تقنيات جديدة قابلة للارتداء لتعزيز الصحة العقلية

عُصابة رأس لتركيز الأفكار وأدوات لقراءة الموجات الدماغية

عصابة "ميوز أس" الصحية
عصابة "ميوز أس" الصحية
TT

تقنيات جديدة قابلة للارتداء لتعزيز الصحة العقلية

عصابة "ميوز أس" الصحية
عصابة "ميوز أس" الصحية

«لقد حققت 40 ثانية من التركيز المتواصل»... يبدو أن ذلك سبب للاحتفال. على مدى العشر دقائق الماضية. كنت أحدق في هاتفي، أحاول تحريك كرة رقمية أعلى التل باستخدام قوة عقلي فقط؛ إذ كانت عصابة الرأس «ميندي» (Mendi) التي أرتديها، تحلِّل نشاط دماغي وتعكس ذلك في اللعبة. فكلما ازداد تركيزي، ارتفعت الكرة.

ملبوسات إلكترونية للصحة العقلية

يُفترض أن هذا التمرين يعمل على تقوية قدراتي العقلية، تماماً كما يمكن للمرء أن يستخدم الأوزان لتدريب العضلات البدنية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين تركيزي والحد من توتري.

تضع صناعة الأجهزة القابلة للارتداء نصب أعينها هدفاً جديداً يتمثل في صحتنا العقلية. لدينا الآن ساعات ذكية لقراءة الموجات الدماغية لا تحلل حالة جهازنا العصبي فحسب، وإنما تتدخل بنشاط أيضاً لتحسين وضعنا النفسي، وجعل عملية دعم الصحة العقلية أكثر يسراً، وجعل الأدوات أكثر قابلية للارتداء من أي وقت مضى.

ويقول مصطفى حمادة، رئيس قسم المنتجات والعلوم في شركة «ميندي»: «نحن نستفيد من قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه حتى يتمكن من زيادة التحكم العاطفي».

"غالاكسي رنغ" الصحي من "سامسونغ"

اختبار أجهزة تحسين المزاج

لقد بحثت في هذا المجال الموسَّع من الأجهزة التي تستهدف التركيز، والانتباه، والتوتر والقلق، لمعرفة كيف تعمل، وما الذي يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً لوضعي الصحي العام.

أول جهاز قابل للارتداء كنت متلهفة لاستخدامه كان عصابة «ميوز» للرأس (Muse headband)؛ إذ اختبرتُ نموذجاً مبكراً منها قبل أكثر من عقد من الزمن.

هناك جهازان للاختيار بينهما - «ميوز 2»، وهو عصابة رأس صلبة تهدف إلى الحد من التوتر وتحسين المزاج، و«ميوز إس» الذي يستخدم مستشعرات لينة يمكن ارتداؤها بسهولة في الليل أيضاً لتتبع النوم.

يُعد جهاز «ميوز» فريداً إلى حد ما بين الأجهزة القابلة للارتداء لكونه جهازاً لتخطيط كهربائية الدماغ «EEG» من الدرجة الإكلينيكية، ما يعني أنه، فضلاً عن كونه منتجاً مستهلكاً، فإنه يستخدم من قبل الباحثين للتحقيق في كل شيء من تشخيص السكتة الدماغية إلى علاجات اضطراب الوسواس القهري.

جربتُ جهاز «ميوز إس» Muse S. إنه جهاز بسيط. تستخدم العصابة الرأسية 7 مستشعرات لقياس النشاط الكهربائي للدماغ مع معدل ضربات القلب، وإيقاع التنفس والحركة. ثم تُحلل هذه البيانات وتُرسل إليك عبر سماعات الأذن. يلتقط الجهاز الذبذبات العصبية، أو موجات الدماغ، بترددات مختلفة، تتوافق مع العقليات المختلفة. وترتبط المزيد من موجات «ألفا» (في الدماغ) بحالة من الاسترخاء والهدوء. وتُوجَد موجات «بيتا» عندما يفكر الإنسان بنشاط في شيء ما، في حين تتوفر موجات «دلتا» عندما تكون نائماً نوماً عميقاً.

