سياسة دونالد ترمب ترسم ملامح تحوّل جذري في العلاقات بين ضفّتي الأطلسي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

سياسة دونالد ترمب ترسم ملامح تحوّل جذري في العلاقات بين ضفّتي الأطلسي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت أوروبا مرتبطة بشكل وثيق بالولايات المتحدة. ورغم حدوث تباينات وخلافات بين الحين والآخر في العلاقات عبر الأطلسي، كانت العُقد تجد دائماً طريقها إلى حل يرضي الجميع، خصوصاً في ظل الخوف من قوة الاتحاد السوفياتي إبّان الحرب الباردة. أما الآن، في العهد الترمبي الثاني، فيبدو أن الولايات المتحدة وأوروبا تسيران في مسار تصادمي من شأنه أن يغير طبيعة العلاقات تغييراً جذرياً. فالخلافات كثيرة والتناقضات كبيرة؛ من حرب أوكرانيا إلى عمل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، من التغيرات المناخية إلى العلاقات التجارية، ومن ضوابط قطاع التكنولوجيا إلى الروابط مع الصين.

يقف دونالد ترمب في وسط هذا المشهد مجاهراً بآراء تناقض معظم ما يتوافق عليه زعماء دول الاتحاد الأوروبي. وهو بذلك يزعزع أُسساً بُنيت عليها السياسة الخارجية للقارة العجوز التي لطالما اتخّذت من القوة الأميركية قاعدة ثابتة، وتحاول الآن الحفاظ على التحالف وإبقاء الولايات المتحدة ضامناً للأمن الأوروبي، خصوصاً عبر «الناتو» الذي عاد إلى الواجهة بعد ضم الروس لشبه جزيرة القرم عام 2014 وغزو أوكرانيا عام 2022، مما جعل الأوروبيين يظنون أن ساحتهم هي الأولى في سلم الاهتمامات الأميركية بهدف التصدّي لـ«العدائية الروسية».

إلا أن لدى ترمب مقاربة مختلفة للغاية تجاه أوروبا و«الناتو» وديناميكيات التحالفات القائمة. ويرى محللون أن واشنطن «الحالية» ترى أن أوروبا أصبحت أقل أهمية، وأن القدرات العسكرية التي تنشرها أميركا في القارة تُثني «المحليين» عن بذل المجهود الكافي لتحمل مسؤولياتهم الدفاعية. والدليل على ذلك أن الأوروبيين لم يستطيعوا أن يلبّوا بالسرعة اللازمة الحاجات العسكرية لأوكرانيا التي لولا الدعم الأميركي لخسرت الحرب من بداياتها.

عمال إنقاذ يعملون في منطقة سكنية تعرضت لقصف روسي في إحدى ضواحي مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

الحلبة الأوكرانية

بالطبع لم يصدق الوعد الذي قطعه دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة، فنهج الإدارة تجاه الصراع المستمر منذ ثلاث سنوات بدأ ببطء، قبل أن يتسارع ويكسب زخماً حين توجه ستيف ويتكوف، رجل الأعمال الناشط في المجال العقاري ومبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط، إلى روسيا لإجراء عملية تبادل للسجناء أدت إلى إطلاق المدرّس الأميركي مارك فوغل، المسجون في روسيا منذ عام 2021 بعد إدانته بتهمة حيازة الماريغوانا.

بعد ذلك، نشر ترمب على منصته «تروث سوشيال» أنه تحدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأن الجانبين «سيبدآن المفاوضات على الفور». وفي اليوم نفسه، قال وزير دفاعه بيت هيغسيث في ألمانيا إنه من غير الواقعي الاعتقاد أن أوكرانيا ستستعيد كل أراضيها، ومن غير المرجح أن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي، وأن الضمانات الدفاعية المستقبلية لأوكرانيا لن تقدمها قوات أميركية أو أطلسية.

وكشف هيغسيث عن أن بلاده ستعطي آسيا الأولوية فيما على أوروبا أن تتحمل «مسؤولية أمنها»؛ أي بمعنى آخر تدبّر أمورها مع روسيا.

كذلك، أطلق ترمب سلسلة من الأقوال عن الحرب في أوكرانيا والمساعدات الأميركية، ولم يوفّر الرئيس فولوديمير زيلينسكي من الانتقاد واصفاً إياه بأنه «ممثل كوميدي ناجح إلى حد ما» و«ديكتاتور غير منتخب»، بما أن ولايته القانونية انتهت في مايو (أيار) الماضي، لكن واقع الحرب وإعلان الأحكام العرفية أبقياه رئيساً.

المهم أن دونالد ترمب جدّي في أمرين: إنهاء الحرب والحصول على اتفاق لاستغلال ما يحتوي عليه باطن الأراضي الأوكرانية من معادن ثمينة ليعوّض على الخزينة ثمن الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى التي أُرسلت إلى كييف. ويبدو أن المفاوضات - الضغوط ستجعل زيلينسكي يوقّع قريباً اتفاقاً بشأن المعادن يرضي واشنطن.

