صعد إلى واجهة الأحداث مجدداً في ليبيا «النزاع على الشرعية» بين البرلمان والحكومتين المتنازعتين على السلطة... وورد في لغة لم تخل من «اتهام بتعطيل الانتخابات العامة»، الحديث عن مدى دستورية بقاء جميع الأجسام السياسية في السلطة راهناً.
وكرر عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، خلال حضوره أعمال المؤتمر السابع للبرلمان العربي الذي انعقد بمقر جامعة الدول العربية، السبت، مطالبته بعدم التعامل مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
وكان صالح دعا الحاضرين في المؤتمر إلى دعم ومساندة مجلسه «لممارسة مهامه التشريعية، ومطالبة الحكومات بوقف التعامل مع سلطة تنفيذية انتهت المدة المحددة لها بالمرحلة التمهيدية؛ لأنها تفتقر للشرعية»، في إشارة إلى «الوحدة».
وتعدّ هذه من المرات النادرة، التي يتحدث فيها صالح عن «قضية الشرعية للمؤسسات الحاكمة» أمام اجتماع خارج ليبيا تشارك فيه أطراف عربية عدة، ما دفع حكومة «الوحدة» إلى الرد، معبرة عن «استهجانها ورفضها الشديد»، وعدّت ما ذهب إليه صالح أنه «مغالطات قانونية وسياسية».

ووصف السجال بين الطرفين بأنه حلقة ممتدة في صراع الجبهات بين شرق ليبيا وغربها. وبدا أن حكومة «الوحدة» آخذة في التصعيد، بقولها إن حديث صالح «لم يقتصر على الطابع الجهوي والانفصالي، بل عزز خطاب الكراهية، في تنافر واضح مع مبادئ الوحدة الوطنية ومساعي الاستقرار في ليبيا».
ويرى أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي، رمضان التويجر، أن ليبيا «تعاني أزمة في الشرعية منذ عام 2014، إذ إن كل طرف في السلطة يحاول التشبث بموقعه»، مشيراً إلى أن ليبيا «في حاجة إلى مبادرة تؤدي إلى إنهاء الأجسام القائمة، ونسج اتفاق سياسي جديد يمهد إلى مرحلة الانتخابات، وهو أمر في غاية الأهمية».
وأمام اتهام صالح لحكومة «الوحدة» دون أن يأتي على ذكرها بأنها «فشلت في المهمة التي جاءت من أجلها»، عبّرت الأخيرة عن «أسفها من تحوّل أداء رئيس مجلس النواب إلى نهج أقرب إلى قيادة حزب سياسي فردي يحتكر رئيسه، قراراته»، لافتة إلى أن «العديد من أعضاء مجلسه يتواصلون مع الحكومة، ويبدون استياءهم ويتبرؤون من مثل هذه المواقف التي تعمق الانقسام ولا تخدم مصلحة الوطن».
لكن صالح في حديثه أمام البرلمان العربي، قال: «من مصلحة ليبيا تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تتولى العمل على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية».
وللمرة الأولى تتطرق حكومة «الوحدة» إلى «انتهاء شرعية جميع الأجسام السياسية»، وقالت: «جميع المؤسسات القائمة اليوم في ليبيا، بما فيها مجلس النواب، انتهت مدتها الدستورية ولا تمتلك شرعية شعبية متجددة، بل تستمد شرعيتها من الاتفاق السياسي، وهي متساوية في ذلك».
وحمّلت حكومة «الوحدة» مجلس النواب مسؤولية «فشل الانتخابات العامة» التي كانت مقررة في نهاية 2021، وأرجعت ذلك إلى «استمرار رئيس مجلس النواب في فرض قوانين انتخابية معيبة وغير قابلة للتنفيذ، ما عززه بطلب رسمي إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، لإيقاف العملية الانتخابية، احتجاجاً على الأحكام القضائية ذات الصلة».
ويشدد التويجر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على أن ليبيا «باتت تدور في حلقة مفرغة من الصراع المستمر والمتكرر والاستقرار الهش، وبالتالي فإن صياغة مبادرة جديدة تمهد للانتخابات العامة وتوحد المؤسسات الأمنية والعسكرية كافة، أمر في غاية الأهمية. ونتمنى أن تتمحور أي محاورات سياسية أو محادثات حول صياغة اتفاق سياسي جديد يسهل عملية خروج كل الأجسام من المشهد».
وسبق لستيفاني وليامز، المستشارة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، أن دعت الأجسام السياسية، ومن ضمنها مجلسا النواب و«الدولة»، إلى «التوقف عن لعبة الكراسي الموسيقية للبقاء في السلطة»، متحدثة عن «عدم شرعية الأجسام الموجودة حالياً»، كما رأت أن «صراع التشبث بالبقاء لدى هذه الأجسام قائم على السلطة والمال».
وكان مجلس النواب الليبي صوّت بـ«الأغلبية» على سحب الثقة من حكومة «الوحدة الوطنية»، في سبتمبر (أيلول) 2021، ما عدّ حينها «ضربة جديدة لجهود السلام التي تدعمها الأمم المتحدة»، لكنه سرعان ما شكّل حكومة جديدة في شرق البلاد يترأسها راهناً أسامة حمّاد.
ودخل حمّاد على خط الأزمة مع «الوحدة»، مؤيداً انتقادات ودعوة صالح بوقف التعامل دولياً معها. وقالت إنها «بصفتها السلطة التنفيذية المنبثقة عن مجلس النواب، تجدد دعوتها إلى المجتمع الدولي للتوقف عن التعامل مع حكومة (الوحدة) المنتهية الولاية، حفاظاً على وحدة ليبيا واستقرارها».

ودفاعاً عن البرلمان، قالت حكومة حماد إن مجلس النواب «هو الأساس لأي حل سياسي، لأنه الممثل الشرعي المنتخب والمعبر عن إرادة الشعب»، وانتهت إلى أن «وحدة ليبيا وسيادتها خط أحمر لا يقبل التلاعب أو الاستغلال في المناكفات السياسية، وتوحيد السلطة التنفيذية وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي يمثلان أولوية قصوى».
وأدى الانفلات الأمني وعدم وجود دستور حاكم في ليبيا منذ إسقاط النظام السابق إلى استمرارية الأجسام السياسية الحالية تشريعية وتنفيذية في عملها، رغم انتهاء مدة ولايتها، لكنها مع ذلك، ظلت على وضعها بطريقة يطلق عليها الليبيون «شرعية الأمر الواقع».





