متحف «كوكب الشرق» يروي «سيرة الحب»

محبو «الست» يتوافدون عليه في ذكرى رحيلها الـ50

TT

متحف «كوكب الشرق» يروي «سيرة الحب»

متحف أم كلثوم (الشرق الأوسط)
متحف أم كلثوم (الشرق الأوسط)

وسط أجواء شتوية منعشة، كانت السيدة الأربعينية سوسن محمود، تتهادى رفقة زوجها نحو متحف أم كلثوم، لكن موظف الأمن باغتهما «المتحف يغلق أبوابه في تمام الرابعة عصراً»، فرمقت زوجها بنظرة عتاب أوقفت الكلام في حلقه، ولسان حالها يقول «فات الميعاد».

المتحف من الخارج (الشرق الأوسط)

المتحف الذي يتوسط مقياس النيل الأثري وقصر ومسجد المانسترلي، يستقبل زواره بتمثال غرانيتي للسيدة أم كلثوم، بينما لا تعكس هيئة المبنى البسيطة من الخارج الكنوزَ التي يضمها بين أركانه.

يستقبلك الصوت الأيقوني لـ«كوكب الشرق» لدى الدخول، في حين يأسرك منديل أحمر كانت تمسكه «ثومة» في إحدى حفلات الخميس الأول من كل شهر.

منديل أحمر (الشرق الأوسط)

يتشوَّق محبو «سيدة الغناء العربي» لرؤية المقتنيات التي لطالما اعتادوا على مشاهدتها في الأفلام والحفلات، ومن بينها مجموعة نظارات شمسية وطبية مطعمة بالماس، كأنها تركتها بالأمس، تتخيل من خلالها «ثومة» وهي تلوح بمنديلها الشهير، وتغني بنبرة عتاب «حيرت قلبي معاك»، أو وهي تصدح بكل ما أوتيت من قوة في «مسرح الأولمبيا» الباريسي الشهير ورأسها مرفوع للأعلى في دعمها للمجهود الحربي المصري «أعطني حريتي أطلق يدي».

نظارة مطعمة بالماس (الشرق الأوسط)

تلخص المقتنيات «ألف ليلة وليلة» من حياة أم كلثوم، بين سنوات عامرة بـ«الحب كله»، وأخرى مفعمة بالحيرة والحزن نسيت فيها «الست» النوم وأحلامه، وثالثة تعكس تقديراً لا مثيل له من قادة وزعماء وشعوب العالم العربي، إذ تُوجِّت بأرفع الأوسمة والنياشين من المغرب ولبنان وتونس والجزائر والأردن، معظمها موجود في إحدى زوايا المتحف المنمق.

وسام تونس (الشرق الأوسط)

في الركن الأيمن للمتحف، تخطف الأنظار مذكرات مكتوبة بخط يدها، توثق لحفل عيد الشرطة في ستينات القرن الماضي بالجامعة، التي حضرها «الرئيس» ووصفتها أم كلثوم بأنها «كانت بديعة». بالإضافة إلى جوازَي سفرها «الدبلوماسي» و«العادي»، فقد كانت بمنزلة «صوت مصر» وأحد أوجه فخرها و«قوتها الناعمة» في جميع المحافل. وفق كُتّاب ونقاد وموسيقيين.

مجموعة كبيرة من فساتين «كوكب الشرق» (الشرق الأوسط)

وتأسر فساتين ومناديل أم كلثوم المتراصة بقلب المتحف الأبصار والقلوب، عند مشاهدتها للمرة الأولى؛ بداية من الفستان البرتقالي المطرز بالخرز، والزيتي الذي يليه، ثم الفضي، والبني، والأسود والأخضر، والليموني، والبنفسجي... أنت هنا في حضرة «الست» صاحبة الهيبة القوية، والحضور الطاغي الذي أربك المذيع المصري فهمي عمر ذات مرة عندما «نال شرف» تقديم حفلها في الإذاعة في خمسينات القرن الماضي، حيث قال متلعثماً: «والآن أيها الستارة ترفع السادة عن أم كلثوم» بحسب ما ذكره في كتابه «نصف قرن أمام الميكروفون».

مجموعة من فساتين «الست» (الشرق الأوسط)

أنت هنا أمام فساتين كانت جزءاً من «أجمل حكاية في العمر كله»، وشاهدة على «قسوة التنهيد والوحدة والتسهيد»، و«سيرة الحب»، وهتاف «عظمة على عظمة يا ست» المقبل من وسط القاعة الصاخبة، وأجمل الألحان والمقدمات الموسيقية «الخالدة» التي يعاد اكتشافها بين الأجيال الجديدة.

