ما الذي تفعله الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بأجسامنا؟

مختبر علمي أميركي رائد يستكشف تأثيراتها الخطيرة

باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
TT

ما الذي تفعله الجسيمات البلاستيكية الدقيقة بأجسامنا؟

باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك
باحثة في المختبر تدرس جسيمات البلاستيك

في مختبرٍ في قبو جامعة نيو مكسيكو، كان ماركوس غارسيا يفتش في سلة مهملات مليئة بالنفايات البلاستيكية. وهناك عثر على زجاجات، وقطع من شبكة صيد، وفرشاة أسنان، وكوب عليه شخصية بوكيمون، ولعبة جي. آي. جو... «نعم!» صاح وهو يرفع طرف ماصة مهملاً. «وجدتها»، كما كتبت نينا أغراوال(*).

الباحث ماركوس غارسيا يحمل منتجاً من نفايات البلاستيك

مختبر علمي رائد

غارسيا عضو في مختبر رائد، يديره عالم السموم ماثيو كامبن، يدرس كيفية تراكم الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم البلاستيك الدقيق في أجسامنا. وقد بثّت أحدث ورقة بحثية للباحثين، نُشرت في فبراير (شباط) الماضي في مجلة «Nature Medicine»، سلسلة من العناوين الرئيسية المثيرة للقلق، إضافة إلى الضجة في الأوساط العلمية.

جسيمات البلاستيك الدقيقة في الدماغ

وقد وجد الباحثون في المختبر أن عينات الدماغ البشري في عام 2024 تحتوي على نحو 50 في المائة من البلاستيك الدقيق أكثر من عينات الدماغ في عام 2016.

وقال كامبن: «هذه المواد تزداد في عالمنا بشكل كبير». فمع تراكمها في البيئة، تتراكم في أجسامنا أيضاً. كما أثار بعض النتائج الأخرى التي توصل إليها الباحثون قلقاً واسع النطاق.

عالِم السموم ماثيو كامبن

البلاستيك والخرف والمواليد الخدج

في الدراسة، احتوت أدمغة الأشخاص المصابين بالخرف على مواد بلاستيكية دقيقة أكثر بكثير من أدمغة الأشخاص غير المصابين به. في أوراق بحثية نُشرت العام الماضي، أظهر الباحثون وجود جسيمات بلاستيكية دقيقة في خصيتي الذكور ومشيمة الإناث . كما وثّق علماء آخرون وجودها في الدم، والسائل المنوي، وحليب الأم، وحتى في براز الطفل الأول.

وفي فبراير (شباط) أيضاً، وبالتعاون مع زملاء من كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال، أصدر مختبر كامبن بحثاً أولياً يُظهر أن مشيمات الأطفال الخُدج تحتوي على جسيمات بلاستيكية دقيقة أكثر من تلك الخاصة بالأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي، على الرغم من أن هذه الجسيمات لم تتراكم إلا بعد فترة قصيرة.

ولكن على الرغم من جميع الأماكن التي عثروا فيها على جسيمات بلاستيكية دقيقة، وكل القلق بشأن المخاطر الصحية، كان هناك الكثير مما لم يفهمه الباحثون بعد.

الجرعات والسموم

أول ما يتعلمه علماء السموم هو أن «الجرعة تُكوّن السم»: أي مادة، حتى الماء، يمكن أن تكون سامة بجرعة عالية بما يكفي. لكن كامبن وغارسيا لم يكونا على دراية بكمية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة اللازمة لبدء التسبب في مشكلات صحية. ومع وجود هذا الكم الهائل من البلاستيك في عالمنا، هل كان طعامنا، أو ملابسنا، أو هواؤنا، أو مصادر أخرى هي التي تُشكّل التهديد الأكبر؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لجأ الباحثون إلى الجثث.

البحث عن البلاستيك في الدماغ

في ورقتهم البحثية، أفاد الباحثون بأن متوسط ​​تركيز البلاستيك الدقيق في 24 دماغاً بشرياً اعتباراً من عام 2024 بلغ نحو 5000 ميكروغرام لكل غرام، على الرغم من وجود قدر كبير من عدم اليقين في هذا التقدير نظراً لطرق حسابه.

وهذا يعني نحو 7 غرامات من البلاستيك لكل دماغ -أي ما يعادل ملعقة ذات استخدام واحد، كما ذكر كامبن، أو نحو خمسة أغطية لقنانيٍّ من الماء. تحتوي أدمغة الأشخاص المصابين بالخرف على كمية أكبر، مع أن الباحثين أشاروا إلى أن ذلك قد يكون بسبب امتلاك هذه الأدمغة حاجزاً دموياً دماغياً أكثر مسامية، وبالتالي قلة قدرتها على التخلص من الجزيئات السامة.

لم يتضح بعد تأثير هذه الكمية من البلاستيك على صحة الإنسان، لكنها كافية لإثارة القلق. وتدرس مجموعته الآن أنسجةً من مقاطع عرضية لدماغ واحد لمعرفة ما إذا كانت مناطق معينة تحتوي على تركيزات أعلى من البلاستيك الدقيق، وما إذا كان ذلك مرتبطاً بمشكلات مثل مرض باركنسون أو فقدان الذاكرة.

