مستقبل الذكاء الاصطناعي: الأمم المتحدة تحذر من تأثيراته الاجتماعية

سياسات عمل استباقية لدرء انحسار نحو 40 % من الوظائف العالمية

تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025
تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025
TT

مستقبل الذكاء الاصطناعي: الأمم المتحدة تحذر من تأثيراته الاجتماعية

تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025
تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025

من المتوقع أن يصل سوق الذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليون دولار - أي ما يُعادل حجم الاقتصاد الألماني تقريباً - إلا أن فوائده لا تزال مُركزة للغاية.

انطلاقة الذكاء الاصطناعي وتخلف الدول النامية

وذكر تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025 «Technology and Innovation Report 2025» الصادر عن «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (الأونكتاد) في جنيف، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، أن أقل من ثلث الدول النامية لديها استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، بينما تفتقر 118 دولة إلى التمثيل في حوكمة الذكاء الاصطناعي، مما يُحد من الشمولية العالمية.

لذا يجب على الاقتصادات النامية الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وبياناته ومهاراته لتسخير كامل إمكاناته.

الذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية

يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولات في الاقتصادات، ويخلق فرصاً، ولكنه يُشكل أيضاً مخاطر تفاقم عدم المساواة. ويُحذر التقرير من أنه على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يكون أداة قوية للتقدم، فإنه ليس شاملاً بطبيعته. وينبغي على الدول التحرك فوراً - من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات، وتعزيز حوكمة الذكاء الاصطناعي - لتسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنمية المستدامة.

من المتوقع أن يصل سوق الذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليون دولار أمريكي

الإنسان محور التطويرات

وأكدت ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لـ«الأونكتاد»، على أهمية ضمان أن يكون الإنسان محور تطوير الذكاء الاصطناعي، داعيةً إلى تعاون دولي أقوى «لتحويل التركيز من التكنولوجيا إلى الإنسان، وتمكين الدول من المشاركة في إنشاء إطار عالمي للذكاء الاصطناعي».

4.8 تريليون دولار عام 2033

إن الفوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي هائلة، ولكن يجب تقاسمها.

ومن المتوقع أن تصل القيمة السوقية للذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، ليصبح قوة بارزة في التحول الرقمي. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى البنية التحتية والخبرة في مجال الذكاء الاصطناعي متركزاً في عدد قليل من الاقتصادات.

100 شركة الأكبر عالمياً

وتحتل 100 شركة فقط، معظمها في الولايات المتحدة والصين، الصدارة بتمويل 40 في المائة من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير للشركات. وتبلغ القيمة السوقية لكل من شركات التكنولوجيا العملاقة الرائدة، مثل «أبل» و«إنفيديا» و«مايكروسوفت»، نحو 3 تريليونات دولار، وهو ما ينافس الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأفريقية بأكملها.

وقد تؤدي الهيمنة على السوق، على المستويين الوطني ومستوى الشركات، إلى توسيع الفجوات التكنولوجية، ما يعرض العديد من الدول النامية لخطر فقدان فوائدها.

الاستثمار في المهارات

ويعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف، لذا فإن الاستثمار في المهارات أمر بالغ الأهمية. يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على 40 في المائة من الوظائف حول العالم، مما يُحقق مكاسب في الإنتاجية، ولكنه يُثير أيضاً مخاوف بشأن الأتمتة واستبدال الوظائف.

وغالباً ما تُفضّل فوائد الأتمتة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي رأس المال على العمالة، مما قد يُوسّع فجوة التفاوت ويُقلّل من الميزة التنافسية للعمالة منخفضة التكلفة في الاقتصادات النامية.

ومع ذلك، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على استبدال الوظائف فحسب، بل يُمكنه أيضاً إنشاء صناعات جديدة وتمكين العمال. ويُعدّ الاستثمار في إعادة تأهيل المهارات وتطويرها وتكييف القوى العاملة أمراً ضرورياً لضمان تعزيز الذكاء الاصطناعي لفرص العمل بدلاً من القضاء عليها.

