عن «اليوم الأسوأ في تاريخ السويد»... جريمة معلّقة ضحيتها مهاجرون

أحداث متفاقمة سبقت إطلاق النار وأسئلة صعبة حول الأمان الاجتماعي

ساحة قرب مجمع المدراس في مدينة أوريبرو السويدية وقد تحولت مزاراً لإحياء ذكرى ضحايا إطلاق النار (غيتي)
ساحة قرب مجمع المدراس في مدينة أوريبرو السويدية وقد تحولت مزاراً لإحياء ذكرى ضحايا إطلاق النار (غيتي)
TT

عن «اليوم الأسوأ في تاريخ السويد»... جريمة معلّقة ضحيتها مهاجرون

ساحة قرب مجمع المدراس في مدينة أوريبرو السويدية وقد تحولت مزاراً لإحياء ذكرى ضحايا إطلاق النار (غيتي)
ساحة قرب مجمع المدراس في مدينة أوريبرو السويدية وقد تحولت مزاراً لإحياء ذكرى ضحايا إطلاق النار (غيتي)

في حادثةٍ هزّت السويد وأدخلتها في دوامةٍ من الأسئلة الصعبة حول مستقبل الهجرة ومستوى الأمان الاجتماعي في البلاد، لقي أحد عشر شخصاً معظمهم من المهاجرين مصرعهم، وأصيب ستة آخرون بجروح خطرة، في إطلاق نار جماعي وُصف بأنه «الأسوأ في تاريخ البلاد». وكانت الحادثة التي كشفت عن هشاشة بنيوية في المجتمع السويدي، وقعت في 4 فبراير (شباط) 2025 داخل حرم مجمع مدارس «ريسبرجسكا» في مدينة أوريبرو، على بُعد 200 كيلومتر غرب العاصمة استوكهولم.

وجاءت هذه الجريمة المروعة بعد سلسلة أحداث متفرقة لم تلقَ الصدى الكبير الذي تلقاه عادة حوادث إطلاق نار أو جرائم أخرى، خصوصاً إذا كان المرتكب مهاجراً أو من خلفية مهاجرة.

ففي 7 يناير (كانون الثاني) 2025 قتلت ميسون أيوب (60 عاماً)، بعد تعرضها للطعن في متجر بضاحية بوتشيركا جنوبي استوكهولم، لتعتقل الشرطة رجلاً في الخامسة والعشرين، أظهر الفحص النفسي أنه «مصابٌ باضطرابٍ عقلي حاد»، وقبل ذلك، في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2024، قتل نيمو بشير داود (28 عاماً)، من أصول صومالية، في منطقة غابات مارشتا Marsta شمال غربي استكهولم. وبحسب الشرطة، «قُبض على مشتبه به خضع سابقاً لرعاية نفسية إلزامية».

وفي 12 أغسطس (آب) 2024، شهدت مدينة بوروس حادثة صادمة، إذ اندفعت سيارة نحو مظاهرة مؤيدة لفلسطين، مما أثار الذعر بين المشاركين وأوقع بينهم جرحى. السائق، الذي تبين من صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به أن له توجهات يمينية متطرفة، اقتحم الحشد مرتين، وفقاً لشهود عيان. ولاحقاً أظهرت تحقيقات الشرطة أن السائق، وهو رجل أعمال في الستينيات من عمره، لديه تاريخ من التفاعل مع المحتوى اليميني المتطرف على الإنترنت. كما تضمنت تعليقاته دعوات صريحة للعنف ضد الفلسطينيين، بما في ذلك تحريض مباشر على قتلهم وتجويعهم.

بالتالي فإن الجريمة «الأسوأ على الإطلاق» في تاريخ السويد، والتي وصف حدوثها رئيس الوزراء، أولف كريسترشون، بـ«اليوم المظلم في التاريخ السويدي» لم ترق بحسب تحقيقات الشرطة ووسائل الإعلام إلى اعتبارها «عملاً ارهابياً» لكون المنفذ قتل نفسه وليس من خلفية مهاجرة على ما ندد كثيرون من أهالي الضحايا.