باحثتان في المختبر تدرسان جسيمات البلاستيك

أبحاث بتكلفة عالية

وللمقارنة، يود الباحثون دراسة دماغ من فترة ما قبل سبعينات أو ستينات القرن الماضي، عندما أصبح البلاستيك منتشراً في كل مكان. يقول كامبن: «يمكنك تخيل متحف قديم كلاسيكي بدماغ يطفو في جُرة. أنا بحاجة ماسة لواحد من تلك».

وهذه التجارب مكلِّفة وتستغرق وقتاً طويلاً. وليس من السهل الحصول على عينات الدماغ. وتبلغ تكلفة الأجهزة التي تحلل البلاستيك نحو 150 ألف دولار للجهاز الواحد.

لكنَّ هذه الدراسات أتاحت لكامبن التوصل إلى استنتاجات لم يتوصل إليها أحد غيره. فقد دفعته إلى الاعتقاد أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في أجسامنا أصغر بكثير من أي شيء وصفه علماء آخرون، وهو ما يفسر كيفية اختراقها حواجز أجسامنا ووصولها إلى أعضائنا.

دراسات مجهرية

وقد أكد هذا الظن باستخدام مجهر عالي الدقة: فقد أظهر أشياء تشبه الشظايا لا يزيد طولها على 200 نانومتر -أي أقل بنحو 400 مرة من عرض الشعرة- ورقيقة لدرجة أنها كانت شفافة. في حين استخدمت الدراسات السابقة مجاهر لا يمكنها الرؤية إلا حتى 25 ضعف هذا الحجم.

يرى كامبن أن توثيق وجود جسيمات صغيرة جداً قد يُزعزع فهمنا لكمية البلاستيك الموجودة في أجسامنا، وكيف تصل إلى هناك، وإلى أين يمكن أن تذهب، وما الضرر الذي قد تُسببه.

بلاستيك الماء والنباتات والغذاء

لا يستطيع الباحثون الجزم بكيفية دخول هذه المواد البلاستيكية إلى أجسامنا أو من أين نشأت، لكن لديهم بعض الأدلة. قالت كريستي تايلر، أستاذة علوم البيئة في معهد روتشستر للتكنولوجيا، والتي تدرس المواد البلاستيكية الدقيقة في النظم البيئية المائية، إنهم يعلمون أن النفايات البلاستيكية تنتهي في تربتنا ومائنا وهوائنا وحتى المطر.

وقد تُدمج في النباتات وتصبح أكثر تركيزاً في أثناء صعودها في السلسلة الغذائية. يوجد البلاستيك في ملابسنا وسجادنا وأرائكنا وحاويات تخزين الطعام -«إنه في الواقع في كل مكان»، كما قالت تايلر.

تغلغل بلاستيك النفايات

تشير خصائص البلاستيك التي وجدها فريق كامبن في الأنسجة البشرية إلى أنها جاءت في المقام الأول من نفايات جرى إنتاجها منذ سنوات كثيرة، وتعرضت للعوامل الجوية بمرور الوقت. وجد الباحثون كمية كبيرة من البولي إيثيلين، على سبيل المثال، وهو النوع السائد من البلاستيك الذي جرى إنتاجه في الستينات، ولكن كمية أقل من البلاستيك المستخدم في زجاجات المياه، التي انتشرت في التسعينات.

ولأن إنتاج البلاستيك يتضاعف كل 10 إلى 15 عاماً، فحتى لو توقفنا عن إنتاجه اليوم، فإن كمية كبيرة من البلاستيك تظل قيد الاستخدام بالفعل، مما سيؤدي إلى تراكم مزيد ومزيد من النفايات البلاستيكية في البيئة، وربما في أجسامنا لعقود قادمة.

دخول البلاستيك إلى الجسم

يعتقد كامبن أن الطريقة الرئيسية لدخول هذه المواد البلاستيكية إلى أجسامنا هي عندما نبتلعها، بعد فترة طويلة من التخلص منها وبدء تحللها. وهو أقل قلقاً بشأن ما يسمى «البلاستيك الطازج»، مثل تلك التي تتساقط من ألواح التقطيع وزجاجات المياه في أثناء استخدامنا لها، لأن هذه الجسيمات أكبر بكثير وأحدث مما قام بقياسه. وتشير الأبحاث إلى أن الجسم يتخلص من بعض المواد البلاستيكية الدقيقة الأكبر حجماً.

وأقر كامبن بأن وجهة نظره بشأن البلاستيك الطازج «غير تقليدية»، ويقول علماء آخرون إنه من المفيد اتخاذ خطوات لتقليل التعرض له. من الواضح أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة يمكن أن تتسرب من قنانيِّ المياه، وأوعية الطعام المسخنة في الميكروويف، والملابس الصناعية، وتشير الأبحاث المستمدة من الدراسات على الحيوانات إلى أن هذه الجسيمات قد تكون ضارة، وفقاً لتريسي وودروف، مديرة برنامج الصحة الإنجابية والبيئة في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو.

