إسرائيل تستغل قيود «حزب الله» وتطبّق حرباً أمنية وحزاماً عازلاً

بعد النكسات... الاعتبارات الداخلية والتمويلية تجمّد نشاطه العسكري

عناصر من الدفاع المدني يخمدون نيراناً اشتعلت في سيارة استهدفتها مسيرة إسرائيلية في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني يخمدون نيراناً اشتعلت في سيارة استهدفتها مسيرة إسرائيلية في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستغل قيود «حزب الله» وتطبّق حرباً أمنية وحزاماً عازلاً

عناصر من الدفاع المدني يخمدون نيراناً اشتعلت في سيارة استهدفتها مسيرة إسرائيلية في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني يخمدون نيراناً اشتعلت في سيارة استهدفتها مسيرة إسرائيلية في بلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تمضي إسرائيل في حرب أمنية ضد «حزب الله» في لبنان، حدَّدت فيها حزاماً أمنياً جديداً تفرضه بالنار، وتنفذ الاغتيالات في جنوب الليطاني وشماله، وفي البقاع بشرق لبنان، في وقت جمّد «حزب الله» العمليات العسكرية ضد القوات الإسرائيلية، ويبدو «مكبلاً بالتغيرات الأخيرة»، ويترك مسؤولية معالجة ما تقوم به إسرائيل، للدولة اللبنانية.

ولا يخلو يوم من «انتهاكات» إسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي كان يُفترض أن يبدأ تطبيقه بالكامل في 18 فبراير (شباط) الماضي، ولاحقت طائراتها المسيرة، السبت، سيارة في بلدة برج الملوك التي تبعد نحو 4 كيلومترات عن الشريط الحدودية، واستهدفتها بصواريخ، مما أدى إلى مقتل شخص، حسبما أفادت به وزارة الصحة العامة، وتبين لاحقاً أنه يتحدر من بلدة كفركلا. كما أدى القصف إلى إصابة شخص آخر بإصابة خطيرة، حسبما أفادت به وسائل إعلام لبنانية.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر أمني أن الهجوم في جنوب لبنان استهدف عناصر من «حزب الله». وقال الجيش الإسرائيلي: «هاجمنا عنصراً في (حزب الله) كان يشارك في نشاط إرهابي في كفركلا جنوب لبنان».

حرب أمنية

وأظهرت الملاحقات والاغتيالات التي تكثَّفت في الأسبوع الماضي أن إسرائيل «تطبّق الآن حرباً أمنية على (حزب الله)»، بعد الحرب العسكرية التي وضعت أوزارها في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إثر اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة وفرنسا، ورَعَته واشنطن، لوقف إطلاق النار. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل «فرضت منطقة عازلة بالنار في المنطقة الحدودية بجنوب لبنان تخلو إلى حد كبير أيضاً من المدنيين في هذا الوقت، بالنظر إلى حجم الدمار، وتتسع هذه المنطقة شيئاً فشيئاً إلى خطوط القرى الثانية عبر ملاحقات أمنية إسرائيلية لأشخاص يُشتبه في كونهم أعضاء أو عناصر أو حتى مناصرين لـ(حزب الله)، ويتحدرون أصلاً من تلك القرى في الجنوب».

الدخان يتصاعد من بلدة كفركلا جراء قصف إسرائيلي الصيف الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)

ويسري اعتقاد لدى المقربين من «حزب الله» وخصومه بأن إسرائيل «تستغل الاندفاعة الدولية التي منحتها غطاء كبيراً في سوريا وغزة وجنوب لبنان»، لتنفيذ اغتيالات في لبنان، وارتكاب خروقات لاتفاقية وقف إطلاق النار والقرار الدولي «1701». كما «تستغل القيود التي تكبّل أيدي (حزب الله) عن الرد»، وهي قيود «سياسية داخلية متصلة بوضعية الحزب الجديدة، وأخرى دولية، وأخرى متصلة ببيئته».

تموضع الحزب

وأنجز «حزب الله» بعد انتهاء الحرب في 26 نوفمبر الماضي، تموضعاً جديداً باتجاه العمل السياسي، وتجميد العمل العسكري، من دون التنازل عنه، وذلك بضغط سياسي لبناني، وبضغط دولي على الدولة اللبنانية، وبضغط الاندفاعة الإسرائيلية لتنفيذ ضربات في أي موقع في لبنان، ومن ضمنها في قلب بيروت.

