القصر الجمهوري السوداني... لعنة «الخروج عنوة»

البرهان يسترد حطام مكتبه فهل تنتهي الدوامة المريرة؟

القصر الرئاسي القديم في عهد غوردن باشا (غيتي)
القصر الرئاسي القديم في عهد غوردن باشا (غيتي)
TT

القصر الجمهوري السوداني... لعنة «الخروج عنوة»

القصر الرئاسي القديم في عهد غوردن باشا (غيتي)
القصر الرئاسي القديم في عهد غوردن باشا (غيتي)

سقط الحاكم العام البريطاني للسودان الجنرال تشارلز غوردن، برصاصة أطلقها «البيرقدار» حامل العلم المهدوي «مرسال حمودة»، داخل القصر الرئاسي الواقع على ضفاف النيل، عام 1885، ثم قطع «الأنصار» الغاضبون بسيوفهم رأسه وعلقوه على أسنة حرابهم، ليعلنوا بذلك انتصار أم الثورات السودانية «الثورة المهدية»، وميلاد أول حكم وطني في السودان 26 يناير (كانون الثاني) 1885.

ومنذ ذلك الوقت ظل «القصر» رمزاً للسيادة السودانية، وظل رؤساء البلاد يطلون من هذا المكان الذي كان الجنرال غوردن يدير منه البلاد ويراقب منه معركته الأخيرة، عام 1885، إلى أن سيطرت عليه «قوات الدعم السريع»، عام 2023، وطردت حاكمه قائد الجيش الرئيس عبد الفتاح البرهان إلى شرق البلاد منذ قرابة العام. فهل ثمة «إحالات» تاريخية في المشهد السوداني أو «لعنة ما»، فمعظم الرؤساء الذين دخلوا «قصر غوردن» خرجوا منه عنوة؟

الأزهري على كرسي غوردن

جلس «إسماعيل الأزهري» على «كرسي غوردن» بوصفه أول سوداني يحكم البلاد بصفته رئيساً لمجلس السيادة خلال الفترة من 1956- 1958، قبل أن يطيح به انقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) 1958 الذي قادة الجنرال إبراهيم عبود، وظل هناك داخل القصر لمدة 6 سنوات، ليغادره مكرهاً بثورة أكتوبر (تشرين الأول) الشعبية 1964 التي أطاحت بحكمه، وأصوات المتظاهرين تطالب برأسه.

اسماعيل الأزهري أول رئيس للسودان بعد الاستقلال (1956-58) (غيتي)

في «الديمقراطية الثانية»؛ أي في الفترة 1964 - 1969، دخل القصر مجلس رئاسي ترأسه لأيام سر الختم الخليفة، ثم عاد الأزهري لرئاسة مجلس السيادة، قبل أن يخرج منه مجدداً بانقلاب الجنرال جعفر النميري مايو (أيار) 1969. ظل النميري جالساً على كرسي غوردن 16 عاماً، لكن سيرة الدم أخرجته منه عنوة بثورة شعبية هو الآخر في العام أبريل (نيسان) 1985.

الميرغني خلف النميري

بعد ثورة أبريل 1985، اختير السيد «أحمد الميرغني» رئيساً لمجلس السيادة، وجلس على مكتبه في «قصر غوردن» لعدة أشهر، وخرج منه مكرهاً أيضاً بانقلاب نظام ما سمي بثورة الإنقاذ الوطني بقيادة الجنرال عمر البشير في يونيو (حزيران) 1989.

الرئيس المشير جعفر النميري (1969-84) (غيتي)

يعد عمر البشير أطول رؤساء السودان جلوساً على كرسي الرئاسة، فقد حكم البلاد زهاء الثلاثين عاماً، وخلالها «زهد» في القصر التاريخي القديم، وأنشأ قصراً جديداً على الطراز المعماري الحديث، وقيل وقتها إنه «هدية صينية»!

