اللعب على وتر البساطة

عبلة يخوض مغامرة تشكيلية جديدة في معرضه «بساط الريح»

محمد عبلة في المعرض
محمد عبلة في المعرض
TT

اللعب على وتر البساطة

محمد عبلة في المعرض
محمد عبلة في المعرض

بروح الفن المرح يخوض الفنان محمد عبلة مغامرته التشكيلية الجديدة في معرضه «بساط الريح» الذي استضافه «غاليرى الزمالك» بالقاهرة، متخذاً من الحلم بالطيران والتحليق في الفضاء رافداً أساسياً في بناء التكوين والشكل، حيث يتواثب كمتوالية جمالية، يتنوع إيقاعها بحيوية في اللوحات. بيد أنه ليس حلماً من أحلام الطفولة الغضّة فحسب، وإنما يتجاوز ذلك ليصبح حلماً بالحرية والوجود والانعتاق من عتمة الواقع والعالم، ورحلة في الزمن تلامس برهافة أغوار النفس البشرية وما يعتمل فيها من توترات وانفعالات، كأن اللوحات مرايا تتراءى فيها صورتها الحقيقية وزمنها الهارب.

يفرِّغ عبلة رمزية البساط من صورتها النمطية القارَّةِ في مخيلة التراث الشعبي المرتبطة بقصص وحكايات الملوك والأميرات والأمراء والسلاطين، تاركاً بساطه مفتوحاً لشتى طبقات المجتمع: فقراء وبسطاء، مثقفين وأناساً عاديين، رجالاً ونساءً وأطفالاً وأُسراً، شباباً وعشاقاً ممسوسين بمراهقة الحب والمنظر... يسافرون في رحلة عبر الزمن ومعهم بعضٌ من زادهم ومفرداتٌ من أشيائهم الحميمة وحيواناتهم الأليفة، قطط وكلاب وأصص زهور وكتب أحبّوها. ويعم الجميع حالة من البهجة والسكينة والفرح بعالمهم الجديد، كأنهم تخلصوا من عبء حياة ثقيلة، أصبحت مملوءة بالعنف والكراهية، والافتقار إلى المحبة والأمان. وتشكيلياً يستغل عبلة ولعه بالمساحات الكبيرة في الرسم، بما توفره من فراغ واسع تتجلى فيه مقدرته اللافتة على تنويع التفصيلات الرمزية البسيطة، وشحنها بطاقة تعبيرية موحية، وخلق مفهوم جديد للفضاء بعيداً عن المفهوم الصوري التقليدي، تستقي منه العناصر التشكيلية حياة خاصة بها، فسطح الصورة ينبض بنسق إيقاعي لا يكفّ عن استثارة علاقات مباغتة للون والضوء والخط، مما يمنح الشكل حيوية الامتداد في الزمان والمكان، كما يبدو السطح مندغماً ومعجوناً بسلاسة في حنايا التكوين، بينما تتنوع الحركة في فضاءات وتكوينات متعددة. في هذا الزخم تصعد اللوحات برشاقة بصرية من الأسفل إلى الأعلى، بينما تسبح الأشكال في الفضاء ما بين خطَّي الأرض والأفق، تلهو وتمرح وتتأمل ذواتها في حالة من الصفاء والنشوى، تذوب فيها الفواصل والعقد الزمنية السميكة ما بين الحلم واليقظة، ما بين الواقع والخيال، والشكل والمضمون.

