وزير «العدل» في حكومة حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: حرب السودان ربما تستمر لسنوات

عبد الباري قال إنه يؤيد قيام «حكومة موازية» في مناطق «قوات الدعم السريع»

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
TT

وزير «العدل» في حكومة حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: حرب السودان ربما تستمر لسنوات

نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)
نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في حكومة عبد الله حمدوك (الشرق الأوسط)

رأى وزير العدل السوداني السابق، الدكتور نصر الدين عبد الباري، أن تأسيس حكومة مدنية (موازية)، في المناطق الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، أمر تقتضيه الضرورة الملحة لصيانة كرامة ملايين المواطنين في تلك المناطق، الذين يفتقرون إلى أساسيات الحياة، كالصحة والتعليم، ولا يملكون خياراً سوى البقاء في مناطقهم.

وقال عبد الباري وهو أحد المؤيدين البارزين لقيام حكومة موازية لحكومة بورتسودان المدعومة من الجيش، إن «معاناة الناس في مناطق (الدعم السريع)، ربما تستمر لسنوات طويلة مع استمرار الحرب التي لا تلوح في الأفق أي مؤشرات جدية على نهايتها قريباً». وأضاف: «بالنظر إلى تاريخ الحروب في السودان وآمادها الطويلة، فليس هنالك من سبب يدعو إلى التفاؤل بأن الحرب الحالية سوف تنتهي في أي وقت قريب».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «تأسيس الحكومة ليس له علاقة بجدل الشرعية أو عدمها، لأنه لا شرعية اليوم لأحد في السودان، ولا توجد آليات متفق عليها لتحديد شرعية أي سلطة قائمة، أو سوف تقوم في المستقبل». وأكد أن صون كرامة الإنسان السوداني بتأسيس الحكومة الموازية بات أمراً ضرورياً، وينبغي أن يكون فوق الاعتبارات السياسية، أياً كانت.

وكان أعضاء في التحالف المدني الأبرز في السودان «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية»، الذي يترأسه رئيس الوزراء المدني السابق عبد الله حمدوك، اقترحوا تشكيل «حكومة موازية» في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، مما تسبب في انقسام بين القوى المنضوية بالتنسيقية، بين مؤيد عدّها فرصة لتحقيق هدف «نزع الشرعية» من الحكومة المدعومة من الجيش في بورتسودان، ومعارض آخر عدّها انحيازاً لأحد أطراف الصراع، ومخالفة لمواثيق التحالف الذي لا يعترف بشرعية أي من طرفي الحرب.

الاعتراف بالحكومة مهم

سودانيون فرُّوا من دارفور إلى أدري في تشاد (رويترز)

وأوضح عبد الباري أن من يتبنون فكرة قيام سلطة في المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» لا يخططون لتقسيم البلاد، أو تأسيس دولة جديدة، مشيراً إلى وجود خلط عند البعض، بين مفهومي الدولة والحكومة، ومثال ذلك في ليبيا التي بقيت دولة واحدة بحكومتين، وأنه لا يرى «أي مشكلة في وجود عدة حكومات بالدولة الواحدة، ما دامت الأطراف المختلفة متمسكة بوحدة السودان».

وقال الوزير السابق، الحائز على درجة الدكتوراه من جامعة جورجتاون، الأميركية، والماجستير من جامعة هارفارد، وشارك بفاعلية في حكومتي الثورة الأولى والثانية برئاسة عبد الله حمدوك، إن «الاعتراف بالحكومة من قبل الدول الأخرى مهم، ويتم في العادة لاعتبارات سياسية، أو لمصالح مشتركة»، مشيراً إلى أهمية التعاون الدولي، «وسيكون صعباً خصوصاً في أوضاع الحرب والنزاعات».

واستدرك قائلاً: «هذا لا يعني أن الحكومة غير المعترف بها لا تستطيع أداء مهامها... المهم أن تكتسب هذه الحكومة الشرعية الداخلية، وهي اعتراف السكان بأنها تمثلهم وتمثل مصالحهم، وهو أمر قد يتحقق من الأيام الأولى. قد يزيد أو ينقص بحسب قدرة الحكومة على توفير الخدمات والعدالة والأمن لهؤلاء السكان».

