً. وقد عبر عن ذلك في العديد من كتبه ومقالاته وحواراته. سوف نتوقف لحظة عند بعض الأفكار التي بلورها والآفاق التي دشنها. وقد ورد ذلك في كتابه الضخم في نحو الألف صفحة بعنوان: «الإسلام... الماضي، والحاضر، والمستقبل». وهو يفتتح الكتاب بهذا العنوان اللافت: «نحن ضد صدام الثقافات والحضارات».

يقول لنا المؤلف منذ البداية ما فحواه:

كتابي هذا عن الإسلام ليس إلا استمرارية متواصلة لكتابي عن اليهودية الصادر عام 1992، ثم كتابي الآخر الصادر عن المسيحية عام 1994. وهكذا أكون قد شملت الأديان الإبراهيمية الثلاثة بأبحاثي المطولة العويصة التي استغرقت مني عشرات السنين. وكل كتاب لا يقل عن الألف صفحة بل بعضها يزيد.

(بين قوسين ويا ليتها تترجم إلى العربية. ولكن من يتجرأ على ترجمتها؟ حتى الترجمة ممنوعة! ولو ترجمت لفهمنا معنى الديانات الإبراهيمية الثلاثة عن جد ولفهمنا أيضا ماهية القواسم الكبرى المشتركة فيما بينها وكذلك أوجه الاختلاف والخصوصية الفريدة لكل واحد منها). جميع هذه الكتب تشكل شرحاً مفصلاً للبرنامج الديني - الفلسفي الذي بلوره المؤلف بغية إحداث طفرة عقلية كبرى في الوعي الجمعي أو الجماعي الدولي والعالمي. وهي طفرة معرفية أصبحت ضرورية لكي تتعايش البشرية فيما بينها بكل سلام ووئام على الرغم من اختلاف أديانها وعقائدها ومذاهبها. وهذا البرنامج الكبير يتمثل في الشعارات التالية التي طرحها المؤلف:

أولاً: لا سلام في العالم دون سلام بين الأديان.

ولا سلام بين الأديان دون حوار صريح بين الأديان.

ثانياً: ولا حوار بين الأديان دون نقد راديكالي للتطرف الديني والتعصب الأعمى. وهذا ما سيؤدي إلى تحقيق الأخوة الإنسانية بين مختلف الأقوام والشعوب (بين قوسين هذا البرنامج هو ما حققته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مؤخراً).

ثالثاً وأخيراً: لا مستقبل للفكر البشري دون تحقيق المصالحة التاريخية بين العلم والإيمان أو بين الدين والفلسفة العقلانية التنويرية. ولا مستقبل دون تجاوز المفهوم الطائفي والإقصائي والتكفيري للدين...

ماذا يقصد المؤلف بالطفرة المعرفية الكبرى التي ينبغي أن تحققها البشرية؟ ماذا يقصد بهذه الطفرة الفلسفية التي تنقلنا من حال إلى حال؟ إنه يقصد ضرورة الانتقال من باراديغم القرون الوسطى إلى باراديغم الحداثة: أي من الفقه القديم الطائفي التكفيري إلى الفقه الجديد المتسامح التنويري. وهو يعني بالباراديغم هنا النموذج المعرفي الأعلى الذي يهيمن على ثقافة ما في فترة معينة من فترات التاريخ البشري. فمن الواضح أن المعيار الفكري الأعلى أو لنقل السقف الفكري الأعلى الذي كان يهيمن على العصور الوسطى غير المعيار الفكري الأعلى أو السقف الفكري الأعلى الذي يهيمن على العصور الحديثة. الأول منغلق كلياً على نفسه والثاني منفتح على كلية العالم. ومشكلتنا في العالم العربي هي أننا لا نزال واقعين تحت هيمنة السقف الأول لا الثاني فيما يخص الحركات الأصولية المتشددة على الأقل. وحدها النخب المتعلمة أو المثقفة خرجت من براثن هذا التطرف الأعمى والباراديغم الظلامي القروسطي القديم. ولكن هل يمكن الخلاص من الكابوس الأصولي السابق الذي خيم علينا طوال ألف سنة متواصلة بين عشية وضحاها؟ هل يمكن التحرر من براثن الفتاوى التكفيرية التي لا تزال تحظى بالقداسة والمعصومية حتى اللحظة؟ مستحيل. هذه العملية استغرقت من أوروبا 300 سنة. فهل يمكن أن يحققها العالم العربي في ظرف 30 سنة فقط؟ هذا هو السؤال. هذه قصة أجيال. هذه معركة العرب الكبرى: أكاد أقول هذه معركة المعارك، أم المعارك. ولكننا سائرون على الطريق بإذن الله. وأكبر دليل على ذلك وثيقة الأخوة الإنسانية الموقعة في أبو ظبي من قبل شيخ الأزهر وبابا روما بتاريخ 4 فبراير (شباط) 2019. وهي وثيقة متكاملة ومفصلة تدعو إلى تحقيق السلام العالمي والعيش المشترك بين جميع الأديان والشعوب والثقافات. وهذا مطابق حرفياً لما نص عليه القرآن الكريم: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). (الحجرات، 13). الشيء نفسه يمكن أن يقال عن وثيقة مكة المكرمة الموقعة بتاريخ 30 مايو (أيار) 2019، التي هي أيضاً وثيقة كبرى تهدف إلى تحقيق السلام بين الأمم، واتباع الوسطية والاعتدال في فهم الدين، والابتعاد عن التطرف والغلو.

