ما الذي تفعله الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بأجسامنا؟

مختبر علمي أميركي رائد يستكشف تأثيراتها الخطيرة

باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
TT

ما الذي تفعله الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بأجسامنا؟

باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك

في مختبرٍ في قبو جامعة نيو مكسيكو، كان ماركوس غارسيا يفتش في سلة مهملات مليئة بالنفايات البلاستيكية. وهناك عثر على زجاجات، وقطع من شبكة صيد، وفرشاة أسنان، وكوب عليه شخصية بوكيمون، ولعبة جي. آي. جو... «نعم!» صاح وهو يرفع طرف ماصة مهملاً. «وجدتها»، كما كتبت نينا أغراوال(*).

الباحث ماركوس غارسيا يحمل منتجاً من نفايات البلاستيك

مختبر علمي رائد

غارسيا عضو في مختبر رائد، يديره عالم السموم ماثيو كامبن، يدرس كيفية تراكم الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم البلاستيك الدقيق في أجسامنا. وقد بثّت أحدث ورقة بحثية للباحثين، نُشرت في فبراير (شباط) الماضي في مجلة «Nature Medicine»، سلسلة من العناوين الرئيسية المثيرة للقلق، إضافة إلى الضجة في الأوساط العلمية.

جسيمات البلاستيك الدقيقة في الدماغ

وقد وجد الباحثون في المختبر أن عينات الدماغ البشري في عام 2024 تحتوي على نحو 50 في المائة من البلاستيك الدقيق أكثر من عينات الدماغ في عام 2016.

وقال كامبن: «هذه المواد تزداد في عالمنا بشكل كبير». فمع تراكمها في البيئة، تتراكم في أجسامنا أيضاً. كما أثار بعض النتائج الأخرى التي توصل إليها الباحثون قلقاً واسع النطاق.

عالِم السموم ماثيو كامبن

البلاستيك والخرف والمواليد الخدج

في الدراسة، احتوت أدمغة الأشخاص المصابين بالخرف على مواد بلاستيكية دقيقة أكثر بكثير من أدمغة الأشخاص غير المصابين به. في أوراق بحثية نُشرت العام الماضي، أظهر الباحثون وجود جسيمات بلاستيكية دقيقة في خصيتي الذكور ومشيمة الإناث . كما وثّق علماء آخرون وجودها في الدم، والسائل المنوي، وحليب الأم، وحتى في براز الطفل الأول.

وفي فبراير (شباط) أيضاً، وبالتعاون مع زملاء من كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال، أصدر مختبر كامبن بحثاً أولياً يُظهر أن مشيمات الأطفال الخُدج تحتوي على جسيمات بلاستيكية دقيقة أكثر من تلك الخاصة بالأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي، على الرغم من أن هذه الجسيمات لم تتراكم إلا بعد فترة قصيرة.

ولكن على الرغم من جميع الأماكن التي عثروا فيها على جسيمات بلاستيكية دقيقة، وكل القلق بشأن المخاطر الصحية، كان هناك الكثير مما لم يفهمه الباحثون بعد.

الجرعات والسموم

أول ما يتعلمه علماء السموم هو أن «الجرعة تُكوّن السم»: أي مادة، حتى الماء، يمكن أن تكون سامة بجرعة عالية بما يكفي. لكن كامبن وغارسيا لم يكونا على دراية بكمية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة اللازمة لبدء التسبب في مشكلات صحية. ومع وجود هذا الكم الهائل من البلاستيك في عالمنا، هل كان طعامنا، أو ملابسنا، أو هواؤنا، أو مصادر أخرى هي التي تُشكّل التهديد الأكبر؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لجأ الباحثون إلى الجثث.

البحث عن البلاستيك في الدماغ

في ورقتهم البحثية، أفاد الباحثون بأن متوسط ​​تركيز البلاستيك الدقيق في 24 دماغاً بشرياً اعتباراً من عام 2024 بلغ نحو 5000 ميكروغرام لكل غرام، على الرغم من وجود قدر كبير من عدم اليقين في هذا التقدير نظراً لطرق حسابه.

وهذا يعني نحو 7 غرامات من البلاستيك لكل دماغ -أي ما يعادل ملعقة ذات استخدام واحد، كما ذكر كامبن، أو نحو خمسة أغطية لقنانيٍّ من الماء. تحتوي أدمغة الأشخاص المصابين بالخرف على كمية أكبر، مع أن الباحثين أشاروا إلى أن ذلك قد يكون بسبب امتلاك هذه الأدمغة حاجزاً دموياً دماغياً أكثر مسامية، وبالتالي قلة قدرتها على التخلص من الجزيئات السامة.

