انقسامات أوروبية عميقة بشأن الاستحواذ على الأصول الروسية المودعة في بروكسل

حماية أمنية مشددة لمؤسسة «أوروكلير» المالية المحتفظة بالمليارات الروسية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني  في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)
TT

انقسامات أوروبية عميقة بشأن الاستحواذ على الأصول الروسية المودعة في بروكسل

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني  في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)

على بُعد أقل من كيلومترين شرق بروكسل، تقع ضاحية سان جوس تن نود. وفي بداية جادتها الرئيسية التي تحمل اسم الملك «ألبير الثاني»، تشغل «مؤسسة أوروكلير المالية» أحد أبنيتها التي تخضع لحماية أمنية مشددة توفرها الشركة الأمنية الفرنسية «أمارانت». والسبب أن «أوروكلير» تدير الأصول الروسية المودعة لديها منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية قبل 3 أعوام.

ووفق المجلس الأوروبي، فإن القيمة الإجمالية لهذه الأصول تجاوز 235 مليار يورو (255 مليار دولار أميركي)، منها 210 مليارات عائدة للبنك المركزي الروسي، و24.9 مليار يورو من الأصول الخاصة العائدة لمؤسسات أو أفراد متهمين بمساندة حرب الرئيس فلاديمير بوتين على أوكرانيا. ومنذ عام 2022، عمد الاتحاد الأوروبي، في إطار سياسته الهادفة إلى ممارسة أعلى الضغوط الاقتصادية والمالية على روسيا، إلى تجميد هذه الأصول. ولأن دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً يستهلك الكثير من القدرات المالية الأوروبية، فقد عمد الأوروبيون، في مايو (أيار) الماضي، إلى اتّخاذ قرار يتيح لهم الاستحواذ على الفوائد التي توفرها هذه الأصول، البالغة سنوياً ما بين 2.5 و3 مليارات يورو.

وبما أن مجموعة السبع الاقتصادية قررت، العام الماضي، منح أوكرانيا قرضاً مالياً بقيمة 50 مليار دولار لمشترياتها من السلاح، فإن عوائد الأصول الروسية تُستخدم لتسديد القرض الكبير تدريجياً، خصوصاً حصة الأوروبيين. بيد أن هؤلاء لم يتوقفوا عند هذا الحد. وما يتم تداوله منذ عدة أشهر يقوم على الاستحواذ مباشرة على الأصول الروسية، وليس فقط على الفوائد التي تنتجها، من أجل مواصلة دعم أوكرانيا ولاستخدام الأموال الروسية، لاحقاً، في عملية إعادة الإعمار بأوكرانيا.

عين الأوروبيين على المليارات الروسية

جاءت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وسياسته الغامضة والمتأرجحة إزاء مواصلة دعم كييف، ومطالبته باستعادة الأموال التي خصصتها بلاده لدعمها، لتثير مخاوف الأوروبيين لجهة أن مساندة أوكرانيا ستقع على عاتقهم وحدهم. من هنا، بدأ البحث عن مصادر جديدة.

واتّجهت الأنظار فوراً إلى الأصول الروسية، وبرزت الانقسامات بين من يدفع باتجاه الإقدام على هذه الخطوة، ومن يعارض ويحذر من نتائجها العكسية. تعارض موسكو الاستحواذ على أصولها، وتتّهم الغربيين بممارسة السرقة واللصوصية.

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في كندا بمناسبة اجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبع (أ.ف.ب)

وبيّن تحقيق أجرته مجموعة صحف، مثل «لو موند» الفرنسية و«دي مورغن» و«هومو» البلجيكيتين، وموقع «أوبسورفير» الأوروبي، أن كبار مسؤولي «أوروكلير» يخضعون لحماية مشددة منذ عدة أشهر توفرها الشركة الأمنية الفرنسية «أمارانت». وتشمل الحماية، بشكل خاص، فاليري أوربان، رئيسة «أوروكلير» ومديرتها العامة والأعضاء السبعة للجنتها التنفيذية وآخرين. وثمة معلومات تم تداولها مؤخراً تتحدث عن مُسيّرة مجهولة الهوية حلّقت مؤخراً فوق مقر «أوروكلير» في بروكسل، ما ضاعف المخاوف من تعرّضها لعملية انتقامية، ونظر إليها البعض الآخر على أن غرضها تحذير القائمين على هذه المؤسسة المالية من خطط الاستحواذ على الأصول الروسية.