سياسات فعالة للذكاء الاصطناعي

ويعدُّ الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في السياسات الصناعية وسياسات الابتكار الحديثة. إذ إنه يُعيد تعريف الفرص الاقتصادية، ويضع التكنولوجيا والابتكار والخدمات كثيفة المعرفة في صميم استراتيجيات التنمية الوطنية.

لوضع سياسات فعّالة للذكاء الاصطناعي، ينبغي على الدول مراعاة ثلاث نقاط قوة رئيسية: البنية التحتية، والبيانات، والمهارات. وستحدد المواقع الاستراتيجية في هذه المجالات مدى قدرة الدول على تبني الذكاء الاصطناعي بفعالية، وتعزيز الابتكار المحلي، ومواءمة تطويره مع احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية. ويقدم «الأونكتاد» الخبرة لمساعدة الدول النامية على تقييم نقاط قوتها وتصميم سياسات تُسهم في بناء أنظمة ابتكار مرنة.

حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية

يجب أن تكون حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية شاملة. إذ يُشكل الذكاء الاصطناعي مستقبل العالم الاقتصادي، ومع ذلك، فإن 118 دولة - معظمها في دول الجنوب - غائبة عن المناقشات الرئيسية حول حوكمة الذكاء الاصطناعي.

ومع تبلور لوائح الذكاء الاصطناعي والأطر الأخلاقية، يجب أن يكون للدول النامية دور فاعل لضمان خدمة الذكاء الاصطناعي للتقدم العالمي، وليس فقط لمصالح قلة قليلة. يمكن للتعاون الدولي الأقوى أن يُنشئ إطار عمل عالمي للذكاء الاصطناعي يُعطي الأولوية للإنصاف والشفافية والمنافع المشتركة.

خطة عمل لتطوير شامل للذكاء الاصطناعي

ويقدم تقرير «الأونكتاد» خريطة طريق لضمان أن يُسهم الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة النمو الشامل بدلاً من تعميق الانقسامات. وتشمل التوصيات السياسية الرئيسية للمجتمع الدولي ما يلي:

الالتزام بقطاع الذكاء الاصطناعي: على غرار إطار العمل البيئي والاجتماعي والحوكمة environmental, social, and governance framework (ESG)، يُمكن لآلية شفافية مماثلة للذكاء الاصطناعي أن تُحسّن المساءلة، وتُترجم الالتزامات العالمية إلى نتائج مؤثرة.

البنية التحتية المشتركة: يُمكن لمرفق عالمي مُشترك أن يُوفر وصولاً عادلاً إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ابتكار مفتوح وبناء القدرات

الابتكار المفتوح: يُمكن لنماذج مثل البيانات المفتوحة والمصادر المفتوحة أن تُضفي طابعاً ديمقراطياً على المعرفة والموارد، مما يُعزز الابتكار الشامل للذكاء الاصطناعي. كما يُمكن لتنسيق موارد الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، القيّمة ولكن المُجزأة، أن يُعزز إمكانية الوصول إليها ويُعزز التعاون العالمي.

بناء القدرات: يُمكن لمبادرات تبادل معارف وموارد الذكاء الاصطناعي، وخاصةً التعاون فيما بين بلدان الجنوب، أن تُعزز قدرة البلدان النامية على الاستفادة من فوائد الذكاء الاصطناعي ومواجهة التحديات المشتركة.

الذكاء الاصطناعي والتقدم العالمي - حان وقت العمل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مُحفزاً للتقدم والابتكار والازدهار المُشترك - ولكن فقط إذا ساهمت البلدان بفعالية في تشكيل مساره. هذا يعني تحويل التركيز من التكنولوجيا إلى الإنسان، ووضعه في صميم تطوير الذكاء الاصطناعي. أما الاستثمارات الاستراتيجية، والحوكمة الشاملة، والتعاون الدولي، فهي عوامل أساسية لضمان استفادة الجميع من الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تعميق الانقسامات القائمة.