خطاب معادٍ للأجانب

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى السياسي في حزب اليسار وعضو مجلس مقاطعة أوريبرو السابق لمدة 24 عاماً جهاد نعمة والمقيم في السويد منذ 1990، فقال إن ما حدث كان متوقعاً، لكنه لم يكن ليُتصور أنه بهذه الوحشية.

أهالي ضحايا إطلاق النار في مدينة أوريبرو يوقدون الشموع ويضعون الزهور في موقع الحادثة (غيتي)

وقال نعمة: «الخطاب السياسي الذي تنتهجه الأحزاب الحاكمة حوَّل المهاجرين، سواء كانوا قادمين جدداً، أو من المهاجرين القدامى، أو حتى الجيل الثاني، إلى شماعة تُعلق عليها جميع الأزمات والإخفاقات السياسية. وأدى ذلك إلى خلق قاعدة ناخبة باتت ترى الهجرة والمهاجرين على أنهم المشكلة الأساسية في البلاد».

ويضيف نعمة: «سياسات التقشف والاضطراب الاقتصادي وسوء إدارة الموارد أعادت ترتيب الأولويات على مستوى البلديات والمقاطعات، فقد شهدنا تراجعاً في الميزانيات المخصصة للرعاية الصحية، بما في ذلك دعم الأشخاص المصابين بأمراض نفسية، بينما جرى خفض الضرائب على أصحاب المداخيل المرتفعة. وهذا بدوره أدى إلى تفاقم غياب العدالة الاجتماعية، وزيادة الفجوة بين الطبقات، وارتفاع معدلات البطالة، فضلاً عن غياب استراتيجيات واضحة لدمج القادمين الجدد. كل هذه العوامل، إلى جانب تصاعد الخطاب السياسي المشحون بالكراهية ومعاداة الأجانب، مهّدت الطريق لهذه المجزرة».

كيف بدأت القصة؟

في ظهر يوم الثلاثاء 4 فبراير 2025، تلقت الشرطة السويدية أول بلاغ عن وقوع إطلاق نارٍ داخل حرم مجمع مدارس «ريسبرجسكا» في مدينة أوريبرو، وتحديداً في الطرف الجنوبي للمدينة. يضم المجمّع ست مؤسسات تعليمية متنوعة، من بينها مركز تعليم الكبار ومدارس تعليم اللغة السويدية للمهاجرين، إضافةً إلى روضة أطفال وبرامج تدريب مهني.

وأشارت البيانات الصادرة عن الشرطة إلى أن ريكارد أندرسون، المشتبه به في ارتكاب الجريمة، استقل حافلة من وسط المدينة عند الساعة 07:35 صباحاً، ووصل إلى محطة قريبة من المدرسة في الساعة 07:47. ولم تتوفّر حتى الآن معلومات محدّدة عمّا قام به في الفترة الممتدة من وصوله إلى نحو الساعة 11:30، حين لحظه شهود عيان داخل المجمع التعليمي البالغة مساحته 17 ألف متر مربع. وفي صورة وزعتها الشرطة على وسائل الإعلام، حصلنا على نسخة منها، يظهر الجاني وهو يسير حاملاً حقيبة غيتار على ظهره وكيساً في كل يد، مما يُضيف بُعداً آخر لغموض دوافعه وسير الأحداث.

وعند الساعة 12:33، ورد بلاغ رسمي عن إطلاق نارٍ في المكان. وصلت أول فرقة شرطةٍ بعد ست دقائق، ودخل أفرادها المبنى في الساعة 12:40. في الدقيقة التي تلت ذلك، تبادلوا إطلاق النار مع المشتبه به، قبل أن تؤكد الشرطة عند الساعة 12:45 أنّ أندرسون أنهى حياته بيده.