والمهم أيضاً أن الأوروبيين يتهيّبون الموقف، واحتمال أن يجدوا أنفسهم وحيدين في مواجهة روسيا، ومسؤولين عن حماية أوكرانيا، الأمر الذي سيرغمهم على مزيد من الإنفاق لتحقيق المستوى المطلوب من العسكَرة. وهنا يقول محللون أوروبيون إن من الواجب أخذ كلام ترمب على محمل الجد، ويذكّرون بما حصل خلال عهد جو بايدن في أفغانستان عام 2021. ويُفاقم التخوف أن الإدارة الأميركية تجري محادثات مباشرة مع الروس بمعزل عن الأوروبيين والأوكرانيين معاً!

حاويات في مرفأ سياتل في شمال غربي الولايات المتحدة (رويترز)

ملف العلاقات التجارية

بلغ التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي 975.9 مليار دولار عام 2024: الصادرات الأميركية 370.2 مليار دولار، مقابل واردات قيمتها 605.8 مليار دولار؛ أي إن العجز التجاري الأميركي هو 235.6 مليار دولار بزيادة نسبتها 12.9 في المائة (26.9 مليار دولار) عن عام 2023.

لن يرضى دونالد ترمب بهذا الخلل بين كفّتَي الميزان التجاري، فالاقتصاد الأوروبي ضخم للغاية مع وجود 450 مليون مستهلك معظمهم من أصحاب القدرة الشرائية المرتفعة، والناتج الإجمالي للاتحاد الأوروبي يفوق 17 تريليون دولار (عام 2023)، أي ما يوازي تقريباً حجم اقتصاد الصين.

وقد قال ترمب في دافوس يوم 23 يناير (كانون الثاني) إن «الاتحاد الأوروبي يعاملنا بطريقة غير عادلة وسيئة للغاية. إنهم يفرضون ضريبة كبيرة هي ضريبة القيمة المضافة. إنهم لا يأخذون (يستوردون) منتجاتنا الزراعية ولا يأخذون سياراتنا. ومع ذلك يرسلون إلينا السيارات بالملايين... يفرضون رسوماً جمركية تجعل من الصعب للغاية جلب المنتجات إلى أوروبا، ومع ذلك يبيعون منتجاتهم في الولايات المتحدة». ويضاف إلى ذلك امتعاض واشنطن من القيود والضوابط التي تفرضها بروكسل على شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة.

بالتالي ستطلب إدارة ترمب من الأوروبيين تنازلات في شتى المجالات، ولن «تنجو» من ذلك الدول الأعضاء في «الناتو»، بل إن ترمب يريد من هذه أن ترفع إنفاقها الدفاعي من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 في المائة!

في السابع من فبراير (شباط)، أعلن الرئيس الأميركي خطة لفرض رسوم جمركية على الواردات تساوي المعدلات التي يفرضها شركاء التجارة على الصادرات الأميركية. وأياً تكن تفاصيل التنفيذ، ستتأثر أوروبا سلباً خصوصاً أن اقتصاداتها تعاني ولا تملك قدرة على مواجهة حرب تجارية مع خصم بهذا الحجم.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصافح رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو وإلى جانبهما رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (إ.ب.أ)

لذلك، سيحاول الاتحاد الأوروبي المواجهة بتشكيل جبهة مشتركة مع حلفاء الولايات المتحدة الآخرين وأعضاء مجموعة الدول السبع. ولهذه الغاية زار رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو (يغادر منصبه قريباً) بروكسل للقاء مسؤولي الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسهم رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، لمناقشة التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، بعدما قرر ترمب فرض 25 في المائة رسوماً جمركية إضافية على السلع الواردة من كندا والمكسيك، قبل أن يرجئ التنفيذ بعد اتصالات دبلوماسية مع الجارَين.

تحوّل استراتيجي؟

يقول ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد الأميركية، إن خطاب جي دي فانس، نائب ترمب، في مؤتمر ميونيخ للأمن كان بانتقاده «انحراف» أوروبا عن القيم الغربية «الحقيقية» نقطة تحوّل، تبعها موقف الرئيس من الحرب الأوكرانية، الأمر الذي يبرر اعتقاد البعض أن الولايات المتحدة لم تعد حليفاً تلقائياً لأوروبا، بل يفسّر أنها قد لا تكون شريكاً بعد الآن وتتحوّل إلى خصم حقيقي. بمعنى أن هناك تحولاً استراتيجياً يفوق التباينات التي حصلت حول حرب فيتنام أو نشر الصواريخ النووية أو حربَي كوسوفو والعراق... إلخ.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1990، خشي الأوروبيون الغربيون أن يتراجع اهتمام أميركا بهم، لكن هذا لم يحصل. على العكس من ذلك، تمدد النفوذ الأميركي في أوروبا شرقاً، وانضمت دول عدة إلى «الناتو». غير أن ما يجري الآن يحمل دلالات عميقة ومقلقة لباريس وبرلين ومدريد، وحتى لندن التي خرجت من عائلة الاتحاد الأوروبي. فالإدارة الأميركية تفاوض فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب الأوكرانية من دون إشراك الأوروبيين، وتغازل اليمين الأوروبي المتطرف المتمثل بجورجيا ميلوني (إيطاليا) وفيكتور أوروبان (المجر) وسواهما، وتنظر بعين الرضا إلى تقدّم حزب «البديل من أجل ألمانيا» قبل الانتخابات المبكرة التي تقام غداً الأحد.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن (إ.ب.أ)

