«محضر تفاهم» لإعادة الدولة السورية الجديدة إلى السويداء

زياد أبو حمدان يوضح لـ«الشرق الأوسط» سبب عدم توقيع الشيخ الهجري على الوثيقة

جلسة جمعت الرئيس السوري مع وفد من محافظة السويداء ضم نخبة من المثقفين والأكاديميين نشرتها قناة الرئاسة السورية على منصة «تلغرام» مارس الحالي
جلسة جمعت الرئيس السوري مع وفد من محافظة السويداء ضم نخبة من المثقفين والأكاديميين نشرتها قناة الرئاسة السورية على منصة «تلغرام» مارس الحالي
TT

«محضر تفاهم» لإعادة الدولة السورية الجديدة إلى السويداء

جلسة جمعت الرئيس السوري مع وفد من محافظة السويداء ضم نخبة من المثقفين والأكاديميين نشرتها قناة الرئاسة السورية على منصة «تلغرام» مارس الحالي
جلسة جمعت الرئيس السوري مع وفد من محافظة السويداء ضم نخبة من المثقفين والأكاديميين نشرتها قناة الرئاسة السورية على منصة «تلغرام» مارس الحالي

ارتفع منسوب التفاؤل لدى السوريين بتوجه البلاد إلى مزيد من الأمن والاستقرار، مع توصل الإدارة السورية الجديدة ووجهاء من السويداء، بحضور الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين الدروز، إلى «محضر تفاهم»، يهدف إلى تنظيم الأوضاع الإدارية والأمنية في المحافظة.

ودعا العضو في مؤتمر الحوار الوطني السوري، زياد أبو حمدان، إلى تعاون جميع السوريين لكي نوجِّه «الدفة في الاتجاه الصحيح»، وبناء الثقة فيما بينهم؛ لأن نظام بشار الأسد المخلوع زرع الشك عند الناس.

أبو حمدان، أحد الوجهاء الذين وقعوا على المحضر، أكد أن صورة «محضر التفاهم» التي تناقلتها وسائل الإعلام «صحيحة ودقيقة ومتفق عليها، والدولة تعهدت بتقديم خدمات للسويداء كانت ممنوعة عنها، وقد فصلناها في المحضر».

زياد أبو حمدان (موقع الائتلاف الوطني لقوى الثورة)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» أوضح أبو حمدان، أن السبب في عدم توقيع الهجري على المحضر «بسيط، وهو أن مذكرة التفاهم لا تحتاج إلى توقيع الشيخ، وهي ليست وثيقة رسمية نهائية، وإنما مذكرة تفاهم أولية، والأمر متروك للتنفيذ».

وفي حال نفَّذت الإدارة السورية الجديدة البنود الواردة في المذكرة «فنحن سنخطو باتجاه الدولة خطوة أكبر وأوسع، وكلما تقدمنا خطوة اطمأننا أكثر، وهذا هو المطلوب»، وفق أبو حمدان، الذي أشار إلى أنه عندما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي يوقع عليه الرئيس أحمد الشرع والهجري.

وشرح أبو حمدان الوضع القائم في السويداء منذ اندلاع الحراك السلمي في مارس (آذار) 2011، الذي تحوَّل بعد أشهر قليلة إلى حرب طاحنة بين جيش نظام الأسد المخلوع وفصائل المعارضة المسلحة.

وأوضح أن هناك وضعاً قائماً في السويداء منذ 14 عاماً، ويتمثل «في عدم وجود دولة»، إذ إن الموجود هو «أجهزة مخابرات أنشأت رؤوساً أمنية داخل المجتمع، وسمّتهم فصائل كان مسلحوها يقومون بقتل وتشليح وخطف الناس... عندما اشتدت الحالة على الناس بعد مقتل الشيخ وحيد البلعوس في عام 2015، استوى الوضع؛ حيث أصبحت هناك فصائل تدافع عن كرامة الناس وتحميهم، خصوصاً بعد وجود ساحة الكرامة».