مسؤول الشرطة السويدية هنريك دالستروم (إ.ب.أ)

في نحو الساعة 13:20، نشرت الشرطة بياناً عبر موقعها الإلكتروني طالبت فيه المواطنين بالابتعاد عن المنطقة، مشيرةً إلى وجود «تهديد محتمل باستخدام العنف المميت». تزامن ذلك مع مداهمة قوات أمنية أخرى منزل المشتبه به. وبعد قرابة ساعةٍ ونصف من هذا النداء، عُقد مؤتمر صحافي أكّد خلاله رئيس الشرطة أن التحقيق في مراحله الأولى، وأنه «لا دليل على وجود دافع آيديولوجي أو إرهابي حتى تلك اللحظة».

بعد ساعة ونصف من إصدار البيان، وعلى عكس حالات عنف سابقة، عقدت الشرطة مؤتمراً صحافياً ظهر فيه رئيس الشرطة وحيداً يتلقى السؤال نفسه تقريباً من كل الصحافيين: «هل كانت عملية إرهابية»؟ لتأتي الإجابة نفسها مراراً: «ليس ما يشير إلى دافع آيديولوجي. لا يوجد حتى الآن أي دافع واضح».

في وقتٍ لاحق من اليوم نفسه، أعلنت الشرطة مقتل عشرة أشخاص في موقع الحادث، وأشارت إدارة منطقة أوريبرو إلى أن ستة أشخاص آخرين - جميعهم فوق الثامنة عشرة - يتلقون العلاج في المستشفى؛ خمسة منهم في حالة خطيرة، لكن مستقرة، ثم ارتفعت الحصيلة لاحقاً إلى 11 قتيلاً. وأوضحت الشرطة أن المشتبه به، الذي لم يكن معروفاً لها ولا يرتبط بأي عصابة، يُعتقد أنه تصرف بمفرده، وهو أحد من لقوا حتفهم أثناء الحادث. ثم نفى المسؤولون وجود دافع إرهابي وراء هذه الجريمة، لكن الآن تشمل التهم محاولة القتل وإحداث حرائق عمدية وجرائم استخدام الأسلحة النارية الخطيرة.

من هو ريكارد أندرسون؟

بدأت تتراكم التساؤلات حول ماضي الجاني، الذي لم يُدن سابقاً بارتكاب أي جريمة؛ إذ وصفه زملاؤه في المدرسة بأنه شخص هادئ الطباع عانى من صعوبات دراسية جسيمة، ولم يحقق معايير النجاح بعد إنهاء المرحلة الإعدادية، حتى إن أحد رفقائه وصفه بأنه «منعزل». وبعد انتهاء دراسته الثانوية، تلاشت تفاصيل حياته إلى حد بعيد.

بيانات مصلحة الضرائب تظهر أنه لم يحقق أي دخل خاضع للضريبة منذ عام 2014، أي أن دخله لم يتجاوز 100 ألف كرونة. كما أكدت الشرطة تسجيله في المركز التعليمي، الذي وقعت فيه المأساة. حصلت «الشرق الأوسط» على مستندات صادرة عن وكالة التجنيد والتقييم الدفاعية السويدية والتابعة لوزارة الدفاع، تُشير إلى أن الرجل قد تم إعلامه مراراً بأنه غير مؤهل للخدمة العسكرية عند بلوغه سن الرشد. وجاء في القرار: «أنت وجميع الرجال السويديين ملزمون يالتجنيد العسكري عند بلوغكم 18 عاماً. ومع ذلك، تستدعي الوكالة فقط الذين يملكون الإمكانات للتسجيل في الخدمة العسكرية أو المدنية أو للانضمام إلى الاحتياطي التعليمي». لكن رغم عدم أهليته للخدمة العسكرية فإن أندرسون حاز على رخصة لحيازة أربع بنادق صيد. وبهذه الأسلحة المرخصة، التي تضمنت بندقية إصابة مع ذخيرة من عيار مقاس 30-06 ، وكذلك بندقية صيد عادية، قام بارتكاب المجزرة تاركاً وراءه حدثاً زلزل السويد.