خلال السنوات الثلاث الماضية، قدّم الأوروبيون مساعدات لأوكرانيا بلغت قيمتها الإجمالية 132.6 مليار يورو (144 مليار دولار أميركي)؛ 67.3 مليار مساعدات مدنية، 48.3 مساعدات عسكرية و17 ملياراً لمساعدة ملايين الأوكرانيين خارج بلادهم. وتبين نظرة سريعة أن الاستحواذ على الأصول الروسية يمكن أن يريح الأوروبيين مالياً لعدة سنوات. بيد أن ما يعيق إقدامهم على تدبير من هذا النوع انقساماتهم، من جهة، ومن جهة أخرى المخاوف المترتبة على سمعة السوق المالية الأوروبية واستقرارها.

خلافات فرنسية

وبرز ذلك بقوة خلال الجلسة التي خصّصها البرلمان الفرنسي للنظر في مقترح قانون لدعم أوكرانيا، يتضمّن بنداً يدعو «الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى الاستحواذ على الأصول الروسية المجمَّدة من أجل تمويل الدعم العسكري لأوكرانيا وعملية إعادة الإعمار». وبنتيجة التصويت الذي حصل ليل الأربعاء، فإن 288 نائباً أقرّوا المقترح، فيما عارضه 54 نائباً، وامتنع الآخرون عن التصويت.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكوين وعقيلته مع رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرزييوف مساء الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

ورغم أنّ ما حصل غير مُلزِم للحكومة، فإن الانقسامات بدت على أشدّها. والمثير في هذه المسألة أن الحكومة الفرنسية تعارض السيطرة على الأموال الروسية، فيما تؤيدها غالبية النواب الداعمة لها في البرلمان، إضافة إلى النواب الاشتراكيين والخضر. وجاءت المعارضة من حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، ومن نواب حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن رسم الخط البياني للحكومة خلال زيارته الأخيرة لواشنطن يوم 24 فبراير (شباط) الماضي، إذ اعتبر أنه «من الجائز استخدام عوائد الأصول الروسية، لكننا لا نستطيع الاستيلاء على هذه الأصول». وعبّر أريك لومبار، وزير الاقتصاد، عن موقف بلاده الرسمي بقوله إن الأصول الروسية «تعود بشكل رئيسي إلى البنك المركزي الروسي، وبالتالي هي أصول سيادية ومن الصعب السيطرة عليها، لأن ذلك يخالف الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها فرنسا وكذلك دول أوروبا».

انقسامات أوروبية

ما شهده البرلمان الفرنسي شهد مثله، وفي اليوم نفسه، البرلمان الأوروبي. ثمة مجموعة أوروبية يتزعمها دونالد تاسك، رئيس الوزراء البولندي، تريد وضع اليد بسرعة على الأموال الروسية. ويقول الأخير: «ماذا ننتظر؟ لنقدم على هذه الخطوة فوراً». ويحظى تاسك بدعم الدول التي تستشعر أكثر من غيرها الخطر الروسي، مثل دول بحر البلطيق والدول الإسكندنافية ورومانيا وغيرها، فيما تمثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، فضلاً عن المجر وسلوفاكيا الجبهة المعارضة.

رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك {يسار} خلال مؤتمر صحفي الخميس مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة (إ.ب.أ)

وبلغ الانقسام المفوضية الأوروبية نفسها؛ إذ إن مسؤولة السياسة الخارجية والأمن فيها، الإستونية كايا كالاس، من أشدّ مناصري عملية الاستيلاء التي كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أول الداعين إليها. بالمقابل، فإن رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين امتنعت، حتى اليوم، عن الخوض في هذا النقاش. وسبق للقادة الأوروبيين أن تناولوا هذا الملف في قمتهم يوم 6 مارس (آذار)، ولكن من غير التوصل إلى اتفاق. وفي أي حال، فإن الأوروبيين يعملون وفق مبدأ الإجماع؛ ما يمنع أي دولة من التصرف انفرادياً.

وبيّنت مناقشات البرلمان الأوروبي، بشكل جلي، الانقسامات المستندة إلى حجج متضاربة. فإضافة إلى سيادية الأصول الروسية، يتخوف كثيرون من إجراء من شأنه أن يضعف العملة الأوروبية (اليورو)، وينسف سمعة السوق المالية الأوروبية، ويضرب استقرارها وسلامتها، ويبعد عنها الدول الراغبة في توطين أصولها المالية في العواصم الأوروبية. فـ«السابقة» الروسية ستخيف الآخرين، وتجعلهم يبحثون عن أسواق مالية بديلة لأصولهم.

ونقلت قناة «يورو نيوز» عن عضو البرلمان الأوروبي الفنلندي، فيل نينيستو، قوله: «يجب أن يكون أي قرار راسخاً في القانون الدولي، وما دام تمّ احترامه في المصادرة، فيمكن القيام بذلك. أما سوق اليورو فأمر موثوق به للغاية لأي شخص يريد الاستثمار».

وكشف النائب ساندرو غوزي أن «بعض الحكومات تعمل بشكل خاص على الاستحواذ بالتعاون مع البنك المركزي الأوروبي ومؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى، وهي تنظر في الإمكانيات القانونية والمالية لذلك. وفي حال عدم وجود مخاطر قانونية وسوقية، فسندفع باتجاه الاستحواذ دون تأخير».

حقيقة الأمر أن الأوروبيين يبحثون عن مخارج قانونية لم يعثروا عليها بعد. وبعضهم يرى أن أحد الحلول يكمن في استخدام هذه الأصول ورقة للتفاوض المستقبلي مع الجانب الروسي لوضع حد للحرب، وإرغام موسكو على دفع ثمن الدمار الذي أحدثته في أوكرانيا. بيد أن ذلك كلّه، بما فيه مصير العقوبات التي يتعين على الأوروبيين النظر بها في 31 يوليو (تموز) كحد أقصى، مرهون بما سيحصل على جبهة المفاوضات، وما يمكن أن تفضي إليه الوساطة الأميركية.

وفي حال التوصل إلى اتفاق، فإن المؤكد أن روسيا ستصر على رفع العقوبات المفروضة عليها وعلى أصولها. وفي أي حال، على الأوروبيين أن يتخذوا قرار قبل 31 يوليو المقبل لجهة تمديد العقوبات أم وقفها، وذلك كله مرهون بتطورات الحرب أو السلام الموعود.


مقالات ذات صلة

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز) p-circle

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي...

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

روته يطالب تركيا بزيادة القدرات الدفاعية لـ«ناتو» لمواجهة التهديدات

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ضرورة سعي الحلف إلى زيادة قدراته الدفاعية في ظل التقلبات المتزايدة في بيئة الأمن العالمي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض يوم 7 نوفمبر 2025 (أ.ب) p-circle

بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

بروكسل تفرض «الحزمة 20» من العقوبات ضد روسيا وتفرج عن 100 مليار دولار لأوكرانيا بعد تفادي «الفيتو» المجري وبدء ضخ النفط عبر خط دروغبا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

قال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف: «منذ بداية هذا العام صار تحت سيطرتنا 80 منطقة سكنية إجمالاً وأكثر من 1700 كيلومتر ⁠مربع من الأراضي»

«الشرق الأوسط» (موسكو)

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
TT

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي وفتح نافذة نحو تسوية محتملة. ومن بين هذه الأفكار اللافتة، برز مقترح يحمل طابعاً رمزياً وسياسياً في آنٍ معاً، يعكس سعي كييف إلى استمالة الدعم الأميركي، وتحديداً من الرئيس دونالد ترمب.