ولكن، كما هو الحال مع أي علم مبكر، هناك محاذير. أولاً، من الصعب للغاية قياس هذه الجسيمات الدقيقة. ولم يُكرر أحد البحث بعد لمعرفة مدى صحة النتائج. والسؤال المهم هو عمَّا إذا كان كل ما يقيسونه من البلاستيك بالفعل، أو ما إذا كان بعضه دهوناً، التي قد تبدو متشابهة كيميائياً ولكنها موجودة بشكل طبيعي في الجسم.

وقالت وودروف: «تبدو تقديراتهم لكمية البلاستيك الموجودة في الدماغ مرتفعة». ولكن حتى لو كانت كذلك، كما قالت، «فإن ذلك لن ينفي النتائج التي تشير إلى أنهم يرون مزيداً من البلاستيك بمرور الوقت. وهذا في الواقع يتماشى تماماً مع ما نعرفه عن إنتاج البلاستيك».

المخاطر الصحية الناجمة عن البلاستيك

هناك سؤال واحد يشعر كامبن وغارسيا أنهما بدآ بالإجابة عنه بثقة. وهو السؤال الذي بدآ به: ما كمية البلاستيك في أجسامنا؟

وهما الآن مستعدان لاستكشاف الروابط المحتملة بين جرعات معينة ونتائج صحية بشرية، مثل أمراض القلب، ومشكلات الخصوبة، والتصلب اللويحي.

ويبدآن تجربة على الحيوانات لفهم الجرعات التي قد تكون ضارة.

بدأت تيا غارلاند، طالبة الصيدلة، هذه العملية في المختبر، مرتدية قناعاً لتجنب استنشاق الجسيمات، إذ أدخلت قطعاً مما يشبه الطباشير الملون في آلة أصدرت صوت عواء مخيفاً في أثناء تجميدها وسحقها للمواد البلاستيكية. في النهاية، سيُطعم الباحثون هذه القطع للفئران، وسيدرسون كيف تؤثر المستويات والأنواع المختلفة على أدمغتها وسلوكها.

وقد جاءت هذه القطع من شاطئ في هاواي، حيث جمعت غارسيا وآخرون 1800 رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً) من بقايا البلاستيك و220 كيلوغراماً أخرى استخلصتها من الشِّبَاك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

7

غرامات من البلاستيك رصدت لكل دماغ - أي ما يعادل مقدارملعقة منه


مقالات ذات صلة

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
يوميات الشرق بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه

«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه
TT

«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه

«مدرّبو الذكاء الاصطناعي»... يُخبرون القادة بما يُريدون سماعه

تشاركت إحدى كبار المديرات التنفيذيات مؤخراً بأمر بدا مُفاجئاً في البداية. قالت: «أجد أنه من الأسهل عليّ الانفتاح على الذكاء الاصطناعي أكثر من الانفتاح على شخص (آدمي)»، كما كتب لويس فيلاسكيز(*).

مدرّب ذكاء اصطناعي للشركة

وكانت تُشير إلى منصة تدريب تعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلقتها شركتها. وتُحفز هذه الأداة أسئلة تأملية، وتُساعدها على التفكير في التحديات، وتُقدم اقتراحات بناءً على أنماط إجاباتها. وقد قدّرت خصوصية النظام وخلوه من الأحكام المُسبقة. وأوضحت قائلةً: «لا يوجد أي ضغط. النظام يُساعدني فقط على التفكير».

لم يكن رد فعلها هذا غريباً. فمع ازدياد تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، تُجرّب العديد من المؤسسات منصات التدريب المدعومة بالذكاء الاصطناعي. إذ تُبشر هذه الأنظمة بإمكانية التوسع والاتساق والوصول الفوري إلى التوجيه - وهي مزايا جذابة للمؤسسات التي تُعاني من محدودية موارد تطوير القيادة.

بين استخلاص الرؤى... والنمو الحقيقي

لكن هذا التوجه يُثير تساؤلاً مهماً: إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي مُساعدة القادة على التأمل وتحليل القرارات واستخلاص الرؤى، فهل هذا كافٍ لتسريع النمو؟

تكشف الإجابة عن جانب أعمق في تطوير القيادة. لا يقتصر التدريب على إيجاد حلول أفضل فحسب، بل غالباً ما يتعلق بمواجهة الأسئلة التي يفضل القادة تجنبها.

الاحتكاك وتحدي الأفكار.. مهم للقادة

وهنا تبرز أهمية الاحتكاك إذ يتطلب نمو القيادة وجود الاحتكاك أي شحذ الأفكار أو تحديها. ولا تتحقق معظم الإنجازات القيادية عندما يكون التأمل سهلاً، بل عندما يتحدى أحدهم الرواية التي يرويها القادة لأنفسهم.

في جلسات التدريب، غالباً ما يأتي القادة بتفسير واضح لمشكلتهم. أحياناً يكون هذا التفسير دقيقاً، لكنه غالباً ما يكون ناقصاً.

قد يعزو قائد ما صراع فريق العمل إلى ضعف التواصل، بينما تكمن المشكلة الأساسية في غموض السلطة. وقد يعتقد آخر أنه يُتجاهل لأسباب تتعلق بسياسة المؤسسة، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أن تفكيره الاستراتيجي غير واضح لأصحاب المصلحة الرئيسيين.