مسعفون في مجمع المدارس في مدينة أوريبرو السويدية حيث وقعت حادثة إطلاق نار وصفت بـ«الأسوأ في تاريخ البلاد» (غيتي)

رابطة الصيادين السويدية على موقعها الرسمي تُشير بوضوح إلى أن «شهادة الصيد» تُعد شرطاً أساسياً للحصول على ترخيص لحيازة أسلحة الصيد، حيث تتألف من اختبار نظري وثلاثة اختبارات عملية، وأنه لا يوجد حد أدنى للسن، لكن يجب أن يمتلك المتقدم اللياقة البدنية اللازمة للتعامل الآمن مع الأسلحة. كما يجب الحصول على «شهادةصيد» كشرط أساسي قبل التقديم للحصول على ترخيص لدى الشرطة، لشراء واستخدام أسلحة الصيد، ويُستوفى ذلك بعد تقييم قدرات الفرد وفقاً للمعايير الفحص الموحدة. حاولنا سؤال جهاز الشرطة عن طريق إرسال رسالة إلكترونية، حول آليات هذا الفحص، غير أن المسؤولين على المستوى الوطني رفضوا الإدلاء بتصريحات إضافية، وطلبوا منا التواصل مع الشرطة في منطقة شرطة بيرجسلاجن التي تقع مدينة أوريبرو ضمن نطاق عملها، والتي تتولى التحقيق في الحادثة بحسب إيمانويل ألفاريز، السكرتير الصحافي في المركز الإعلامي لدى الشرطة الوطنية.

بعد اسبوع من الانتظار اكتفت الشرطة في منطقة بيرجسلاجن بالرد أنه «من المهم أن نتذكر أن هذا تحقيق مستمر وأن حقائق جديدة قد يتم اكتشافها و/أو إثباتها مع مرور الوقت. وستقوم الشرطة بالإعلان عن التفاصيل عندما تتوفر لدينا حقائق جديدة لتقديمها وعندما نشعر أننا قادرون على تقديم المعلومات».

مظاهر إسلاموفوبيا

تقول المترجمة نور مارتيني، المقيمة في أوريبرو، إن المدينة شهدت تصاعداً ملحوظاً في مظاهر الإسلاموفوبيا في السنوات الاخيرة. وتشير إلى أن حركة «مقاومة الشمال» المرتبطة بالنازيين الجدد التي بدأت في 2018 في نشر آيديولوجيتها في وسط المدينة بلغت حدوداً قصوى في السنتين الأخيرتين. في العام نفسه، تعرّض مسجد أوريبرو لحريق لم تُعرف أسبابه بشكل قاطع، إذ أُشيع أن أحد رواد المسجد كان وراء الحادث بسبب خلافات داخلية، لكن المسجد لم يُعَد بناؤه منذ ذلك الحين.

الشرطة السويدية تطوّق مجمّع المدارس الذي شهد إطلاق نار أودى بحياة 11 شخصاً في مدينة أوريبرو (غيتي)

وتضيف نور أن التوترات بلغت ذروتها خلال أحداث حديقة سفيا باركن في 15 أبريل (نيسان) 2022، عندما اندلعت مواجهات عنيفة بين الشرطة وسكان مسلمين، على خلفية منح المتطرف اليميني راسموس بالودان تصريحاً لحرق المصحف أمام مسجد في ضاحية «فيفالا» شمال المدينة بما اعتبر قانوناً «حرية تعبير». ورغم تصاعد التوتر الأمني، فإن بالودان أصرّ على تنفيذ خطته، مما أثار استياء الجالية المسلمة وطرح تساؤلات حول الهدف من منحه التصريح،.

وبحسب نور، فإن التداعيات القانونية للأحداث أسفرت عن محاكمة ما لا يقل عن 150 شخصاً، معظمهم من الشباب والمراهقين، الذين تحولوا إلى أصحاب سوابق جنائية بموجب القانون السويدي، مما سيؤثر على مستقبلهم الاجتماعي والمهني، لا لسبب فعلي إلا لرغبة أحدهم بحرق كتابهم الديني.