فقد اقترح مسؤولون أوكرانيون إعادة تسمية جزء من منطقة دونباس المتنازع عليها باسم «دونيلاند (أرض دوني)»، في خطوة تهدف إلى كسب تأييد ترمب وتعزيز موقف أوكرانيا في مواجهة المطالب الإقليمية الروسية، وذلك وفقاً لتقرير نقلته صحيفة «إندبندنت».

ووفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن 4 مصادر مطّلعة على مجريات المفاوضات، فإن هذا الاسم طُرح أول مرة على لسان مترجم أوكراني، وكان ذلك «على سبيل المزاح جزئياً»، قبل أن يتحول إلى فكرة تُدوولت بشكل أوسع في سياق النقاشات.

ويبدو أن اختيار اسم «دونيلاند» لم يكن عشوائياً، بل جاء إشارة إلى ولع ترمب بوضع اسمه على مختلف المشروعات والممتلكات، بدءاً من الأبراج وناطحات السحاب، مروراً بالعلامات التجارية، ووصولاً إلى المنتجات التذكارية والخدمات المالية؛ مما يعكس محاولة ذكية لاستثارة اهتمامه الشخصي.

وفي سياق متصل، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصدر مطّلع على المفاوضات، بأن أحد المفاوضين الأوكرانيين صمم علماً أخضر وذهبياً، إلى جانب نشيد وطني افتراضي لمنطقة «دونيلاند»، مستخدماً برنامج «شات جي بي تي». ومع ذلك، فلم يتضح بعد ما إذا كان هذا التصور قد عُرض بالفعل على مسؤولين أميركيين أو لاقى أي تفاعل رسمي.

وتُعدّ منطقة دونباس، الغنية بالموارد المعدنية، من أهم المناطق الاستراتيجية في أوكرانيا؛ إذ تسيطر القوات الروسية على الجزء الأكبر منها؛ مما يجعلها محوراً رئيسياً في المفاوضات بين الطرفين. ويشير الواقع الحالي إلى وصول المباحثات بشأن هذه المنطقة إلى طريق مسدودة، في ظل تمسّك كل طرف بمطالبه.

وفي محاولة لتجاوز هذا الجمود، طرح المفاوضون فكرة أن تتحول «دونيلاند» إلى منطقة لا تخضع لسيطرة كاملة من أي من الطرفين، بما يسمح بتقديمها بوصفها «إنجازاً» سياسياً يمكن أن يُنسب إلى ترمب، في حال دعمه هذه الصيغة.

ورغم تداول هذا المصطلح في أروقة المحادثات، فإن التقارير أكدت أنه لم يُدرج في أي وثائق رسمية حتى الآن، بل اقتصر استخدامه على النقاشات غير الرسمية ضمن مسار المفاوضات.

كما أشار بعض المسؤولين إلى إمكانية إشراك مجلس سلام مرتبط بترمب في إدارة هذه المنطقة المقترحة، وفقاً لما أوردته التقارير.

ويأتي ذلك في وقتٍ عبّر فيه الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن استيائه من تكرار زيارات مبعوثي ترمب موسكو للقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دون زيارات مماثلة إلى كييف؛ مما أثار تساؤلات بشأن توازن الجهود الدبلوماسية.

ورغم إقراره بأن تركيز الولايات المتحدة ينصبّ حالياً على تطورات الحرب في الشرق الأوسط، فإن زيلينسكي شدّد على أهمية استمرار التعاون مع الجانب الأميركي، قائلاً: «على أي حال، من المهم بالنسبة إلينا مواصلة التعاون مع الأميركيين».