مجموعة صور (الشرق الأوسط)

المشاعر المختلطة التي تنتاب الزائرين لدى رؤية المقتنيات القريبة جداً من «سيدة الغناء العربي» تخفف من حدتها الصور المتناثرة على جدران المتحف، وتوثِّق للمراحل العمرية المختلفة لأم كلثوم، حتى الدخول إلى ركن مقتنيات الآلات الموسيقية وأجهزة تسجيل وتشغيل الصوت، فتقف حائراً أمام العود الخاص بكوكب الشرق، وأسطوانات أغانيها المتعددة، والميكروفون الذي كان محظوظاً، بمرور صوتها الساحر عبره، بحنجرتها الذهبية، وسجَّل لها كثيراً من أغانيها باستوديوهات الإذاعة.

ميكروفون شهد تسجيل كثير من أغنيات أم كلثوم (الشرق الأوسط)

وبالإضافة إلى المقتنيات الإلكترونية، يعرض المتحف الذي يستقبل زواراً كُثراً على مدار العام، وفق العاملين به، جانباً من مستندات وأوراق أم كلثوم المهمة، ومنها أول عقد بين أم كلثوم والإذاعة، وخطاب من الرئيس المصري الراحل أنور السادات في عام 1973 يشكرها فيه على جهودها الكبيرة لدعم المجهود الحربي، وخطاب أقدم يعود إلى عبد الناصر يشكرها فيه على تقديمها «ألف جنيه» مصري مساهمة في تسليح الجيش (الدولار الأميركي كان يعادل وقتها نحو 25 قرشاً) بجانب «نيشان الكمال» الممنوح من الملك فاروق الأول، وشهادة «قلادة الجمهورية»، وخطاب من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة يشكر فيه أم كلثوم على حفاوة استقبالها لحرمه في القاهرة.

جهاز تسجيل موسيقى (الشرق الأوسط)

يعيد هذا الركن الزائرين نحو 6 عقود وأكثر إلى الوراء، حيث عدد من القصائد والأغاني الشهيرة التي غنتها أم كلثوم، مكتوبة بخط يد مؤلفيها على غرار «هذه ليلتي» لجورج جرداق، وقصيدة «سلوا كؤوس الطِّلا هل لامست فاها» لـ«أمير الشعراء» أحمد شوقي، و«حيرت قلبي» لأحمد رامي، و«إنت عمري» للشاعر أحمد شفيق كامل، والتي جمعت بين «موسيقار الأجيال» محمد عبد الوهاب و«كوكب الشرق» للمرة الأولى، وهو اللقاء المعروف بـ«لقاء السحاب».

عود أم كلثوم الخاص (الشرق الأوسط)

وبينما يبدي الناقد المصري طارق الشناوي سعادته برؤية مقتنيات أم كلثوم داخل متحف يطل على نيل القاهرة، فإنه في الوقت نفسه يعرب عن حزنه للتفريط في فيلتها، التي تم هدمها وتحوَّلت لاحقاً إلى فندق ضخم، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لو تم الحفاظ عليها، لكانت هذه الفيلا من أهم المزارات السياحية في مصر».

إحدى نظارات أم كلثوم (الشرق الأوسط)

وداخل قاعة ضيقة يعرض المتحف، الذي بدأ العمل على إقامته بمبنى ملحق بقصر المانسترلي في نهاية الألفية الماضية، فيلماً وثائقياً عن حياة صاحبة «الأطلال»، يروي سيرتها الأولى منذ قدومها من قرية طماي الزهايرة بدلتا مصر، مروراً بمحطاتها الذهبية والاستثنائية وحتى مغادرتها إلى التاريخ عبر جنازة عسكرية وشعبية حاشدة، خرج فيها الملايين إلى الشوارع لعزف لحن جنائزي حزين.

جهاز موسيقي قديم من مقتنيات أم كلثوم (الشرق الأوسط)

ورغم مرور نصف قرن على الرحيل، وتوالي الأجيال، جدَّدت الجنازة التي يتضمَّنها الفيلم الأحزان داخل القاعة، حيث انخرطت إحدى الفتيات في البكاء بصوت مسموع، معيدة إلى الأذهان رثاء الشاعر أحمد رامي لها عندما قال: «ما جال في خاطري أني سأرثيها... بعد الذي ُصغتُ من أشجى أغانيها... قد كنت أسمعها تشدو فتطربني... واليوم أسمعني أبكي وأبكيها».