وقال عبد الباري إنه لا يستطيع تحديد دول بعينها يمكن أن تعترف بالحكومة الجديدة، التي سوف تعلن في الأراضي الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، ومناطق حركة «العدل والمساواة» جناح سليمان صندل، و«تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، وحركة تحرير السودان، المجلس الانتقالي، بقيادة الهادي إدريس. وأضاف: «مهام هذه الحكومة - كأي حكومة - هي توفير الأمن والعدالة للمواطنين، لكن قدرة أو عدم قدرة هذه الحكومة الجديدة على القيام بذلك، أمر يعتمد على حصولها على الأدوات والآليات اللازمة لتوفير الأمن وتصريف العدالة، وهو أمر مرتبط إلى حد ما بمسألة الاعتراف».

وأشار عبد الباري، وهو يعد زميلاً رفيعاً ببرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي بواشنطن، إلى أنه لم يتم تحديد سقف زمني للإعلان عن الحكومة، لكن المناقشات مستمرة حول تجويد الميثاق التأسيسي ومسودة الدستور، وبرنامج الحكومة. وفي هذا الصدد، أفاد بأن التأخير في إعلان الحكومة ليس له أي علاقة بالتطورات العسكرية الأخيرة على الأرض، وأن المناقشات المتعلقة بتشكيل الحكومة معقدة، وتحتاج إلى اتفاق أو توافق الأطراف ذات الصلة، وهي القوى السياسية والمجتمع المدني والحركات المسلحة والشخصيات المستقلة و«قوات الدعم السريع»، للتوصل إلى تفاهمات كاملة فيما بينها على الميثاق التأسيسي والدستور الحاكم للنظام السياسي الجديد في السودان.

الجيش لا يستجيب

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في أثناء إلقائه خطاباً بولاية جنوب دارفور سبتمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأكد عبد الباري أن الأطراف التي تدير النقاشات في العاصمة الكينية نيروبي بشأن تشكيل الحكومة، لا تنوي أبداً الدخول في الحرب الدائرة، ولا تملك القدرة على ذلك، وعلاقتها مع «قوات الدعم السريع» مبنية على التعاون من منطلق المسؤولية الأخلاقية والوطنية، من أجل «توفير وتقديم الخدمات للمواطنين وتمثيل مصالحهم وتنظيم شؤونهم، والمساهمة في كل جهدٍ لإيقاف الحرب».

وذكر أن هذه الأطراف تواصلت مراراً وتكراراً مع قادة الجيش السوداني، لحثهم على الانخراط في مفاوضات سياسية لإنهاء الحرب، لكنهم رفضوا الاستجابة لها. وأضاف: «هذه القوى سئمت من مواقف الجيش وعدم رغبته في تحقيق السلام، ولن تقف هذه القوى مكتوفة الأيدي، بينما الناس في مناطق سيطرة (قوات الدعم السريع) بحاجة ماسة إلى التعليم والصحة، والمستندات الرسمية، وتنظيم التجارة العابرة للحدود، والخدمات الأخرى».

وأشار إلى أن منظمات دولية كثيرة تتعاون مع «قوات الدعم السريع» من أجل صيانة كرامة الإنسان. وقال إن التوازن في القوة أو الضعف قد يؤدي إلى حل سياسي للأزمة الراهنة، «لكن أي حل ينبغي أن يرتكز على معالجة الأسباب الجذرية للحروب في السودان، وعلى رأسها رغبة الجيش الجامحة في الهيمنة على السلطة والدولة». وأضاف أن أنصار الحرب في السودان يركزون على آثار الحرب، لكنهم يرفضون الحديث عن الأسباب الجذرية للحرب الحالية، التي أدت كما الحروب السودانية السابقة، إلى انتهاكات حقوق الإنسان، وقال «إنها مرفوضة ومدانة».