الشيخ حكمت الهجري (صفحة الرئاسة الروحية)

غربلة

ووفق أبو حمدان، فإن «هذا الوضع نشأت عنه حالة عسكرية، ولكن ليست باختيار المجتمع وإنما فرضت عليه فرضاً، فالمسلحون الذين كانوا نواة الأجهزة الأمنية السابقة حتى الآن لم يعاقبهم أحد، ولم يسألهم أحد عن جرائمهم، ومن ثم لدينا وضع شائك في السويداء».

وأضاف: «اليوم، عندما نقول إن الناس يجب أن يذهبوا إلى وزارتي الداخلية والدفاع، فنحن نسعى إلى غربلة هذه الفصائل واختيار الأنسب لخدمة الدولة. لا نريد جلب مجرمين ونضعهم في وزارة الدفاع أو الشرطة؛ لذلك، نسعى لمعالجة هذا الموضوع عبر العدالة الانتقالية، التي ما زالت قيد التحضير في نظام الدولة. وقد عملت الدولة على إعداد مسودة الإعلان الدستوري، والتي لم تصدر بشكل رسمي بعد».

وشدد أبو حمدان على أن السويداء جزء أساسي من سوريا، وهي مع بناء الدولة وضد أي مشروعات انفصالية أو تقسيمية، وهي مع وحدة سوريا أرضاً وشعباً. لكنه أضاف قائلاً: «هناك شيء اسمه لعبة أمم في المنطقة والعالم، والخطر هو من لعبة الأمم، لأنه لا أحد يتركنا وحدنا نبني دولتنا بطريقتنا التي نريدها».

سوريون يتظاهرون في 25 فبراير الماضي ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية

وتابع: «الوضع الراهن بدمشق ليس المثالي، ويجب أن يتعاون الجميع لكي نوجه الدفة في الاتجاه الصحيح، وعلى كل شرائح الشعب السوري التعاون، وأن تكون هناك ثقة فيما بينهم، لأن النظام السابق زرع الشك عند الناس، واليوم نحن بحاجة إلى إعادة بناء مكارم الأخلاق التي سرقها النظام السابق».

وكانت مواقع إعلامية قد تناقلت، أمس، صورة لـ«محضر تفاهم»، قالت إنه تم التوصل إليه عقب اجتماع عقد في دار قنوات بالسويداء، بحضور الهجري ومحافظ السويداء مصطفى بكور، وكل من جمال درويش، وهيثم صعب، ونزار أبو فخر، وسيلمان الكفيري، وأسامة الهجري، وزياد أبو حمدان.

ارتياح

وأوضح أبو حمدان، أنه جرى خلال الاجتماع البحث في أوضاع المحافظة، وتم «الاتفاق على أن تتعهد الدولة بتنفيذ عدد من البنود بالتعاون مع أبناء السويداء».

وتضمنت البنود: «تفعيل الضابطة العدلية فوراً، وتفعيل الملف الشرطي والأمني ضمن وزارة الداخلية، تنظيم الضباط والأفراد المنشقين وكل الفصائل المسلحة في وزارة الدفاع، وصرف كل الرواتب المتأخرة للموظفين فوراً، وإعادة النظر في جميع المفصولين عن العمل قبل تاريخ 8 - 12 (تاريخ خلع الأسد)، وأولوية التوظيف لمن تم فصلهم تعسفياً قبل 8 - 12».

كما تضمنت: «إصلاح المؤسسات التابعة للدولة مالياً وإدارياً، والإسراع في تعيين أعضاء المكتب التنفيذي المؤقت لقضاء حوائج الموظفين، والحفاظ على السلم الأهلي، ومنع التعدي على الأملاك العامة والخاصة، وإزالة التعديات على أملاك الدولة والطرقات ضمن خطة مدروسة وإيجاد البديل، إضافة إلى اتخاذ مبنى الحزب (البعث) سابقاً ليكون مقراً رئيسياً للجامعة، واعتبار الموقعين على هذه البنود لجنة متابعة لتنفيذها، وأمر الجميع باستمرار التشاور وإيجاد الحلول لأي مستجدات أو وقائع لم تُغطَّ بما ذكر أعلاه».

