اجتماع الرياض أطلق مسار التطبيع... وموسكو تتطلع لـ«تنظيف إرث بايدن»

قمة ترمب - بوتين قد تعقد قبل نهاية الشهر... و«عقبات» أوروبية تهدد تسوية أوكرانيا

يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال اجتماعهما في قصر الدرعية بالرياض (أ.ف.ب)
يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال اجتماعهما في قصر الدرعية بالرياض (أ.ف.ب)
TT

اجتماع الرياض أطلق مسار التطبيع... وموسكو تتطلع لـ«تنظيف إرث بايدن»

يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال اجتماعهما في قصر الدرعية بالرياض (أ.ف.ب)
يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يمين) نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال اجتماعهما في قصر الدرعية بالرياض (أ.ف.ب)

كشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن تفاصيل جولة المحادثات المطولة التي أجراها، الثلاثاء، في الرياض، الطرفان الروسي والأميركي. وبدا لافروف مرتاحاً لنتائج المحادثات، وقال في مداخلة أمام البرلمان الروسي، خلال اجتماع «ساعة حكومية» المخصص عادة للاستماع إلى إفادات الوزراء، إن لقاء الرياض أطلق عملياً مسار التطبيع في العلاقات بين موسكو وواشنطن.

وقال مخاطباً النواب في مجلس الدوما (النواب): «كما أظهرت مفاوضات الأمس، فإن التحرك نحو تطبيع العلاقات في جميع الاتجاهات بدأ بالفعل. وهناك على الأقل استعداد، واستعداد معلن لبدء هذه الحركة. ولحل، ليس فقط الأزمة الأوكرانية، بل لخلق الظروف لاستعادة وتوسيع الشراكة في المجالات التجارية والاقتصادية والجيوسياسية بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة».

ورأى لافروف أن «روسيا والولايات المتحدة بدأتا في الابتعاد عن حافة الهاوية في العلاقات بعد هذا الاجتماع»، مشدداً على توافق الطرفين على أنه «من الضروري تنظيف إرث (الرئيس السابق جو) بايدن لتهيئة الظروف لبناء الشراكات في التجارة والسياسة».

جانب من المحادثات الأميركية - الروسية بقصر الدرعية في الرياض (رويترز)

وأكد أن موسكو لديها رغبة في تهيئة الظروف لاستعادة وتوسيع الشراكة مع الولايات المتحدة، وقال إن بلاده تأمل، على خلفية الأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء، أن «تتوفر الظروف لإجراء مفاوضات بشأن الأمن والاستقرار الاستراتيجي، وأن يبدأ التحرك نحو التطبيع»، مؤكداً أن وفد الولايات المتحدة أعرب عن اهتمام بإزالة العوائق أمام المشاريع المحتملة والواعدة في الاقتصاد. وأضاف الوزير أن «المصالح الوطنية لموسكو وواشنطن لن تتوافق أبداً بشكل كامل، ولكن يجب على الطرفين الاستفادة من بعضهما البعض».

حول الصراع في أوكرانيا

في ملف الصراع حول أوكرانيا، عكست لهجة لافروف ارتياحاً مماثلاً، وقال إن الوفد الروسي المفاوض ركز على أنه «لا يوجد بديل عن القضاء على الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية». وزاد أن الرئيس فلاديمير بوتين «ركز بشكل خاص على هذه النقطة المهمة للغاية في محادثته الهاتفية مع الرئيس دونالد ترمب في 12 فبراير (شباط)، وأمس أولينا اهتماماً خاصاً لهذا الموضوع خلال الاجتماع مع وزير الخارجية الأميركي، بمشاركة مساعدين لشؤون السياسة الخارجية والأمن القومي».