وتابع أن «الخطاب المطروح الآن من الجيش السوداني، وهو قائم على رفض التفاوض والإصرار على الحرب، لن يعالج أسباب الحرب، وأن وجود حكومتين سوف يخلق حالة من التوازن بين دعاة السلام ودعاة الحرب، ربما تكون مدخلاً إلى حل بعض المشكلات التي ظلت تسبب الحروب منذ الاستقلال».

وأبان أن «الحرب الكبرى»، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، ولا تزال مستمرة، هي بيانٌ لبلوغ أزمة السودان ذروتها، وأن ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، كانت فرصة كبيرة لسير السودان نحو تأسيس نظام حكم ديمقراطي مثالي، «لكن حدثت انتكاسة كبرى بانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي قام به الجيش و(قوات الدعم السريع)».

فروقات بين الطرفين

«حميدتي» قال في خطاب الاستقلال إن السودان في مفترق طرق (الشرق الأوسط)

ومع تراجع «الدعم السريع» عن الانقلاب، كان قرار قادة الجيش الاستمرار فيه. وقال وزير العدل السابق، إنه بسبب رفض «قوات الدعم السريع» الاستمرار في الانقلاب والضغط الشعبي والدولي الكبير عليها، اضطرت المؤسسة العسكرية أن تقبل بعملية سياسية كان هدفها إنهاء الانقلاب وتأسيس نظام انتقالي جديد (في مارس/آذار 2023). وتابع: «خلال اجتماعاتي بالقادة العسكريين من الجيش و(قوات الدعم السريع)، كنتُ أرى فروقات بين الطرفين، فبينما كانت النخب العسكرية الممثلة للجيش تعمل على تقويض العملية السياسية، كان قادة (الدعم السريع) يفعلون كل شيء للمساهمة في إنجاحها».

وذكر الوزير السابق أن عرقلة قادة الجيش للعملية السياسية برزت بوضوح في ملف الإصلاح الأمني، وانسحابهم من ورشة الإصلاح الأمني في مارس 2023، دون أي مبررات منطقية. وقال إن قادة الجيش «ما كانوا يتصورون أن العملية السياسية يمكن أن تبلغ نهاياتها، وحينما تأكد لهم أنها سوف تبلغها، قرروا الانسحاب من الجلسة الختامية. في ذلك الوقت عرفتُ أن هذا الوضع لن يستمر، وأن الجيش كان مصمماً على ألا تكتمل العملية السياسية».

وأضاف أن الجيش كان يريد السلطة من أجل إيقاف التغيير، الذي كان يمكن أن يحدث في السودان، وأن قرار قادته الانسحاب من الورشة، التي كانت ستجيز التوصيات الأخيرة بشأن الإصلاح الأمني، بُغية تضمينها في الاتفاق النهائي، «تطابق تماماً مع القرار المعلن من قبل أنصار النظام القديم من الإسلاميين الذين كانوا يتحدثون علناً عن أنهم لن يسمحوا باكتمال العملية السياسية، وهددوا بإعلان الحرب إذا تم التوقيع على الاتفاق السياسي النهائي، مما يدل على أنه كان هناك تنسيق محكم أو تحالف بين القوى المعادية للثورة وقادة الجيش السوداني».

بناء جيش موحد هو الحل

جنود من الجيش السوداني يحتفلون بتحرير مصفاة نفط في شمال مدينة بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

وأكد عبد الباري أن الإسلاميين المعادين للتغيير، لم يكُن بمقدورهم «إيقاف قطار ثورة ديسمبر إذا كان الجيش خارج العملية السياسية». وذكر أن عداء الجيش لـ«قوات الدعم السريع» منشأه رفض الأخيرة «الاستمرار في الانقلاب، واتخاذها قراراً بالانحياز إلى المدنيين للمضي قدماً في العملية السياسية، التي كانت تهدف إلى إنهاء الانقلاب، وتأسيس انتقال جديد».