في الليل، تُحلِّل عصابة «ميوز» موجات دماغك، وتستخدم الصوت المتجاوب - التأمل الموجَّه أو قصص النوم أو الأنماط الصوتية - لدفعك للنوم مرة أخرى، عندما تُدرك أنك تستيقظ. وخلال ساعات الاستيقاظ، من المفترض أن تُقلل «ميوز» من الضغط العصبي، وتُحسن الحالة المزاجية، من خلال تقديم تغذية استرجاعية مباشرة لمساعدتك على التأمل.

أضع الجهاز على رأسي وأغلق عيني. أسمع على الفور هبوب ريح قوية من حولي. عندما يسجل «ميوز إس» موجات المخ التي تعكس حالة التأمل، تهدأ الرياح وتبدأ الطيور في التغريد.

يقول آرييل غارتن، عالم الأعصاب والمؤسس المشارك لجهاز «ميوز»: «الأشخاص الذين لم يمارسوا التأمل من قبل لا يعرفون عادة ما يجب عليهم فعله... لذا حللنا هذه المشكلة بقراءة النشاط الدماغي الخاص بك وإخبارك متى تفعل ذلك بشكل صحيح».

لا شك في أنني شعرت بالاسترخاء بعد كل جلسة، وبالتأكيد تحسنتُ قدرتي على التأمل مع مرور الوقت؛ حيث سمعت 11 طائراً مغرداً فقط في أول جلسة لي، واستمتعت بـ46 طائراً في آخر جلسة، بعد 5 أسابيع. ولكن التساؤل يظل: هل يُقلل الجهاز، الذي يبلغ سعره نحو 300 دولار، حقاً من التوتر والقلق؟

عصابة "ميندي" لتركيز التفكير

عصابة «ميندي» بمحفزات بصرية

توجد أجهزة مشابهة أخرى. جربت أيضاً سماعة «ميندي»، التي تُكلف نحو 300 دولار، وتستخدم تقنية تسمى التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة «fNIRS» للكشف عن التغيرات في تدفق الدم والأكسجين في الدماغ استجابة لنشاط الدماغ، وتستخدم تلك المعلومات لتحديد متى تكون هادئاً ومركزاً.

وبدلاً من إرجاع تلك البيانات إليك من خلال تغريد الطيور، فإنها تُترجم إلى حركة كرة على جهازك المحمول. وقد فضّل أطفالي سماعة «ميندي»، لأنهم وجدوا أنه من الأسهل التحكم في المحفز البصري عن المحفز السمعي، بينما كنت قد أحببت إغلاق عيني أثناء التأمل... ولذلك فضلت عصابة «ميوز».

وعلى غرار «ميوز»، تُشير عصابة «ميندي» إلى العديد من الدراسات التي تدعم مزاعمها. ومع ذلك، فإن مجال أجهزة «التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة» القابلة للارتداء ما زال في بداياته، وهناك نقص في اختبارات الكفاءة الكبيرة ذات المعيار المرتفع.

وخلصت إحدى المراجعات الميدانية إلى أن الناس يمكنهم تنظيم إشارات دماغهم باستخدام «التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة»، التي قد تمكنهم من تقليل أعراض القلق، ولكن تنص على أن أي استنتاجات بشأن فائدته الإكلينيكية «سابقة لأوانها».

تحفيز الأعصاب

بدلاً من «تدليك» الجهاز العصبي من خلال التأمل، تهدف الأجهزة الأخرى القابلة للارتداء إلى معالجته من خلال التعديل العصبي؛ حيث تستخدم التكنولوجيا لتغيير نشاط الأعصاب من خلال التحفيز المباشر أو غير المباشر. خذ على سبيل المثال نظام «نيوروسيم» (Nurosym)، وهو جهاز يُثبت على زنمة الأذن tragus (الزنمة هي القطعة البارزة من الأذن الخارجية أمام الصيوان وتبرز باتجاه الخلف فوق قناة الأذن) أي الغضروف اللحمي أمام أذنك، ويرسل رسائل كهربائية إلى العَصَب المبهم. لا يُعدّ الاستخدام المنتظم لهذا الجهاز، وفقاً لموقعه على الإنترنت، بتقليل التعب والاكتئاب والقلق فحسب، وإنما يساعد أيضاً في علاج مرض «كوفيد - 19» طويل الأمد، مع تحسين صحة القلب، وأكثر من ذلك.

