غرف الغضب... هل تعالج الناجين من الصدمات؟

غرف تحطيم الأشياء... تُوفّر مساحةً آمنةً وخصوصيةً لإطلاق العنان لبعض الغضب (رويترز)
غرف تحطيم الأشياء... تُوفّر مساحةً آمنةً وخصوصيةً لإطلاق العنان لبعض الغضب (رويترز)
TT

غرف الغضب... هل تعالج الناجين من الصدمات؟

غرف تحطيم الأشياء... تُوفّر مساحةً آمنةً وخصوصيةً لإطلاق العنان لبعض الغضب (رويترز)
غرف تحطيم الأشياء... تُوفّر مساحةً آمنةً وخصوصيةً لإطلاق العنان لبعض الغضب (رويترز)

تقول الكاتبة جينا واجنر لموقع «سايكولوجي توداي»: «سألتُ معالجتي ذات يوم... أين أضع كل هذا الغضب؟... كنتُ أعمل معها على معالجة ذكرى اعتداء تعرضتُ له في صغري، وللمرة الأولى، شعرتُ برغبة في الصراخ أو كسر شيء ما».

وتضيف: «حتى تلك اللحظة، كنتُ قد قلّلتُ من مشاعر الغضب المرتبطة بصدمة طفولتي. فكرتُ: الغضب لا يُغيّر الماضي. ألا يجب أن أكون ممتنةً لنجاتي وأُركز على الإيجابيات؟».

فكّرتْ معالجتي في سؤالي بجدية. بحثت، وأجرت اتصالات هاتفية، ووجدت «غرفة تحطيم الأشياء» قريبة تُوفّر مساحةً آمنةً وخصوصيةً لإطلاق العنان لبعض الغضب. تحدثنا عن الأمر وخططنا لجلسة أخرى هناك.

في الليلة التي سبقت الموعد، أجريتُ بحثي الخاص. هل وجد ناجون آخرون غرف الغضب مفيدة؟ هل يمكن أن يساعدني تحطيم الأطباق والأجهزة الإلكترونية حقاً في التعبير عن مشاعري الجياشة بشكل بنّاء؟ كيف يمكنني الاستفادة القصوى من التجربة؟

غضب شديد

يُعتقد أن غرف الغضب نشأت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع «غرف الإحباط» أو غرف البكاء اليابانية. ازدادت شعبيتها في الولايات المتحدة خلال الأزمة المالية عام 2008، عندما بحث الناس عن أماكن لتخفيف التوتر بأمان وبتكلفة معقولة.

قرأتُ مقالات مختلفة وأدركتُ أن غرف الغضب مثيرة للجدل إلى حد ما. يعتقد بعض الخبراء أنها شكل صحي من التنفيس. لكن آخرين يحذرون من أنه إذا كنت تعاني من صعوبة في إدارة غضبك أو كنت عرضة لآليات مواجهة مدمرة، فإن غرفة الغضب أشبه بصب البنزين على النار.

بغض النظر عن الجدل، فإن غرف الغضب ظاهرة ثقافية، خاصة بين النساء اللواتي تم تدريبهن على كبت الغضب والعدوان بأدب، وأكد صاحب غرفة التحطيم التي زرتها أن معظم زبائنه من النساء.

كان هناك أمر واحد لا جدال فيه في بحثي: بالنسبة للأشخاص الذين يمرون بصدمات الطفولة ويحزنون عليها، فإن تحديد الغضب والتعبير عنه جزء مهم من عملية الشفاء. فبدلاً من نفي تلك المشاعر، يستفيد الناجون من فرصة توجيهها إلى أفعال هادفة.

تجربتي في الغرفة

لم يكن تحطيم بعض الأطباق تعزيزاً للعنف أو تضخيمه بالنسبة لي، بل كان بمثابة استعادة قوتي وقدرتي على التصرف. كنت بحاجة إلى رؤية الغضب. أردت أن أجعله واضحاً لنفسي لأتوقف عن إنكار ما حدث قبل سنوات والتقليل من شأنه.

عندما كنت طفلة، كنت أُترك لإدارة مشاعري بمفردي. أما الآن، فقد أتيحت لي فرصة فريدة لتجربة تصحيحية. وجود معالجتي هناك كشاهد ومرشد يعني أنني لم أكن مضطرة لمعالجة الألم وحدي. لقد شجعتني على النظر إلى الغضب الصحي كشكل من أشكال الرعاية الذاتية. كما هو الحال مع أي شعور قوي، كنت أستطيع استغلال الغضب وتجربته بجرعات صغيرة دون أن يستحوذ عليّ أو يشلّ حركتي.