وأكد أمينه العام، نعيم قاسم، قبل أيام في مقابلة تلفزيونية: «إننا التزمنا كحزب في اتفاق وقف إطلاق النار، ولا نعطي ذرائع لإسرائيل لانتهاك الاتفاق، وقد خرجنا من جنوب نهر الليطاني، وتسلم الجيش اللبناني مواقعنا»، مضيفاً: «إسرائيل ليست بحاجة لذريعة».

وإذ أكد أن «العمل المقاوم من الثوابت ولا يمكن أن ينعدم»، قال إن «الإسرائيليين يعرفون اليوم جيداً أنهم إذا لم يخرجوا من الأرض، فسوف يُواجهون مقاومة، ليس الآن، بل لاحقاً»، مضيفاً: «نحن صابرون، لأنّ الدولة الآن مسؤولة، ولكن هذا لا يعني أنّ الأمور ستظل على هذا النحو دائماً، يجب أن يدركوا ذلك».

عناصر من الصليب الأحمر ينتشلون مصابين جراء استهداف إسرائيلي لبلدة برج الملوك بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

القيود على الحزب

وبينما لا يخفي الحزب أن المعادلات العسكرية السابقة التي كانت قائمة قبل الحرب لم تعد موجودة الآن، يقول خصومه إنه تعرض لنكسات عسكرية وضربات في الحرب، مما قوَّض قدراته العسكرية. وإضافة إلى ذلك: «يبدو الحزب اليوم مقيداً أولاً بالضغوط السياسية اللبنانية في ظل عهد جديد، وحكومة جديدة، إذ يتجنب الحزب مواجهة هذا العهد أو إحراجه»، حسبما تقول مصادر لبنانية معارضة لـ«حزب الله» لـ«الشرق الأوسط»، لذلك «يضع أوراقه لدى الدولة».

وفي حال لم تنجح الدولة في وقف الاعتداءات، فإنه سيقول إن الدولة عجزت بالدبلوماسية، وعليه، فإنه على الدولة أن تمضي في مناقشة استراتيجية دفاعية يكون الحزب في عدادها، علماً بأن مناقشة الاستراتيجية الأمنية أو الخطة الدفاعية، مؤجلة، رغم تعهد الرئاسة اللبنانية بإنجازها.

أما القيود الثانية على الحزب، فهي قيود تمويل إعادة الأعمار التي وضعها أيضاً الحزب بعهدة الدولة. وتقول المصادر: «إذا اخترق الحزب الاتفاق، فسيعطي ذلك ذريعة دولية لاعتبار المنطقة غير آمنة، وأن الحزب لا يلتزم باتفاق إطلاق النار، مما يؤجل تمويل إعادة الإعمار التي تبدو مشروطة بانسحاب الحزب وفق القرار (1701)، وتثبيت الاستقرار الأمني في المنطقة الحدودية».

وتتوسع القيود إلى بيئته؛ إذ بدا خلال الحرب أن إسرائيل وضعت خطة عنيفة في التعامل مع مقدرات الطائفة الشيعية خلال حربها مع «حزب الله»، وطبَّقتها بقصف هائل في الجنوب والضاحية والبقاع وفي قلب بيروت، وهذا يعني أن «أي تجدد للمعركة، سيدفع مليون نازح مرة أخرى إلى أنحاء البلاد، وسيهدد المؤسسات الإنتاجية والحيوية والأبنية السكنية، مما يرفع فاتورة إعادة الإعمار المتأخرة أصلاً الآن»، حيث اهتم «حزب الله» بدفع بدلات إيواء وإصلاح للأضرار، لكنه لم يدفع لإعادة الإعمار، وترك الأمر للدولة.

وبالتالي، فإن «الضغوط الشعبية ستكون كبيرة، وهو ما يدفعه لتجنبها ويترك أمور التفاوض للدولة والدبلوماسية».