وقال الوزير إن الجانب الروسي دعا واشنطن خلال المفاوضات إلى «إزالة التهديدات لأمن روسيا، والتي تم إنشاؤها لسنوات عديدة من خلال جر كييف إلى حلف شمال الأطلسي». وأوضح أن الانطباع الذي خرج به المفاوضون الروس يؤكد أن «الرئيس ترمب يتفهم هذا الموقف والمخاوف الروسية».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال اجتماعهما على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن الجمعة (أ.ب)

أيضاً قال إن الوفد الروسي أكد ضرورة «وقف إبادة كل ما يرتبط بروسيا في أوكرانيا، ووقف اضطهاد الثقافة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية». وقال إن موسكو أبلغت واشنطن أنها تشعر بالقلق إزاء صعود النازية الجديدة في أوكرانيا والاتحاد الأوروبي وكندا.

واستمرت المحادثات الروسية - الأميركية رفيعة المستوى عدة ساعات، واختتمت، الثلاثاء. وحضر اللقاء من الجانب الروسي وزير الخارجية سيرغي لافروف، ومساعد الرئيس يوري أوشاكوف. ومثّل واشنطن وزير الخارجية ماركو روبيو، ومستشار الأمن القومي مايك والتز، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيفن ويتكوف. وفي أعقاب الاجتماع، أعلن الوفدان الروسي والأميركي عن نتائج إيجابية، والاتفاق على حل المشاكل بشكل مشترك، والتحضير لاجتماعات جديدة.

الرئيس الأوكراني زيلينسكي خلال لقائه ترمب في نيويورك (أ.ب)

ترميم العلاقات مع واشنطن

وحول العلاقات الثنائية مع واشنطن، قال الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إنها «تحتاج إلى ترميم، ولا يمكن تصحيح الوضع في يوم واحد». وزاد أن «الدبلوماسيين سوف يبدأون العمل على إعادة العلاقات في ضوء الاتفاقات التي تم التوصل إليها في الرياض (...) المزاج السائد لمواصلة عملية التفاوض عملي، والزخم جيد جداً».

بدوره، وصف رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل دميترييف، الذي كان مسؤولاً عن المسار الاقتصادي للمفاوضات، نتائج الاجتماع بأنها إيجابية. وقال إن موسكو تعول على البناء على «الخطوة الأولى»، وإطلاق مسار متسارع لتطبيع العلاقات في المجالات كافة. في مقابل التفاؤل الروسي بمستوى الزخم الذي وفرته اجتماعات الرياض، أعرب محللون في موسكو عن مخاوف من أن يعمل الأوروبيون على محاولة عرقلة تطبيع العلاقات بين موسكو وواشنطن، ووضع عراقيل أمام التسوية المنتظرة في أوكرانيا.

قمة بوتين - ترمب

في غضون ذلك، أعلن بيسكوف أن القمة المرتقبة بين الرئيسين الروسي والأميركي قد تنعقد قبل نهاية الشهر الحالي. وأوضح أن «وسائل الإعلام الغربية تكتب كثيراً، ووسائل إعلامنا تكتب كثيراً... الأكيد أن لقاء الزعيمين سيتطلب استعدادات معينة من قبل وزارتي الخارجية، وقد يتم ترتيب اللقاء قبل حلول نهاية الشهر». وقال بيسكوف إن موسكو وواشنطن اتخذتا «خطوة مهمة للغاية نحو حل الصراع في أوكرانيا». وزاد أن «بوتين سوف يعين مفاوضاً من روسيا في هذا الشأن اعتماداً على من تعينه الولايات المتحدة، مفاوضاً من الجانب الأميركي». وأضاف بيسكوف أن الكرملين «ينتظر أن يبلور (الرئيس الأوكراني) فولوديمير زيلينسكي موقفه بشأن حل النزاع»، في إشارة إلى ترقب استعداد كييف للانخراط في عملية سياسية.

كما ذكر المتحدث باسم الكرملين أن روسيا والولايات المتحدة بحثتا إمكانية إجراء انتخابات في أوكرانيا خلال محادثات الرياض، وتم «تبادل الآراء» حول هذا الموضوع، وأضاف بيسكوف أنه «بالطبع، لا يمكن اتخاذ قرار بشأن هذا الأمر في موسكو أو واشنطن».