وتجدر الإشارة إلى أن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) يكرس جهوده لتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة من خلال التجارة والاستثمار لتحقيق الرخاء.


مقالات ذات صلة

ألتمان: «أوبن إيه آي» لن تطرح أسهمها للاكتتاب العام في 2026

الاقتصاد الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان خلال عرض لحلول الذكاء الاصطناعي في طوكيو (رويترز)

ألتمان: «أوبن إيه آي» لن تطرح أسهمها للاكتتاب العام في 2026

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان إن الشركة لن تطرح أسهمها للاكتتاب العام خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

لم تعد مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم افتراضية، بعدما أظهرت نماذج حديثة قدرتها على تجاوز القيود والوصول إلى أنظمة خارجية والتَّصرُّف باستقلالية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

رئيس «أنثروبيك» يدعو إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي

دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي أمس إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً الحاجة إلى تحكّم أفضل في تطوره.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا «غوغل» توسّع حضور «جيميناي» بتطبيق جديد لـ«ويندوز» (غوغل)

«جيميناي» يصل رسمياً إلى أجهزة «ويندوز»

يتيح تثبيت التطبيق على جهاز الكومبيوتر استدعاء «جيميناي» من أي مكان على الجهاز باستخدام اختصار (Alt + Space).

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

رئيس «أنثروبيك» يدعو لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي... وألتمان وماسك يؤيدانه

دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي، السبت، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً الحاجة إلى تحكم أفضل في تطوّره.

«الشرق الأوسط» ( نيويورك)

أصغر كواكب المجموعة الشمسية ينكمش أسرع من توقعات العلماء

كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)
كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)
TT

أصغر كواكب المجموعة الشمسية ينكمش أسرع من توقعات العلماء

كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)
كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)

كشفت دراسة جديدة عن أن كوكب عطارد أصغر كواكب المجموعة الشمسية، يتقلص بسرعة أكبر بكثير مما كان يُعتَقد سابقاً، مما يفتح نافذةً غير مسبوقة لفهم تكوين الكوكب وتاريخه وتطوره.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد صرَّح فريق الدراسة بأنه «على الرغم من أن هذا الكوكب ظلَّ ينكمش على مدى 4.5 مليار سنة، نتيجة لعملية التبريد التي تلت نشأته النارية، فإن معدل هذا الانكماش قد يفوق التقديرات السابقة بنسبة 30 في المائة».

وتشير الدراسة إلى أن مقدار انكماشه قد يصل إلى نحو 22 كيلومتراً، وهو رقم كبير مقارنة بقطر الكوكب البالغ نحو 4800 كيلومتر فقط.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، غاكو نيشِيياما، عالم الكواكب في «معهد أبحاث الفضاء»، التابع لـ«المركز الألماني للطيران والفضاء»: «نحن نقترب من فهم حقيقة تطور عطارد».

واعتمد الباحثون على بيانات جمعتها المركبة الفضائية «مسنجر»، التابعة لوكالة «ناسا»، والتي قضت أكثر من 4 سنوات في الدوران حول هذا الكوكب الملتهب، لرصد تضاريس سطحه والبحث عن تكوينات جيولوجية تُعرَف باسم «تراكيب الانكماش».

وتظهر هذه التكوينات على سطح الكوكب مع تقلصه، وتشبه إلى حدٍّ كبير التجاعيد التي تظهر مع التَّقدُّم في العمر. إلا أن دراسة هذه العلامات كانت صعبة؛ بسبب تغطية كثير منها بالحفر وبقايا الاصطدامات الناتجة عن الكويكبات وغيرها من الأجرام السماوية.

