مصممة تتبع الخيط النيجيري لاكتشاف مجال أفريقي جديد

تحمل لاني أديوي تراثها ومنظورها العالمي إلى معرض «حرف غرب أفريقيا»

أول مصمِّمة أفريقية تحصل على الجائزة الأولى في فعالية «سالون ستالايت» («إنستغرام» المصمّمة)
أول مصمِّمة أفريقية تحصل على الجائزة الأولى في فعالية «سالون ستالايت» («إنستغرام» المصمّمة)
TT

مصممة تتبع الخيط النيجيري لاكتشاف مجال أفريقي جديد

أول مصمِّمة أفريقية تحصل على الجائزة الأولى في فعالية «سالون ستالايت» («إنستغرام» المصمّمة)
أول مصمِّمة أفريقية تحصل على الجائزة الأولى في فعالية «سالون ستالايت» («إنستغرام» المصمّمة)

تنتقل المصممة لاني أديوي، بين تدريس التصميم في جامعتها الأم، بكلية «بارسونز» للتصميم في مدينة نيويورك، وبين إدارة المشروعات في شركتها المعروفة باسم «ستوديو لاني»، في مسقط رأسها، بمدينة لاغوس النيجيرية.

خلال الأسبوع الحالي، ستكون السيدة أديوي، (35 عاماً)، في مكان ما بين هذا وذاك، بعد أن أشرفت على معرض «حرف غرب أفريقيا»، في فعالية «سالون ساتلايت»، أي المعرض السنوي للمصمِّمين الناشئين في معرض «سالون دل موبايل» في ميلانو، وموضوعه العام الحالي يدور حول «الحرفية الجديدة: عالم جديد».

المصممة النيجيرية لاني أديوي («إنستغرام» المصمّمة)

تقول السيدة أديوي، عن الأشياء المصنوعة يدوياً: «أؤمن بشدَّة بهذا المجال الغني من التصميم، الذي لا يأخذ حقَّه من التقدير».

وتقول مارفا غريفين ويلشاير، المؤسسة والمشرفة على فعالية «سالون ساتلايت»، إنها حين استقرت على أفريقيا لتكون محوراً لنسخة عام 2025، طلبت من أديوي المشاركة فيها. وتابعت: «من خلال صِلاتها القوية في المنطقة، أردتُ أن تكون أديوي جزءاً من المشروع، وإجراء الأبحاث وتقديم الأفكار إلى المعرض».

وبدورها التزمت السيدة أديوي بقائمة من الحرفيين من السنغال، وغانا، وبوركينا فاسو، والكاميرون، ونيجيريا، الذين سيعرضون قطعاً معاصرة مصنوعة بأساليب تقليدية، بما في ذلك المقاعد والطاولات. فالمنتجات المقبلة من بوركينا فاسو، على سبيل المثال، هي برونزيات تُصنع من خلال صبِّ الشَّمع المهدور، وهي تقنية تعتمد على صبِّ المعدن المصهور في قالب، في حين أن القطع المقبلة من الكاميرون تُنحَت يدوياً من الخشب. وقد صمَّمت السيدة أديوي بنفسها، قطعاً مُغطاة بمادة منسوجة مصنوعة من سيقان نباتية مجففة ومصبوغة، وهي مادة تُستخدم عادة في نيجيريا لصناعة الحصائر.

مشَّاية حازت على جوائز صمَّمتها تحت اسم «ريم إكس» («إنستغرام» المصمّمة)

وفي فبراير (شباط)، عادت السيدة أديوي إلى نيجيريا لتُكمل تحضيرات العرض. وأثناء وجودها هناك، زارت جدَّها، ريمي أودوبانغو، البالغ من العمر 88 عاماً، الذي ألهمها تصميم مشَّاية حازت على جوائز، صمَّمتها تحت اسم «ريم إكس»، نسبة إلى اسم جدها. وقالت عن ذلك: «إن جدي لم يكن يحبُّ المشَّايات التي اشتريناه له؛ فقد بدت أشبه بمشايات عيادات الأطباء، وكان يخفيها دائماً».

غلّفت لاني أديوي المعدن بقطعة من نسيج «آسو أوكي» النيجيري التقليدي المنسوج يدوياً، والمستخدم في الملابس الاحتفالية، وغطَّت الإطار بزهرة الياقوت المائية، التي تنمو بكثرة في نيجيريا وتُشبه نبتة الرافية، مع منحنياتها الحادة وألوانها القشِّية والأرجوانية، تبدو مشاية «ريم إكس» أكثر فخامة، وأشبه ما تكون بعصي المشي المزخرفة المتقنة التي يستخدمها الزعماء المحليون وكبار الشخصيات. وقد ساعدها ذلك على أن تُصبح أول مصمِّمة أفريقية تحصل على الجائزة الأولى في فعالية «سالون ستالايت» المقامة في عام 2022، وكانت حينها واحدة من بين 600 مشارك تناولوا موضوع «التصميم من أجل أنفسنا في المستقبل».

أول مصمِّمة أفريقية تحصل على الجائزة الأولى في فعالية «سالون ستالايت» («إنستغرام» المصمّمة)

تتذكر باولا أنتونيلي، كبيرة أمناء الهندسة المعمارية والتصميم في «متحف الفن الحديث» بمدينة نيويورك، التي ترأست لجنة تحكيم الجوائز: «حينها تأثرت كثيراً بهذه المشاية التقليدية. لقد كانت متينة وعملية للغاية، وفي الوقت نفسه أنيقة وتسترعي الاهتمام». مضيفة: «لطالما أيقنت أنه لا يوجد سبب يمنع أن تكون الأشياء النفعية غاية في الأناقة بصورة مؤثرة أيضاً».