الرئيس الأوكراني زيلينسكي يتهم القيادة الروسية بالكذب (أ.ف.ب)

واعتبر زيلينسكي، الأربعاء، أن ترمب «يعيش في مساحة من التضليل»، وذلك رداً على انتقادات وجّهها إليه نظيره الأميركي، وقال في مؤتمر صحافي في كييف: «الرئيس ترمب الذي نحترمه للغاية بوصفه قائداً للشعب الأميركي... يعيش للأسف في مساحة من التضليل»، معتبراً أن هذا التضليل «مصدره روسيا».

وبدوره، أكد كيث كيلوغ، موفد الرئيس الأميركي لأوكرانيا، الأربعاء، أن واشنطن تتفهم حاجة أوكرانيا لضمانات أمنية، في أول زيارة له إلى كييف غداة محادثات الرياض وتوجيه دونالد ترمب انتقادات حادة للرئيس الأوكراني. وبعد ساعات، أكد زيلينسكي عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن المسؤولين الروس «مصابون بالكذب المرضي ولا يمكن الوثوق بهم». وقال كيلوغ لدى وصوله إلى كييف: «نتفهّم الحاجة إلى ضمانات أمنية. نحن واضحون للغاية بشأن أهمية ذلك في إطار سيادة» أوكرانيا. وأضاف: «سيكون جزءاً من مهمتي الجلوس والاستماع لمخاوفكم».

حزمة عقوبات أوروبية جديدة

وكتب فلاديمير فاسيلييف، الباحث الرئيسي في معهد الولايات المتحدة وكندا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، أن «نجاح مفاوضات موسكو وواشنطن بشأن الصراع سيظل يعتمد على سلوك الاتحاد الأوروبي وكييف».

ويرى فاسيلييف أن «الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا لا يريدان أن تنتهي العمليات العسكرية بسرعة. وربما يخشيان أن يؤدي هذا إلى انهيار نظام زيلينسكي. وهناك احتمال أن يحاول الغرب تقليص المواجهة إلى صراع بطيء، كما حدث بعد توقيع اتفاقيات مينسك». وعلاوة على ذلك، فإنه يرى أن إجراء انتخابات رئاسية في أوكرانيا لا يضمن على الإطلاق وصول قيادة أكثر استيعاباً للسلطة. ولا يمكن استبعاد أن يصوت الأوكرانيون لصالح «جنرال النصر» الذي يعارض السلام مع روسيا. وفي هذا الصدد، وفي مقابل التفاؤل بانطلاقة جديدة للعلاقات الروسية - الأميركية، فقد حثّ الخبير على «عدم توقع حلول سريعة، أو حلول بسيطة للمشكلة حول أوكرانيا».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع المبعوث الأميركي الخاص لأوكرانيا وروسيا كيث كيلوغ في بروكسل (رويترز)

وأيدت دول الاتحاد الأوروبي حزمة العقوبات السادسة عشرة على روسيا، قبل أيام من الذكرى الثالثة للاجتياح الروسي الشامل لأوكرانيا، طبقاً لما ذكرته الرئاسة البولندية للاتحاد.

ووافق سفراء دول الاتحاد الأوروبي على الحزمة الجديدة من الإجراءات العقابية، ومن المقرر اعتمادها بشكل رسمي عندما يجتمع وزراء خارجية التكتل، الاثنين المقبل، وهو الذكرى الثالثة للحرب. وتستهدف الإجراءات العقابية الجديدة قائدي ومالكي السفن التابعة لما يسمى بأسطول الظل الروسي، وهو شبكة من السفن ذات الملكية غير الواضحة، وبعضها حتى غير مؤمن عليها. ويتم استخدام هذه السفن للالتفاف على سقف الأسعار الذي فرضه الغرب على صادرات النفط الروسية إلى دول ثالثة، أو لنقل الحبوب المسروقة من أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

أوروبا عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

وسَّع الحزب الحاكم سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً.