وأظهرت صورة «محضر التفاهم» توقيع المشاركين في الاجتماع عليها، لكنها لم تحمل توقيع الهجري.

وترك خبر التوصل إلى «محضر التفاهم» ارتياحاً لدى سكان دمشق. وقال صحافي ينحدر من السويداء لـ«الشرق الأوسط»: «حضور الشيخ الهجري يدعو إلى التفاؤل، والتوصل إلى هذا المحضر يدل على أن البلاد تتجه أكثر فأكثر باتجاه إيجابي، وهذا ما نريده، فبعد الاتفاق مع (قوات سوريا الديمقراطية - قسد) اليوم هناك اتفاق مع وجهاء السويداء».


مقالات ذات صلة

دمشق تدين الاستهداف الإيراني لدول الخليج العربي والأردن

المشرق العربي قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا صاروخ إيراني في القنيطرة (أ.ف.ب)

دمشق تدين الاستهداف الإيراني لدول الخليج العربي والأردن

أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت سيادة وأمن عدد من الدول العربية.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي طائرة تابعة للخطوط الجوية السورية في مطار دمشق الدولي يوم 7 يناير 2025 (أ.ف.ب)

الخطوط الجوية السورية تلغي جميع رحلاتها «حتى إشعار آخر»

أعلنت الخطوط الجوية السورية، السبت، إلغاء جميع رحلاتها المجدولة «حتى إشعار آخر» وفق ما نقل الإعلام الرسمي، على وقع الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي انفجار صاروخ في المنطقة الصناعية داخل مدينة السويداء السورية (سانا) p-circle

4 قتلى جراء سقوط صاروخ إيراني على مبنى في جنوب سوريا

قتل أربعة أشخاص اليوم السبت جراء سقوط صاروخ ايراني على مبنى في مدينة السويداء في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مقاتلون دروز خلال عملية تبادل المحتجزين في السويداء الخميس (أ.ب)

الحكومة السورية تتسلم من الأكراد مقراً عسكرياً في عين العرب

تسلمت الحكومة السورية مبنى مديرية الأمن الداخلي في عين العرب (كوباني)، في إطار خطوات دمج قوات «الأسايش» الكردية ضمن المؤسسات الحكومية السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)

واشنطن تضغط على سوريا للتحول عن أنظمة الاتصالات الصينية

أفاد ​ثلاثة مصادر مطلعة بأن الولايات المتحدة حذّرت سوريا من الاعتماد على التكنولوجيا الصينية ‌في قطاع ‌الاتصالات، ​بحجة ‌أنها ⁠تتعارض ​مع المصالح الأميركية.

«الشرق الأوسط» (دمشق )

السفارة الأميركية في العراق تحضّ رعاياها على «توخي الحذر الشديد»

متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في العراق تحضّ رعاياها على «توخي الحذر الشديد»

متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بغداد رعاياها إلى «توخي الحذر الشديد» من تهديدات تستهدف مصالح الأميركيين في العراق، محذّرة من مخاطر تحوّل المظاهرات قرب مقرها إلى أعمال عنف.

وجاء في بيان للبعثة نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن السفارة الأميركية «تتابع التهديدات النشطة للمصالح الأميركية في العراق، بما فيها المطاعم والشركات والأفراد».

وتابع البيان: «ينبغي للمواطنين الأميركيين توخي الحذر والانتباه لما يحيط بهم وتجنب التجمعات الكبيرة، حيث قد تتحول المظاهرات إلى أعمال عنف. ولا يزال الوضع الأمني معقداً وقابلاً للتغير بسرعة».

وأطلقت الشرطة العراقية الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، لتفريق مئات المتظاهرين المؤيدين لإيران الذين تجمعوا خارج المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد، حيث تقع السفارة الأميركية.

وهتف المتظاهرون: «الموت لإسرائيل، الموت لأميركا».

واشتعلت الأجواء في العراق بعد تأكد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، في ضربات أميركية وإسرائيلية، أمس (السبت).