نادراً ما تكون هذه التفسيرات الخاطئة مقصودة، بل تنشأ عن اختصارات معرفية، ومنطق دفاعي، والميل البشري الطبيعي إلى حماية الشعور بالكفاءة.

ذكاء اصطناعي مؤطر ضمن الرواية المقدمة له

يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي مساعدة القادة في تحليل المعلومات، لكنها عادةً ما تعمل ضمن إطار الرواية التي يقدمها القائد. يتفوق الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأنماط وتحسينها، لكن قرارات القيادة تعتمد في نهاية المطاف على التقييم السياقي، وهو أمر لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاته حتى الآن.

في المقابل، يُشكك المدربون البشريون في هذه الرواية، ويُضيفون عنصر التحدي.

المدرب البشري.. أفضل

ما الذي يفعله المدربون البشريون ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله؟

من خلال عملي (مدرباً بشرياً) مع كبار القادة، ألاحظ أدواراً عديدة يؤديها المدربون البشريون، التي تعجز التكنولوجيا عن محاكاتها.

*تحدي رواية القائد

غالباً ما يصل القادة إلى جلسات التدريب وهم يحملون تفسيراً واثقاً لوضعهم.

ولا يقتصر دور المدرب البشري على المساعدة في تحسين هذا التفسير، بل يتعداه إلى اختباره. على سبيل المثال، قد يقول أحد المديرين التنفيذيين: «فريقي يُقاوم التغيير». لكن البحث الأعمق قد يكشف أن الفريق في الواقع يفتقر إلى الوضوح بشأن الأولويات أو سلطة اتخاذ القرار.

قد يعتقد قائد آخر أنه يُعاني من صعوبة التأثير، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أن عمله غير مرئي إلى حد كبير لأصحاب المصلحة الأكثر أهمية.

يتطلب اختبار هذه الافتراضات حكمةً وبديهةً واستعداداً لتحدي رواية القائد.. ونادراً ما تقوم الخوارزميات بذلك.

كشف المخبوءات الداخلية

*كشف ما يتجنبه القادة

كثير من أهم تحديات القيادة مشحونة عاطفياً. وتتعلق هذه التحديات بالهوية، والسمعة، وديناميكيات السلطة داخل المؤسسة، وهي مواضيع غالباً ما يجد القادة صعوبة في مواجهتها بشكل مباشر.

في جلسات التدريب، غالباً ما تتحول المحادثات من الأسئلة التشغيلية إلى مخاوف أعمق:

• الخوف من فقدان المصداقية

• القلق بشأن التعامل مع الديناميكيات السياسية

• عدم اليقين بشأن كيفية نظر الآخرين إليهم

نادراً ما تظهر هذه القضايا من خلال أسئلة منظمة أو أدوات تأمل ذاتي، بل تظهر من خلال الحوار. يساعد المدرب الماهر القادة على استكشاف هذه التوترات بدلاً من تجاهلها.

توسيع آفاق رؤية القادة لفهم أنفسهم

غالباً ما تحدث أقوى لحظات التدريب عندما يبدأ القادة في إعادة تفسير دورهم، وعندما يبدأون في رؤية أنفسهم والعالم الذي يعملون فيه بشكل مختلف.

قد يكتشف القائد الذي يعتقد أنه يجب عليه حل كل مشكلة بنفسه أن التحدي الحقيقي الذي يواجهه هو تمكين الآخرين من تحمّل المسؤولية. وقد يدرك قائد آخر أن موثوقيته جعلته، دون قصد، بمثابة شبكة الأمان للمنظمة، حيث يمتص المشاكل بدلاً من مساعدة النظام على معالجتها.

نادراً ما تأتي هذه التحولات من فكرة واحدة، بل تنشأ من خلال حوار مستمر وإعادة صياغة الأفكار.

يمكن للذكاء الاصطناعي توليد الأفكار، لكن تحولات المنظور غالباً ما تحدث من خلال العلاقات مع شخص يرى أنماطاً لا يستطيع القائد رؤيتها بعد.

الفرصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي

لا يهدف هذا المقال إلى تصوير الذكاء الاصطناعي والتدريب البشري بوصفهما عنصرين منافسين، بل على العكس، يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة فعّالة لتطوير القيادة، حيث يمكنه مساعدة القادة على التأمل بشكل متكرر، ومعالجة المعلومات بسرعة، واستكشاف وجهات نظر بديلة. لكن التأمل وحده نادراً ما يُحدث تحولاً جذرياً.

*قد يُسهم التدريب المدعوم بالذكاء الاصطناعي في تطوير القيادة بنسبة 90 في المائة

عادةً ما يتطلب نمو القيادة ما هو أصعب: مواجهة نقاط الضعف، وتحدي الافتراضات، وتجربة طرق جديدة في التفكير والسلوك. نادراً ما تحدث تلك اللحظات بمعزل عن غيرها، بل تحدث في خضم الحوار البشري.

قد يُسهم التدريب المدعوم بالذكاء الاصطناعي في تطوير القيادة بنسبة 90 في المائة، لكنّ الإنجازات التي تُغيّر السلوك غالباً ما تنشأ من خلال التفاعل البشري والملاحظة.