مقالات ذات صلة

تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)

تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

يبدو واضحاً أن «حزب الله» اتخذ قراره بالتصعيد السياسي، مع انتقال الدولة والجيش اللبناني من مرحلة تثبيت حصرية السلاح جنوب الليطاني إلى شماله.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

جدّد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري التأكيد على «حرص المملكة على أمن واستقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون ملتقياً السفير سيمون كرم بعد مشاركته في اجتماع «الميكانيزم» (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

تمسك لبناني بالـ«ميكانيزم» وتفعيلها بغياب البديل

يخشى لبنان أن يكون البديل عن الـ«ميكانيزم» الذهاب نحو المجهول، ما دام أنه لم يتبلغ من الجانب الأميركي بالأسباب التي كانت وراء إرجاء اجتماعها بلا تحديد موعد جديد

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يقصف أهدافاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان

شن الطيران الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، غارات استهدفت بعض ⁠المباني ​في ‌قرى قناريت والكفور وجرجوع بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

عون يتعهد عدم زج لبنان في «مغامرات انتحارية»

أكد رئيس الجمهورية اللبناني، جوزيف عون، أمس، حرصه على «عدم الزجّ بلبنان في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً كثيراً»، مضيفاً أن البلد أنجز «تنظيف مناطق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

من كوباني إلى الباغوز... كيف ساهم الأكراد في هزيمة «داعش»؟

عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)
عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)
TT

من كوباني إلى الباغوز... كيف ساهم الأكراد في هزيمة «داعش»؟

عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)
عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)

«الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية، كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، انتهى إلى حد كبير». بهذه الكلمات علّق توم برّاك، سفير الولايات المتحدة إلى تركيا والمكلف ملف سوريا في الإدارة الأميركية، على آخر تطورات الصراع بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يشكّل المقاتلون الأكراد عمادها الأساسي. وإذا كان كلام برّاك غير كاف للتعبير عن موقف واشنطن الحالي، فإن الرئيس دونالد ترمب نفسه قدّم توضيحاً لا لبس فيه لموقف بلاده من الأكراد السوريين الذين كانوا لسنوات طويلة حلفاء للولايات المتحدة في القتال ضد «داعش«. قال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، الثلاثاء، إنه يدعم هجوم الرئيس أحمد الشرع ضد القوات الكردية، مضيفاً أن الرئيس السوري «يعمل بجد كبير. إنه رجل قوي، قاس وله سجلّ قاس نوعاً ما. لكن لا يمكنك أن تضع منشد جوقة كنسية هناك لإنجاز المهمة».

لا شك أن هذا الموقف سيثير لدى كثير من الأكراد السوريين شعوراً بأن الإدارة الأميركية تخلت عنهم اليوم، برغم دورهم الكبير في هزيمة «داعش»، وهو أمر لم يتحقق في الواقع لولا تعاون الأكراد مع الأميركيين: الأكراد خاضوا المعارك على الأرض، وتكبدوا خسائر بآلاف المقاتلين، فيما أمّن الأميركيون الغطاء الجوي لهم.

في ما يأتي جولة على أبرز المعارك التي خاضها الأكراد ضد «داعش« في سوريا.

كرديات في مدينة القامشلي بعد حملهن السلاح مع تقدم القوات الحكومية السورية في محافظة الحسكة الأربعاء (أ.ف.ب)

كوباني – عين العرب

لا شك أن المواجهة الأولى التي سلّطت الضوء على أهمية الأكراد باعتبار أنهم عنصر فاعل في مواجهة «داعش» كانت معركة كوباني (عين العرب). كانت كوباني، الواقعة بريف حلب الشرقي على الحدود مع تركيا، مسرحاً لهجمات متواصلة شنّها «داعش»، بدءاً من سبتمبر (أيلول) 2014، وهي فترة كان فيها التنظيم في أوج قوته في كل من سوريا والعراق بعد إعلان «خلافته» المزعومة. حاصر «داعش» كوباني لشهور، ودفع بنخبة مقاتليه للسيطرة عليها. خاض هؤلاء معارك ضارية داخل كوباني ضد المدافعين عنها، والذين كانوا ينتمون آنذاك إلى «وحدات حماية الشعب» الكردية. استبسل الأكراد في الدفاع عن المدينة، رغم أن «داعش» تمكن من السيطرة على كل البلدات المحيطة بها في ريفي حلب، والرقة، ما أدى إلى نزوح جماعي للأكراد، وسط تقديرات بأن أعداد الفارين باتجاه الجانب التركي من الحدود بلغت مئات الآلاف.