رائد جبر (موسكو)
العالم نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية قرب موسكو بعد استهدافها في هجوم أوكراني الأحد (رويترز) p-circle

ترمب يدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا ويشير لتضرر روسيا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الاثنين، إن روسيا «فقدت السيطرة» على قطاع وقود الديزل لديها، وكرر مرة أخرى دعوته لإنهاء ‌حرب موسكو ​على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مجمع لإعادة الشحن بميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود في روسيا (رويترز)

كازاخستان تزيد صادرات النفط عبر «نوفوروسيسك» في أغسطس

زادت كازاخستان شحنات النفط عبر ميناء «نوفوروسيسك» الروسي على البحر الأسود 28 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي، لتصل إلى 460 ألف طن متري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «ترافيغورا» عند مدخلها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«ترافيغورا» تطلق شركة ناقلات جديدة وتخطط لإدراجها في بورصة أوسلو

أطلقت «ترافيغورا» لتجارة السلع الأولية، شركة «فولار شيبينغ» للشحن التي ستملك وتدير 14 ناقلة نفط عملاقة، وقالت إنها ستبيع أسهماً في الشركة قبل إدراجها بالبورصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وقال أحدهم إن هجوماً محتملاً قد يقع خلال «أشهر لا سنوات».

«الشرق الأوسط» (لندن)

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
TT

الشيشان: قديروف يحصل على 99.85 % من الأصوات في الانتخابات الرئاسية

الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)
الزعيم الشيشاني رمضان قديروف (رويترز)

حصل الزعيم الشيشاني، رمضان قديروف، على 99.85 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية بجمهورية الشيشان الروسية الواقعة في منطقة شمال القوقاز.

وذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، الاثنين، أن النسبة التي أعلنتها لجنة الانتخابات جاءت أعلى حتى من النسبة المسجلة في الانتخابات السابقة عام 2021، التي بلغت 99.73 في المائة.

ويحكم قديروف منطقة الشيشان المضطربة بقبضة حديدية منذ أكثر من 20 عاماً، بدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ووثق نشطاء في مجال الحقوق المدنية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعمليات قتل استهدفت منتقدي النظام.

في الوقت نفسه، تتردد تقارير تزعم أن قديروف يعاني أمراضاً خطيرة، بينما يسعى علناً إلى تهيئة ابنه آدم، البالغ من العمر 18 عاماً، ليكون خليفة «محتملاً» له.

وجاء صعود قديروف إلى السلطة عقب مقتل والده أحمد قديروف في تفجير عام 2004 نفذه متمردون عدّوه منقلباً عليهم.


«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
TT

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)
عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

لم تحمل نتائج الانتخابات العامة في روسيا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية في روسيا. ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال عالية للغاية رغم تأثيرات الحرب وتداعياتها في كل المدن الروسية تقريباً، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي تجديداً كاملاً للولاء وتأييد سياساته بعد مرور عامين على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد للبلاد.

ودلت النتائج الأولية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية، صباح الاثنين، إلى أن الحزب الحاكم وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة الأخرى التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربح تصويتاً شعبياً على خياراته السياسية (أ.ف.ب)

سيطرة مطلقة

بهذه النتائج، التي ينتظر أن تُعلن رسمياً في 25 سبتمبر (أيلول) حصد حزب «روسيا الموحدة» رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأخرى التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

ومن المتوقع، وفقاً للنتائج المعلنة، أن يحصد الحزب الشيوعي الذي حل في المرتبة الثانية 40 مقعداً، يليه الحزب الليبرالي الديمقراطي 25 مقعداً، وحزب «الشعب الجديد» 20 مقعداً، ثم حزبا «روسيا العادلة» 4 مقاعد، و«رودينا» (الوطن) بمقعد واحد. واللافت، أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق؛ ما دل إلى أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار. وقد حصل حزب روسيا الموحدة على 57.8 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف خلال مؤتمر صحافي في موسكو الاثنين (أ.ب)

إقبال قياسي

لكن النسب المعلنة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ اذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها إلى حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خياري: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات. ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

وأكدت ايلا بامفيلوفا، رئيسة لجنة الانتخابات أن الحملة الانتخابية «جرت بأقصى قدر من النزاهة، رغم كل التحديات».