الجمع بين التأمل بالذكاء الاصطناعي والتدريب البشري

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن النموذج الأكثر فعالية يجمع بين التأمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي والتدريب البشري بدلاً من استبداله.

مع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ستلعب بلا شك دوراً أكبر في تطوير القيادة. لكنّ جوهر تطوير القيادة سيظل قائماً على العلاقات، لأنّ القيادة نفسها علاقة. فكلما زادت كفاءة القادة بفضل الأدوات الرقمية، ازداد حرصهم على الحوار البشري المصاحب والضروري.

يتفوق مدربو الذكاء الاصطناعي في السرعة، والتعرف على الأنماط، وقابلية التوسع. بينما يتميز المدربون البشريون بقدرتهم على التقييم السياقي، وبناء الثقة، وتحدي الأفكار التي يرويها القادة لأنفسهم.

النموذج الأمثل هو النموذج الهجين: الذكاء الاصطناعي لتحقيق الكفاءة والزخم، والبشر لإحداث الاحتكاك والحوار الذي يدفع نحو التغيير.

* مجلة «فاست كومباني».


حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يواسي المريض

حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يواسي المريض

حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان

ظلّ الطب، عبر تاريخه الطويل، قائماً على معادلة إنسانية بسيطة: الطبيب لا يكتفي بالتشخيص... بل يطمئن المريض أيضاً.

ابن سينا والذكاء الاصطناعي - الكلمة التي تشفي

ولهذا كان ابن سينا يرى أن «العلاج يبدأ بالكلام قبل الدواء»، لأن الكلمة داخل العيادة ليست مجاملة عابرة؛ بل جزء أساسي من عملية الشفاء نفسها.

من التشخيص إلى «المواساة الرقمية»

لكن ما يحدث اليوم داخل بعض أنظمة الرعاية الصحية الرقمية يفتح سؤالاً لم يكن مطروحاً بجدية حتى قبل سنوات قليلة: هل تستطيع الأنظمة الذكية أن تتعلّم كيف تُطمئن الإنسان؟

الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على قراءة الأشعة وتحليل النتائج واقتراح التشخيصات؛ بل بدأ يتسلل تدريجياً إلى واحدة من أكثر مناطق الطب حساسية: العلاقة النفسية بين المريض ومن يعتني به. والأنظمة الذكية تجيب عن أسئلة المرضى، وتشرح الفحوصات بلغة مبسطة، وتتابع مؤشرات القلق النفسي، وتحاول أحياناً إنتاج ردود تبدو متعاطفة وداعمة بصورة تقترب بشكل لافت من أسلوب البشر أنفسهم.

دراسات حديثة ونتائج غير متوقعة

* الردود الاصطناعية أكثر اهتماماً من البشرية. في دراسة نُشرت هذا العام بمجلة «الطب الباطني العام» (Journal of General Internal Medicine)، قادتها الباحثة الأميركية مولي روبن (Mollie Ruben) وفريقها من جامعة رود آيلاند (University of Rhode Island) الأميركية، قارن الباحثون بين ردود أطباء حقيقيين وردود أنظمة ذكاء اصطناعي على أسئلة مرضى داخل منصات طبية رقمية. والمفاجأة أن عدداً كبيراً من المشاركين قيّموا ردود الذكاء الاصطناعي على أنها أكثر تعاطفاً واهتماماً بالمريض من بعض الردود البشرية.

* قياس «التعاطف الاصطناعي». في مايو (أيار) الحالي، نُشرت مراجعة بحثية جديدة في منصة «بروتوكولات أبحاث الإنترنت الطبية» (JMIR Research Protocols) التابعة لجامعة نوتنغهام (University of Nottingham) البريطانية، ناقشت كيف بدأت المؤسسات الطبية حول العالم فعلياً دراسة مفهوم «التعاطف الاصطناعي» وطرق قياسه داخل أنظمة الرعاية الصحية الرقمية.

حين يصبح الوقت شكلاً من أشكال الرحمة

* تعاطف الروبوتات. خلصت دراسة تحليلية أوسع نُشرت هذا العام أيضاً، وراجعت 15 دراسة مختلفة قارنت بين تعاطف الأطباء وتعاطف روبوتات المحادثة الطبية، إلى أن كثيراً من المستخدمين اعتبروا ردود الذكاء الاصطناعي أكثر «تعاطفاً نصّياً» من ردود البشر في بعض السيناريوهات المكتوبة.

لماذا تبدو الخوارزمية «ألطف» أحياناً؟

قد يبدو هذا الاستنتاج صادماً، لكنه لا يعني بالضرورة أن الآلة أصبحت أكثر رحمة من الإنسان. بل ربما يكشف أزمة أعمق يعيشها الطب الحديث نفسه. فالطبيب اليوم يعمل تحت ضغط هائل من الوقت، والملفات الإلكترونية، والإجراءات الإدارية، ونقص الكوادر في كثير من الأنظمة الصحية. وفي المقابل، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمنح المريض وقتاً أطول للإجابة، وإعادة الشرح، والتفاعل المستمر، من دون إرهاق أو استعجال أو توتر بشري.