بعد 4 شهور من الحصار، والمعارك الضارية، بدأت الولايات المتحدة تقديم دعم جوي للأكراد في كوباني، كما سمحت تركيا بوصول دعم عسكري من الأكراد في العراق للأكراد في كوباني (رغم تصنيفها «الوحدات» الكردية تنظيماً إرهابياً باعتبارها فرعاً سوريا لـ«حزب العمال الكردستاني»).

مع بدايات السنة 2015، نجح الأكراد في إبعاد «داعش» عن أسوار كوباني، وشكّل ذلك البداية الفعلية لمعركة إنهاء حكم التنظيم، وطرده من معاقله في سوريا. وبحسب وكالة «رويترز»، اعتُبرت معركة استعادة كوباني نقطة تحوّل في الحرب ضد «داعش».

منبج

بعد كوباني، بدأ حكم «داعش» مسار الانهيار مثل كرة ثلج تكبر وهي تتدحرج. كانت البداية في منبج، بريف حلب الشرقي. وفي حين تقع كوباني شرق الفرات، فإن منبج تقع على الضفة الغربية للنهر، وكان التنظيم يتخذ منها نقطة أساسية للتواصل مع مؤيديه في الخارج. كان ذلك يتم إلى حد كبير في البداية عبر تركيا قبل أن تتخذ هذه الدولة إجراءات مشددة لقطع هذا الطريق الذي تم عبره تنظيم هجمات دامية في أوروبا نفّذها مقاتلون من «داعش» كانوا متمركزين في منبج.

في أواخر العام 2015، عبرت القوات الكردية نهر الفرات، واستولت على سد تشرين، مستهلة معركة منبج التي مهّد لها الأميركيون بغارات عنيفة في أواخر مارس (آذار) 2016، قبل بدء الأكراد وحلفاء محليين لهم الهجوم على عناصر «داعش» المتحصنين فيها. بعد شهور من المعارك الضارية، انتهت معركة منبج في أغسطس (آب)، حيث سمح لمئات المقاتلين من «داعش» بالانسحاب منها بعدما أخذوا قرابة ألف من سكانها دروعاً بشرية لمنع قصفهم خلال الخروج منها.

قوات الأمن السورية الأربعاء أمام مدخل مخيم الهول الذي يؤوي نازحين وعائلات مقاتلين في تنظيم «داعش» بريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)

الرقة

بعد منبج انتقلت المعركة الأساسية إلى عاصمة «داعش» في سوريا: مدينة الرقة. بحلول يونيو (حزيران) 2017، كانت الرقة المدينة الأساسية الوحيدة المتبقية بأيدي «داعش» في شمال سوريا، لكن ذلك لم يكن ليستمر طويلاً. فمعركة تحرير الرقة كانت بالفعل قد بدأت اعتباراً من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 تحت لواء «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكلت بدعم أميركي من تحالف «وحدات حماية الشعب» مع فصائل عربية وافقت على العمل مع الأكراد ضد «داعش». كان الهدف من تأسيس هذا التحالف الكردي-العربي تجاوز «فيتو» تركيا التي كانت تريد أن تقود هي، مع حلفاء سوريين، عملية تحرير الرقة.

بلغت معركة الرقة أوجها في يونيو 2017 مع تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» في أحياء المدينة. وكما في أي معركة أخرى خاضها «داعش»، رفض مقاتلو هذا التنظيم الاستسلام، وقاتلوا حتى الرمق الأخير. اضطرت «قوات سوريا الديمقراطية» إلى خوض معركة الرقة حيّاً حياً، ما أدى إلى خسائر فادحة في صفوفها، بالإضافة إلى خسائر جسيمة أيضاً في صفوف عناصر «داعش» والمدنيين المحاصرين في المدينة.