وتلفت نور إلى أن الخطاب السياسي في السويد أصبح أكثر وضوحاً في استهدافه للمهاجرين، خاصة خلال مناقشات الحكومة في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 حول تعديل النظام الانتخابي للمجالس المحلية والبلديات. خلال هذه المناقشات، حذّرت نائبة رئيس الوزراء وزعيمة الحزب المسيحي الديمقراطي إيبا بوش من أن استمرار النظام الحالي قد يؤدي إلى «سيطرة المهاجرين على بلدية أوريبرو»، وهو تصريح اعتبره كثيرون معادياً للأجانب. كما تستذكر نور تصريحات بوش السابقة خلال أحداث سفيا باركن، حين تساءلت: «لماذا لم نشهد مقتل مائة إسلامي على الأقل؟»، في إشارة إلى الاحتجاجات العنيفة التي وقعت بعد حرق المصحف. وترى أن هذه اللغة الحادة أسهمت في تأجيج المشاعر ضد المهاجرين، وساهمت في تشكيل توجه سياسي يمنح اليمين المتطرف نفوذاً متزايداً.

ولم يكن الخطاب المعادي للمهاجرين حكراً على اليمين، وفقاً لنور. ففي الانتخابات البرلمانية عام 2022، ركّزت جميع الأحزاب على مدينة أوريبرو خلال حملاتها الانتخابية، لما لها من ثقل انتخابي واضح. حتى ماغدالينا أندرسون، رئيسة أكبر حزب في التكتل اليساري آنذاك، لم تتردد في استخدام لغة قومية، عندما قالت خلال حملتها: «ينبغي على الجميع أن يكونوا إسكندنافيين»، في تصريح اعتبره البعض محاولة لاستقطاب ناخبي اليمين.

ترى نور أن جميع هذه العوامل مجتمعةً تشير إلى أن مجزرة أوريبرو كانت «استهدافاً إرهابياً» للمهاجرين، خصوصاً الجالية المسلمة، حتى وإن حاولت الحكومة التخفيف من وقع الحدث أو تجنّب تسميته كهجوم بدوافع عنصرية. ومع استمرار التحقيقات، لا يزال مجتمع المهاجرين يعيش حالة من الترقب والقلق، في انتظار إحاطة الشرطة بالمستجدات. وفي الوقت الذي يشعل فيه المواطنون الشموع تكريماً للضحايا، تواجه بعض العائلات المكلومة تحديات إضافية، حيث أصبح بعض الأطفال مهددين بالترحيل بعد فقدان معيلهم، بينما مُنعت زوجة أحد الضحايا من تلقي العزاء بسبب صدور قرار بترحيلها قبل أن تتمكن حتى من وداع شريك حياتها.

صراع سياسي داخلي

تقول سلوى محمد (اسم مستعار) في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»:«يملؤني الرعب. أفضّل إخفاء هويتي كي أستطيع الحديث بحرية؛ فأنا أخشى الانتقام في بيئة العمل، خاصةً وأن بعض المؤسسات بدأت تضيق الخناق على من ينتقد الأوضاع الراهنة في السويد، لا سيما إن كان من أصول مهاجرة».

الملك والملكة السويديان وخلفهما رئيس الوزراء وزوجته في جنازة ضحايا حادثة أوريبرو (غيتي)

وترى سلوى أن المهاجرين باتوا هدفاً لصراعٍ سياسي محتدم؛ إذ تسعى بعض الأحزاب إلى تحقيق مكاسبها على حسابهم. وتضيف: «يطالبوننا بالاندماج والعمل، وهو ما نقوم به بالفعل. ومع ذلك، نُقتل. لماذا لا يُطلق على هذه الجرائم وصف (هجمات إرهابية) عندما ينفذها أشخاص سويديون بيض ضد مهاجرين؟ أين اختفت أصوات التحريض ضد المهاجرين؟ ولماذا كل هذا التعتيم على عمليات القتل التي تستهدف اللاجئين في السويد؟».