ترقّب وإرباك في صفوف جمهور «حزب الله»: بين «الثأر» ورفض الحرب

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
TT

ترقّب وإرباك في صفوف جمهور «حزب الله»: بين «الثأر» ورفض الحرب

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

تسود حالة من الترقّب والحذر في أوساط جمهور «حزب الله» منذ الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي. ويبدو ذلك انعكاساً لحالة «الإرباك» التي بدت على قيادة الحزب في تعاملها مع الخبر، إذ انتظرت حتى ظهر الأحد لإصدار بيان النعي، ودعت إلى التجمع في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد ظهر اليوم نفسه «وفاءً للقائد المعظّم».

صورة لنصر الله وصفي الدين داخل «المدينة الرياضية» في بيروت خلال تشييعهما في فبراير 2024 (رويترز)

وشهدت بعض المناطق ذات الغالبية المؤيدة للحزب، في الساعات الأولى التي تلت انتشار الخبر، تجمعات محدودة رُفعت خلالها صور خامنئي. كما نشط إعلام الحزب ووسائل التواصل الاجتماعي المؤيدة له في تداول صور وخطابات سابقة وتصريحات لخامنئي تؤكد «استمرار النهج وعدم تأثر المسار برحيل القادة».

صدمة المقارنة

وأثار خبر استهداف اجتماع القادة الإيرانيين بالضربات الإسرائيلية صدمةً في صفوف جمهور «حزب الله»، إذ أعاد إلى الأذهان اغتيال عدد من قادة الحزب خلال اجتماع لهم إبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. وقد طرح ذلك علامات استفهام، لا سيما في ظلّ بلوغ التهديدات الأميركية بالحرب ذروتها سياسياً وعسكرياً. وكانت إسرائيل قد استهدفت اجتماعاً للحزب في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ما أسفر عن مقتل خليفة الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، هاشم صفي الدين، إلى جانب عدد من القيادات.

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

البُعد الديني

وفيما انشغل البعض بالسؤال عن «المرجعية التي يفترض أن يقلدوها بعد اغتيال خامنئي»، تعامل في معظمهم مع اغتياله من زاوية دينية بحتة، عادين أن «الاستشهاد» أمر متوقع لشخص ومرجعية قيادية بالنسبة إليهم، وهو ما ترافق في الوقت عينه مع أسئلة حول كيفية «الثأر» له، خصوصاً أن البعض يعتبر أن الثأر لم يتحقق لأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله.

وفيما تبرز مواقف علنية غاضبة حيال ما يتعرّض له «محور الممانعة» من نكسات وهزائم في السنوات الأخيرة، لا يُبدي جمهور «حزب الله» حماسة لفتح «حرب إسناد جديدة». وقد عكست مواقف واضحة على وسائل التواصل الاجتماعي هذا المزاج، إذ تغيب الدعوات إلى الثأر وما شابه، ليصبح لسان حال كثيرين منهم: «لم يقف أحد إلى جانبنا عندما شُنّت الحرب علينا، ولم نعد قادرين على تحمّل أعباء حرب جديدة».

المزاج الشيعي الأوسع: رفض الحرب

وفي حين لا يعلن جمهور «حزب الله» صراحة رفضه الانخراط في الحرب، تتقاطع مواقفه مع مزاج شيعي أوسع، ومع موقف غالبية اللبنانيين الرافضين زجّ لبنان مجدداً في حروب الآخرين. وقد عبّر عن ذلك جهاراً عدد كبير من أهالي الجنوب والبقاع، الذين لا يزالون يعيشون تحت وطأة تداعيات المواجهات السابقة، إذ إن عدداً من العائلات لم يتمكن حتى الآن من العودة إلى منازله.


«حزب الله» أخذ بنصيحة بري بعدم التدخل إسناداً لإيران

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» أخذ بنصيحة بري بعدم التدخل إسناداً لإيران

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

يترقب لبنان الرسمي والشعبي مدى استعداد «حزب الله» للتجاوب على الأرض مع النصيحة التي قيل إن رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أسداها إليه بعدم التدخل في المواجهة بين إيران؛ والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وإنها جاءت، كما يقول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، استكمالاً لدوره في التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 الذي التزمه «الحزب» وامتنعت إسرائيل عن تطبيقه.