الباغوز

بعد الرقة كان واضحاً أن «داعش» الذي تفاخر يوماً بأن دولته «باقية، وتتمدد»، بات يسير في اتجاه زوال حتمي. فالتنظيم كان يوماً بعد يوم يخسر البلدات والقرى التي شكلت، منذ العام 2014، معقلاً أساسياً لمقاتليه على ضفاف نهر الفرات، في اتجاه الحدود العراقية شرقاً. تساقطت مدن «داعش» واحدة تلو الأخرى، إلى أن صار التنظيم محصوراً ببلدة وحيدة صغيرة هي الباغوز بريف دير الزور الشرقي، حيث تحصن من تبقى على قيد الحياة من مقاتلي التنظيم، وأفراد عائلاتهم ممن رفضوا الاستسلام. قاتل «داعش» حتى الموت في الباغوز، لكن نتيجة المعركة كانت واضحة منذ البداية في ظل السيطرة الجوية الأميركية التي مهدت الطريق لتقدم الأكراد. انتهت المعركة في مارس 2019، وباتت تُعرف بأنها المعركة التي شكلت الهزيمة النهائية لـ«داعش» في سوريا. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد تنظيم «داعش» يسيطر على أي بلدة سورية سيطرة كاملة، وتحول إلى شن هجمات كر وفر، لا سيما في البادية السورية مترامية الأطراف.


«اللجنة المصرية» بغزة لـ«الشرق الأوسط»: الاستهداف الإسرائيلي لمصورينا «مُتعمّد»

جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)
جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)
TT

«اللجنة المصرية» بغزة لـ«الشرق الأوسط»: الاستهداف الإسرائيلي لمصورينا «مُتعمّد»

جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)
جانب من أنشطة اللجنة المصرية لإغاثة غزة (الصفحة الرسمية للجنة)

قال المتحدث باسم «اللجنة المصرية الإغاثية في قطاع غزة»، محمد منصور، إن المصورين الصحافيين الثلاثة الذين استهدفتهم إسرائيل كانوا في مهمة إنسانية داخل «مخيم نتساريم»، وهو يبعد عن وجود قوات الجيش الإسرائيلي بنحو 6 كيلو مترات، وتم استهدافهم بشكل متعمد.

وأضاف منصور لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الاستهداف يعد استمراراً للتضييق الإسرائيلي على عمل اللجنة منذ بداية عملها في ظل مساعي الاحتلال لتضييق الخناق على كل من يحاول تقديم العمل الإغاثي والخدمات الإنسانية لأبناء القطاع».

وقتل الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، 3 مصورين صحافيين يعملون كطاقم إعلامي لصالح «اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة». وأوضحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن الضحايا هم محمد قشطة، والمصوران أنس غنيم، وعبد الرؤوف شعث، وكانوا في مهمة تصوير عبر طائرة مسيّرة (درون) صغيرة وكاميرات لمراحل العمل في مخيمات تعمل «اللجنة المصرية» على إنشائها.

https://www.facebook.com/61570901403004/videos/في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA5في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة82في المائةD8في المائةAFفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة84-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةB5في المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة89-في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة87في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB2-في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةAEفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة85-في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةB9-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة82في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA3في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةB6-في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1/907713705235720/

وشدد منصور على أن «استهداف المصورين لن يزيد اللجنة إلا إصراراً على تقديم خدمة إغاثية ومأوى لأبناء الشعب الفلسطيني، وأن اللجنة مستمرة في مهام عملها بشكل طبيعي، لكي تكون سنداً حقيقياً لأهالي القطاع، في ظل ظروف أمنية معقدة للغاية».

نقطة توزيع للمساعدات في شمال غزة تابعة للجنة المصرية الإغاثية (الصفحة الرسمية للجنة)

ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي، عن مصادر أن «مصر وجهت رسالة غاضبة إلى إسرائيل بعد الهجوم الذي وقع في غزة والذي قتل فيه فلسطينيون كانوا يعملون لصالح اللجنة المصرية لإعادة إعمار القطاع».

ووفق الإذاعة فقد «أعربت مصر عن احتجاجها على أن الهجوم تم خارج حدود الخط الأصفر في منطقة لا تهدد القوات الإسرائيلية».

من جهته، زعم الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مشتبهاً بهم كانوا يشغلّون «طائرة مسيّرة تابعة لحماس» وسط قطاع غزة.

وقال الجيش في بيان، الأربعاء: «عقب رصد الطائرة المسيّرة وبسبب التهديد الذي شكلته على القوات، ضرب (الجيش الإسرائيلي) بدقة المشتبه بهم الذين قاموا بتشغيل الطائرة». وأكد الجيش أن التفاصيل قيد المراجعة.


تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)

يبدو واضحاً أن «حزب الله» اتخذ قراره بالتصعيد السياسي، مع انتقال الدولة والجيش اللبناني من مرحلة تثبيت حصرية السلاح جنوب الليطاني إلى شماله، وذلك انطلاقاً من المواقف التي يطلقها مسؤولوه والمحسوبون عليه في الأيام الأخيرة، وما يرافق ذلك من نقاشات داخلية وخارجية حول آلية «الميكانيزم» المرتبطة بوقف إطلاق النار والرقابة الميدانية، وتصعيد أميركي تجاه إيران التي تتعرض بدورها لضغوط غير مسبوقة تنسحب على أذرعتها في المنطقة.

مهاجمة الرئيس

وشكّلت مواقف رئيس الجمهورية، جوزيف عون، الأخيرة، في مقابلته التلفزيونية السبت، بمناسبة عام على تسلمه مهامه التي دعا فيها «حزب الله» إلى «التعّقل والعودة إلى الدولة بتسليم سلاحه الذي أصبح بقاؤه عبئاً على بيئته ولبنان في آن واحد»، أو خلال لقائه السلك الدبلوماسي الثلاثاء، محطة أساسية في هذا الإطار.

فتجديد عون التأكيد على أن «الجيش اللبناني تمكن منذ أكثر من عشرة أشهر من السيطرة على جنوب الليطاني وتنظيفه من السلاح غير الشرعي»، يعكس انتقال الرئاسة من سياسة إدارة التوازنات إلى تثبيت الوقائع الميدانية وعدم التراجع عن الوعود السابقة.

عناصر من الجيش اللبناني يدققون في هوية لبناني بمنطقة مرجعيون بجنوب لبنان (رويترز)

وجدد عون التأكيد على «أن الدولة ماضية في استعادة سلطتها الكاملة، وأنه لن يكون هناك أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرض لبنان»، مع التزام صريح بأن يكون جنوب لبنان وسائر الحدود الدولية في عهدة القوات المسلحة اللبنانية حصراً.

وبعدما كان أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، ردّ بشكل غير مباشر على عون، معتبراً أن طرح سحب السلاح في المرحلة الراهنة «يندرج ضمن مطلب إسرائيلي أميركي يهدف إلى تطويق المقاومة»، شنّت حملة غير مسبوقة على رئيس الجمهورية من قِبَل محسوبين على «حزب الله» على خلفية حديثه عن «تنظيف جنوب الليطاني»، مترافقة مع اتهام الدولة اللبنانية بالسعي للتفاوض المباشر مع «حزب الله» عبر تجميد عمل لجنة الـ«ميكانيزم».

«مأزق حزب الله»

وفيما تعتبر مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية أن «تصعيد مواقف مسؤولي (حزب الله)، يعكس المأزق الذي يعيشونه أمام بيئتهم»، وتعتبر أنه «لا مصلحة لهم بأي تصعيد ميداني أو مواجهة على الأرض لأن ذلك سينعكس سلباً عليه وعلى بيئته»، وتقول المصادر ذاتها لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يملكون شيئاً ليقولونه أمام الوقائع والقرارات التي تأخذ مسارها للتطبيق، فيلجأون إلى مهاجمة الرئيس، علماً أن كل ما يقوله اليوم سبق أن أعلن عنه صراحة في خطاب القسم ويكرره منذ سنة حتى اليوم.

أسباب داخلية

وفي قراءةٍ لأسباب تصعيد «حزب الله»، يربط مدير معهد «الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، هذا المسار بعاملين أساسيين، داخلي وخارجي، مستبعداً في الوقت عينه أن يتخطى تصعيد «حزب الله» المواقف السياسية، «لأن ذلك سيعتبر بمثابة انتحار».

انتشار الجيش اللبناني في قطاع جنوب الليطاني (أرشيفية - قيادة الجيش)

ويقول نادر لـ«الشرق الأوسط»، إن العامل الأول يتصل مباشرة بموقف رئيس الجمهورية جوزيف عون، ولا سيما بعد مقابلته الأخيرة ثم خطابه أمام السلك الدبلوماسي، حيث عاد وحسم موقفه من ملف حصرية السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت ما يشبه التراجع أو محاولة تدوير الزوايا في هذا الملف، وهو ما انعكس حينها على زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن بإلغائها في شهر نوفمبر الماضي، قبل أن يتم تحديد موعد جديد لها في بداية شهر فبراير (شباط)».