لم يتضح بعد تأثير هذه الكمية من البلاستيك على صحة الإنسان، لكنها كافية لإثارة القلق. وتدرس مجموعته الآن أنسجةً من مقاطع عرضية لدماغ واحد لمعرفة ما إذا كانت مناطق معينة تحتوي على تركيزات أعلى من البلاستيك الدقيق، وما إذا كان ذلك مرتبطاً بمشكلات مثل مرض باركنسون أو فقدان الذاكرة.

باحثتان في المختبر تدرسان جسيمات البلاستيك

أبحاث بتكلفة عالية

وللمقارنة، يود الباحثون دراسة دماغ من فترة ما قبل سبعينات أو ستينات القرن الماضي، عندما أصبح البلاستيك منتشراً في كل مكان. يقول كامبن: «يمكنك تخيل متحف قديم كلاسيكي بدماغ يطفو في جُرة. أنا بحاجة ماسة لواحد من تلك».

وهذه التجارب مكلِّفة وتستغرق وقتاً طويلاً. وليس من السهل الحصول على عينات الدماغ. وتبلغ تكلفة الأجهزة التي تحلل البلاستيك نحو 150 ألف دولار للجهاز الواحد.

لكنَّ هذه الدراسات أتاحت لكامبن التوصل إلى استنتاجات لم يتوصل إليها أحد غيره. فقد دفعته إلى الاعتقاد أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في أجسامنا أصغر بكثير من أي شيء وصفه علماء آخرون، وهو ما يفسر كيفية اختراقها حواجز أجسامنا ووصولها إلى أعضائنا.

دراسات مجهرية

وقد أكد هذا الظن باستخدام مجهر عالي الدقة: فقد أظهر أشياء تشبه الشظايا لا يزيد طولها على 200 نانومتر -أي أقل بنحو 400 مرة من عرض الشعرة- ورقيقة لدرجة أنها كانت شفافة. في حين استخدمت الدراسات السابقة مجاهر لا يمكنها الرؤية إلا حتى 25 ضعف هذا الحجم.

يرى كامبن أن توثيق وجود جسيمات صغيرة جداً قد يُزعزع فهمنا لكمية البلاستيك الموجودة في أجسامنا، وكيف تصل إلى هناك، وإلى أين يمكن أن تذهب، وما الضرر الذي قد تُسببه.

بلاستيك الماء والنباتات والغذاء

لا يستطيع الباحثون الجزم بكيفية دخول هذه المواد البلاستيكية إلى أجسامنا أو من أين نشأت، لكن لديهم بعض الأدلة. قالت كريستي تايلر، أستاذة علوم البيئة في معهد روتشستر للتكنولوجيا، والتي تدرس المواد البلاستيكية الدقيقة في النظم البيئية المائية، إنهم يعلمون أن النفايات البلاستيكية تنتهي في تربتنا ومائنا وهوائنا وحتى المطر.

وقد تُدمج في النباتات وتصبح أكثر تركيزاً في أثناء صعودها في السلسلة الغذائية. يوجد البلاستيك في ملابسنا وسجادنا وأرائكنا وحاويات تخزين الطعام -«إنه في الواقع في كل مكان»، كما قالت تايلر.

تغلغل بلاستيك النفايات

تشير خصائص البلاستيك التي وجدها فريق كامبن في الأنسجة البشرية إلى أنها جاءت في المقام الأول من نفايات جرى إنتاجها منذ سنوات كثيرة، وتعرضت للعوامل الجوية بمرور الوقت. وجد الباحثون كمية كبيرة من البولي إيثيلين، على سبيل المثال، وهو النوع السائد من البلاستيك الذي جرى إنتاجه في الستينات، ولكن كمية أقل من البلاستيك المستخدم في زجاجات المياه، التي انتشرت في التسعينات.

ولأن إنتاج البلاستيك يتضاعف كل 10 إلى 15 عاماً، فحتى لو توقفنا عن إنتاجه اليوم، فإن كمية كبيرة من البلاستيك تظل قيد الاستخدام بالفعل، مما سيؤدي إلى تراكم مزيد ومزيد من النفايات البلاستيكية في البيئة، وربما في أجسامنا لعقود قادمة.

دخول البلاستيك إلى الجسم

يعتقد كامبن أن الطريقة الرئيسية لدخول هذه المواد البلاستيكية إلى أجسامنا هي عندما نبتلعها، بعد فترة طويلة من التخلص منها وبدء تحللها. وهو أقل قلقاً بشأن ما يسمى «البلاستيك الطازج»، مثل تلك التي تتساقط من ألواح التقطيع وزجاجات المياه في أثناء استخدامنا لها، لأن هذه الجسيمات أكبر بكثير وأحدث مما قام بقياسه. وتشير الأبحاث إلى أن الجسم يتخلص من بعض المواد البلاستيكية الدقيقة الأكبر حجماً.