أصبح العصب المبهم يحظى بكثير من الاهتمام أخيراً. إنه في الواقع زوج من الأعصاب التي تربط جذع الدماغ بالعديد من الأعضاء الحيوية، متحكمة في وظائفنا اللاإرادية مثل التنفس، والهضم، والاستجابة المناعية. كما أنه يلعب دوراً حاسماً في جهازنا العصبي اللاودي، الذي يحكم نشاط «الراحة والاسترخاء» الذي يساعدنا على التعافي بعد أن يكون جهازنا العصبي الودي، أو استجابات «القتال والفرار»، قد بدأت العمل خلال فترة من الإجهاد.

في ثمانينات القرن الماضي، استهدف الأطباء العصب المبهم عن طريق زرع محفزات كهربائية في أعناق الأشخاص المصابين بالصرع. كانت هذه الأجهزة تكبح نوبات الصرع لديهم، ولكنها أثرت أيضاً على رفاهيتهم. ومنذ ذلك الحين، بدا كأن تحفيز العصب المبهم يساعد في «كل حالة».

ويقول بنيامين ميتكالف من جامعة باث بالمملكة المتحدة، الذي باشر بعض التجارب الوحيدة التي سجلت إشارات كهربائية من داخل العصب المبهم مباشرة: «يعتبر العصب المبهم بمثابة الدواء الشافي لأنه متسع ومتصل بالعديد من الأعضاء والأجهزة. ويمكن أن يكون له تأثير على كل شيء من الالتهاب إلى التحكم في القلب».

وحسب إيليزابيتا بورشي، رئيسة الأبحاث في شركة «باراسيم» المصنَّعة للجهاز، فإن جهازها يستهدف فرعاً من العصب المبهم ينتقل نحو جذع الدماغ لتعديل النشاط اللاودي، ما يساعد على تهدئة استجابتك المناعية وتقليل التوتر.

في تجربة صغيرة أُجريت على 19 شخصاً يعانون من قصور القلب، ظهر أن أولئك الذين تلقوا 4 ساعات من التعديل العصبي باستخدام نظام «نيوروسيم» مرتين يومياً طوال فترة إقامتهم في المستشفى، انخفضت مستويات الالتهاب وعلامات أقل من الإجهاد التأكسدي لديهم، الذي يمكن أن يتلف الخلايا، مقارنة مع أولئك الذين تلقوا علاجاً وهمياً. وأظهرت دراسة تجريبية منفصلة أخرى أُجرِيَت على 24 شخصاً مصابين بـ«كوفيد» طويل الأمد انخفاضاً في القلق والاكتئاب والإرهاق، بعد استخدام نظام «نيوروسيم» لمدة 30 دقيقة مرتين يومياً، لمدة 10 أيام.

في الوقت الحالي، لا يزال الباحث ميتكالف غير مقتنع بالنتائج؛ إذ يقول إنه لا يوجد إجماع واضح حول ما إذا كان التحفيز غير الحراجي للعصب المبهم له أي فائدة مقصودة.

ويوضح ميتكالف أن العصب المبهم يتألف من 20 إلى 30 حزمة من الألياف التي تُسمَّى «الحُزَيْمات». يميل كل منها لأن يكون لديه وظيفة مختلفة؛ قد يتحكم أحدها في معدل ضربات القلب، بينما يتحكم الآخر في الجهاز المناعي. ويقول إن اختيار حُزَيْمة دون أخرى أمر صعب حتى عندما تقوم بزرع جهاز تحفيز، ناهيك من مباشرة ذلك بطريقة غير جراحية.

سوار لعلاج التوتر

بالحديث عن المدخلات الحسية غير العادية، جربتُ أيضاً جهاز «أبوللو» (Apollo)، وهو سوار معصمي يستخدم الاهتزازات لمعالجة التوتر، وتحسين التركيز، وزيادة النوم. والسوار، الذي يُكلف نحو 350 دولاراً، يتتبع بيانات، مثل تغاير معدل نبض القلب «HRV»، ويوفر أنماطاً مختلفة من الاهتزاز اعتماداً على ما إذا كنت تستخدمه للاسترخاء أو لتحسين تركيزك. وهذه الأنماط والترددات الدقيقة تبقى طي الكتمان، إذ تتقدم الشركة للحصول على براءات الاختراع، ولكنها أشبه بالنبضات اللطيفة بصفة عامة.