ويحمل إهداء «الصين» السودان قصراً رئاسياً بديلاً و«موازياً» لقصر غوردن، إشارة إلى أن التاريخ لا يزال يعمل في الحاضر، فالجنرال غوردن قبل أن يأتي إلى السودان، نكل بالصين والصينيين، فهل ثمة إشارة «صينية» لمحو الأثر الذي يشير إلى الرجل؟

البشير أُخرج بالقوة

البشير هو الآخر خرج عنوة من قصره «الجديد والقديم» بثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019 التي أطاحت بحكمه، وألقت بالرجل الذي يواجه تهماً بجرائم عقوبتها الإعدام، خارجه.

الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير يلقي خطابًا للأمة في 22 فبراير2019 في القصر الرئاسي بالعاصمة الخرطوم (أف.ب).

بعد الثورة التي أطاحت بالبشير، اختير قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان رئيساً لمجلس السيادة، واختير قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» نائباً له، وكانت مكاتبهما متجاورة في «قصر الصين»، لكن «اللعنة المجاورة» انتقلت للرجلين، واشتعلت الحرب بينهما، وطرد الثاني الأول من قصره، لكنه لم يستطع البقاء فيه، ليظل رمزاً يصطرعان عليه، إلى أن استعاده «البرهان» مجدداً بعد أن تحول إلى حطام قصر، فهل يزيل الدم والرصاص «الشؤم» المحيط بالقصر الجمهوري؟

حكاية قصر الصين

في السادس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2015، افتتح الرئيس عمر البشير قصره الجديد، وانتقلت إدارة الحكم من القصر الجمهوري القديم (قصر غوردن باشا) إلى المبنى «الصيني» الفخيم والجديد. لم يختر البشير موعد افتتاح «القصر الرئاسي الجديد» اعتباطاً؛ إذ اختار له أن يوافق ذكرى مقتل الحاكم العام البريطاني للسودان الجنرال تشارلز غوردن، في التاريخ ذاته قبل 130 عاماً، ويطلق عليه يوم «تحرير الخرطوم».

وأتى البريطانيون بالجنرال غوردن من المستعمرة البريطانية «الصين»، بعد أن أفلح في هزيمة ثورة الفلاحين الصينيين المعروفة بـ«التانينغ»، ليقمع الثورة المهدوية في السودان، لكن الثوار المهدويون «قتلوه» على سلم قصره.

الرئيس الجنرال إبراهيم عبود ثاني الرؤساء بعد الاستقلال (1958-64) (غيتي)

وهكذا انتصروا لأنفسهم و«ثأروا» لثوار الصين من بطش الجنرال «سيئ الصيت» لدى الصينيين، كأنما العقل الذي رسم سيرة الافتتاح في ذلك التاريخ، أراد شكر الصين على بناء القصر، من خلال رسالة من التاريخ. إنها «مكافأة أخلاقية» للصينيين.

فخامة القصر

يتكون المبنى الجديد من 3 طوابق، خصص الأعلى منها مكتباً رئاسياً، والثاني لنواب الرئيس، و10 قاعات اجتماعات، و7 صالات استقبال، فضلاً عن المكاتب الإدارية والتحكم والإعلام، بالمبنى موقف للسيارات في الطابق تحت الأرضي «بدروم»، إضافة إلى 14 مصعداً.

ولا تعرف على وجه الدقة، التكلفة الفعلية للمبنى شديد الفخامة، الذي قال عنه وزير الرئاسة صلاح ونسي في كلمته ليلة الافتتاح: «هو الأكبر والأشمخ في كل أفريقيا بلا مثيل»، بيد أن مدير متحف القصر الجمهوري ومدير إدارة العلاقات العامة عبد الناصر سر الختم، قدر التكلفة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» وقتها، بحدود (40 - 45) مليون دولار أميركي.

القصر الرئاسي في الخرطوم 1925 (غيتي)

في عام 2007، وفي أثناء زيارة الرئيس الصيني السابق «هو جنتاو» تم توقيع اتفاقية إنشاء القصر الرئاسي السوداني الجديد، وتناقلت وسائل الإعلام وقتها أن الصين ستمول بناء القصر وفقاً لمنحة قدرها 40 في المائة، على أن تمول الحكومة السودانية قرضاً صينياً بالمبلغ الباقي، بيد أن الخرطوم أعلنت في الافتتاح أن القصر شيد كلياً بـ«منحة صينية»، وهو ما أشار إليه مدير العلاقات العامة بالقصر سر الختم بقوله: «العلاقات السودانية - الصينية تطورت وقويت كثيراً بين لحظة التوقيع واكتمال التشييد، وهو ما جعل بناء القصر منحة صينية كاملة».