وتعرب سلوى كما غيرها ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» عن استيائها من ازدواجية المعايير، قائلةً: «لو كان المنفّذ مهاجراً مسلماً، لأُلصقت به على الفور تهمة الإرهاب، لرأينا اليمين السويدي وجهاز الدعاية المرتبط به يتصدّرون الإدانة. أمّا الآن، فلا نجد إلا صمتاً مطبقاً وكأن ضحايا هذه الجرائم ليسوا بشراً، إلى درجة أن جيمي أوكيسون، رئيس حزب ديمقراطيي السويد، لم يذهب إلى أوريبرو بحجة أنه لا يريد استغلال الحادث لأسباب سياسية».

وتتهم سلوى الحكومة الحالية بـ«تعزيز الانقسام المجتمعي» عبر ما تصفه بـ«سياسات تمييزية وإقصائية»، مدعومةً بوسائل إعلامٍ تحتكر السردية وتهمّش أصوات المهاجرين. وتقول إنّ الإعلام «يركّز على السلبيات والإخفاقات ويستند إلى مصطلحات مثل الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، للتشكيك في أي طرحٍ مختلف عن الرواية الرسمية» التي تروّج لها الشرطة والمؤسسات الحكومية.

قصص من النضال والحب والتحديات

قمنا في «الشرق الأوسط» بمراجعة سير الضحايا بالاستناد إلى المصادر المفتوحة وما نُشر عنهم في الإعلام السويدي. المراجعة تُظهر أن الضحايا العشرة، كانوا من خلفيات متنوعة، بما في ذلك مهاجرون من أفغانستان، والبوسنة، والصومال، وسوريا، والعراق، ومن بين الضحايا: علي محمد (35 عاماً) من أفغانستان، وقمر (38 عاماً) من الصومال، وبسام الشلح (48 عاماً) من سوريا، وسليم إسكيف (28 عاماً) من سوريا، وعزيزة (68 عاماً) من كردستان العراق، وسلمي هوكيك (55 عاماً) من البوسنة، وإلسا تيكلاي (32 عاماً) من إريتريا.

مارة يشاهدون إضاءة جسر أوريسوند في السويد بألوان العلم إحياء لذكرى ضحايا إطلاق النار في مدينة أوريبرو (غيتي)

سلمى... الحب أولاً

ولدت سلمى في مدينة توزلا في البوسنة، وكانت تقيم في أوريبرو برفقة أسرتها. في وطنها، كانت ناشطة في العديد من الجمعيات التطوعية، كما أنها تلقت تدريبها ممرضةً مساعدةً في السويد، وحصلت مؤخراً على تصريح عمل وإقامة دائمة، مما عزز فرصها في بناء حياة مستقرة. شاركت عائلتها رسالة كانت قد كتبتها إلى صديقة مقربة، تأملت فيها مسار حياتها، وتطرقت إلى موضوع ترك وطنها والخيارات التي اتخذتها. تحدثت سلمى في رسالتها عن أهمية الحب والتضامن في مواجهة تحديات الحياة. وختمت رسالتها، المكتوبة بلغتها الأم، بطابع شعري صادق يحمل في طياته معاني سامية: «دائماً اختاري الحب»

بسام... خبّاز «تيك توك»

بسام الشلة من سوريا، رب أسرة وأب لطفلين، كان يحضر دروس اللغة السويدية للمهاجرين مرتين أسبوعياً، ويعمل في مخبز. عمل بسام، طباخاً وخبازاً في مخبز لبناني شهير في أوريبرو، وكان شخصية محبوبة ومعروفة في الأحياء المجاورة. لم يكن مجرد طباخ عادي، إذ كان يسجل مقاطع فيديو أثناء عمله ويبثها عبر «تيك توك»، مما جعله يحتل مكانة خاصة لدى متابعيه؛ فقد كان يستقطب الزوار إلى المطعم، من مدن مختلفة كما أوضح زميله بيير العجاج لـ«وكالة الأنباء السويدية»: «لقد كان لديه أسلوبه المميز في تصوير عملياته، بحيث تُظهر تدويناته للهاتف تفاصيل عمله الدقيقة، وكانت موهبته تجذب أعداداً كبيرة من المتابعين وتجلب للمخبز زواراً من مختلف المناطق».