وأقر كامبن بأن وجهة نظره بشأن البلاستيك الطازج «غير تقليدية»، ويقول علماء آخرون إنه من المفيد اتخاذ خطوات لتقليل التعرض له. من الواضح أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة يمكن أن تتسرب من قنانيِّ المياه، وأوعية الطعام المسخنة في الميكروويف، والملابس الصناعية، وتشير الأبحاث المستمدة من الدراسات على الحيوانات إلى أن هذه الجسيمات قد تكون ضارة، وفقاً لتريسي وودروف، مديرة برنامج الصحة الإنجابية والبيئة في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو.

ولكن، كما هو الحال مع أي علم مبكر، هناك محاذير. أولاً، من الصعب للغاية قياس هذه الجسيمات الدقيقة. ولم يُكرر أحد البحث بعد لمعرفة مدى صحة النتائج. والسؤال المهم هو عمَّا إذا كان كل ما يقيسونه من البلاستيك بالفعل، أو ما إذا كان بعضه دهوناً، التي قد تبدو متشابهة كيميائياً ولكنها موجودة بشكل طبيعي في الجسم.

وقالت وودروف: «تبدو تقديراتهم لكمية البلاستيك الموجودة في الدماغ مرتفعة». ولكن حتى لو كانت كذلك، كما قالت، «فإن ذلك لن ينفي النتائج التي تشير إلى أنهم يرون مزيداً من البلاستيك بمرور الوقت. وهذا في الواقع يتماشى تماماً مع ما نعرفه عن إنتاج البلاستيك».

المخاطر الصحية الناجمة عن البلاستيك

هناك سؤال واحد يشعر كامبن وغارسيا أنهما بدآ بالإجابة عنه بثقة. وهو السؤال الذي بدآ به: ما كمية البلاستيك في أجسامنا؟

وهما الآن مستعدان لاستكشاف الروابط المحتملة بين جرعات معينة ونتائج صحية بشرية، مثل أمراض القلب، ومشكلات الخصوبة، والتصلب اللويحي.

ويبدآن تجربة على الحيوانات لفهم الجرعات التي قد تكون ضارة.

بدأت تيا غارلاند، طالبة الصيدلة، هذه العملية في المختبر، مرتدية قناعاً لتجنب استنشاق الجسيمات، إذ أدخلت قطعاً مما يشبه الطباشير الملون في آلة أصدرت صوت عواء مخيفاً في أثناء تجميدها وسحقها للمواد البلاستيكية. في النهاية، سيُطعم الباحثون هذه القطع للفئران، وسيدرسون كيف تؤثر المستويات والأنواع المختلفة على أدمغتها وسلوكها.

وقد جاءت هذه القطع من شاطئ في هاواي، حيث جمعت غارسيا وآخرون 1800 رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً) من بقايا البلاستيك و220 كيلوغراماً أخرى استخلصتها من الشِّبَاك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

7

غرامات من البلاستيك رصدت لكل دماغ - أي ما يعادل مقدارملعقة منه


مقالات ذات صلة

الحر الشديد يضرب أوروبا: فرنسا تحصي 74 وفاة... وحرارة قياسية في ألمانيا

أوروبا رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

الحر الشديد يضرب أوروبا: فرنسا تحصي 74 وفاة... وحرارة قياسية في ألمانيا

يعيش قسم كبير من أوروبا، السبت، يوماً إضافياً من الحر الشديد الممتد من فرنسا إلى بولندا، مروراً بالساحل الأدرياتيكي الكرواتي، مع توقع تخطي الحرارة 35 درجة مئوية

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا امرأة تستخدم مروحة في فناء متحف «اللوفر» بباريس حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية (أ.ب)

موجة الحرّ ترهِق أوروبا

تشتد موجة الحر التي تجتاح أوروبا، حيث يواجه ما لا يقل عن 101 مليون نسمة، نصفهم في فرنسا، حرارة تتجاوز 35 مئوية الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس )
بيئة ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978،…

غازي الحارثي (الرياض)
خاص مقر «سرك» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

خاص «سرك»: قطاع إدارة النفايات يضيف 32 مليار دولار للاقتصاد السعودي بحلول 2040

في تحولٍ مفصلي ينقل إدارة النفايات في السعودية من ملف روتيني للمعالجة البيئية إلى رافد صناعي واقتصادي مستقل، كشف مدير تطوير الأعمال في الشركة السعودية…

دانه الدريس (الرياض)
يوميات الشرق البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
TT

لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)

حدوث الزلازل هو جزء من السلوك الطبيعي للأرض. فهي تحدث مع حركة الصفائح التكتونية التي تشكل الطبقة الخارجية للكوكب. يمكنك أن تتخيل الصفائح على أنها غلاف خارجي صلب إلى حد ما، يجب أن يتحرك ليسمح للأرض بإطلاق حرارتها الداخلية.