الواضح أن زعماء أوروبا - الغربية خصوصاً - يواجهون الآن الحقيقة بكل قسوتها، فما كان سائداً في العلاقات بين ضفّتَي المحيط الأطلسي منذ عقود يسير في اتجاه خط النهاية. وسينشأ بدلاً من العلاقة بين «الأخ الأكبر» صاحب مظلة الحماية لـ«الأخ الأصغر»، واقع جديد تفرضه سياسة يؤمن بها دونالد ترمب، وتضع شعار «أميركا أولاً» فوق كل اعتبار، وقبل أي حليف أو صديق.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تهاجم سانت بطرسبرغ خلال استضافتها المنتدى الاقتصادي الدولي

أوروبا يلتقي ماكرون وستارمر ميرتس وزيلينسكي في لندن الأحد لمناقشة «دعم أوكرانيا»... الصورة في لقاء سابق لهم في العاصمة البريطانية (أ.ب) p-circle

أوكرانيا تهاجم سانت بطرسبرغ خلال استضافتها المنتدى الاقتصادي الدولي

أوكرانيا تطلق مسيّرات على سانت بطرسبرغ خلال المنتدى الاقتصادي الدولي...بوتين يعترف أنها تسببت في «ضرر» اقتصادي...ماكرون وميرتس وستارمر يلتقون زيلينسكي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب خروجه من الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون (أ.ف.ب)

تحليل إخباري الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إحراز «تقدم كبير»، وتأكيده الحازم بأن طهران لن تمتلك أسلحة نووية مطلقاً، فإن الوقائع تعكس معادلة شديدة التعقيد.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

اتهمت إيران الولايات المتحدة، السبت، بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار القائم بين الجانبين بعد ضربات أمريكية استهدفت منشآت رادار ومراقبة ساحلية إيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب خروجه من الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: لا يزال لدى إيران «21 إلى 22 %» من صواريخها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع قناة «إن بي سي»، إن إيران ما زال لديها «21 إلى 22%» من صواريخها، بعد أكثر من 3 أشهر من الحرب.

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
الاقتصاد ترمب خلال اجتماعه مع قادة التكنولوجيا الأميركية في البيت الأبيض سبتمبر 2025 لتعزيز هيمنة الذكاء الاصطناعي الأميركية (البيت الأبيض)

ترمب يفتح ملف ملكية الذكاء الاصطناعي: مَن يربح ثروة المستقبل؟

يرى البعض في الولايات المتحدة أن «تأميم» جزء من الذكاء الاصطناعي قد يسرّع اندماج الحكومة مع قوة الشركات، مما يزيد الخطر على النظام الرأسمالي الأميركي.

إيلي يوسف (واشنطن)

أرمينيا تجري انتخابات برلمانية حاسمة الأحد

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
TT

أرمينيا تجري انتخابات برلمانية حاسمة الأحد

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)

تشهد أرمينيا غداً (الأحد) انتخابات برلمانية، ستكون بمثابة تصويت بشأن مستقبلها الجيوسياسي، حيث يسعى رئيس الوزراء الحالي نيكول باشينيان، إلى توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الرغم من علاقات بلاده الطويلة مع روسيا التي دافع عنها منتقدوه.

ويتوقع كثير من المحللين احتفاظ حزب «العقد المدني» بزعامة باشينيان، بالسيطرة على البرلمان، لكن مع خوض كثير من أحزاب المعارضة الانتخابات اعتماداً على برامج مؤيدة لروسيا، فقد تم تسليط الضوء على مكانة أرمينيا الواقعة في منطقة القوقاز على الساحة الدولية.

مؤيدون لرئيس الوزراء نيكول باشينيان في ساحة الجمهورية بالعاصمة يريفان (أ.ب)

وفي الأشهر التي سبقت الانتخابات، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولون روس آخرون، أرمينيا، من أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يأتي على حساب ضرر اقتصادي واسع بعرقلة العلاقات التجارية الأرمينية مع موسكو وحلفائها.

وقال ميكائيل زوليان، وهو محلل وعضو سابق في البرلمان الأرميني لوكالة «أسوشييتد برس» من يريفان: «هذه هي أول انتخابات في تاريخ أرمينيا يصبح فيها التوجه الجيوسياسي قضية حاسمة».

وتحادث بوتين وباشينيان هاتفياً قبل أيام، واتفقا على عقد اجتماع مباشر في المستقبل القريب لحل الخلافات القائمة.


مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.