وأضاف أن «قيادة (قوات الدعم السريع) وافقت على بناء جيش وطني واحد، ودمج قواتها في الجيش، وقد تم إقرار ذلك في مسودة الدستور الانتقالي. لكن قادة الجيش لم يكن همهم دمج (قوات الدعم السريع) وغيرها من القوات الأخرى في الجيش، وإنما كان هدفهم الاستمرار في السلطة ومقاومة إصلاح المؤسسة العسكرية، وإيقاف تفكيك النظام القديم، وهو واحد من الأسباب الرئيسية التي دفعتهم إلى الانقلاب على الحكومة الانتقالية».

وقال وزير العدل السابق إنه «غير متفائل» بانتهاء الحرب بين الجيش و(قوات الدعم السريع) في وقت قريب، مشيراً إلى أن التاريخ يبين أن الحروب الداخلية غالباً لا تنتهي بالهزيمة العسكرية، وإنما بمخاطبة أسبابها الجذرية، وأن السلام الحقيقي والمستدام لن يتحقق إلا بإنهاء العنف البنيوي، الممارس من الدولة السودانية منذ تأسيسها.

وتطرق عبد الباري إلى المبادرات التي طرحت لوقف الحرب في السودان، قائلاً إن «المبادرة السعودية الأميركية في منبر جدة، كانت لها القدرة والقابلية للنجاح، لكنها انهارت بسبب انسحاب الجيش أكثر من مرة، وكذلك توقفه عن الاستمرار في المفاوضات التي جرت في المنامة، بعد التوقيع بالأحرف الأولى على ميثاق المبادئ، الذي جاء شاملاً، وعاكساً لتطلعات القوى المدنية الديمقراطية في التغيير وتأسيس نظام جديد».

وعزا الوزير السابق فشل محادثات جنيف إلى «عدم ممارسة ضغوط كافية على قادة الجيش الذين رفضوا المشاركة في المفاوضات، ولم يدفعوا أي ثمن لذلك الرفض». وقال إن «مرونة مواقف بعض المسؤولين الدوليين تجاه الجيش هو ما دفع قادته إلى التمادي في رفض المشاركة بالمفاوضات، وإن أي مبادرة مستقبلية لا تتخذ موقفاً واضحاً ضد الطرف الرافض لوقف الحرب - وهذا ما لم يتوفر في محادثات جنيف - لا يمكن أن يُكتب لها النجاح».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يسقط مسيرات كانت تستهدف مدينة الأُبيِّض في كردفان

شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)

الجيش السوداني يسقط مسيرات كانت تستهدف مدينة الأُبيِّض في كردفان

أسقطت الدفاعات الجوية للجيش السوداني، فجر السبت، طائرات مُسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في سماء مدينة الأُبَيِّض عاصمة ولاية شمال كردفان وسط البلاد

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نسوة في مركز تسجيل للنازحين بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان بالسودان (رويترز)

منظمة الصحة: 5 هجمات على منشآت طبية في السودان منذ مطلع 2026

أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، السبت، تسجيل 5 هجمات على منشآت طبية في السودان منذ بداية عام 2026، في خضمّ النزاع الدامي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

واشنطن تدعو إلى القبول «فوراً» بالهدنة الإنسانية في السودان

دعت واشنطن إلى «القبول فوراً ودون شروط مسبقة بالهدنة الإنسانية» المدعومة بآلية الأمم المتحدة في السودان، وفق ما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي، مسعد بولس.

شمال افريقيا سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نسوة في مركز تسجيل للنازحين بمدينة الأبيض بإقليم كردفان غرب السودان (رويترز)

أكثر من 50 قتيلاً جراء غارات بمسّيرات في كردفان

قتل أكثر من 50 شخصاً خلال اليومين الماضيين في غارات جوية بطائرات مسّيرة استهدفت عدداً من المواقع المدنية في إقليم كردفان غرب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

وصول 100 إمام جزائري لتأطير صلاة التراويح يفجّر جدلاً في فرنسا

عميد مسجد باريس خلال استقباله الأئمة الموفدين من الجزائر (مسجد باريس)
عميد مسجد باريس خلال استقباله الأئمة الموفدين من الجزائر (مسجد باريس)
TT