يشدِّد عبلة من اللعب على وتر البساطة في التعبير بوصفها مقوماً أساسياً بارزاً في كل أعماله، لكنه هنا يتخلص من سطوة الفكرة لتصبح مجرد حافز ومثير فني، يعيد اكتشافها في فضاء الرسم ببصيرة يقظة وكفؤة من منطلق معايشته شخوصه وعلاقتها العفوية التلقائية بالأشكال والعناصر التي تشكل عالمه الجديد في هذا المعرض، فهم يحبون ويعشقون، ويتنفسون هواءً جديداً، وفي حالة اكتشاف وتكشّف لحيواتهم وأحلامهم، تغمرهم هالة من السرور والدفء، حتى في لحظات الترقب والتأمل، وهي الحالة نفسها التي عاشها الفنان عبر عدد من معارضه اللافتة، ورافقته في أحلامه ومواجهته للمدينة، بليلها ونهارها، ودبيب البشر في شوارعها وأرصفتها، ومزاجهم الدافئ الحنون، وكدرهم الطيب الصاخب، وفوضاها وزحامها الذي لا يكفّ عن الضجيج. أسهم كل هذا في إبراز جماليات الصورة والحفاظ على اتزانها التلقائي على السطح، حتى يمكننا رؤيتها بانسجام في لقطات من شتى الزوايا؛ من الأمام والخلف والأجناب أيضاً، كما أن الشخوص بحركتها العفوية ومحبتها العائلية، تبدو كأنها حارس للصورة تتضافر في بلورتها، وفي الوقت نفسه تمنح الشكل مقدرة خاصة على الانفتاح بنضج وعفوية على شتى العناصر في الواقع واللوحات معاً. ويولي عبلة اهتماماً بالخلفية (أرضية اللوحة)، فتنساب في مساحات لونية صريحة (الأصفر والأزرق، والأخضر والأحمر) مشطوفة أحياناً بدرجات أقل من اللون الأساسي. كما لجأ إلى حيلة فنية بسيطة وذكية، باستخدام فقاعات الأغلفة البلاستيكية التي تُلفّ بها الأشياء، يفردها على اللون وهو طري، لتحدث دوائر وكُريّات صغيرة، يقوم بتمويهها بضربات الفرشاة، ليُكسب الأرضية ملمساً نحتياً، يعززه بعرض قطع صغيرة من تجربته في النحت، ترافق بعض اللوحات، وتتماهى معها في شكل حوار شفيف، بين مغامرتين تتصارعان من أجل مغامرة واحدة، هي مغامرة الفن، يخفف كل هذا من حدة التضادات اللونية، ويُكسب الرؤية عمقاً يتجاوز خط الأفق، وفي الوقت نفسه، يبرز البساط في سمْته الخاص، ويحقق التوازن والانسجام بين عناصر اللوحة، فلا شيء إذاً مكتفياً بذاته، بل بالقدرة على الحلم والمغامرة. فأنت أمام اللوحات تحس بأنها جزء منك، تلامس ملامحها وحركاتها وتُلقي عليها التحية متمنياً أن تكون في هذه الرحلة. هذه الطاقة الحيوية ليست بنت المصادفة المحضة، فالحلم ببساط الريح يأتي من الطفولة؛ البئر الأولى، مخزن الذكريات، وسجل اللمسات البكر للعناصر والأشياء. لا ينفصل هذا عن رحلة عبلة ومعاناته من أجل أن يكون فناناً له خياله وحلمه الخاص، ومغامرة سفره إلى أوروبا وإقامته في ألمانيا سنوات طويلة، يتأمل ويحتكّ بمدارس وتجارب رائدة لكبار الفنانين، لكنه مع ذلك ظل مشدوداً لبئره الأولى، وهو ما رواه في كتاب مهم صدر حديثاً بعنوان «مصر يا عبلة - سنوات التكوين».

لقد شكّلت هذه المغامرة دعماً لهذا الحلم، لعلّ من ثمراته المهمة التفكير بحريةٍ فيما يخص الفن والواقع معاً، وأن على الفنان أن يجدد دائماً حلمه بالواقع، ويعيشه بوصفه صيرورة مضفورة بقوة الجمال والحب.

نحن أمام صورة طفلة ابنة الحلم، يتوالى حضورها المرح، ويتقافز بمحبة في اللوحات، لا ترتدي عباءة عوالم مثالية أسطورية، وما تنتجه من أشكال غريبة، إنما ترتدي عباءة الواقع، بكل تناقضاته ومفارقاته، وتشد العين إلى ما هو أبعد فيما وراء العناصر والأشياء. يعزز ذلك ماهية البساط نفسه وطرائق تشكيله في اللوحات، فهو ليس بساطاً سحرياً عجائبياً، أو سفينة فضائية، هو ابن الألفة في بساطتها الحياتية الواقعية، وتراث الوجدان الشعبي الخصب الثري... بساط عبلة، مجرد «كليم» بسيط، يُصنع من قصاصات القماش أو لفائف الصوف ويُستخدم مفرشاً للأرض في البيوت، ويتميز بألوان طبيعية ناصعة، ولا يزال المصنوع منه يدويّاً هو الأجود الذي يتمتع بالأصالة، كما يعلَّق كلوحات فنية تزيّن الجدران.