وفي تقرير بريطاني حديث نُشر هذا الشهر، أظهرت دراسة من جامعة كينغز كوليدج في لندن (King’s College London) أن واحداً من كل سبعة بريطانيين أصبحوا يفضّلون استشارة روبوتات المحادثة الطبية في بعض الحالات بدل مراجعة الطبيب، خصوصاً مع صعوبة الوصول السريع إلى الخدمات الصحية التقليدية.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية: فكثير من المرضى لا يبحثون دائماً عن «العاطفة الحقيقية» بقدر ما يبحثون عن الشعور بأن هناك من يُنصت إليهم بهدوء، ويمنحهم الإحساس النادر بأن أحداً لا يزال يملك الوقت للاستماع إليهم.

رحمة حقيقية أم مصطنعة؟

لكن... هل هذه رحمة حقيقية فعلاً؟ رغم هذا التقدّم، يؤكد كثير من الباحثين أن الذكاء الاصطناعي لا «يشعر» بالرحمة بالمعنى الإنساني الحقيقي. فهو لا يعرف الحزن، ولا القلق على المريض، ولا التجربة العاطفية التي ترافق المعاناة البشرية؛ بل يعتمد أساساً على تحليل اللغة والتنبؤ بالكلمات الأكثر قدرة على التهدئة والتعاطف.

ولهذا بدأ عدد متزايد من خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التمييز بين «الرحمة الإنسانية» و«محاكاة الرحمة». فروبوتات المحادثة الطبية تستطيع إنتاج ردود تبدو دافئة ومتفهمة، لكنها في النهاية لا تعيش التجربة البشرية نفسها، وإنما تعالج أنماطاً لغوية وإحصائية معقدة.

وتزداد الحساسية الأخلاقية عندما تتحول المشاعر الإنسانية ذاتها إلى بيانات قابلة للتحليل والتوجيه. فإذا أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على قراءة القلق والخوف والوحدة بدقة متزايدة، يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن ضمان ألا تُستخدم هذه القدرة مستقبلاً في التأثير النفسي أو التجاري أو السلوكي على المرضى؟

الطبيب المنهك والروبوت «الطيف»

الطب المقبل... هل يصبح أكثر إنسانية أم أكثر برودة؟

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم فعلاً في إعادة البعد الإنساني إلى الطب، إذا استُخدم بوصفه أداة تُخفف العبء عن الطبيب، لا بديلاً عنه.

فعندما تختصر الخوارزميات الأعمال الروتينية والتوثيق الإداري والتحليل المتكرر، قد يستعيد الطبيب أثمن ما فقده الطب الحديث تدريجياً: الوقت... وقتٌ للاستماع، ولفهم المريض، ولإعادة العلاقة الإنسانية إلى قلب العيادة بدل أن تضيع خلف الشاشات والأنظمة الرقمية.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العلاقة الطبية نفسها إلى تفاعل بارد بين مريض وخوارزمية، مهما بدت لغتها متعاطفة أو مطمئنة. فالطب لم يكن يوماً مجرد معلومات وتشخيصات؛ بل علاقة ثقة ومسؤولية وخبرة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في معادلات رقمية.

ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع الآلة أن تُقنع الإنسان بأنها ترحمه؟ بل: هل يستطيع الطب أن يحتفظ بإنسانيته عندما تبدأ الآلة في تقليد أكثر الصفات البشرية حساسية؟


مختبر بريطاني متطور يرصد المخاطر الكامنة في الذكاء الاصطناعي

ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
TT

مختبر بريطاني متطور يرصد المخاطر الكامنة في الذكاء الاصطناعي

ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد

يتحول معهد أمن الذكاء الاصطناعي الحكومي، الذي يضم خريجين من شركتي «أوبن إيه آي» و«غوغل»، إلى نموذج يُحتذى به للدول التي تواجه المخاطر الناشئة للذكاء الاصطناعي، كما كتب آدم ساتاريانو وبول موزور(*).

خداع الذكاء الاصطناعي

في أحد الأيام الأخيرة، وفي مبنى حكومي يعود للعصر الإدواردي في ساحة البرلمان بلندن، انشغل أربعة خبراء في الذكاء الاصطناعي بخداع برنامج دردشة آليّ للحصول على تعليمات صنع سلاح الجمرة الخبيثة الفتاك.

طلب الخبراء من البرنامج الآلي، بطرق مختلفة، تزويدهم بقائمة المكونات اللازمة. وعندما رفض النظام قائلاً: «معذرةً، لا أستطيع المساعدة في ذلك»، استخدموا خوارزمية مُخصصة لإغراق البرنامج بآلاف الأسئلة والتوجيهات الآلية.

* إجبار نظام ذكاء اصطناعي على تقديم بيانات لصنع الجمرة الخبيثة

وفي النهاية، استجاب البرنامج، إذ قدَّم قائمة مفصلة بالمواد والمعدات، بالإضافة إلى وصفة خطوة بخطوة لتحضير المزيج القاتل في المنزل. (وقد وافقت صحيفة «نيويورك تايمز» على حجب اسم نظام الذكاء الاصطناعي لأسباب أمنية).