وصول 100 إمام جزائري لتأطير صلاة التراويح يفجّر جدلاً في فرنسا

عميد مسجد باريس خلال استقباله الأئمة الموفدين من الجزائر (مسجد باريس)
عميد مسجد باريس خلال استقباله الأئمة الموفدين من الجزائر (مسجد باريس)

تزامناً مع ظهور بوادر انفراجة في العلاقات بين البلدين، استقبلت مساجد فرنسا في بداية شهر رمضان أئمة جزائريين لتأطير صلاة التراويح، رغم أن الحكومة الفرنسية كانت قد قررت منذ 2024 وقف استقبال الأئمة الأجانب، في إطار جدل سياسي واسع حول ما يُعرف بـ«إسلام فرنسا».

وأعلن عميد «جامع باريس الكبير»، شمس الدين حفيز، أمس الجمعة، عبر حسابه في منصة «إكس»، عن استقبال نحو 100 إمام قادمين من الجزائر لتأطير صلوات رمضان. وأوضح حفيز أن إيفاد هؤلاء الأئمة يعد «تقليداً سنوياً يستجيب لحاجة عملية وواقعية، في ظل النقص الذي تشهده فرنسا في عدد الأئمة المؤهلين لإقامة صلاة التراويح»، لافتاً إلى أن المؤسسة التي يديرها، والتي تتلقى دعماً مالياً سنوياً من الجزائر بقيمة مليوني يورو، دأبت على هذا التعاون منذ عقود طويلة.

إمام جزائري بأحد مساجد فرنسا في شهر رمضان (مسجد باريس الكبير)

وواصل حفيز شرح دواعي استعانة «مسجد باريس» بوعاظ من الجزائر، قائلاً: «صلاة التراويح هي صلاة نافلة، أي غير واجبة لكنها مستحبة بشدة، تقام كل مساء طوال شهر رمضان. وهي تتطلب أئمة قادرين على تلاوة مقاطع طويلة من القرآن عن ظهر قلب، ما يستلزم تكويناً خاصاً ومعمقاً».

وأضاف حفيز موضحاً أن دور هؤلاء الأئمة «يقتصر على الجانب التعبدي فقط؛ إذ يؤمون المصلين لا غير. فلا يلقون خطباً أو كلمات، ولا يتدخلون في أي نقاش عام أو سياسي. ومع نهاية شهر رمضان يعودون إلى بلدهم».

توجس من رد فعل السياسيين والإعلام

حسب مراقبين، يفهم من مجرد الإشارة إلى أن القادة الدينيين الجزائريين لن يتطرقوا إلى أي قضية تتعلق بالشأن العام الفرنسي، أن حفيز يتوقع إثارة وسائل الإعلام والسياسيين في فرنسا جدلاً حول هذه القضية، خصوصاً أنه تعرض شخصياً لحملة كبيرة خلال الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر، حين اتهمه السفير الفرنسي السابق بالجزائر، كزافييه دريانكور، بـ«تحويل مسجد باريس الكبير إلى ملحقة لسفارة الجزائر في فرنسا»، في إشارة إلى أنه انحاز إلى بلده الأصلي خلال الأزمة التي نشأت صيف 2024 عقب اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء.

عميد مسجد باريس في إفطار رمضاني دعي إليه سياسيون فرنسيون العام الماضي (المسجد)

وحسب حفيز، «يندرج إرسال هؤلاء الأئمة في إطار العلاقات التاريخية بين فرنسا والجزائر، كما يلبي طلب المسلمين في فرنسا، الذين يرغبون في أداء شعائرهم في أجواء هادئة خلال هذا الشهر الفضيل»، ويفهم من ذلك أن إرسال الأئمة تم بناء على مفاهمات بين الجزائر وفرنسا، على الرغم من الجفاء الذي يميز العلاقات الثنائية.