ومع أن المصدر الدبلوماسي يتساءل عمّا إذا كان «الحزب» سيأخذ بنصيحه بري وتمسكه بموقفه بعدم التدخل، خصوصاً بعد الإعلان رسمياً عن اغتيال المرشد الإيراني، علي خامنئي، فإن مصادر بارزة في «الثنائي الشيعي» («الحزب» و«حركة أمل») تقول إن المسار العام الذي ستبلغه المواجهة يُفترض أن يشكل اختباراً للتأكد من أن «الحزب» باقٍ على تعهده وأنه لا عودة عنه.

وفد من «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد يلتقون رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - المركزية)

وكشفت المصادر في «الثنائي» لـ«الشرق الأوسط» عن أن تواصل بري و«الحزب» لم يتوقف، وأنه مستمر لمواكبة الوضع المتفجّر في الجنوب امتداداً إلى البقاع؛ جراء تمادي إسرائيل في اعتداءاتها وخرقها اتفاق وقف الأعمال العدائية. وقالت إن تفاهمه مع «الحزب» لم يأت عقب اندلاع المواجهة؛ و«إنما تم التوصل إليه بعد إعلان أمينه العام، نعيم قاسم، أنه لن يقف على الحياد في حال استُهدفت إيران، وأنه سيتدخل ويعود له تحديد طبيعة» هذا التدخل.

وأكدت أن بري على تواصل يكاد يكون يومياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، الذي بارك أي تحرك له باتجاه «حزب الله» لتحييد لبنان عن الحرب المشتعلة، وأنه يتواصل داخلياً وخارجياً لتأمين شبكة أمان للحفاظ على الاستقرار في البلد ومنع إسرائيل من توسعة الحرب شرط التزام «الحزب» الحياد. وكان لهذا التقى أخيراً رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، فيما لم ينقطع مستشاره العميد آندريه رحال عن التلاقي من حين لآخر مع الفريق الملحق برعد والمولج ملف الحوار.

وكشفت المصادر عن أن عدم تدخل «الحزب» تصدّر جدول أعمال حوار عون - رعد. وقالت إن بري لعب دوراً في تحضير الأجواء أمام تكثيف التواصل بينهما، ولفتت إلى أن عون يراهن على قدرة بري على إقناع «الحزب» بعدم التدخل، وهذا ما حصل قبل اندلاع المواجهة بين طهران وواشنطن وتل أبيب. ورأت أن قيادة «الحزب» كانت أحيطت علماً بالتحذيرات التي نقلها عدد من السفراء إلى عون؛ آخرهم الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت. وقالت إنها وضعته في أجواء زيارتها إسرائيل وتحذير قادتها من تدخّل «الحزب» في حال اندلعت الحرب، وإن رئيسَي البرلمان، نبيه بري، والحكومة، نواف سلام، أحيطا علماً بها؛ مما استدعى، منذ ذلك الوقت، تواصل بري مع «الحزب»، عبر معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، الذي تعاملت قيادته بجدية مع تحذيرات إسرائيل؛ لأن تدخله سيلحق أضراراً كبيرة بلبنان وبـ«الحزب» مباشرة.

وأكدت المصادر أن «لقاء عون السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، جاء بعد تلقي بري من (الحزب) ما يدعوه إلى الارتياح بأنه لن يتدخل، وهذا سبق اندلاع الحرب». وقالت إن عيسى عاد للقاء عون (وفق البيان الإعلامي الصادر عن رئاسة الجمهورية)، ناقلاً إليه رسالة من إدارته تؤكد أن الجانب الإسرائيلي ليس في وارد تنفيذ أي تصعيد ضد لبنان، ما دام أنه لا أعمال عدائية من الجهة اللبنانية.