بمحبة هذا التراث يرسم عبلة بساطه بألوان زيتية صريحة وزاهية، تتقلب ما بين الأحمر والأخضر والأرجواني والأزرق، والأبيض المشرب بمسحة رمادية خفيفة، تقطعها خطوط بارزة، طولية وعرضية تمتد إلى الحواف، وأحياناً موشّاة ببعض الموتيفات الزخرفية. لا تدعم هذه المفردات جماليات الصورة فحسب، وإنما تُكسب الشكل امتداداً كلياً في اللوحات، يترك تأثيراً قوياً على العين، له رنين النغمات الموسيقية الخاطفة، لنصبح أمام حالة مزاجية، ابنة علاقة حية ما بين الداخل والخارج، يشكل الرسم بؤرتها الأساسية ويتحول إلى طقس يظلل فضاء هذه الرحلة المغوية. ومن ثم، يتكثف الإحساس بالمرح في المعرض، ففي إحدى اللوحات يجمع البساط بين زوج وزوجة وطفلهما في ونسة عائلية، يتحول على إيقاعها إلى ما يشبه منصة مسرح، ففي الأسفل يتراءى الواقع في كتل بشرية متراصة ومشتتة، تتأمل البساط من فوقها في مشهد فرجة بامتياز، هو بمثابة دراما موازية لوجودٍ أصبح شبحياً، أو سقْط متاعٍ لحياة انطفأ بريقها. وفي بعض اللوحات يلعب عبلة على رمزية البالون مشيعاً حالةً من المرح تبدو كأنها مباراة أو سباق في التنزّه والسباحة الحرة الراقصة في الهواء: امرأة تحمل طفلها على يدها وفي اليد الأخرى يحلِّق عنقود من البالونات، خلفها فتاة ممسكة بعنقود آخر، وعلى مقربة شاب يحلّق بحقيبته المعلقة في كتفه، وخلفه آخر يود اللحاق به، و آخران يتمايل جسداهما كأنهما يتهيآن للدخول في بهجة سباق المرح، وعلى مقربة منهم يراقب المشهد فتى وفتاة يبدوان في حالة من الدهشة والذهول.

يتنوع هذا المشهد في عدد من اللوحات، بزوايا ورؤى فنية مباغتة، وتوحي لطشات الفرشاة المتموجة الخاطفة، ونثارات الزُّرقة المشعَّة بألوانها المتدرجة في الثقل والخفة، بإيقاع الدوامة كلعبة من ألاعيب الحياة، بينما تؤكد السباحة في الفضاء قدرة الجسد على التحرر من الجاذبية الأرضية وكسر تراتبها الصارم. يبتكر عبلة مسارات مفاجئة لمفردات عالمه، تطل وتومض في اللوحات مثل نوافذ ضوء تضيف حيواتٍ وأدواراً جديدة لها على شتى المستويات الفكرية والجمالية والإنسانية، فلا بأس أن يتقمص البساط دور الدليل والمرشد السياحي لركابه، فيأخذهم في إطلالة حانية على تراث الأجداد بعراقته وأصالته: الأهرامات، والقلعة، والنيل، ومآذن الجوامع العتيقة، وما يتناثر في الصحراء من ألواح ومقابر فرعونية ساحرة الجمال، كأنه يروي لهم قصصها الشيقة، ليس فقط بوصفها أحد كنوز المدينة الخالدة، إنما بصفتها كنوز الحضارة والتاريخ.

ويبلغ المرح بالفن ذروته بمجسم للبساط، صنعه عبلة وأفردَ له حجرةَ صغيرة في المعرض علَّق في وسطها البساط المجسم، بنسيجه من الخطوط والألوان الزاهية للكليم في صورته الشعبية، تعلوها على أحد حوائط الحجرة لوحة صغيرة للبساط، وهو يشق عباب الفضاء محلِّقاً بفتى وفتاة.

خلقت هذه الموازاة الفنية بين البساط في صورته المحلِّقة في الأعلى والأخرى المثبتة على الأرض، حالة شيقة ومثيرة من التجاور بين كينونتين، هما في الأصل كيان واحد. والمدهش أنها أثارت خيال زوار المعرض، وأغرت معظمهم بركوب البساط والحرص على التقاط صور تذكارية، وهم يمارسون حيواتهم فوق ظهره، يمرحون ويغنون، ويعزفون الموسيقى، كأنهم يُحلقون في الفضاء... اتسعت هذه المتعة بغواية كتابة تعليقات على جدران الحجرة البيضاء بأقلام الفلوماستر، والتي تحولت إلى جدارية سردية، يمكن تسميتها «دفتر البساط»، تنوعت ككتلة من المشاعر والأحاسيس بانطباعات خاطفة شديدة المرح، ما بين القفشة والمزاح، وخفة الدم، والرسم أيضاً. فهكذا، حقق محمد عبلة في هذا المعرض متعة أن يصبح الفن أنشودة للبساطة والعمق، يمشي في الحياة، ويشد أحلام البشر وأشواقهم إلى الأعلى والأسمى والأنقى، بعيداً عن غبار الواقع وتناقضاته التي تعيد تكرار نفسها بمزيد من الملل والرتابة.


مقالات ذات صلة

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

يوميات الشرق «دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

استعاد المعرض الفني «المسار» الطابع الفني المميز للدراويش المولوية، وما يمثلونه من طاقة روحية محملة بسحر الماضي وجماله، عبر أعمال فنية جسدتهم في تماثيل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» التي ظهرت في فيلم «الزوجة الثانية» وغيرها من القصص القديمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية» يُقام معرض «فن القاهرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يواجه معرض «بين الأنفاس» فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى.

فاطمة عبد الله (بيروت)

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.