وتناولت قناة «سي نيوز» الفرنسية، المقربة من أوساط «اليمين» المعادي لأي تقارب مع الجزائر، أمس الجمعة هذه القضية، تحت عنوان: «يأتي أئمة من الجزائر خلال شهر رمضان، دون أن تطرح الحكومة الفرنسية أي تساؤل!». وانصب النقاش حول «كيف تسمح الحكومة الفرنسية بوصول أئمة جزائريين لإمامة الصلوات في رمضان، دون مناقشة أو رقابة سياسية أو إدارية؟ وهو تعليق ينتقد غياب التدقيق أو التساؤل حول ما يعد، حسب القناة، تدخلاً أجنبياً في الشأن الديني داخل فرنسا.

وزير الشؤون الدينية الجزائري خلال اجتماع مع أئمة موفدين إلى دول أوروبية وكندا (الوزارة)

وفي كل عام، يثير وصول أئمة أجانب، خصوصاً من الجزائر، لإمامة صلاة التراويح خلال شهر رمضان انتقادات واسعة في بعض الأوساط السياسية، حيث تُطرح تساؤلات حول «السيادة الدينية» والتبعية للخارج، رغم أن هذه المهام مؤقتة وذات طابع تعبدي بحت.

«توجيهات» جزائرية للأئمة الموفدين للخارج

كان وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري، يوسف بلمهدي، قد اجتمع في 12 فبراير (شباط) الحالي، بمقر وزارته، مع أئمة اختارتهم بلاده لإمامة المصلين في صلاة التراويح بالمهجر، «وذلك في إطار التحضيرات الجارية لاستقبال شهر رمضان المبارك»، حسب بيان للوزارة.

وأكد البيان نفسه أن «إيفاد هؤلاء الأئمة جاء استجابةً لطلبات واقتراحات تقدمت بها جمعيات ومراكز إسلامية، عبر سفارات الجزائر والممثليات الدبلوماسية الجزائرية بالخارج، من إيطاليا وبريطانيا وألمانيا والسويد وهولندا والمجر وإسبانيا، إضافة إلى كندا، بما يعكس حرص الجالية الوطنية على الارتباط بمرجعيتهم الدينية الوطنية خلال الشهر الفضيل».

الرئيس الجزائري مستقبلاً عميد مسجد باريس بقصر الرئاسة في 10 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

وأبرز البيان أن بلمهدي «أسدى توجيهات (للأئمة) أكد فيها أن هذه المهمة ذات بُعد ديني وحضاري تضافرت فيها الجهود لضمان نجاحها في أحسن الظروف لجاليتنا بالمهجر، وعموم المسلمين خلال الشهر الفضيل».

وفي عام 2020 أعلنت الحكومة الفرنسية عن إنهاء تدريجي لنظام الأئمة «المبتعثين»، الذين يتم إرسالهم وتولّي رواتبهم من قِبل دول، مثل الجزائر والمغرب وتركيا. ودخل هذا الإجراء حيز التنفيذ الكامل في الأول من يناير (كانون الثاني) 2024، وقد احتدم النقاش في فرنسا حول «ضرورة مكافحة التأثيرات الأجنبية»، مقابل المخاوف من حدوث عجز في عدد الأئمة المكونين داخل فرنسا.

ووفق مراقبين، تعد موافقة باريس على قدوم أئمة من الجزائر بوصفها استثناءً، رغم بدء تطبيق قرار حظر الأئمة الأجانب، مؤشراً قوياً على رغبة البلدين في التهدئة وتغليب نهج البراغماتية. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب زيارة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر الأسبوع الماضي، حيث بحث مع نظيره الجزائري سعيد سعيود مشكلات الهجرة غير النظامية، واستئناف الحوار الأمني بين البلدين.


الجيش السوداني يسقط مسيرات كانت تستهدف مدينة الأُبيِّض في كردفان

عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)
عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)
TT

الجيش السوداني يسقط مسيرات كانت تستهدف مدينة الأُبيِّض في كردفان

عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)
عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)

أسقطت الدفاعات الجوية للجيش السوداني، فجر السبت، طائرات مُسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في سماء مدينة الأُبَيِّض عاصمة ولاية شمال كردفان وسط البلاد.