ويضيف نادر: «أما اليوم فعاد عون ليؤكد بوضوح أن قرار حصرية السلاح نهائي، غير قابل للرجوع عنه، وهو قيد التنفيذ، مترافقاً مع انتقاد مباشر لـ(حزب الله)، ما شكّل أحد أبرز دوافع التصعيد».

العامل الإيراني

أما العامل الثاني، حسب نادر، فيرتبط بالبعد الإقليمي، وتحديداً بالوضع الإيراني، في ظل تصاعد الضغوط الأميركية والتهديدات المتزايدة بإمكان توجيه ضربة عسكرية. ويشرح نادر أن المطلوب من إيران حالياً هو الذهاب إلى تسوية تشمل ثلاثة ملفات أساسية: البرنامج النووي، تقليص القدرات الباليستية، ملف الأذرع الإقليمية. وفي هذا السياق، يصبح «حزب الله» معنياً بشكل مباشر، بحيث بات جزءاً من النقاش والضغط.

عناصر من الجيش اللبناني يدققون في هوية لبناني بمنطقة مرجعيون بجنوب لبنان (رويترز)

ويضيف نادر أن «الأخطر في المرحلة الراهنة هو تصاعد الحديث عن احتمال تغيير رأس النظام في إيران، على غرار سيناريوهات شهدتها دول أخرى، ما دفع الإيرانيين إلى رفع منسوب التهديد والحديث عن (الجهاد)، بالتوازي مع تحذيرات من استهداف المرشد»، مضيفاً: «وبما أن (حزب الله) يُعد جزءاً من منظومة عمل المرشد الإيراني، فإن هذا التطور يدفع الحزب حكماً إلى الذهاب نحو مزيد من التصعيد في المرحلة المقبل».

مواقف داعمة للرئيس عون

ومقابل هجوم «حزب الله» على رئيس الجمهورية تلقى مواقف الأخير ردود فعل داعمة في لبنان، وهذا ما عبّر عنه الأربعاء، رئيس حزب «القوات»، سمير جعجع، كاتباً على حسابه على منصة «إكس»: «كلام الرئيس جوزيف في حفل استقبال الدبلوماسيين المعتمدين في لبنان هو كلام واضح ومسؤول. لعلّ وعسى أن تلتفّ القوى السياسية كلها حول البرنامج الذي طرحه رئيس الجمهورية، لنصل في أقرب وقت ممكن إلى الدولة الفعلية التي طالما حلم بها اللبنانيون».

كذلك، وفي إطار المواقف اللبنانية الرافضة لمواقف مسؤولي «حزب الله»، اعتبر المكتب السياسي لحزب «الكتائب اللبنانية» خلال اجتماعه الأسبوعي، أن «تصريحات مسؤولي (حزب الله)، وعلى رأسهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الرافضة لحصر السلاح شمال الليطاني والمهدِّدة باندلاع حرب أهلية، تشكّل خرقاً فاضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتمرداً صريحاً على الشرعية اللبنانية والدستور وقرارات الشرعية الدولية، ومسّاً مباشراً بالعقد الاجتماعي».

ويبدو أن قرار الانتقال إلى مواجهة سياسية مباشرة من قِبَل مسؤولي «حزب الله» يأتي مزدوجاً بالهجوم على قرار حصرية السلاح ولجنة «الميكانيزم» التي جمّدت اجتماعاتها هذا الشهر، لأسباب مرتبطة بغياب الطرف الأميركي، مع ما يترافق هذا الأمر من معلومات متداولة عن إمكانية توقيف عملها.

وفي هذا الإطار جاء موقف عضو كتلة «حزب الله»، النائب إيهاب حمادة، ليجسّد هذا التصعيد، محذراً من أن لبنان قد يكون منخرطاً في «تجميد الميكانيزم تمهيداً للانتقال إلى آلية أشد خطورة»، ومعتبراً أن الذهاب نحو أي شكل من أشكال التفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل، ولو تحت عناوين مدنية أو تقنية، يشكّل «خطيئة جديدة» و«تسليماً للبلد».