نجاح اختراق الذكاء الاصطناعي

يقول زاندر ديفيز، خبير أميركي يبلغ من العمر 25 عاماً، ويرأس ما يُعرف بفريق الاختبار الأحمر في معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني: «هناك بعض الأسئلة التي لا نرغب بالتأكيد أن يُجيب عنها النموذج. (ومع ذلك) نبذل قصارى جهدنا للحصول على الإجابات».

كما تمكَّن ديفيز وفريقه، الذين يُحاكون الهجمات على أنظمة الذكاء الاصطناعي، أخيراً من اختراق إجراءات الحماية في أحدث روبوت محادثة «تشات جي بي تي»، حيث استطاعوا إقناعه بتقديم نصائح للاختراق في غضون ست ساعات تقريباً.

تعاون لتأمين النتائج

وبعد اكتشافهم لتلك المشاكل، يُشارك الخبراء النتائج مع الشركات. ويقول ديفيز، وهو عالم حاسوب اختار العمل في المعهد بدلاً من وظيفة تقنية في سان فرانسيسكو بعد تخرجه في جامعة هارفارد: «إنهم يحاولون إصلاحها، ويُبلغوننا بالنتائج. إنهم في الواقع يُعززون نظامهم بالتعاون معنا».

معهد لمفتشي الأسلحة وعلماء الأوبئة خبراء وفك الشفرات

يُعدّ معهد أمن الذكاء الاصطناعي A.I. Security Institute، الذي يضمّ مزيجاً من مفتشي الأسلحة وعلماء الأوبئة وخبراء فكّ الشفرات، أحد أكبر الجهود الحكومية وأكثرها تمويلاً في العالم، المُخصصة لدراسة المخاطر الكارثية المحتملة لهذه التقنية.

وقد اكتشف موظفو المعهد، البالغ عددهم نحو 100 موظف - والذين ينتمون إلى وكالات الاستخبارات البريطانية والأوساط الأكاديمية وشركات التكنولوجيا - ثغرات أمنية خطيرة في جميع نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة التي اختبروها، بما في ذلك نموذج «كلود» من شركة «أنثروبيك» ونموذج «جيميناي» من شركة «غوغل».

* حصل الخبراء على تعليمات صنع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والتخطيط للهجمات الإلكترونية وتنفيذها

وقد صرَّح المعهد الذي أُنشئ قبل نحو ثلاث سنوات، بأنه استغل أنظمة الذكاء الاصطناعي لتبادل تعليمات صنع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والتخطيط للهجمات الإلكترونية وتنفيذها. وينشر المعهد أبحاثه، كما يتعاون مع أجهزة الأمن القومي البريطانية لتحديد التهديدات الناشئة والاستعداد لها.

نموذج تحتذي به حكومات العالم

والآن، يُصبح عمل المعهد نموذجاً يُحتذى به للحكومات الأخرى مع تزايد المخاوف بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي. وتدرس إدارة ترمب وضع قواعد لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي، تتشابه في بعض جوانبها مع النهج الذي ابتكره المعهد البريطاني.

وفي ظل افتقار العديد من الحكومات للفهم التقني اللازم لمراقبة التكنولوجيا، واعتمادها على شركات التكنولوجيا الكبرى للتنظيم الذاتي، قد يُقدّم المعهد مساراً مختلفاً يُتيح لخبراء الذكاء الاصطناعي إدخال خبراتهم التقنية الحقيقية في عملية صنع القرار الحكومي.

اختبار «ميثوس»

في أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت شركة أنثروبيك عن نموذج ذكاء اصطناعي جديد، أطلقت عليه اسم «ميثوس»، لكنها لم تُعلن عنه خشية أن يكشف عن ثغرات أمنية في الشبكات العالمية ويستغلها. وكان المعهد البريطاني الجهة الحكومية الوحيدة غير الأميركية التي حصلت على النموذج لاختبار سلامته. وقد حظيت نتائج الاختبار، التي نُشرت بعد ستة أيام من الإعلان عن «ميثوس»، باقتباسات واسعة من خبراء الأمن.

المعهد البريطاني أفضل من المركز الأميركي

ولدى الولايات المتحدة فريقها الخاص بسلامة الذكاء الاصطناعي، وهو مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي Center for A.I. Standards and Innovation. لكن النسخة البريطانية، المدعومة بـ360 مليون جنيه إسترليني من الأموال الحكومية، أي ما يعادل نحو 480 مليون دولار، أكبر وأفضل تمويلاً من نظيرتها الأميركية، التي ستتلقى نحو 10 ملايين دولار هذا العام. وقد أنشأت أستراليا وكندا والصين وفرنسا والهند واليابان وسنغافورة معاهد مماثلة.

ومع ذلك، فإن الاستثمار العالمي في سلامة الذكاء الاصطناعي لا يزال ضئيلاً مقارنةً بالمبالغ الطائلة المخصصة لتطوير هذه التقنية وتسويقها. والمعروف أن لدى «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» فرق تعمل على ضوابط السلامة، لكن الباحثين الخارجيين يكتشفون باستمرار ثغرات خطيرة.