يُذكر أن ترمب كان قد تعهّد، في سياق حملته السياسية، بإنهاء الحرب في أوكرانيا «في اليوم الأول» من ولايته الثانية.


بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

يقترب الاتحاد الأوروبي من اعتماد «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا، ومن المتوقع أن تدعمها سلوفاكيا والمجر بعد إصلاح الجزء الأوكراني من خط أنابيب دروغبا والبدء في ضخ النفط الروسي من خلاله للبلدين، فيما قال دبلوماسيون إن دول التكتل وافقت على الإفراج عن قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لأوكرانيا، بعدما أشارت المجر، بعد التغيير في قيادتها السياسية نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة وإزاحة فيكتور أوربان عن رأس السلطة، إلى أنها مستعدة للتخلي عن معارضتها المستمرة منذ أشهر للقرض ولفرض عقوبات على روسيا.

وكان الاتحاد الأوروبي يأمل في اعتماد حزمة العقوبات بالتزامن مع الذكرى السنوية الرابعة لغزو روسيا أوكرانيا في فبراير (شباط)، لكنه لم يستطع القيام بذلك دون إجماع للدول الأعضاء.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وأثار وقف تدفق النفط من خط أنابيب دروغبا في يناير (كانون الثاني) غضباً واسعاً في المجر وسلوفاكيا، العضوين في الاتحاد الأوروبي، واللتين لا تزالان تعتمدان على واردات النفط الروسي.

ذكر مصدر في قطاع النفط لـ«رويترز» أن أوكرانيا ستستأنف ضخ النفط عبر الخط الأربعاء. وقال المصدر: «من المقرر بدء ضخ النفط (الأربعاء) في وقت الغداء»، مضيفاً أن شركة النفط المجرية «إم أو إل» قدمت أول طلب لنقل النفط عبر خط الأنابيب. وتابع: «قدمت (إم أو إل) بالفعل طلبات لنقل الكميات الأولى التي ستوزع بنسب متساوية بين المجر وسلوفاكيا». قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، إن خط دروغبا، الذي ينقل الخام الروسي إلى المجر وسلوفاكيا، جاهز لاستئناف عملياته.

وأدى انقطاع تدفق النفط أيضاً إلى توتر العلاقات بين زيلينسكي ومسؤولي الاتحاد الأوروبي، الذين اتهمهم «بالابتزاز» بسبب ممارسة الضغط عليه لإجراء عمليات صيانة فورية لما قالت أوكرانيا إنه جزء متضرر بشدة من خط الأنابيب. ونفت كييف بشدة اتهامات بودابست وبراتيسلافا لها بتعمد التلكؤ في أعمال صيانة خط الأنابيب.

وكان زيلينسكي قد تحدث عن إتمام أعمال الصيانة، قائلاً إنه تحدث إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ودعا أيضاً مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى البت في الموافقة على القرض، مؤكداً أن كييف أوفت بما «طلبه التكتل». وأضاف: «نربط هذا الأمر بالإفراج عن حزمة الدعم الأوروبي لأوكرانيا».

وكتب زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «أنهت أوكرانيا أعمال إصلاح الجزء المتضرر من خط الأنابيب دروغبا بعد تعرضه لهجوم روسي. بإمكان الخط استئناف عملياته».

وأضاف: «طلب الاتحاد الأوروبي من أوكرانيا إجراء صيانة لخط الأنابيب دروغبا، الذي ألحق به الروس أضراراً. وانتهينا من ذلك بالفعل. ونأمل أيضاً أن يلتزم التكتل بالاتفاقيات».

وكان الرئيس أكثر صراحة في خطابه الليلي المصور. وقال، في إشارة إلى القرض: «لا يوجد الآن أي مبرر لعرقلته». وعرقل رئيس الوزراء فيكتور أوربان حزمة المساعدات التي وافقت عليها المفوضية الأوروبية لكييف.