كل هذا يمشي في الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ. كل هذا يقذف بأمتنا العربية الإسلامية خطوات كبيرة إلى الأمام. كل هذا يصالحنا مع أنفسنا ومع عصرنا ومع الجماعة الدولية بأسرها. وكل هذا يشفينا من مرض التطرف الأعمى الذي لا يؤدي إلا إلى خراب الشعوب والأوطان وتفكيك الوحدة الوطنية. فمتى سيفهم المتطرفون الدمويون ذلك؟ متى سيدركون أن مشروع الإسلام السياسي بكلا شقيه الإخواني والخميني قد وصل إلى الجدار المسدود وفشل فشلاً ذريعاً؟ وذلك لأنه خاضع كلياً لباراديغم القرون الوسطى المظلمة ومضاد لحركة التاريخ، بل ومضاد لجوهر القرآن الكريم ذاته. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فنلاحظ أن هانز كونغ من أنصار مشروع حوار الحضارات المضاد لمشروع صدام الحضارات على طريقة صموئيل هانتنغتون. ولكنه يرى أن هانتنغتون الذي ابتدأ تنظيراته عام 1993 بمقالة واحدة كان حذراً جداً في البداية، ثم أصبح متشدداً في النهاية.

ثم يردف هانز كونغ قائلاً: من الواضح أن مستشار البنتاغون لم يلحظ الديناميكية الداخلية للثقافات البشرية. ولم ينتبه بالأخص إلى مدى حيوية الثقافة العربية الإسلامية وعظمتها التاريخية. مشكلته أنه لم يلحظ مدى تنوعها وانقسامها إلى تيارات خصبة، بل وحتى متصارعة فيما بينها. أَنَظَر إلى الصراع بين العقلانيين الوسطيين من جهة، والأصوليين المتطرفين من جهة أخرى في كل بلد عربي أو إسلامي؟ وبالتالي فخطيئة هانتنغتون تكمن في أنه نظر إلى الحضارة الإسلامية ككتلة واحدة صماء، بكماء، عمياء، ليس لها هدف سوى ضرب الغرب أو تفجيره. أطروحة صموئيل هانتنغتون صحيحة بلا شك ولكنها لا تنطبق إلا على المتطرفين فقط في العالم العربي. إنها لا تنطبق إلا على الحركات الظلامية المتعصبة داخل الثقافة العربية الإسلامية. نظرية صموئيل هانتنغتون لا تنطبق إطلاقاً على تيار نجيب محفوظ أو طه حسين أو محمد أركون أو بقية النهضويين والتنويريين العرب والمسلمين. محال. وإنما تنطبق فقط على تيار المتطرفين من أمثال حسن البنا وسيد قطب والخميني وخامنئي، إلخ. هنا يمكن القول إن موقفه مبرر تماماً، بل واستبق ضربة 11 سبتمبر (كانون الأول) الإجرامية الكبرى. وهذا مدهش فعلاً ودليل على أنه مفكر استشرافي نبوئي واسع المدى ويرى أبعد من أنفه. ولهذا السبب نال كتابه شهرة دولية وترجم إلى مختلف لغات العالم. لقد استبق حركة التاريخ وتنبأ بها قبل أن تحصل. وهذا شيء نادر عند المثقفين بل ولا يقدر عليه إلا فلاسفة التاريخ الكبار من أمثال هيغل أو جان جاك روسو أو كانط. فمقالته التي تحولت لاحقاً إلى كتاب سبقت ضربة 11 سبتمبر بسبع سنوات فقط. لقد أتت قبلها مباشرة تقريباً. لقد أرهصت بها واستبقتها. كل هذا صحيح. ولكن ماذا نفعل بالتيارات الليبرالية التحديثية داخل العالم العربي والإسلامي يا سيد هانتنغتون؟ هل نشملها أيضاً بنظرية صدام الحضارات كالمتطرفين؟ غير معقول. بل ماذا نفعل بالتيارات العقلانية الوسطية المعتدلة داخل الحركة الإسلامية ذاتها. ألم يقل القرآن الكريم: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)؟ لم يقل قط: وكذلك جعلناكم أمة متطرفة!

أخيراً يرى هانز كونغ أن الإسلام شكل واحدة من أعظم الحضارات على وجه الأرض في الماضي. فلماذا لا يستطيع تشكيلها في الحاضر أو المستقبل؟ لقد أشرق هذا الدين القيّم على العالم يوماً ما إبان العصر الذهبي وكان أستاذاً للبشرية كلها علماً وفلسفة وأخلاقاً. لقد شكل حضارة كبرى قائمة على ركنين أساسيين: العقل والنقل، العلم والإيمان، الدين والفلسفة. وعندما انهار أحد هذين الركنين (أي الفلسفة العقلانية) انهارت حضارتنا وهيمنت علينا الأصولية العمياء طوال عصور الانحطاط ولا تزال!


مقالات ذات صلة

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

«عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

لا تبدو مجموعة «عرضحال بغدادي» لخضير فليح الزيدي، مجموعة قصصية تقليدية تضم نصوصاً مستقلة، بقدر ما تبدو روايةً مفتتة الأجزاء تتعدد فيها الوجوه

بشرى الهلالي
كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
كتب معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا

رشا أحمد (القاهرة)
كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.