قبل دخول غرفة الغضب، سألتني عن شعوري وما آمل أن أحصل عليه من هذه التجربة. أخبرتها أنني متوترة. ماذا لو لم يحدث شيء؟ هل سأفقد السيطرة؟

كان ما حدث أكثر تعقيداً. بدأت ببطء، أرمي بعض الأطباق على الحائط بتردد، وأشاهد الشظايا تتطاير في الهواء. ثم أمسكت بمطرقة وبدأت أضرب الأشياء بتهور أكبر، أكواب خزفية، وأجهزة صغيرة، وجهاز تلفزيون بشاشة مسطحة. أعطتني معالجتي أشياء جديدة لأحطمها، وطمأنتني أنني بأمان.

شعرت بنوع من القوة والطاقة لم أشعر به من قبل. كان الأمر كما لو أنني فتحت مساراً جديداً في جسدي وسمحت برؤية طفلتي ذات السنوات الخمس.

عادةً ما أتأمل وأتحدث عن مشاكلي. لكن في غرفة الغضب، وجدتُ صعوبة في الكلام. شعرتُ وكأنني مُوجهة للحظة الحاضرة ومُنسجمة مع حواسي. كل صوت، وإحساس، وصورة كانت حادة. انغمستُ في جسدي وتواصلتُ مع أجزاء مني لم تكن تحمل كلمات، سوى الحزن.

بعد الجلسة، شعرتُ بالإرهاق ولكن بالسلام، كما لو أنني حررتُ عقوداً من الإحباط المكبوت. في تلك الليلة، نمتُ نوماً عميقاً أكثر مما نمتُ منذ زمن طويل.

لا أعتقد أنني سأصبح زبوناً دائماً في غرفة الغضب، لكنني ممتنة لهذه التجربة. لقد كشفت لي شيئاً مهماً في عملية شفائي. أظهرت لي أنه لا داعي للخوف من المشاعر الجياشة. يمكنني السماح لها بالظهور، وأيضاً طلب الدعم عندما أشعر بأنها أكبر من أن أسيطر عليها.

في النهاية، باحترام غضبي، احترمتُ ذاتي الأصغر.


مقالات ذات صلة

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

يوميات الشرق بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامة على ضعف التركيز أو قلة الانضباط... لكن الحقيقة قد تكون غير ذلك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك «الاكتئاب المقاوم» هو النوع الذي لا يستجيب للعلاجات التقليدية (بيكسلز)

دراسة: حمية «الكيتو» تحسّن أعراض الاكتئاب المقاوم

تشير دراسة سريرية حديثة إلى أن حمية الكيتو، منخفضة الكربوهيدرات وعالية الدهون، قد تقدم تحسناً طفيفاً لكنه ملموس إحصائياً لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب المقاوم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الأشخاص المتلاعبون يزدهرون في بيئة مليئة بالصراع والإثارة والفوضى (بيكسلز)

للتعامل مع الشخصية المتلاعبة... ما هي تقنية «الحجر الرمادي»؟

تُعد تقنية «الحجر الرمادي» أسلوباً نفسياً فعّالاً للتعامل مع الأشخاص المتلاعبين. تخيّل صخرة رمادية عادية، لا تُثير الانتباه، تُشبه الكثير من الصخور المحيطة بها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي روبرت ف. كينيدي جونيور (أ.ف.ب)

وزير الصحة الأميركي يربط حمية «الكيتو» بعلاج الفصام… وخبراء يشككون

أدلى وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي، روبرت ف. كينيدي جونيور، بتصريح يوم الأربعاء، زعم فيه أن حمية «الكيتو» الغذائية قادرة على علاج مرض الفصام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق العادة الجديدة يمكن ترسيخها ضمن روتينك اليومي من خلال ربطها بنشاط ثابت (بيكسلز)

هل تواجه صعوبة في تحقيق أهدافك؟ قاعدة 90/90/1 قد تكون الحل

جميعنا لدينا ذلك الهدف الكبير؛ كتاب ننوي تأليفه، أو مشروع جانبي نرغب في إطلاقه، أو دورة تدريبية نؤكد لأنفسنا أننا سننهيها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.