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

وكتب رئيس المجلس الأوروبي في منشور على «إكس»: «شكراً للرئيس زيلينسكي على الوفاء بما اتفقنا عليه: إصلاح خط الأنابيب دروغبا واستئناف عملياته». وكانت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قد توقعت، الثلاثاء، أن يصدر قرار إيجابي بشأن القرض البالغة قيمته 90 مليار يورو خلال الساعات الأربع والعشرين المقبلة، وذلك عقب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

وذكر فالديس دومبروفسكيس، المفوض الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، أن التكتل سيرجح صرف الدفعة الأولى من القرض في نهاية مايو (أيار) أو مطلع يونيو (حزيران)، مشيراً إلى ضمان تلبية احتياجات أوكرانيا التمويلية لعام 2026.

رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)

وقال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا جاهزة من الناحية التقنية لاستئناف ضخ النفط عبر خط الأنابيب. وأفادت مصادر في قطاع النفط لـ«رويترز» بأن روسيا تعتزم وقف تصدير النفط الكازاخستاني إلى ألمانيا عبر خط فرعي منفصل من خط دروغبا وذلك اعتباراً من أول مايو (أيار). ودأب زيلينسكي على دعوة أوروبا لتنويع مصادر الطاقة وعدم استئناف تدفقات النفط عبر دروغبا. وقال: «لا يمكن لأحد أن يضمن حالياً عدم تكرار روسيا الهجمات على البنية التحتية لخط الأنابيب».

ولا تزال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء هذه الحرب تشهد مراوحة، خصوصاً أن دور الوساطة الذي تولته الولايات المتحدة بين الطرفين، وأتاح عقد جولات عدة من المفاوضات بين كييف وموسكو، توقّف بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط) الماضي.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

قال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، إن بلاده طلبت من تركيا استضافة لقاء بين الرئيس زيلينسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في الوقت الذي تسعى فيه كييف إلى إعادة إحياء محادثات السلام المتعثرة. وذكر سيبيها أن أوكرانيا مستعدة لدراسة أي مكان آخر غير بيلاروسيا أو روسيا لعقد اجتماع مع بوتين، وهو ما يسعى إليه زيلينسكي منذ فترة طويلة من أجل الإسراع في إنهاء الحرب المستمرة، التي دخلت عامها الخامس. ولم يذكر كيف ردت أنقرة على المقترح، وذلك في تصريحات أدلى بها خلال لقاء مع الصحافيين الثلاثاء، وجرى السماح بنشرها الأربعاء.

وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي تركي، الأربعاء، إن وزير الخارجية هاكان فيدان سيقوم بزيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن هذا الأسبوع لإجراء محادثات بشأن إيران وأوكرانيا، مضيفاً أنه سيناقش أيضاً التعاون بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

ترحيب أوروبي بخسارة أوربان انتخابات المجر (أ.ف.ب)

وميدانياً قُتِل شخصان في أوكرانيا جرّاء ضربات روسية، حسب السلطات المحلية، في حين أعلنت روسيا أن امرأة وطفلاً لقيا حتفهما في هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على أراضيها. وقالت سلطات محلية، الأربعاء، إن جزءاً من بناية سكنية انهار في منطقة سيزران الروسية الواقعة على نهر الفولجا عقب هجوم أوكراني بطائرات مسيرة، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً. وكثفت أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة في روسيا خلال الأشهر القليلة الماضية، في وقت توقفت فيه محادثات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة مع انشغال واشنطن بالصراع مع إيران. وتضم مدينة سيزران مصفاة نفط كبرى، وتبعد نحو ألف كيلومتر من الحدود مع أوكرانيا.