رأي المعارضة

وبغض عن النظر عن التكلفة الفعلية للقصر، فإن المعارضة السودانية في ذلك الوقت رأت في بناء قصر رئاسي جديد في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد «ترفاً وسوء تقدير للأولويات» بلا مبرر، وقال المتحدث باسم تحالف قوى الإجماع الوطني بكري يوسف لـ«الشرق الأوسط»: «المعارضة حائرة من الرسالة التي يريد النظام إيصالها ببناء القصر»، وأضاف: «علاقات السودان الدولية متراجعة، ولا يزوره إلا عدد محدود من المسؤولين الدوليين، لو أن هناك علاقات منفتحة لقلنا إن النظام يريد تجميل صورة البلاد، لكن حتى هذا لا يوجد».

وقال وزير الرئاسة ونسي في كلمته لافتتاح القصر إن القصر القديم مرت عليه منذ بنائه حتى اليوم 190 عاماً، مما أصابه بالبِلَى، وكثرت عليه عمليات الترميم لحفظه وصيانته، وإن دواعي التجديد استلزمت إقامة القصر الرئاسي الجديد لتمثيل الإرادة السودانية.

طراز عربي إسلامي... أم خزف صيني؟

فنياً، يرى مدير متحف الرئاسة سر الختم القصر إبداعاً معمارياً يمزج بين استقراء التاريخ وتجسيد الإيمان بالمستقبل، وبين تمثيل الإرادة السودانية والتعبير عن الهوية الثقافية، ولا يغفل ذكرى الأسلاف وما يمكن استلهامه من مقاومتهم للاستعمار ورفع علم الاستقلال. ويمزج قصر البشير الجديد بين الطراز المعماري العربي الإسلامي بأبوابه ونوافذه الواسعة المنحنية «آرش» والقبة التي تزينه ذات النمط المعماري التركي والحديث.

لكن التشكيلي عصام عبد الحفيظ رأى أن القصر الجديد لا يحمل أي معالم لجماليات سودانية، وقال: «كأنه قصر من الخزف الصيني نقل من الصين إلى السودان»، وأضاف: «كل معالمه غير سودانية، حتى القبة التي تعلوه تختلف عن القباب السودانية هرمية الشكل».

قطع أشجار تاريخية

وعلى الرغم من أن إدارة العلاقات العامة بالقصر نفت الاعتداء على حديقة القصر التاريخية، فإن عبد الحفيظ ندد بشدة بما أسماه «قطع أشجار تاريخية» عمرها أكثر من مائة عام، وقال: «أنا أحب القصر القديم». وأوضح سر الختم أن البناء وتأثيثه وتزيينه جمع بين معالم الثراء والتنوع الثقافي في البلاد، فيما تجسد اللوحات ومسميات قاعات القصر «التاكا، وجبل مرة، والبجراوية، وكنانة» هذا التنوع، وتعطيه إطلالته على النيلين الأزرق والأبيض، منظراً أخاذاً.

قصر غوردن القديم

أما «قصر غوردون»، أو القصر الرئاسي القديم الذي سيظل قصراً رئاسياً، حسب إدارة العلاقات العامة بالقصر الجمهوري، فله تاريخ حافل، بدأ بمقتل الجنرال تشارلز غوردن الحاكم البريطاني في العهد التركي بيد أنصار الثورة المهدية على سلمه عام 1885م. كما شهد أول احتفال باستقلال البلاد، ورفع الرئيس إسماعيل الأزهري، أول رئيس سوداني، علم الاستقلال على ساريته، وأنزل علمي الإدارة الثنائية «المصري والبريطاني» في الأول من يناير 1956.