* أكاديميون إيطاليون خدعوا نظاماً ذكياً بأبيات من الشعر للحصول على تعليمات صنع قنابل

وقد تمكن أكاديميون في إيطاليا أخيراً من خداع نموذج ذكاء اصطناعي لتقديم تعليمات متعلقة بالقنابل باستخدام أبيات من الشعر.

تردد الحكومات

لم تُنشئ الحكومات، في الغالب، أنظمة مخصصة لمراجعة الذكاء الاصطناعي من حيث مخاطر السلامة والأمن، كما فعلت في قطاعات مثل تطوير الأدوية أو صناعة السيارات.

جايد ليونغ مستشارة الذكاء الاصطناعي لرئيس الوزراء البريطاني

«ما يُقلقني حقاً هو سرعة تطور التكنولوجيا مقارنةً بالمؤسسات الحكومية التي يتعين عليها الاستجابة»، هذا ما قالته جايد ليونغ، مستشارة الذكاء الاصطناعي لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمديرة التقنية لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي.

نشوء المعهد

نشأ معهد الأمن البريطاني هذا بعد اجتماع عُقد عام 2023 في مقر رئاسة الوزراء البريطانية بين ريتشي سوناك رئيس الوزراء حينذاك وثلاثة من أبرز قادة الذكاء الاصطناعي في العالم: سام ألتمان من «أوبت إيه آي»، وداريو أمودي من «أنثروبيك»، وديميس هاسابيس من«غوغل ديب مايند». وأشار سوناك إلى قول أولئك الخبراء إن قدرات الذكاء الاصطناعي تتسارع، مما يُؤثر بشكلٍ كبير على الحكومة والوظائف والأمن القومي. وأضاف: «لقد فوجئوا حتى أنفسهم، بوتيرة التطور».

وأصبح المعهد نموذجاً يُحتذى به، كما صرّحت أوليفيا شين، مديرة برنامج التقنيات الاستراتيجية في مركز الدراسات الأميركية، وهو مركز أبحاث أسترالي تابع لجامعة سيدني. في العام الماضي، سافرت جايد ليونغ من المعهد البريطاني إلى أستراليا للقاء قادة حكوميين. وفي هذا العام، افتتحت أستراليا مركزها الخاص لأمن الذكاء الاصطناعي.

وقالت شين، التي ساعدت في تنظيم الزيارة: «على الحكومات أن تواكب التطور التكنولوجي. فمع سرعة تطور التكنولوجيا، تتخلف الحكومات يوماً بعد يوم».

تهديدات إلكترونية بسرعة أكبر من أي اختراق بشري

يعمل المعهد البريطاني على دراسة أخطر المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي المتقدم: التهديدات السيبرانية، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والتلاعب بالسلوك البشري. وفي الأسابيع الأخيرة، وجد المعهد أن نماذج الذكاء الاصطناعي من شركتي أنثروبيك وأوبن إيه آي قادرة على إنجاز هجوم معقد على شبكة شركة، يتألف من 32 خطوة، بسرعة أكبر بكثير، وهو هجوم يستغرق عادةً 20 ساعة من قبل مخترق بشري ماهر.

الخداع والتحكم بالسلوك البشري

ويبحث مجال بحثي آخر في إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في الخداع إذ تُدرك النماذج متى يتم اختبارها وتُعدّل سلوكها، وهو تطور يُشير إلى مستوى وعي الذكاء الاصطناعي وقدرته على الخداع.

آدم بومونت المدير المؤقت لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي

وقال آدم بومونت، المدير المؤقت لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي، إن أحد المخاوف الرئيسية هو محاكاة هذه التقنية للسلوك البشري. في العام الماضي، نشر المعهد دراسة وجدت أن برامج الدردشة الآلية قادرة على التأثير على الآراء السياسية للأفراد.

وأضاف السيد بومونت، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في مجال الذكاء الاصطناعي في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ)، وكالة الاستخبارات والأمن السيبراني البريطانية: «يدرس الكثيرون في هذا المبنى كل هذه الأمور».

صلاحيات محدودة

يخشى الكثيرون من عدم كفاية عمل المعهد. لا تملك هذه المجموعة البريطانية أي سلطة تنظيمية، ولا يتلقى باحثوها معلومات حول كيفية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وإنشائها. كما يُبقي المعهد الكثير من أبحاثه سرية، ولا تُشاركه إلا مع بعض الوكالات الحكومية والشركات.

يُمثِّل التوظيف تحدياً أيضاً. فباستثناء كبار القادة، يمكن أن يصل راتب العاملين فيها إلى 145 ألف جنيه إسترليني سنوياً، أو ما يُعادل 195 ألف دولار أميركي تقريباً. تخلى الكثيرون عن رواتب بملايين الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي للقيام بما وصفه البعض بـ«خدمة حكومية».

كان إيان هوغارث، مستثمر التكنولوجيا والمؤسس المشارك للمعهد، من أوائل الداعمين لشركة أنثروبيك. ولتجنُّب تضارب المصالح، باع حصته في الشركة بعد انضمامه إليه. ومن المتوقع أن تصل قيمة هذا المعهد بوصفه شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى 900 مليار دولار قريباً، بعد أن كانت نحو 4 مليارات دولار في بداية عام 2023.

* خدمة«نيويورك تايمز».