تحمل هذه الصفائح القارات والمحيطات، وهي في حالة تصادم بطيء الحركة باستمرار بعضها مع بعض.

إذا لاحظنا نمط حدوث الزلازل حول العالم، فمن الواضح أن معظم النشاط يتركز في عدد من الأحزمة الزلزالية المتميزة. تحوي الأرض تحت أقدامنا عديداً من الصدوع الناتجة عن ماضي كوكب الأرض الجيولوجي المضطرب.

بعض هذه الصدوع يمكن ملاحظتها على السطح ورسم خرائطها من الجيولوجيين؛ بينما البعض الآخر يقع على بُعد كيلومترات عديدة تحت السطح. هذه الصدوع هي أماكن يمكن أن تحدث فيها الزلازل، وفقاً لموقع المسح الجيولوجي البريطاني.

تطويق مبنى مائل في أعقاب الزلزال الذي ضرب مدينة هوالين شرق تايوان، أبريل 2024 (أ.ب)

وقال جيمي تورو، جيولوجي من جامعة ويست فيرجينيا في مقال لموقع «بي بي إس» الأميركي، إن السلوك الدوري للصدوع يسمح لعلماء الزلازل بتقدير المخاطر الزلزالية إحصائياً. على حدود الصفائح ذات الحركات السريعة، مثل تلك الموجودة على طول حافة المحيط الهادئ، تتراكم الطاقة المرنة بسرعة ولديها القدرة على توليد زلازل كبيرة متكررة.

ويضيف أن الصدوع على حدود الصفائح بطيئة الحركة فتستغرق وقتا أطول للوصول إلى حالة حرجة. فعلى طول بعض الصدوع، قد تمر مئات بل آلاف السنين بين الزلازل الكبيرة. وهذا يتيح وقتاً للمدن للنمو وللناس لفقدان ذاكرة الأجداد عن الزلازل الماضية.

الحزام الهائل من الجبال الذي يمتد من جبال أطلس في شمال أفريقيا إلى جبال البيرينيه والألب ومعظم الجبال عبر جنوب أوروبا والشرق الأوسط هو نتاج تصادم الصفائح. ومع ذلك، وبسبب أن حركات هذه الصفائح بطيئة بالقرب من المغرب، فإن الزلازل الكبيرة ليست متكررة جداً مقارنةً بأفغانستان مثلاً التي تقع فوق عديد من الصدوع الناتجة عن تصادم صفائح الهند مع أوراسيا. فالصفيحة الهندية، العتيقة والصلبة، كانت تصطدم بالحافة الجنوبية لأوراسيا على مدى الأربعين مليون سنة الماضية.

السكان يمرون بجوار مبنى منهار بعد زلزال ضرب مدينة جنرال سانتوس في الفلبين (أ.ب)

حزام الزلازل

تُعرِّف الموسوعة البريطانية حزام الزلازل بأنه منطقة جغرافية ضيقة على سطح الأرض يتركز على طولها معظم النشاط الزلزالي. وتتكون الطبقة الخارجية للأرض (الغلاف الصخري) من عدة صفائح تكتونية كبيرة. الحواف التي تتحرك عندها هذه الصفائح بعضها باتجاه بعض هي موقع الزلازل.

ويعد الحزامان الزلزاليان الرئيسيان هما الحزام المحيط بالهادئ (Circum-Pacific Belt)، الذي يحيط بالمحيط الهادئ، والحزام الألبي (Alpide Belt)، الذي يمتد من جزر الأزور عبر البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط إلى جبال الهيمالايا وإندونيسيا، حيث يلتقي مع الحزام المحيط بالهادئ.

أكثر الدول تعرضا للزلازل

إليك أكثر 10 دولا معرضة للزلازل بسبب وجودها على أحزمة زلازل، وفقاً لموقع «هاو ستف وركس»:

طفل ينام خارج منازل متضررة من الزلزال في كاتيا لا مار بفنزويلا (أ.ب)

1- اليابان: الدولة الأكثر تعرضاً للزلازل

تُعد اليابان شديدة التعرض للزلازل، إذ تمتلك شبكة كثيفة من أجهزة الرصد تكتشف حتى عن الهزات الصغيرة. تقع اليابان فوق أربع صفائح تكتونية، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق اضطرابا في العالم.

يحدث ما بين 10 و20 في المائة من جميع الزلازل التي تبلغ قوتها 6 درجات أو أكثر في اليابان أو بالقرب منها.

2- إندونيسيا: نشاط زلزالي مستمر

تقع إندونيسيا على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة، بما في ذلك زلازل كبرى بقوة تزيد على 6 درجات كل عام تقريباً.