وشهدت ردهاته أحداثاً وصراعات سياسية في الفترة الوطنية، أهمها احتجاز الرئيس الأسبق جعفر النميري داخله لفترة قصيرة إبان انقلاب يوليو (تموز) 1971. وينتهي عنده في قلب الخرطوم من جهة الجنوب «شارع القصر» الذي كان يعرف سابقاً باسم شارع فيكتوريا، فيما يسير بمحاذاته من جهة الشمال «شارع النيل»، والذي أبعد عنه شمالاً بعد أن كان يمر من خلاله.

القصر الرئاسي في الخرطوم في ثلاثينيات القرن الماضي (غيتي)

بُني القصر الرئاسي أول مرة عام 1832 من الطين والطوب الذي جلب من بقايا آثار مدينة سوبا عاصمة مملكة علوة القديمة، وأطلق عليه وقتها اسم «سرايا الحكمدار»، ثم «سرايا الحاكم العام»، ثم عرف بـ«القصر الجمهوري» بعد استقلال السودان، تماهياً مع تسميات مقار الرؤساء في بلدان العالم.

وفي 1972 أطلق عليه الرئيس النميري «قصر الشعب»، عقب فشل انقلاب الرائد هاشم العطا ضده، ثم عاد له اسم القصر الجمهوري بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام النميري أبريل 1985. وتعد سارية القصر الثلاثية، والسلم «الدرج» الذي قتل عليه غوردون أشهر معالم القصر القديم، وتحول السلم إلى لوحة تجسد مصرع الجنرال غوردون، رسمها التشكيلي الآيرلندي جورج ويليام، وهي موجودة في متحف مدينة «ليدز» البريطانية.

بكل هذا المحمول، يعود «الجيش» إلى القصر الجمهوري بعد أن فارقه قائده مكرهاً لأكثر من عام، لكنه ليس ذاك القصر الجديد الأنيق، ولا ذاك التاريخي المعتق، فقد دمرت الحرب المكان وحولته إلى أطلال قصر، فهل قضت الدانات والمقذوفات والمقاتلات والمسيرات على «لعنة ما» مخبأة بمكان ما داخل «قصر غوردون»؟ أم يعود لسيرته القديمة المتجددة؟


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق إفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)

الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

أفادت وزارة الخارجية السودانية في بيان اليوم الأحد بأن حكومة السودان حريصة على ضرورة إنهاء الحرب «وإيقاف تدمير الدولة وتجويع الشعب».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

استيقظت ليبيا، الاثنين، على مأساة جديدة قبالة سواحلها في البحر المتوسط؛ إذ غرق قارب انطلق من مدينة الزاوية بغرب البلاد وعلى متنه 55 مهاجراً غير نظامي، في حادثة تُضاف إلى سجل طويل من حوادث غرق قوارب تُقل مهاجرين أفارقة طامحين لمستقبل أفضل بالقارة الأوروبية.

ولم ينجُ من الحادث سوى امرأتين نيجيريتين، أمكن إنقاذهما خلال عملية البحث والإنقاذ التي نفذتها السلطات الليبية. وأفادت إحداهما بفقدان زوجها، فيما قالت الأخرى إنها فقدت رضيعَيها، وفق ما ذكرته «المنظمة الدولية للهجرة».

وقال متحدث باسم «منظمة الهجرة» إن الحادث أفضى إلى وفاة أو فقد 53 مهاجراً، بينهم رضيعان، إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية. وأشار إلى أن القارب انقلب شمال مدينة زوارة بغرب ليبيا في السادس من الشهر الحالي.

ضبط قوارب مخصصة لتهريب المهاجرين عبر المتوسط لدى عصابات بغرب ليبيا (وزارة الداخلية)

وعبَّرت المنظمة عن «حزنها العميق» لفقدان الأرواح في حادث مميت جديد على طريق وسط البحر المتوسط، مشيرة إلى أن فِرقها قدمت للناجيتين رعاية طبية طارئة فور إنزالهما بالتنسيق مع السلطات المعنية.

وبحسب إفادات الناجيتين للمنظمة الدولية، غادر القارب مدينة الزاوية نحو الساعة الحادية عشرة من مساء الخامس من فبراير (شباط)، وبعد نحو ست ساعات انقلب نتيجة تسرب المياه إليه.