كثيرون يعتمدون من عمل السيدة أديوي على الممارسات العريقة والمواد الطبيعية. و«المقاعد الناطقة» التي تُقدمها أديوي في «حِرف غرب أفريقيا»، المغطاة بحصائر منسوجة بأيدي نساء من ولاية إيكيتي في جنوب غربي نيجيريا، تُردِّد صدى الطبلة الناطقة، وهي الآلة الموسيقية التي تُستخدم تقليدياً في الاحتفالات والتواصل عبر مسافات شاسعة.

لاني في الاستوديو الخاص بها («إنستغرام» المصمّمة)

ومن خلال تحويل هذه الحصائر إلى تنجيد للأثاث، تأمل أديوي في توسيع نطاق تطبيقاتها وأسواقها المحتملة. كما استمدَّت الإلهام أيضاً من «إيرون كيكو»، وهي تقنية ربط الخيط الأسود بإحكام حول أجزاء صغيرة من الشَّعر لإنتاج تسريحات شعر هيكلية وصلبة. وتتذكر قائلة: «لقد نشأت على حياكة شعر الناس وتصفيفه بهذه الطريقة، لأنني كنت الشخص الأكثر إبداعاً الذي يلجأ إليه أفراد عائلتي وأصدقائي». ومن ثمَّ تُتابع: «كانوا يقولون: اسألوا لاني، إنها ماهرة بيديها. ولكنني لم أفكر أبداً في هواياتي الحرفية على أنها مهارات حقيقية».

والآن، كثيراً ما تلف أغراضها بالقماش أو الألياف، في انعكاس حرفي لما تدعوه اليوم، الخيط الأحمر، الذي يربط مواهبها واهتماماتها. استغرق الأمر بعض الوقت. وبتشجيع من عائلتها على السَّعي وراء «مسار مهني مستقر»، درست إدارة الأعمال في جامعة ماكجيل في مونتريال، كندا. وبعد تخرُّجها، عملت في تورونتو محلِّلة استشارية في شركة «أكسنتشر»، وهي شركة للخدمات المهنية متعدِّدة الجنسيات. وتتذكر قائلة: «في أحد الأيام، حضرتُ معرضاً تجارياً للتصميم خلال استراحة الغداء، حيث رأيت كُرسياً يبدو وكأنه قطعة فنية عملية، وحتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف حقاً أن الأثاث يمكن أن يكون أشياء متعددة». والتحقت السيدة أديوي ببرنامج دراسات التصميم الداخلي في كلية «بارسونز»، وحصلت على شهادة جامعية في العلوم التطبيقية في عام 2014. وبعد ذلك فتحت في عام 2015 «استوديو لاني»، وفي عام 2017 حصلت على الجائزة الأولى في معرضٍ رئيسي بمدينة نيويورك للمصممين الدوليين الناشئين يسمى «لانش پاد»، الذي تديره شركة «وانتد ديزاين».

بدورها، قالت كلير بيجولات، مؤسّسة شركة «وانتد ديزاين» رفقة أوديل هينو: «تتميز السيدة أديوي بأنها جعلت أسلوبها في متناول الجميع وملهماً للآخرين». وأضافت: «إن قدرتها على التعبير بوضوح عن رؤيتها، والقصة وراء عملها، تُضيف طبقة شخصية ومشوِّقة إلى تصميماتها، ومن المؤكد أنها تُحدث تأثيراً كبيراً».

وتعتقد السيدة أديوي أن القوة التحويلية للتصميم ترتبط بالحِرف اليدوية المستخدمة في إنتاجه، وتريد من المجتمع العالمي أن يُدرك أن الأفارقة وأعضاء الجالية الأفريقية في الشَّتات يساهمون أيضاً في هذه الرواية بصورة هادفة. وقالت إنها تشعر «بالإحباط الشديد إزاء الطريقة التي تُضخِّم بها وسائل الإعلام القصص السلبية أو قصص المعاناة والتي لا تضع الناس في موضع تسوده الكرامة. وهذا يؤثر في نهاية المطاف على الطريقة التي تُرى بها ثقافتهم». وهدفها من مبادرة «حرف غرب أفريقيا» هو إبراز التقاليد الغنيَّة في المنطقة وإمكاناتها. وختمت كلامها: «من خلال الفن والحِرفة والتصميم، يمكننا تقديم نظرة أكثر توازناً تتجاوز السَّرد الأحادي البُعد الذي اعتدنا على رؤيته».

*خدمة: نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

يوميات الشرق ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

معرض يقدّم لك الطبيعة مطرَّزة على الأقمشة الفاخرة، ويكرِّم الحرفيين الذين يقفون وراء هذا الفن رغم غياب أسمائهم خلف المصمّمين الكبار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يعتمد جوزيف أفرام في أعماله على الحبر الصيني مع تقنية الـ«جيسو» لبناء طبقات متراكمة تمنح اللوحة عمقاً وملمساً وتُظهر الفكرة تدريجياً للمشاهد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق معرض الكاريكاتير جذب ركاب مترو القاهرة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

مترو القاهرة يتحول إلى معرض فني... الكاريكاتير يقترب من الجمهور

الكاريكاتير قادر بلغة بسيطة وساخرة وذكية على التواصل مع كل فئات المجتمع والتعبير عن أحداث كبرى بروح إنسانية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.


تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.