وللتغلب على هذه المشكلة، جمع الباحثون صوراً ثنائية الأبعاد التقطتها أنظمة التصوير الموجودة على المركبة، ثم دمجها لإنشاء خرائط شديدة التفصيل لتضاريس سطح عطارد.

وأظهرت النتائج وجود عدد أكبر بكثير من علامات الانكماش مقارنة بالتقديرات السابقة، وهو ما يشير إلى أن الكوكب فقد من حجمه بمعدل أسرع مما كان العلماء يعتقدون.

ويرى الباحثون أن تتبع هذا الانكماش يمكن أن يساعد على كشف ما يحدث تحت القشرة الصخرية لعطارد، كما قد يوفر معلومات مهمة لفهم عمليات الانكماش والتغير الداخلي التي قد تحدث في كواكب أخرى.


اختتام «صحة آسيا 2026»… رقعة ذكية تراقب القلب لأسابيع وتتجه للتحقق السريري في السعودية

جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)
جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)
TT

اختتام «صحة آسيا 2026»… رقعة ذكية تراقب القلب لأسابيع وتتجه للتحقق السريري في السعودية

جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)
جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)

قد ينبض قلب المريض بصورة طبيعية طوال الساعات الـ24 التي يرتدي فيها جهاز «هولتر»، ثم يظهر اضطراب في النظم بعد نزعه بيوم أو أسبوع. لكن ماذا لو أمكن مراقبة القلب لمدة تصل إلى 30 يوماً، بينما تبحث خوارزميات الذكاء الاصطناعي وسط آلاف الساعات من النبضات عن إشارات ربما لم يلتقطها الفحص التقليدي؟

هذا ما برز في الدورة الـ23 من معرض ومؤتمر «صحة آسيا 2026»، التي اختُتمت السبت في كراتشي، حيث اطلعت «الشرق الأوسط» على تقنية تعتمد على رقعة إلكترونية صغيرة تُثبَّت على صدر المريض، تسجِّل نشاط القلب لأيام وأسابيع، وتستعين بالخوارزميات لرصد اضطرابات النظم المحتملة وعرضها على الطبيب.

وقال البروفسور زكي الدين أحمد، أستاذ الصحة الرقمية والمؤسِّس المشارِك والمنسق العام لـ«صحة آسيا»، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن الدورة الحالية سجَّلت أكبر حضور دولي للمتحدِّثين في تاريخ الحدث، بمشاركة 35 متحدثاً دولياً ضمن 22 مؤتمراً وورشة، وأكثر من 200 شركة ونحو 600 جناح عرض، مع تمثيل لأكثر من 35 دولة.

وأضاف أن البرنامج جمع الجامعات والهيئات الحكومية والمؤسسات الصحية، وتناول الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية والسجلات الطبية الإلكترونية وسلامة المرضى والصحة العامة وصحة السكان، مشيراً إلى مشاركة وزارة الصحة الاتحادية الباكستانية في تنظيم الحدث.

البروفسور زكي الدين أحمد: «صحة آسيا» يجمع الابتكار الطبي والصحة الرقمية بمشاركة أكثر من 35 دولة (الشرق الأوسط)

رقعة صغيرة تراقب القلب

لا تكمن قوة التقنية التي طورتها «Vivalink» في حجمها، بل في قدرتها على إطالة نافذة مراقبة القلب. فالرقعة القابلة لإعادة الشحن والمقاومة للماء تسجِّل تخطيط القلب (ECG) ومعدل ضرباته والتنفس، إلى جانب تباين معدل القلب ودرجة حرارة الجلد والحركة والوضعية، مع إمكان المراقبة وجمع البيانات لفترات ممتدة تصل إلى 30 يوماً.