وكان القارب يقل مهاجرين ولاجئين من جنسيات أفريقية مختلفة. ويرفع الحادث عدد المهاجرين الذين أُبلِغ عن وفاتهم أو فقدانهم، في محاولة اجتياز البحر المتوسط إلى أوروبا، إلى ما لا يقل عن 484 شخصاً في عام 2026.

رحلات الموت

ومثل هذه الحوادث متكررة؛ ففي 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، أمرت النيابة العامة الليبية بحبس اثنين من تشكيل عصابي، لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شرق ليبيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في غرق 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

وكان الضحايا من بين 79 شخصاً من البلدين انطلق قاربهم من طبرق، بأقصى الشرق الليبي، وأُعلن عن غرق 59 منهم في 30 يوليو (تموز)، فيما تم إنقاذ الباقين.

وعادة ما تنتشل عناصر «الهلال الأحمر» الليبي الجثث التي تقذفها الأمواج إلى الشاطئ.

متطوعو جمعية الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة قذفتها أمواج المتوسط يناير الماضي (المكتب الإعلامي للجمعية)

وتكثف السلطات المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا وغربها، من عمليات «الترحيل الطوعي» براً وجواً، وسهّلت إعادة دفعات جديدة من الموقوفين إلى دولهم. كما تعمل السلطات على تعقّبهم، وذلك ضمن خطة تهدف إلى «فرض السيطرة ومنع أي محاولات للتسلل».

وسبق وأعلنت «المنظمة الدولية للهجرة» عن اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من الثاني إلى الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة و851 طفلاً.

وتلجأ عصابات الهجرة غير المشروعة إلى تهريب المهاجرين في قوارب متهالكة، أو غير معدة للإبحار في عرض البحر المتوسط، ما تسبب في وقوع كوارث عديدة.

وفكّكت النيابة العامة الليبية في سبتمبر (أيلول) الماضي، شبكة كانت تعمل على تصنيع «قوارب الموت» التي تُستخدم في الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وأوقفت 10 أشخاص كانوا يعملون في ورشة بمدينة مصراتة.

وتشير بيانات «المنظمة الدولية للهجرة» إلى أنه خلال شهر يناير فقط، أُبلِغ عن وفاة أو فقدان ما لا يقل عن 375 مهاجراً نتيجة عدة حوادث غرق «غير مرئية» بوسط البحر المتوسط، في ظل ظروف جوية قاسية، مع ترجيح حدوث مئات الوفيات الأخرى التي لم يتم رصدها.

عصابات وشبكات تهريب

تسلّط هذه الحوادث المتكررة الضوء على المخاطر المستمرة والقاتلة، التي يواجهها المهاجرون واللاجئون في أثناء محاولات العبور المحفوفة بالمخاطر.

ووفقاً لمشروع «المهاجرين المفقودين» التابع لـ«المنظمة الدولية للهجرة»، فُقد أكثر من 1300 مهاجر في وسط البحر المتوسط خلال عام 2025.

وتحذّر المنظمة من أن شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين «تواصل استغلال المهاجرين على طريق وسط البحر المتوسط، محققة أرباحاً من رحلات عبور خطيرة على متن قوارب غير صالحة للإبحار، ومعرّضة الأشخاص لانتهاكات جسيمة ومخاطر متعلقة بالحماية».

وتؤكد المنظمة الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي والاستجابات التي تضع الحماية في صميمها، لمواجهة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب إتاحة مسارات آمنة ونظامية للهجرة للحد من المخاطر وإنقاذ الأرواح.

مهاجرون من النيجر خلال ترحيلهم من طرابلس ديسمبر 2025 (الداخلية الليبية)

وتسعى دول عديدة إلى إعادة رعاياها من ليبيا.

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية الشهر الماضي، أن جهودها أسفرت عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن من ليبيا خلال عام 2025، ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية، إضافة إلى نقل 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية.


الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة» كان من الممكن تجنبها، معرباً عن مخاوفه من تكرار أحداث مماثلة في كردفان.