من تجربتي، كانت هذه الأجهزة عصية على التمييز بين بعضها إلى حد كبير، وأنا حذرة من الادعاءات التي يروِّجها التطبيق؛ بأن بعض الأنماط يمكن أن تساعدك على التركيز، والشعور بالحيوية، والشعور بالهدوء، وتعزيز العديد من الحالات الأخرى؛ إذ لم ينشأ لدي أي دليل مقنع حتى الآن على أن الاهتزاز يمكن أن يُعدل الحالة المزاجية على وجه التحديد.

يقول ديفيد رابين، أحد مؤسسي شركة «أبوللو نيورو»، إن أنماط وتردد الاهتزازات هما المفتاح الرئيسي لتأثيراتها. وهناك بعض الأبحاث المبكرة التي تشير إلى أن ترددات معينة من الاهتزازات قادرة على تعديل مستويات التوتر والقلق. مع ذلك، لم تُنشر سوى تجربة إكلينيكية واحدة فقط لجهاز «أبوللو» نفسه، على أشخاص مصابين بتصلب «الجلد المجموعي (systemic sclerosis)» وهي حالة من أمراض المناعة الذاتية المؤلمة. وأظهر المشاركون الذين استخدموا الجهاز لمدة 15 دقيقة على الأقل في اليوم لمدة 4 أسابيع انخفاضاً في التعب، فضلاً عن تحسين نوعية الحياة وتقليل أعراض الاكتئاب.

لا يأتي أي من هذه الأجهزة بسعر رخيص. ومع حداثة الصناعة، لا يزال أمام كل جهاز منها طريق طويل لإثبات جدارته. وكلما زادت الأدوات التي نملكها لمساعدتنا على عيش حياة أكثر هدوءاً وتركيزاً، كان ذلك أفضل.

* مجلة «نيوساينتست» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث لمستوى السكر في الدم عند شرب شاي الكمبوتشا؟

صحتك تشير دراسات إلى أن الكمبوتشا قد تُحسّن حساسية الجسم للأنسولين ما قد يساهم في ضبط مستويات السكر في الدم (بيكسباي)

ماذا يحدث لمستوى السكر في الدم عند شرب شاي الكمبوتشا؟

الكمبوتشا هو مشروب شاي مُخمَّر اكتسب شهرة واسعة لفوائده الصحية المحتملة، ومن أبرزها دوره في المساعدة على تنظيم مستوى السكر في الدم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك تُعدّ القهوة المُحضّرة باستخدام فلاتر ورقية، مثل القهوة المقطّرة أو المحضّرة بطريقة الصبّ، الخيار الأكثر أماناً لصحة القلب (بيكسباي)

ما أفضل طريقة لتحضير القهوة للحفاظ على صحة القلب وخفض الكوليسترول؟

تشير دراسات حديثة إلى أن طريقة تحضير القهوة تلعب دوراً مهماً في تأثيرها على صحة القلب ومستويات الكوليسترول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم شخص يستخدم يده الاصطناعية لالتقاط مكعب صغير (جامعة ميشيغان)

الأطراف الاصطناعية... قفزات متتالية نحو محاكاة الحركة الطبيعية

يشهد مجال الأطراف الاصطناعية طفرة لافتة في السنوات الأخيرة، مدفوعة بتطورات متسارعة في تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الدقيقة.

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم لونٌ يكشف عمّا قبل المرض

لون اللثة... أداة رقمية تكشف عن صحة الجسد قبل ظهور الأعراض

في مطلع عام 2026، برزت دراسة علمية حديثة بعنوان «الذكاء الاصطناعي في تشخيص التهاب اللثة: الأدلة الحالية والاندماج السريري المستقبلي»،

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك تشير دراسات إلى أن خصائص الشاي الأخضر قد تساعد في دعم صحة البروستاتا وربما التخفيف من بعض أعراض تضخمها (بيكسباي)

ما تأثير تناول الشاي الأخضر على تضخم البروستاتا؟

يحتوي الشاي الأخضر على مركبات مضادة للأكسدة أبرزها الكاتيكينات التي تُعرف بقدرتها على تقليل الالتهابات وإبطاء نمو الخلايا ما قد يساعد على دعم صحة البروستاتا

«الشرق الأوسط» (بيروت)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».