لكن التَّحوُّل الأهم يحدث خلف الرقعة؛ إذ تحلل الخوارزمية التدفق المستمر لبيانات القلب بحثاً عن أكثر من 15 نوعاً من اضطرابات النظم، بينها الرجفان الأذيني وتسارع القلب وبطؤه، وتبرز الأحداث المشتبه بها لمراجعة الطبيب. وهكذا لا يحل الذكاء الاصطناعي محل طبيب القلب، بل يساعده على العثور على لحظات غير طبيعية وسط أسابيع من النبضات.

لماذا قد لا تكفي «لقطة» للقلب؟

بعض اضطرابات نظم القلب متقطعة؛ فقد يشعر المريض بالخفقان أو الدوار، ثم يظهر تخطيط القلب طبيعياً تماماً عند إجراء الفحص. فالمشكلة أحياناً ليست في قدرتنا على تشخيص الاضطراب، بل في أن القلب لم يكشفه خلال فترة المراقبة.

وتدعم هذا المبدأ دراسة حديثة نُشرت في مايو (أيار) 2026 في مجلة «JACC: Asia»، التابعة للكلية الأميركية لأمراض القلب، وشملت 2978 شخصاً استخدموا رقعة أخرى لتخطيط القلب لمدة تصل إلى 7 أيام.

وكانت النتيجة لافتة: اكتشفت الرقعة الرجفان الأذيني (Atrial Fibrillation) لدى 1.48 في المائة من المشاركين، مقابل 0.23 في المائة باستخدام تخطيط القلب التقليدي في نقطة زمنية واحدة؛ أي أن معدل الاكتشاف ارتفع بنحو 6.3 مرة. كما ظهر نصف الحالات في اليوم الأول، لكن استمرار المراقبة حتى اليوم الثالث كشف 75 في المائة من مجموع الحالات التي رصدتها الرقعة خلال فترة الدراسة.

وهذا يوضِّح أهمية إطالة فترة المراقبة: فاضطراب نظم القلب قد يحدث بصورة متقطعة، ولذلك قد لا يظهر في أثناء تخطيط قصير أو مراقبة ليوم واحد، لكنه يصبح أكثر احتمالاً للاكتشاف كلما طالت مدة تسجيل نشاط القلب.

من «هولتر» التقليدي إلى الرقعة الذكية... مراقبة القلب تدخل عصر الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يدخل المعادلة

ولا تقتصر الفكرة على إطالة مدة المراقبة؛ فالتحدي التالي هو كيف نحلل هذا الكم الهائل من بيانات القلب؟ وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي.

ففي دراسة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «JMIR mHealth and uHealth»، استخدم الباحثون شبكة عصبية عميقة لتحليل تخطيط قلب أحادي القناة وحقَّق النظام نتائج مرتفعة؛ إذ تمكَّن من اكتشاف 91.9 في المائة من حالات الرجفان والرفرفة الأذينية (Atrial Flutter)، كما استطاع استبعاد الاضطراب بصورة صحيحة لدى 99.6 في المائة ممن لا يعانون منه. وعند تحليل الرجفان الأذيني وحده، تمكَّن من اكتشاف 96.2 في المائة من حالاته.

ورغم هذه النتائج المرتفعة، أكد الباحثون ضرورة مواصلة التحقق من أداء النظام في ظروف المراقبة الواقعية. وهنا تكمن الرسالة الأهم: دقة الخوارزمية في الدراسة لا تكفي وحدها؛ فالثقة السريرية تبدأ عندما نعرف كيف تؤدي مع المرضى في الحياة اليومية.

من كراتشي إلى الرياض

وهنا تكتسب القصة بُعداً سعودياً. فقد وصف البروفسور شافي أحمد، الأستاذ في جامعة لندن وأحد قادة ورشة «الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: من الابتكار إلى التطبيق»، التقنية في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» بأنها «طفرة في طب القلب والمراقبة القلبية الرقمية»، لما تتيحه من انتقال من المراقبة المحدودة زمنياً إلى متابعة ممتدة يمكن أن تساعد على التقاط اضطرابات قلبية متقطعة قد لا تظهر في أثناء الفحص التقليدي.