مناصرون لـ«حزب الله» خلال تجمع تضامني مع إيران في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 26 يناير الماضي (أ.ف.ب)

واستبعدت المصادر احتمال تفلُّت «الحزب» من تعهّده الذي قطعه لبري بعدم التدخل. وقالت إنه سيستعيض عنه بمروحة واسعة من حملات التضامن مع إيران والتنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل يُفترض أن تتصاعد وتيرتها مع اغتيال خامنئي، من دون أن تتطور على نحو يدفعه إلى التدخل عسكرياً؛ إلا في حال ارتأى من يًسمَّون «عناصر غير منضبطة»، وفق مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، ومن باب رد فعلهم الغاضب، إطلاق صواريخ من نوع «كاتيوشا» لم تعد إلى حد كبير صالحة للاستعمال، أسوة بتلك التي أطلقتها «حماس» مع بدء إسناد «الحزب» غزة؛ لأنه لن يكون في وسعهم استخدام صواريخ دقيقة، فمجرد استخدامها سيرتد على «الحزب»؛ بذريعة أنه يستحيل عليهم تأمينها من دون موافقة ضمنية من قيادته المولجة إعدادها وإطلاقها.

وأضافت المصادر أن «الحزب» كان ولا يزال حريصاً على تحالفه مع بري، وأنه لا يحتمل وزر التفريط فيه، خصوصاً أنه لم يسبق له أن أخلّ بما تعهّد به، وهذا ما بدا واضحاً، ليس من خلال تأييده اتفاق وقف الأعمال العدائية فقط، وإنما لالتزامه وقف النار منذ أن أُعلن في 27 نوفمبر 2024، ولم يطلق رصاصة واحدة رداً على مواصلة إسرائيل اعتداءاتها في الجنوب وتوسعتها لتشمل البقاع واستمرارها في ملاحقة قياداته وكوادره واغتيالهم.

وقالت إن بري يتباهى في لقاءاته الموفدين العرب والأجانب بالتزام «حزب الله»، ويدعوهم إلى الضغط على إسرائيل لإلزامها تطبيق الاتفاق الذي رعته واشنطن وباريس، رغم أن عدم ردّه على الاعتداءات، بعد مضي سنة وأكثر من 3 أشهر على الاتفاق، يشكل إحراجاً له أمام بيئته، وهذا ما يكمن وراء دعوة بري إلى تطبيق التلازم في الخطوات مع سيطرة الجيش على منطقة جنوب الليطاني وخروج «حزب الله» منها.

وأكدت أن تمايز بري عن «الحزب» بشأن عدد من القضايا لا يفسد ما بينهما من ودّ؛ لأنه الأقدر على مخاطبة المجتمع الدولي؛ بخلاف حليفه، إضافة إلى أنه لا يمكن التوصل لأي تسوية داخلية من دون الحوار معه؛ لأن معظم القوى السياسية الآن على قطيعة مع «الحزب».

وفي هذا السياق، استبعدت مصادر سياسية إخلال «الحزب» بتعهده عدم التدخل، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن قيادته تدرك ميدانياً أنه لا جدوى منه نظراً إلى عدم قدرته عسكرياً على توجيه ضربات موجعة لإسرائيل في ظل الضربات القاسية التي أُلحقت به بإسناده غزة، والتي أدت إلى الاختلال في ميزان القوى وانعدام قدرته على استعادته قواعد الاشتباك والردع المتوازن.

وأكدت أنه لا مصلحة لـ«الحزب» في تكرار مغامرته العسكرية بإسناده إيران؛ «لما يترتب عليها من تكلفة بشرية ومادية تصيبه وتلحق أضراراً كبيرة بالبلد لا يستطيع (الحزب) تحمّلها ولا تلقى استجابة؛ ليس من المزاج الشيعي فقط، وإنما من بيئته، وسيجد نفسه وحيداً، وبالتالي لم يعد من خيار أمامه سوى وقوفه خلف الدولة والتحصن سياسياً وراء بري، وإلا؛ فإن إقحامه البلد في مغامرة جديدة سيؤدي إلى عزله أعمق مما هو فيها الآن، لذلك؛ فسيقتصر تدخُّل (الحزب)؛ انسجاماً مع البيان الذي أصدره، على التضامن الإعلامي والسياسي مع إيران دون حدود».