في السنوات الأخيرة، سجلت آلاف الهزات سنوياً، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق نشاطاً في العالم.

3- الصين: تاريخ طويل من الزلازل المدمرة

تمتلك الصين تاريخاً طويلاً من الزلازل الكارثية، بما في ذلك بعض أكثر الكوارث الطبيعية دموية في التاريخ الحديث.

أحداث مثل زلزال تانغشان عام 1976 وزلزال مقاطعة سيتشوان عام 2008، تسببت في دمار هائل وخسائر بشرية فادحة.

4- الفلبين: زلازل وبراكين متكررة

تقع الفلبين على طول حدود صفائح رئيسية في حزام النار بالمحيط الهادئ، مما يجعلها شديدة التعرض للزلازل. وتشهد بانتظام نشاطاً زلزالياً إلى جانب نشاط بركاني، مما يزيد من المخاطر الإجمالية.

صورة من الجو تظهر مبان مدمرة بالكامل في لاغوايرا بفنزويلا عقب زالزلين مدمرين (أ.ف.ب)

5- المكسيك: نشاط على طول ساحل المحيط الهادئ

موقع المكسيك على طول الساحل الغربي يضعها مباشرةً في منطقة زلزالية كبرى. وتسجل باستمرار عدداً كبيراً من الزلازل كل عام.

6- إيران: خطوط صدع متعددة

تقع إيران على عدة خطوط صدع نشطة حيث تلتقي الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى زلازل متكررة. تجعلها جغرافيتها واحدة من أكثر الدول عرضة للزلازل في الشرق الأوسط.

7- تركيا: مناطق صدع رئيسية

تقع تركيا بالقرب من خطوط صدع رئيسية بين الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى نشاط زلزالي منتظم وزلازل مدمرة عرضية. تسببت هذه الزلازل في أضرار واسعة النطاق للمدن والبنية التحتية.

8- الولايات المتحدة: مناطق زلزالية متنوعة

تشهد الولايات المتحدة زلازل في عدة مناطق، خصوصاً على طول صدع سان أندرياس في كاليفورنيا وفي ألاسكا. تُنتج هذه المناطق زلازل صغيرة وأخرى كبيرة يمكن أن تؤثر على أعداد كبيرة من السكان.

9- بيرو: نشاط على طول حزام النار

تقع بيرو على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة بسبب مناطق الانغراز، معظمها هزات صغيرة، لكن المنطقة قادرة على إنتاج زلازل كبرى.

10- إيطاليا: نشاط زلزالي في أوروبا

تُعد إيطاليا واحدة من أكثر الدول الأوروبية عرضة للزلازل بسبب موقعها على عدة خطوط صدع. تشهد زلازل دورية تؤثر على المدن التاريخية والبنية التحتية الحديثة.

أشخاص يبحثون عن ناجين تحت أنقاض مبنى منهار بعد زلزال ضرب سينديرجي في مقاطعة باليكسير غربي تركيا، أغسطس 2025 (رويترز)

وقال موقع المسح الجيولوجي الأميركي إنه وفقاً للسجلات طويلة المدى (منذ نحو عام 1900)، يتوقع حدوث نحو 16 زلزالاً كبيراً في أي سنة معينة. يشمل ذلك 15 زلزالاً في نطاق قوة 7 درجات، وزلزالاً واحداً بقوة 8 درجات أو أكثر. وأضاف: «في السنوات الأربعين إلى الخمسين الماضية، تُظهر سجلاتنا أننا تجاوزنا المتوسط طويل الأجل لعدد الزلازل الكبيرة نحو اثنتي عشرة مرة».

كان العام الذي شهد أكبر عدد إجمالي هو عام 2010، إذ بلغ عدد الزلازل الكبيرة 23 زلزالاً (بقوة تساوي أو تزيد على 7 درجات). وفي سنوات أخرى، كان الإجمالي أقل بكثير من المتوسط السنوي طويل الأجل البالغ 16 زلزالاً كبيراً. ففي عام 1989، لم يحدث سوى 6 زلازل كبيرة، وفي عام 1988 لم يحدث سوى 7 زلازل فقط.


اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة
TT

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

تمكن فريق دولي من العلماء من تحديد اضطراب وراثي لم يكن معروفاً من قبل، يتسبب في مرض رئوي شديد يبدأ منذ الطفولة المبكرة. وجاء ذلك في اكتشاف يسلط الضوء على أحد الأسباب الخفية للفشل التنفسي لدى الأطفال، ويفتح آفاقاً جديدة للتشخيص والعلاج.