البروفسور شافي أحمد يشير إلى تقنية المراقبة القلبية الممتدة التي تتجه للتحقق السريري في السعودية (الشرق الأوسط)

وأوضح أن المملكة العربية السعودية اختيرت لتكون من الدول الأولى التي تدخل إليها التقنية للتحقُّق منها سريرياً، لما تتمتع به من موقع متقدم عالمياً في الذكاء الاصطناعي وبنية تحتية رقمية وصحية متطورة، تجعلها بيئة مناسبة لاختبار التقنيات الطبية الجديدة ونقلها من الابتكار إلى التطبيق السريري.

وأضاف شافي أحمد أن التَّحقُّق من التقنية سيتم في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ومستشفى دله في الرياض، في خطوة ستتيح تقييم أدائها داخل البيئة السريرية المحلية.

وتتجاوز أهمية هذه الخطوة إدخال جهاز جديد إلى المستشفيات؛ فهي تختبر سؤالاً أساسياً في الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: هل تحافظ الخوارزمية على دقتها عندما تنتقل إلى مرضى وسكان وبيئة سريرية مختلفة عن تلك التي طُورت واختُبرت فيها؟

التحقق المحلي قبل الثقة

وهنا يظهر مفهوم «التحقق المحلي (Local Validation)»: فنجاح خوارزمية على مجموعة سكانية معينة، أو حصول التقنية على موافقة تنظيمية في دولة ما، لا يضمن بالضرورة الأداء نفسه عند استخدامها على سكان مختلفين وفي بيئة صحية أخرى. وقد أشارت دراسة «JACC: Asia» نفسها إلى محدودية التنوع العرقي في عينتها بوصفها أحد قيود الدراسة.

لذلك لا يكفي أن نسأل عن عدد الحالات التي اكتشفتها الخوارزمية؛ بل يجب أيضاً معرفة ما الذي فاتها، وما الذي صنَّفته خطأً، وكيف يتغير أداؤها عند اختبارها على المرضى المحليِّين وفي ظروف الاستخدام الفعلية.

عندما يراقب الذكاء الاصطناعي القلب

ربما كان المشهد الأكثر دلالة في ختام «صحة آسيا 2026» رقعة صغيرة على صدر المريض تجمع بيانات قلبه أياماً وأسابيع، بينما تبحث الخوارزميات وسط آلاف الساعات من الإشارات عن اضطراب ربما لم يشعر به أصلاً.

لكن الانتقال الحقيقي «من الابتكار إلى التطبيق» لا يحدث بمجرد وصول التقنية إلى المستشفى؛ بل عندما نتحقَّق من أدائها على المرضى المحليين، ونراقبها بعد الاستخدام، ونُبقي القرار السريري والمسؤولية في يد الإنسان.

وفي طب القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، لن يكون السؤال فقط:

ماذا اكتشفت الخوارزمية؟ بل السؤال الأكثر أهمية: ماذا لم تكتشف... وهل تحققنا من ذلك قبل أن نثق بها؟


قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي
TT

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

أصبح مجمع سكن الطلاب الجديد -الواقع بالقرب من كلية «فيا» الجامعية (VIA University College) في الدنمارك- أكبر مشروع سكني يُنفذ بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في أوروبا. وهو يبرز الإمكانات الهائلة لهذه التقنية عند تطبيقها على نطاق واسع، كما كتب هانتر شوارتز(*).

وحدة سكنية دنماركية «مطبوعة»

يحمل المشروع اسم «سكوفسبوريت» (Skovsporet)، وهو مجمع يضم 36 وحدة سكنية موزعة على ستة مبانٍ تغطي مساحة 17760 قدماً مربعاً (1650 متراً مربعاً) في مدينة «هولستبرو» الواقعة غرب شبه جزيرة يوتلاند. وتتكون كل وحدة سكنية -وهي مبانٍ منخفضة الارتفاع- من خرسانة منخفضة الكربون، طُبعت بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في موقع البناء نفسه. وقد صُممت كل شقة خاصة لتكون منزلاً متكاملاً يضم منطقة للنوم، وحماماً، وغرفة معيشة، ومطبخاً، ومساحة للدراسة.