وقال شهود عيان، ومصادر عسكرية، إن قوات «الفرقة الخامسة» مشاة (الهجّانة)، تصدت لهجوم بالمسيّرات الانتحارية يرجح أنها كانت تحاول استهداف مواقع عسكرية ومدنية في المدينة.

واستيقظ سكان الأُبيِّض فجر السبت على سماع دوي انفجارات قوية، وأصوات المضادات الأرضية. ووفقاً لشهود العيان «اعترضت منظومة دفاعات الجيش الأرضية المسّيرات فوق سماء المدينة... الهجوم بدأ نحو الساعة الرابعة صباحاً (بالتوقيت المحلي)، وأسقط الجيش 3 طائرات مسيرة ».

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وأظهرت مقاطع فيديو نشرها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي لحظات تحليق المسّيرات على علو منخفض، وانطلاق قذائف الدفاعات الأرضية التابعة للجيش للتصدي لها.

ونقلت منصات إعلامية موالية للجيش السوداني أن إحدى المسيرات الانتحارية استهدفت منزل حاكم غرب كردفان في وسط المدينة، بينما لم يتسن التأكد من مصادر أخرى.

وخلال الأيام القليلة الماضية، قُتِل أكثر من 50 شخصاً في غارات جوية بطائرات مسيرة استهدفت عدداً من المواقع المدنية في إقليم كردفان الذي يشهد تصاعداً في الهجمات المتبادلة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

وسبق أن استهدفت مسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» لمرات متتالية في الأشهر الماضية مواقع عسكرية، ومنشآت مدنية في الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان في غرب السودان، ما أدّى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى وسط العسكريين، والمدنيين. وحالياً تُعد الأُبيّض المركز الرئيس لغرفة القيادة والسيطرة للعمليات العسكرية التي يخوضها الجيش في إقليم كردفان.

طفل وسيدة أصيبا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في الأبيض بشمال كردفان 12 يناير (رويترز)

ومنذ أشهر تشهد ولايات شمال وجنوب كردفان معارك طاحنة أحرز خلالها الجيش السوداني في الأسابيع الماضية تقدماً ملحوظاً، بفتح الطريق إلى مدينة الدلنج، ثاني كبرى مدن ولاية جنوب كردفان.

وفي السياق نفسه، قالت «منظمة أطباء بلا حدود» إن الغارات بالمسيرات التي يشنها الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تسببت في ضرب وتدمير المناطق المدنية، والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك المدارس، والأسواق، والمرافق الصحية، ومصادر المياه في جميع أنحاء السودان.

وذكرت في بيان، ليل الجمعة - السبت، أنه خلال الأسبوعين الأوّلَين من فبراير (شباط) الحالي، عالجت فرق المنظمة 167 مريضاً يعانون من إصابات نافذة في الصدر، والبطن، وكسور متعددة في الأطراف، وإصابات في الرأس، وإصابات بشظايا المسيّرات.

وحذرت «أطباء بلا حدود» من أن هذا النوع من الهجمات يعرض المدنيين والعاملين في المجال الإنساني لخطر شديد، داعية إلى حمايتهم على الفور.

وقالت رئيسة قسم الطوارئ في «أطباء بلا حدود»، إسبيرانزا سانتوس، إن الحرب في السودان تدور بمسيّرات خارج خطوط التماس، مضيفة «أن فرق المنظمة تعالج بانتظام أعداداً كبيرة من الجرحى جرّاء هذه المسيّرات، منهم نساء، وأطفال».

ولفتت إلى أن هذه الغارات تُشن بهدف تعطيل خطوط الإمداد، وإلحاق الضرر بالبنية التحتية المدنية، كما تهدد بخلق ظروف شبيهة بالحصار في المناطق المتنازع عليها.