اكتشاف جيني

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة «American Journal of Human Genetics» في 8 يونيو (حزيران) 2026، حيث أظهرت أن المرض الرئوي ينجم عن طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة جين يُعرف باسم TMEM63B. وكشف الباحثون من كلية بايلور للطب الأميركية ومستشفى تكساس للأطفال بالتعاون مع مؤسسات بحثية في آسيا وأوروبا، عن أن الأطفال الذين يرثون نسختين معطوبتين من هذا الجين يعانون مشكلات تنفسية خطيرة منذ الأشهر الأولى من الحياة، إضافة إلى تأخر في النمو.

ويُعدّ هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم أحد الأمراض الوراثية النادرة التي ظلت أسبابها مجهولة لسنوات طويلة.

• رحلة الاكتشاف. بدأت رحلة الاكتشاف مع طفل التحق ببرنامج الشبكة الأميركية للأمراض غير المشخّصة (UDN) في كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال. وكان الأطباء يحاولون تفسير أعراض تنفسية حادة عنده، لم تنجح الفحوص التقليدية في تحديد سببها.

وأظهرت التحاليل الجينية وجود طفرات نادرة في جين TMEM63B. وبعد نشر هذه الملاحظات عبر شبكة الأمراض غير المشخّصة، تمكن الباحثون من العثور على أربعة مرضى آخرين من ثلاث عائلات غير مرتبطة يحملون طفرات مشابهة ويعانون أعراضاً متقاربة.

وبذلك تم التعرف على أول خمس حالات معروفة لهذا الاضطراب الوراثي الجديد.

• أعراض متشابهة. وقد عانى جميع الأطفال ضيق تنفس ومشكلات رئوية ظهرت في وقت مبكر من الحياة، كما أظهرت الفحوص وجود تغيرات غير طبيعية في أنسجة الرئة وتأخر في النمو والتطور. ومن اللافت أن المرضى لم يعانوا نوبات صرع رغم أن طفرات أخرى في الجين نفسه كانت قد ارتبطت سابقاً باضطرابات عصبية تشمل الصرع وتأخر النمو.

جين واحد ومرضان مختلفان

يحمل جين TMEM63B تعليمات إنتاج بروتين يعمل كقناة أيونية، وهي بوابات مجهرية تسمح بمرور الأيونات عبر أغشية الخلايا وتؤدي دوراً مهماً في وظائف الكثير من الأعضاء، بما في ذلك الدماغ والرئتان.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن بعض الطفرات تجعل هذه القنوات مفرطة النشاط، أي تبقى مفتوحة عندما يفترض أن تكون مغلقة. وقد ارتبط هذا النوع من الطفرات باضطرابات عصبية وظهور نوبات صرع.

أما في الدراسة الحالية، فقد اكتشف الباحثون نوعاً مختلفاً تماماً من الطفرات يؤدي إلى اختفاء القناة الأيونية أو فقدانها وظيفتها بالكامل بسبب وراثة نسختين معطوبتين من الجين واحدة من كل والد. وأكدت التجارب المختبرية أن هذه الطفرات تؤدي بالفعل إلى فقدان كامل لوظيفة البروتين.

• لماذا تتضرر الرئتان أكثر من الدماغ؟ وأحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الدراسة هو أن فقدان وظيفة الجين TMEM63B يؤثر بشدة في الرئتين بينما يبدو أن تأثيره على الدماغ أقل حدة.

ويرجح الباحثون أن الدماغ يمتلك قنوات أيونية أخرى قادرة على تعويض غياب الجين جزئياً في حين لا تملك الرئتان آليات تعويض مماثلة. وبالتالي، يؤدي غياب هذه القناة إلى اضطراب عمليات حيوية ضرورية للحفاظ على وظائف الرئة الطبيعية؛ ما يفسر ظهور الفشل التنفسي الحاد لدى الأطفال المصابين.

كما تتوافق هذه النتائج مع دراسات سابقة على الفئران التي عُدلت وراثياً لتفتقر إلى الجين نفسه، حيث عانت الحيوانات فشلاً تنفسياً شديداً بعد الولادة مباشرة.

• سبب جديد لأمراض الرئة النادرة. يرى الباحثون أن الطفرات في جين TMEM63B قد تمثل سبباً جديداً وغير معروف سابقاً لبعض أنواع أمراض الرئة الخلالية interstitial lung disease لدى الأطفال، وهي مجموعة من الأمراض النادرة التي تؤثر في الأنسجة الدقيقة للرئتين وتعيق عملية التنفس.

وغالباً ما ترتبط هذه الأمراض بخلل في إنتاج أو وظيفة المادة الخافضة للتوتر السطحي الرئوية surfactant، وهي مادة تساعد الرئتين على التمدد والانكماش بسهولة أثناء التنفس.