فلّين وزجاج... لمسة جمالية

تسمح النوافذ الكبيرة والسقف المائل الهجين (المصنوع من الخشب ومواد أخرى) بدخول الضوء الطبيعي، بينما تضفي ألواح الفلين والزجاج لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة ثلاثية الأبعاد. وقد شُيدت كل شقة حول ساحات مشتركة تتصل ببعضها عبر ممرات للمشاة ومساحات خضراء منسقة.

مشروعات أوروبية

يُذكر أن أكبر مشروع سكني سابق نُفذ بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في أوروبا كان مشروع «فيليا سبرينت» (ViliaSprint) في مدينة ريمس بفرنسا؛ وهو مجمع مكون من ثلاثة طوابق ويضم 12 وحدة سكنية، وقد اكتمل بناؤه في ربيع ذلك العام. كما كانت ألمانيا قد شيدت أول مشروع للإسكان العام بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في مدينة «لونين» عام 2023.

تولت شركتا «ساغا سبيس أركيتكتس» (Saga Space Architects) و«إم إس بلس» (MS+) تصميم مجمع «سكوفسبوريت» بالتعاون مع شركة «3DCP Group» للمقاولات. ولم يكن الهدف من المشروع مجرد الاستعراض التقني أو التجربة، بل كان الغرض منه توفير مساكن اجتماعية دائمة تخضع لنفس الأطر التنظيمية المطبقة على مشروعات الإسكان الاجتماعي التقليدية في الدنمارك، وذلك وفقاً لما ذكره سيباستيان أريستوتليس، كبير المهندسين المعماريين في شركة «ساغا»، وميكيل بريتش، الرئيس التنفيذي لشركة «3DCP».

استقلالية فردية وروح اجتماعية

لقد تمثلت الغاية من تصميم شقق خاصة تتخللها مساحات مشتركة في تعزيز كل من الاستقلالية الفردية وروح المجتمع. ويقول أريستوتليس وبريتش في رسالة عبر البريد الإلكتروني لمجلة «فاست كومباني»: «نأمل أن يشعر الطلاب بأنهم يعيشون في واحدة من أروع القرى الطلابية المستقبلية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شعور الألفة والدفء المنزلي. كما أردنا لمشروع (سكوفسبوريت) أن يعزز روح المجتمع القوية؛ ولهذا السبب صُممت الوحدات السكنية لتتوزع حول مساحات خارجية مشتركة وتقع على مقربة من مؤسسات تعليمية متنوعة».

مواد بناء بيئية

ويضيف أريستوتليس وبريتش: «تتجلى الإمكانات الحقيقية للطباعة ثلاثية الأبعاد عندما تتجاوز هذه التقنية مرحلة النماذج الأولية والمشروعات الفريدة من نوعها (المعالم العمرانية)، لتبدأ في منافسة أساليب البناء التقليدية في مجال الإسكان اليومي». وقد أُضيفت مادة تُعرف باسم «D.fab» إلى الخرسانة، مما سمح بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 84 في المائة مقارنة بالخرسانة التقليدية. كما شُيّد المجمع السكني وسط الأشجار القائمة بالفعل، مما أتاح الحفاظ على 90 في المائة منها أثناء عملية البناء.

ومن شأن نجاح مشروع «سكوفسبوريت» أن يلهم إنشاء مجمعات مماثلة تعتمد على الطباعة ثلاثية الأبعاد في مواقع أخرى، وأن يثبت جاهزية المساكن المطبوعة للانتقال إلى مرحلة التطوير والبناء على نطاق واسع.

* مجلة «فاست كومباني».