وقال فولكر تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «كثيراً ما حذر مكتبي من خطر وقوع فظائع جماعية في مدينة الفاشر التي ظلت محاصرة أكثر من عام، وقد وثَّقنا سابقاً أنماطاً من هذه الفظائع في مناسبات كثيرة، بما في ذلك خلال هجوم (قوات الدعم السريع) للاستيلاء على مخيم زمزم... كان التهديد واضحاً، لكن تم تجاهل تحذيراتنا».


بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

ولكن منذ اندلاع الحرب في 2023، تقطعت السبل به وبغيره من البدو العرب في الصحراء خارج مدينة الأبيّض وسط السودان، حيث باتوا فريسة لقطاع الطرق والتوتر العرقي.

تسببت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في نزوح نحو 14 مليون شخص، وأدت إلى اندلاع موجات من إراقة الدماء على أساس عرقي، فضلاً عن انتشار المجاعة والأمراض.

«الدعم السريع» تحاصر الجيش بغرب كردفان في أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وقال الباحث المحلي إبراهيم جمعة إن الحرب أدت كذلك إلى اختلال التوازن الدقيق في ملكية الأراضي ومسارات الماشية التي حفظت للبدو سبل عيشهم وعلاقاتهم الأوسع في المنطقة.

والأبيّض هي واحدة من كبرى مدن السودان وعاصمة ولاية شمال كردفان، التي شهدت أعنف المعارك في الحرب خلال الأشهر القليلة الماضية.

وقال من تحدثوا إلى «رويترز» من شمال كردفان إنهم وجدوا أنفسهم محاصرين مع انتشار الكراهية العرقية المرتبطة بالحرب والتي تغذيها إلى حد بعيد شبكات التواصل الاجتماعي.

وقال البشير: «سابقاً لا يوجد شخص يعترض شخصاً أو قافلة قبيلة رحل، ولا هذا من الجهة الفلانية أو الجهة الكذا... القافلة قافلة والسوق تعني سوق... شارع يعني شارع... تتحرك وفق اختيارك... الآن لا يوجد اختيار ولا توجد جهه تتقبلك».

وأضاف: «سابقاً الأسواق كثيرة تستطيع أن تبيع وتشتري... لا يوجد شخص يكره شخصاً ولا شخص يرفض شخصاً... الآن الوضع أصبح كله محاذير».

بالإضافة إلى الحرب المتصاعدة، يواجه البدو الرحل - الذين قال جمعة إن عددهم يصل إلى الملايين في جميع أنحاء السودان - تهديداً من قطاع الطرق الذين يسرقون الماشية.

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

وقال حامد محمد، وهو راعٍ آخر محاصر في ضواحي الأبيض: «في السابق كانت السوق سمحة والوضع ليس كهذا الزمان... الزمن الآن زمن مشاكل... لا نستطيع الذهاب إلى أي مكان وإذا ذهبنا العدو يأخذ البهائم... الآن حدنا الأبيّض هنا فقط».

نشأت «قوات الدعم السريع» من الميليشيات العربية المعروفة باسم الجنجويد، التي تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دارفور في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

واتهمت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية «قوات الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية ضد السكان غير العرب في ولاية غرب دارفور خلال الصراع الحالي، في امتداد للعنف المستمر منذ فترة طويلة الناجم عن النزاع على الأراضي.

ونفت «قوات الدعم السريع» مسؤوليتها عن عمليات القتل ذات الطابع العرقي، وقالت إن المسؤولين عن الانتهاكات سيحاسبون.

وشكلت تلك القوة طوال الحرب روابط مع قبائل عربية أخرى، وأطلقت في بعض الأحيان يدها لتقوم بعمليات نهب وخطف.

لكن بعض القبائل العربية والكثير من أفرادها لم ينضموا إلى القتال.

ونادى جمعة بضرورة «تصميم برامج اجتماعية تتعلق بنبذ خطاب الكراهية... تتعلق بسيادة حكم القانون... تتعلق بإجراء المصالحات الاجتماعية باعتبار أن الحرب أثرت في أنسجة المجتمعات».