وقالت الدكتورة كيرين ماشول، قسم علم الوراثة الجزيئية والبشرية كلية بايلور للطب هيوستن تكساس الباحثة المشاركة في الدراسة، إن التعرف على الجين TMEM63B بوصفه سبباً لهذه الحالات قد يساعد الأطباء على تشخيص المرض مبكراً وتقديم الرعاية المناسبة للمرضى وأسرهم.

• أهمية التشخيص الجيني. ومن المتوقع أن تؤثر هذه النتائج في استراتيجيات الفحص الجيني للأطفال الذين يعانون أمراضاً تنفسية مجهولة السبب. فحتى الآن كان هذا الجين معروفاً أساساً بدوره في بعض الاضطرابات العصبية، لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن نوع الطفرة نفسها هو ما يحدد طبيعة المرض، سواء كان عصبياً أو رئوياً.

وقد يساعد ذلك المختبرات والأطباء على التعرف على هذا الاضطراب بشكل أسرع وتقديم تشخيص أكثر دقة للحالات المشابهة مستقبلاً.

ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف ما كان ليتحقق لولا التعاون الدولي وتبادل البيانات بين المراكز الطبية والبحثية حول العالم. فالحالات النادرة غالباً ما تكون موزعة بين دول مختلفة؛ ما يجعل الربط بينها أمراً صعباً. لكن مشاركة المعلومات الجينية والسريرية سمحت للعلماء بجمع الأدلة اللازمة لإثبات العلاقة بين طفرات الجين TMEM63B والمرض الرئوي الشديد.

ورغم أن كثيراً من الأسئلة ما زالت في حاجة إلى إجابات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم أفضل للأمراض الوراثية النادرة التي تصيب الجهاز التنفسي، ويمنح الأمل لعائلات ظلت لسنوات تبحث عن تفسير لمعاناة أطفالها.


أجهزة ليزر على القمر لمساعدة المركبات الفضائية في الملاحة

شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر
شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر
TT

أجهزة ليزر على القمر لمساعدة المركبات الفضائية في الملاحة

شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر
شكل تصويري بالذكاء الاصطناعي لليزر في حفرة على القمر

يحوي القطب الجنوبي للقمر فوهات دائرية تغطيها ظلال دائمة. والآن، يقترح باحثون اميركيون إمكانية استغلال هذه الفوهات كمواقع لأجهزة ليزر فائقة الثبات، يمكن أن تُستخدم يوماً ما باعتبارها معيار زمني قمرِي. ورغم أن الفكرة لا تزال مجرد اقتراح بالوقت الراهن، فإن مثل هذا «المعيار الزمني» سيُزامن الأنشطة على القمر وما وراءه، كما سيمكّن نظام ملاحة شبيه بنظام تحديد المواقع (GPS) للمركبات الفضائية، في مدار القمر والمركبات الجوالة على سطح القمر.

وحسب جون يي، زميل في «معهد جيلا»، (المعروف سابقاً باسم «المعهد المشترك للفيزياء الفلكية المختبرية») ـ معهد بحثي مشترك بين جامعة كولورادو بولدر والمعهد الوطني للمقاييس والتكنولوجيا، فإن هناك الكثير من الأسباب تجعل القمر موقعاً مثالياً لوضع ليزر مستقر، فالقمر غير نشط تكتونياً (زلزاليا)، وبالتالي هناك اهتزازات أقل تؤثر على الليزر، مقارنةً بالأرض. كما أنه يفتقر إلى غلاف جوي يمكن أن يؤثر على مرايا الليزر.

توفر الفوهات القمرية، التي لا تتعرض لضوء الشمس المباشر، مزايا إضافية. وتتسم هذه المناطق، التي تُعد من أحلك وأبرد الأماكن على مستوى النظام الشمسي، بدرجات حرارة شديد الانخفاض تُقارب 50 درجة كلفن(223.1 درجة مئوية تحت الصفر) داخل هذه الفوهات التي تغطيها الظلال دائماً، ما يقلل بدرجة كبيرة أي اهتزازات عشوائية بسبب الحرارة، قد تتعرض لها مرايا الليزر. بجانب ذلك، احتجزت هذه الفوهات مخزوناً كبيراً من جليد الماء على امتداد ملايين السنين، ما يجعلها أساسية في خطط استكشاف القمر على المدى الطويل. وعن ذلك، قال يي: «من الممكن بناء أكثر ليزر ثباتاً في العالم على القمر.»

الساعة الذرية القمرية والملاحة

يمكن لليزر استثنائي الثبات أن يصبح أساساً لمعيار زمني قمري، مبني على ما سيكون أول ساعة ذرية على جرم خارج الأرض. تستخدم الساعات الذرية البصرية حزم ليزر متقاطعة، لحصر ومراقبة الاهتزازات الكمومية للذرات للحفاظ على الزمن بدقة. يقترح يي وزملاؤه أن ليزراً قمرياً مستقراً قد يدعم ساعة زمنية تضاهي أدق الساعات الذرية البصرية على الأرض. وقد نشر العلماء اقتراحهم في الثامن من مايو (أيار)، في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (Proceedings of the National Academy of Sciences).