وأشارت إلى مشاركة أكثر من 336 ألف مراقب، من بينهم مراقبون من دول أخرى، في مراكز الاقتراع.

وقالت إنه لم تُسجّل أي حالة إبطال لنتائج التصويت.

علماً بأنه مع غياب المراقبين الغربيين، فقد أشرف على الانتخابات ممثلون عن 12 مؤسسة إقليمية في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

مراسلون وصحافيون يعملون داخل المقر الرئيسي للجنة الانتخابات المركزية بعد إغلاق مراكز الاقتراع في موسكو الأحد (أ.ف.ب)

وقالت بامفيلوفا: «الأمر المثير للدهشة، ورغم كل التحديات والتهديدات والصعوبات والتضحيات، وللأسف، الخسائر البشرية التي تكبدناها، فقد جرت الحملة بأقصى قدر من النزاهة والهدوء».

وأشارت إلى أن التصويت «كان من أصعب الانتخابات بسبب الهجمات الإلكترونية غير المسبوقة». وشكرت بامفيلوفا أجهزة إنفاذ القانون والخدمات الأمنية على ضمان الأمن. مؤكدة أن مسار هذه الحملة الانتخابية «يُسهم في تعزيز روسيا وتمكينها وتنميتها».

انتخابات تحت النار

وكان اليوم الثالث للانتخابات جرى بشكل متوتر جداً؛ بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات؛ ما أسفر عن مقتل شخصين واندلاع حريق في مصفاة للنفط.

مركز تجاري أصيب بهجوم روسي خلال الليل بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الاثنين (إ.ب.أ)

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق» و«خُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح»، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت أكثر من 1600 مسيّرة، بينها «450 كانت متجهة نحو موسكو».

في المقابل، أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالضربات. وقال: «كان لعملياتنا البعيدة المدى تأثير كبير جداً في منطقة موسكو الليلة الماضية»، مؤكداً استخدام نحو عشرة أنواع مختلفة من الأسلحة. وأعلن زيلينسكي أنه اتفق مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على عقد لقاء في نيويورك، وذلك عقب محادثة هاتفية جرت بينهما الأحد.

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت «أكثر من ألف» موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت «البنية التحتية للاتصالات في روسيا عموماً». وقالت بامفيلوفا إن «الهجمات نفذتها مجموعات محترفة للغاية ومنسقة بشكل جيد تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي»، مشيرة إلى محاولات تحمل «مؤشرات إلى تدخل أوكراني».

شرطيان أمام مبنى سكني أصيب بهجوم طائرة مسيَّرة روسية خلال الليل في مدينة زابوريجيا الأوكرانية الاثنين (رويترز)

استعدادات للمفاوضات

وفي أول رسالة سياسية بعد الانتخابات، واستباقاً للقاء ترمب مع زيلينسكي، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أمل موسكو في العودة إلى المفاوضات الثلاثية بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا.

وقال بيسكوف في تصريحات صحافية، الاثنين: «نحن منفتحون على استئناف المفاوضات الثلاثية. صحيح، نحن نواصل العملية العسكرية الخاصة، وعسكريونا يعملون لتحقيق الأهداف المنشودة. لكننا نأمل في أن نتوصل في النهاية إلى استئناف المفاوضات الثلاثية». وأضاف: «سنقوم بمحاولة أخرى لتحقيق أهدافنا بالوسائل السلمية».

لكنه تجنب في الوقت ذاته التعبير عن تفاؤل بنجاح الجهود الأميركية، وعندما سُئل عن الفرص الحقيقية لتحقيق اختراق سياسي قريباً يطلق جولات تفاوض جديدة قال: «لا، لا يوجد أي تقدم (بهذا الشأن حالياً)».

وفي وقت سابق، صرح جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، أن اللقاءات التي أجراها والمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف في موسكو وكييف منحت الولايات المتحدة تصوراً واضحاً للمسار الذي قد يقود إلى تسوية طويلة الأمد للنزاع، مشيراً إلى أن هذه اللقاءات أثمرت أفكاراً جديدة يمكن طرحها خلال لقاء ثلاثي يعقد قريباً.


قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
TT

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)
المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وسط تقديرات بأن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا، في حين حذّر مسؤولون آخرون من المبالغة في الحديث عن هجوم وشيك.

وتأتي التحذيرات بعدما أبلغ رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك البرلمان بأن تقديرات استخباراتية تشير إلى احتمال شن روسيا هجوماً بطائرات مسيّرة أو صواريخ على أراضي «ناتو» خلال الأشهر المقبلة، في محاولة لإثبات أن «المادة الخامسة نظرية أكثر منها عملية». ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه التحذيرات بأنها «سليمة وموثَّقة جيداً».

وفي مقابلات أجرتها صحيفة «الغارديان» مع ثلاثة من قادة أجهزة الاستخبارات الأوروبية، قال ميخال كوديلكا، رئيس جهاز الأمن والمعلومات التشيكي، إن التحركات الروسية المحتملة قد تشمل زيادة نشاط المسيّرات أو توغلاً محدوداً داخل أراضي دولة عضو في «ناتو» تُتاخم روسيا.

وأضاف أن السيناريوهات المحتملة تشمل «توغلاً محدوداً، أو استفزازات تحت راية زائفة، أو حملة تأثير واسعة النطاق»، مشيراً إلى أن ذلك قد يحدث خلال «أشهر لا سنوات».

في المقابل، أبدى مسؤولون في دول البلطيق حذراً أكبر إزاء احتمال وقوع هجوم قريب. وقال نورموندس ميجفيتس، المدير العام لجهاز أمن الدولة في لاتفيا: «لا نرى مؤشرات على هجوم وشيك»، لكنه أقرّ بوجود دلائل على أن موسكو تستعد لتحركات أكثر تصعيداً في أوروبا.

وأوضح أن من غير الواضح ما إذا كانت لدى روسيا خطط مباشرة ومحددة، أم أن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لنشر الخوف وعدم اليقين في المجتمعات الغربية.

ويشير التقرير إلى أن المخاوف الأوروبية لا تقتصر على احتمال حدوث مواجهة عسكرية مباشرة؛ إذ تتهم أجهزة استخبارات غربية موسكو بتنفيذ حملة تخريب في دول داعمة لأوكرانيا، إلى جانب عمليات يُعتقد أنها تهدف إلى اختبار حدود رد فعل «ناتو».

ووصف كوديلكا النهج الروسي بأنه «التصعيد من أجل خفض التصعيد»، عادَّاً أن موسكو تسعى إلى الضغط على نقاط الضعف في المجتمعات الغربية وتقليص دعمها لأوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، لا ترى أجهزة استخبارات أوروبية مؤشرات على استعداد موسكو للدخول في مفاوضات سلام جدية بشأن أوكرانيا. وقال توماس نيلسون، رئيس جهاز الاستخبارات والأمن العسكري السويدي: «لم أرَ أي مؤشرات على وجود تفكير جدي في موسكو بشأن مفاوضات حقيقية»، مضيفاً أن روسيا لا تزال تعتقد أنها قادرة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

واتفق مسؤولو الاستخبارات الذين تحدثت إليهم الصحيفة على أن عمليات التخريب الروسية في أوروبا قد تتصاعد، مع انتقالها من عمليات عشوائية تهدف إلى إثارة الذعر إلى استهداف منشآت مرتبطة بالدعم الغربي لأوكرانيا.

وقال ميجفيتس إن هذه الأهداف تشمل البنية التحتية للسكك الحديدية والمنشآت المرتبطة بدعم أوكرانيا، مع تحول متزايد نحو الصناعات الدفاعية.

ويرى المسؤولون أن هذه الأنشطة تهدف، إلى جانب إلحاق أضرار مادية، إلى تقليص الدعم لأوكرانيا وإحداث انقسامات داخل «ناتو» وإثارة القلق في المجتمعات الأوروبية، فضلاً عن استنزاف موارد أجهزة الاستخبارات عبر إجبارها على التعامل مع كل حريق أو عطل بوصفه تهديداً محتملاً.