23 موقوفاً بعد استهدافات لمواقع يهودية بريطانية

من الإجراءات الأمنية قرب كنيس يهودي بشمال غربي لندن (أ.ف.ب)
من الإجراءات الأمنية قرب كنيس يهودي بشمال غربي لندن (أ.ف.ب)
TT

23 موقوفاً بعد استهدافات لمواقع يهودية بريطانية

من الإجراءات الأمنية قرب كنيس يهودي بشمال غربي لندن (أ.ف.ب)
من الإجراءات الأمنية قرب كنيس يهودي بشمال غربي لندن (أ.ف.ب)

أوقفت الشرطة البريطانية ثمانية أشخاص جدد، في إطار تحقيقاتها حول سلسلة حرائق أو محاولة افتعال حرائق في لندن استهدفت مواقع مرتبطة باليهود، ما يرفع عدد الموقوفين إلى 23.

ووقعت حرائق متعمَّدة أو محاولات إضرام نار استهدفت ممتلكات يهودية بالعاصمة البريطانية، خلال الشهر الماضي، لم تُوقع إصابات. ومِن بين المواقع التي استُهدفت: كنيسان وخدمة إسعاف ومنظمة خيرية.

واستهدف اعتداءٌ آخر في العاصمة البريطانية مقرّ تلفزيون «إيران إنترناشونال» المُعارض للحكم في إيران.

طوق أمني قرب «كنيس كينتون يونايتد» شمال غربي لندن (أ.ف.ب)

وقالت الشرطة، في بيانها، إن سبعة توقيفات حصلت، خلال الأيام القليلة الماضية، مرتبطة بتحقيق حول «مخطط إجرامي لإضرام حريق» كان هدفه، وفق ما تعتقد الشرطة، «مركزاً مرتبطاً بالمجموعة اليهودية»، مشيراً إلى أن مكان الهدف «ليس معروفاً بشكل محدّد».

والموقوفون هم خمسة رجال تتراوح أعمارهم بين 24 و26 عاماً، وامرأتان في الخمسين والـ59 من عمرهما. وجرى توقيفهم في مدينتين بشمال لندن، وداخل سيارة في برمنغهام بوسط إنجلترا.

كما أوقفت الشرطة، الثلاثاء، رجلاً في التاسعة والثلاثين بغرب لندن، بعد العثور على مواد «غير خطرة» في حديقة عامة تقع بالقرب من السفارة الإسرائيلية. وعلّق رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في منشور على «إكس»، قائلاً: «لن نُوقف نضالنا ضد مناهضة السامية والإرهاب».

وجرى توجيه اتهامات إلى ثمانية من الموقوفين الـ23. ومِن بين هؤلاء فتى في السابعة عشر من عمره، أُوقف، الأحد الماضي، وقرّرت النيابة العامة توجيه اتهام له، الثلاثاء، بعد محاولة إضرام النار في كنيس يهودي في هارو بشمال غربي لندن.

ووُجّهت لهذا القاصر، وهو بريطاني الجنسية، تهمة «إضرام متعمَّد للنار دون تعريض حياة الغير للخطر»، وفق ما أوضحت شرطة لندن، مشيرة إلى أنه «وُضع رهن الحبس الاحتياطي، على أن يَمثل لاحقاً أمام «محكمة ويستمنستر»... وكان قد أُوقف إلى جانب شاب يبلغ من العمر 19 عاماً. وقد أُفرِج عن الأخير بكفالة، في انتظارِ ما ستُسفر عنه التحقيقات، وفق المصدر نفسه.

عناصر من الشرطة قرب السفارة الإسرائيلية بلندن (إ.ب.أ)

ووقع الهجوم على الكنيس، ليل السبت-الأحد، ولم يسفر عن إصابات ما عدا «أضراراً خفيفة»، كما أوضحت الشرطة. وأثارت هذه الأحداث قلق الطائفة اليهودية. وأُوكلت التحقيقات بشأنها لشرطة مكافحة الإرهاب.

وأعلنت جماعة مغمورة، تُطلق على نفسها «حركة أصحاب اليمين الإسلامية»، مسؤوليتها عن أغلب الهجمات، وكانت هذه الجماعة قد تبنّت هجمات في أماكن أخرى من أوروبا.

Your Premium trial has ended