جدير بالذكر أن أنظمة تحديد المواقع العالمي، وأنظمة الأقمار الصناعية الملاحية الأخرى على الأرض، تعتمد ، على ساعات ذرية موجودة على الأقمار الصناعية، لإرسال إشارات زمنية دقيقة، التي يستخدمها جهاز الاستقبال لتحديد موقعه، عبر دراسة الزمن المستغرق لوصول الإشارات من كل قمر صناعي مرئي. وبطريقة مشابهة، يمكن لساعة ذرية بصرية قمرية أن تضع الأساس لإرسال إشارة شبيهة بـ «جي بي إس» تُساعد في توجيه المركبات الفضائية والمركبات الجوالة على سطح القمر.

وبسب المقترح، فإن غياب التشويش الجوي على القمر، سيزيد سهولة اتصال هذا الليزر بالأقمار الصناعية حول القمر، والأرض ومشاركة تردده المستقر للغاية. وبفضل هذا المرجع المشترك، يمكن للتلسكوبات في هذه النقاط أن تعمل معاً، وكأنها تلسكوب واحد ضخم عبر تكنولوجيا تُعرف بالتداخل مديد القاعد، للتصوير العميق للمساحة واكتشاف موجات الجاذبية. كما يمكن أن يخدم هذا الليزر الرئيس كعمود فقري لشبكات كمومية بالفضاء شبه منيعة في مواجهة الاختراق.

بناء الليزر

لتشييد ليزر ثابت داخل فوهة قمرية مظللة دائماً، يتصور يي أن يتولى رواد الفضاء أولاً تركيب مكون رئيس يُعرف بتجاويف السيليكون، عبارة عن كتلة من السيليكون، تسمح فقط بترددات ضوئية معينة بالانعكاس ذهاباً وإياباً بين مراياٍ في كل طرف من الكتلة. المسافة بين المرآتين تحدد أي الترددات مسموح لها بالتردد. وفي ظل وجود تجويف عالي الاستقرار، تظل تلك المسافة وتلك الترددات عند أدنى حد ممكن من التغيرات.

ويشير الباحثون إلى أنه عبر إشعاع أي حرارة متبقية من التجويف باتجاه برودة الفضاء الخارجي الهائل، يمكن تبريده أكثر حتى 16 كلفن (-257.1 درجة مئوية) ، دون الحاجة إلى أي معدات إضافية. عند هذه الدرجة، لا يتمدد السيليكون ولا ينكمش عند التعرض لتغيرات طفيفة في الحرارة. وهذا يعني أن المسافة بين مرايا التجويف ستبقى ثابتة.

من جهته، قال يي: «في تجاوِيف السيليكون في مختبراتنا، نحتاج إلى مبرد لخفض الحرارة، ومضخة تفريغ لإزالة الهواء من التجويف الفارغ والحفاظ على فراغ عالٍ، ومنصة عزل للاهتزازات. كل هذه الشروط يمكن تلبيتها بطريقة تلقائية في المناطق المظللة دوماً على القمر، من دون استخدام أي آلات فعالة. وكان هذا مرضياً لي للغاية».

بمجرد وضع تجويف السيليكون في مكانه، سيضع رودا الفضاء ليزراً عالي القدرة بالقرب منه، إما على حافة الفوهة أو داخلها. هذا الليزر سيُوجّه بعض ضوئه نحو التجويف، والنبضة المستقرة التي يعيدها التجويف إلى الليزر ستساعد بدورها على تثبيت كل الأشعة الأخرى التي قد يصدرها الليزر.

وأخيراً، فإنه قد يبدو مفهوم بناء ليزر في فوهة قمرية بمثابة «قفزة كبيرة»، لكن وكالة «ناسا» قد اختارت بالفعل مناطق قرب فوهات القطب الجنوبي للقمر باعتبارها مواقع هبوط ببرنامج «أرتميس». ويمكن لمركبة «أرتميس» أن تنقل تجويف السيليكون مُجمَّعًا بالكامل من الأرض إلى القمر، حسبما قال وي تشانغ، مهندس بصريات في مختبر الدفع النفاث التابع لـ»ناسا». وسيستخدم الرواد مركبة قمرية آلية يتحكمون بها عن بُعد، أو ميكانيكياً لخفض التجويف إلى داخل الفوهة.

وهنا، تساءل يي: «السؤال الكبير يتركز حول جدوى هذا المخطط»، مضيفاً «ربما نبدأ أولاً بوضع تجاويف السيليكون على أقمار صناعية في مدار قريب من الأرض».