طفل يمتطي حماراً خلال قيادته قطيعاً من الأغنام في شمال كردفان (رويترز)

وأشارت سانتوس إلى أن «أطباء بلا حدود»، أطلقت أخيراً استجابة طارئة في مدينة الأُبيّض، بعد الهجمات بالمسيّرات على قافلة إنسانية في شمال الولاية، والغارات أصابت عدة مرافق صحية في مدينتي كادوقلي، والدلنج بولاية جنوب كردفان مطلع الشهر الحالي.

وقالت المسؤولة في المنظمة «إن حوادث الغارات بالمسيرات أخيراً تسببت في أضرار مدمرة، إذ يُقتل المدنيون، بمن فيهم الأطفال، أو يُصابون بجروح خطيرة، في تجاهل صارخ للقانون الدولي الإنساني».

وأضافت في البيان: «على الأطراف المسلحة اتخاذ تدابير فورية لحماية المدنيين، والعاملين في المجال الإنساني... لا يجوز المساس بالمدنيين أبداً».


منظمة الصحة: 5 هجمات على منشآت طبية في السودان منذ مطلع 2026

نسوة في مركز تسجيل للنازحين بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان بالسودان (رويترز)
نسوة في مركز تسجيل للنازحين بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان بالسودان (رويترز)
TT

منظمة الصحة: 5 هجمات على منشآت طبية في السودان منذ مطلع 2026

نسوة في مركز تسجيل للنازحين بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان بالسودان (رويترز)
نسوة في مركز تسجيل للنازحين بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان بالسودان (رويترز)

أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، السبت، تسجيل خمس هجمات على منشآت طبية في السودان منذ بداية عام 2026، في خضمّ النزاع الدامي المتواصل.

وأدّت المعارك الدائرة منذ نحو ثلاث سنوات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» إلى شلّ نظام صحي هشّ أصلاً، إذ لا تزال أكثر من ثلث المرافق الصحية في البلاد خارج الخدمة.

وكتب مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، على منصة «إكس»، أنّه «خلال الأيام الخمسين الأولى من عام 2026، سُجّلت خمس هجمات على خدمات الرعاية الصحية في السودان، أسفرت عن 69 قتيلاً و49 جريحاً».

وأشار المسؤول الأممي إلى أنّ أحدث هذه الهجمات استهدفت، الأحد، مستشفى المزموم في ولاية سنار بجنوب شرقي البلاد، وأدّت إلى مقتل ثلاثة مرضى وإصابة سبعة أشخاص، بينهم موظف.

وفي مطلع فبراير (شباط)، قُتل أكثر من 30 شخصاً في ثلاث هجمات استهدفت مراكز طبية في كردفان، المنطقة الواسعة جنوب الخرطوم التي أصبحت في الأشهر الأخيرة إحدى بؤر القتال الرئيسية.

وحسب منظمة الصحة العالمية، تمّ توثيق ما لا يقلّ عن 206 هجمات على مرافق صحية منذ اندلاع النزاع، ما أدّى إلى مقتل نحو ألفي شخص وإصابة مئات آخرين.

وفي عام 2025 وحده، أوقعت 65 هجمة أكثر من 1620 قتيلاً، أي ما يعادل 80 في المائة من إجمالي الوفيات المرتبطة بالهجمات على القطاع الصحي في العالم، وفق المنظمة.

وأسفرت الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات في السودان عن مقتل عشرات الآلاف، وتسبّبت في نزوح أكثر من 14 مليون شخص في أحلك مراحلها، فيما تصفها الأمم المتحدة بأنّها أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وتتوقّع منظمة الصحة العالمية تسجيل 4.2 مليون حالة سوء تغذية حاد في السودان عام 2026، بينها أكثر من 800 ألف حالة سوء تغذية شديد.

وتتوقّع المنظمة أنّ نحو 33.7 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في السودان عام 2026، في حين حذّرت الأمم المتحدة في يناير (كانون الثاني) من أنّ مخزونها قد ينفد بحلول نهاية مارس (آذار).