سليم... لا عرس في الصيف

كان سليم القادم من سوريا يدرس ليصبح ممرضاً واشترى منزلاً مع خطيبته وكان من المقرر أن يتزوجا خلال الصيف. تم تجربة فستان الزفاف وحجز الموعد. لكن بدلاً من الاحتفال بزواجه، اجتمعت عائلته وأقاربه وأصدقاؤه لتوديعه وإقامة جنازته في كنيسة القديسة مريم في المدينة.

قمر... حياة جديدة لم تكتمل

جاءت قمر إلى السويد من الصومال منذ أكثر من عشر سنوات، وهي أم عزباء لثلاثة أطفال يبلغ أكبرهم 15 عاماً، والآخر 11 عاماً، بينما يحتفل الأصغر بعيد ميلاده الثاني بعد شهرين من وفاتها. كانت قمر تنوي التوجه إلى متجر إيكيا بعد انتهاء دوام عملها في ذلك اليوم المشؤوم لشراء آخر مستلزمات انتقالها إلى شقة جديدة مع أولادها بعدما بدأت وظيفة تتيح لها العيش في منزل أوسع.

هكذا، وبعد مرور أكثر من شهر على هذه الكارثة، لا تزال أسئلة كثيرة دون إجابة حول خلفية ريكارد أندرسون ودوافعه. وفيما تواصل السلطات جهودها للتحقيق في ملابسات الحادث وتقديم إجابات وافية للمجتمع، ينتظر الناس عموماً، وأهالي الضحايا خصوصاً بفارغ الصبر نتائج هذه التحقيقات لمعرفة ما قاد الجاني إلى ارتكاب هذا الفعل الدموي.

أما الفئة الواسعة من المهاجرين فينتابها خوف من تكرار هذه الحوادث الفردية أو الجماعية وأن تبقى معلقة في أعناق «مرضى نفسيين».


مقالات ذات صلة

لبنان: العثور على صهر رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي مقتولاً داخل مكتبه

المشرق العربي  سوق ساحة التل فر طرابلس بشمال لبنان (الشرق الأوسط)

لبنان: العثور على صهر رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي مقتولاً داخل مكتبه

عثر، اليوم (الجمعة)، على رجل الأعمال عبد الله كرامي مقتولاً داخل مكتبه في مدينة طرابلس شمال لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)

من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

من الحقنة المميتة إلى غاز النيتروجين... كيف تحولت طرق الإعدام في أميركا إلى معركة تشريعية وقانونية؟

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق المغنية الأميركية ريهانا (أ.ب)

مهاجمة منزل ريهانا بـ20 رصاصة... والادعاء: المتهمة كانت تستهدف قتلها

كشف ممثلو الادعاء أن إيفانا أورتيز كانت تستهدف قتل المغنية الأميركية ريهانا، عندما أطلقت، وفقاً للاتهامات، وابلاً من الرصاص على قصرها الفخم في مدينة لوس أنجليس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا مركبات طوارئ تابعة للشرطة الألمانية تسير في موكب بهامبورغ (د.ب.أ)

الادعاء الألماني يتّهم 4 عراقيين بالانتماء إلى «داعش»

أعلن الادعاء العام في مدينة دريسدن بشرق ألمانيا، اليوم الثلاثاء، توجيه تهمة القتال في صفوف تنظيم «داعش» لأربعة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (برلين)

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».