على وقع تصفيق الجمهوريين وصيحات استهجان الديمقراطيين، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام جلسة مشتركة في الكونغرس معلناً «عودة أميركا»، وبداية «عصرها الذهبي». ولم يشأ ترمب أن يمر خطابه الأول له أمام المجلس التشريعي في عهده الثاني مرور الكرام، فتحدّث لمدة ساعة وأربعين دقيقة تقريباً، محطماً الأرقام القياسية، ليكون أطول خطاب لرئيس أميركي أمام جلسة مشتركة في الكونغرس في العصر الحديث.
لكن طول الخطاب لم يكن الخبر الذي احتل ساحة التغطيات، إذ طغت عليه مقاطعة بعض الديمقراطيين له في تحدٍّ للبروتوكولات التقليدية وصل إلى حد إخراج النائب الديمقراطي آل غرين من قاعة الجلسة بسبب رفضه الالتزام بالسكوت. فبمجرد بدء ترمب خطابه وقف غرين مستنكراً وملوِّحاً بعكازه في القاعة، وهو يهتف احتجاجاً على سياسات ترمب المثيرة للجدل، مما دفع برئيس مجلس النواب مايك جونسون إلى إصدار توجيهات للمسؤولين عن الأمن في القاعة بمرافقته إلى الخارج.

إنجازات داخلية
وبعد هذا المشهد الخارج عن المألوف الذي يعكس واقع الحال في الكونغرس، استأنف ترمب خطابه، متباهياً بإنجازاته وعارضاً أجندته. فالرئيس الأميركي الذي بدأ مهامه منذ أقل من شهرين اتخذ وابلاً من القرارات التنفيذية التي تحدَّث عنها، أبرزها «مواجهة» البيروقراطية الفيدرالية والتصدي للهدر عبر وكالة الكفاءة الحكومية (دوج)، وعلى رأسها حليفه إيلون ماسك الذي كان موجوداً لحضور الخطاب على الشرفة المخصصة للضيوف، والمطلة على القاعة.
كما شنَّ ترمب هجوماً لاذعاً على سلفه جو بايدن، ووصفه بأسوأ رئيس في تاريخ البلاد، وتوعَّد بإلغاء معظم السياسات الديمقراطية في عهده، وعلى رأسها ما وصفه بسياسات اليقظة والتعددية، مشدداً على أن أي توظيف في عهده سيكون على أساس الكفاءة وليس اللون أو الجنس.
واحتل ملف الهجرة مساحة كبيرة من الخطاب، فهذا الملف كان من الملفات الأساسية في حملته الانتخابية، وقد كرر ترمب وعوده بالسيطرة على الحدود، ووقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وترحيل من هم داخل الأراضي الأميركية.
وبطبيعة الحال تطرَّق الرئيس الأميركي إلى الملف الاقتصادي، متهماً إدارة بايدن بورثة ثقيلة في الاقتصاد أدَّت إلى ارتفاع أسعار السلع في عهده، ومتعهداً بتخفيضات ضريبية واسعة النطاق، سيحتاج إلى الكونغرس المنقسم لإقرارها.
السياسة الخارجية

ورغم التجاذبات الدولية التي خلقتها سياسات الرئيس الأميركي وتصريحاته، لم تحتل السياسة الخارجية مساحة كبيرة من الخطاب، بل تحدث عنها بطريقة مقتضبة، مكرراً تأكيده «استرجاع» قناة بنما، ورغبته في ضم «غرينلاند»، كما أصر على موقفه في فرض تعريفات جمركية على كندا والمكسيك، وتوعد بالمزيد وبمعاملة البلدان الأخرى بالمثل.
وعن أوكرانيا، كرر ترمب رغبته في التوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا لوقف الحرب، مذكراً بتكلفتها الباهظة، وخفف من لهجته المنتقدة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد اللقاء العاصف في البيت الأبيض، مشيراً إلى أنه تلقَّى رسالة منه يؤكد فيها استعداده للجلوس على طاولة المفاوضات. وفي ملف الشرق الأوسط، ذكر ترمب أحد أبرز إنجازاته في عهده الأول وهي اتفاقات «أبراهام»، متعهداً بتوسيعها لكن من دون توفير تفاصيل إضافية.
ولعلّ أبرز ما ذكره الرئيس الأميركي على صعيد السياسة الخارجية هو إلقاء القبض على المسؤول عن تفجير «آبي غايت» في أفغانستان، الذي أودى بحياة 13 جندياً أميركياً أثناء انسحاب القوات الأميركية من هناك، وقال ترمب إن «العقل المدبر للهجوم هو في طريقه إلى الولايات المتحدة بعد أن ألقت باكستان القبض عليه».
احتجاجات ديمقراطية

وبمواجهة هذا الخطاب الجمهوري بامتياز كان استياء الديمقراطيين واضحاً، فبالإضافة إلى احتجاج النائب غرين وإخراجه من القاعة، حمل أعضاء الحزب لافتات احتجاجية صغيرة، ورفضوا الوقوف أو التصفيق خلال الخطاب، وجلسوا على مقاعدهم متجهمين غاضبين، كما قرر بعضهم الخروج من القاعة قبل انتهاء ترمب من حديثه.
وجاء الرد الديمقراطي الرسمي على لسان السيناتورة إليسا سلوتكان عن ولاية ميشيغان، التي ركَّزت بشكل أساسي على التكلفة الإنسانية لقرارات ترمب، التي أدَّت إلى تسريح الآلاف من الموظفين الفيدراليين. كما ذكرت سلوتكان لقاء ترمب - زيلينسكي العاصف قائلة: «بعد هذه المسرحية التي شهدناها في المكتب البيضاوي الأسبوع الماضي، لا بدّ أن ريغان يتقلَّب في قبره»، في إشارة إلى الرئيس الجمهوري السابق رونالد ريغان الذي أطلق على الاتحاد السوفياتي أيام الحرب الباردة اسم «إمبراطورية الشر».