مقالات ذات صلة

«تترات» دراما رمضان المصرية تُسجِّل حضوراً عربياً لافتاً

يوميات الشرق المطرب السعودي إبراهيم الحكمي (إنستغرام)

«تترات» دراما رمضان المصرية تُسجِّل حضوراً عربياً لافتاً

تترات مسلسلات الموسم الرمضاني المقبل تشهد حضوراً عربياً واسعاً، مع تعاقد منتجين مصريين مع مطربين من دول عربية عدّة لتقديم شارات وأغنيات دعائية للأعمال الدرامية.

محمود إبراهيم (القاهرة )
يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المغنية نيكي ميناج والرئيس الأميركي دونالد ترمب يقفان على المسرح معاً خلال حدث في واشنطن (أ.ب)

«المعجبة الأولى بالرئيس»... ترمب يمازح نيكي ميناج ويشيد بأظافرها على المسرح

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مغنية الراب نيكي ميناج إلى الصعود على المنصة خلال إلقائه خطاباً، وأشاد بأظافرها الطويلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ماريلين نعمان... من زمن آخر

ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الغناء مساحة مؤقّتة للحرّية (أ.ب)

خلف القضبان... سجينات برازيليات يتنافسن بالغناء قبل الحرّية

شاركت مجموعة من النساء البرازيليات القابعات خلف القضبان في مسابقة غنائية أُقيمت، الجمعة، داخل أحد سجون مدينة ريو دي جانيرو.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)

لصّ مجوهرات يفرّ على متن حمار بعد سطو ليلي في تركيا

لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي
لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي
TT

لصّ مجوهرات يفرّ على متن حمار بعد سطو ليلي في تركيا

لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي
لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي

في واقعة طريفة وغريبة في آنٍ معاً، حاول لصٌّ الفرار من مسرح جريمة سطو ليلي على متجر مجوهرات في مدينة قيصري وسط تركيا، مستخدماً حماراً وسيلة للهروب، في مشهد بدا أقرب إلى لقطة سينمائية غير مألوفة.

فقد أقدم المشتبه به، الذي عُرّف بالأحرف الأولى من اسمه «إم سي»، على اقتحام متجر للمجوهرات، مساء الثلاثاء، حيث أظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة رجلاً ملثّماً يستخدم رافعة شوكية لاقتلاع المصاريع المعدنية، وإفساح الطريق إلى الداخل. وتشير المعطيات إلى أنه استولى على نحو 150 غراماً من الذهب.

ووفق التسجيلات، بدأ المتهم بتحطيم إحدى النوافذ للوصول إلى منضدة العرض، ثم دفع المنضدة ذات السطح الزجاجي لتسقط على جانبها، وقفز فوقها وشرع في تفتيش المحتويات التي تناثرت على الأرض. وبعد أن أنهى جمع ما طاله، قفز مجدداً فوق الخزائن، وغادر من النافذة نفسها التي دخل منها، وفق «الإندبندنت» البريطانية.

المشهد الأكثر غرابة جاء بعد خروجه من المتجر؛ إذ رصدت كاميرات المراقبة اللص وهو يمتطي حماراً ويتنقل به في شوارع البلدة الخالية في ساعة متأخرة من الليل، في محاولة للابتعاد عن موقع الجريمة من دون إثارة الانتباه.

لكن هذه الوسيلة غير التقليدية لم تنجح في تضليل السلطات طويلاً؛ إذ أعلنت الشرطة لاحقاً توقيف المشتبه به، البالغ من العمر 26 عاماً، بعد التعرف عليه عبر تسجيلات الكاميرات. كما أظهر مقطع مصوّر عناصر الأمن وهم يقتادونه خارج أحد المراكز.

وتمكّن رجال الشرطة من العثور على المشغولات الذهبية المسروقة مدفونة في بقعة موحلة داخل كيس بلاستيكي أسود. وأكدت الجهات المختصة أن المضبوطات، التي شملت خواتم وقلائد وأساور، أُعيدت كاملة إلى مالك المتجر.

وليست هذه المرة الأولى التي فشل الهروبُ فيها باستخدام حمار؛ ففي عام 2013 أُحبِطت عملية سرقة في كولومبيا بعدما تسبب الحمار المستخدم في الفرار بضجيج لافت جذب انتباه الشرطة. وكان اللصوص قد سرقوا الحيوان لاستخدامه بعد الاستيلاء على مواد غذائية من متجر، غير أن الحمار، يدعى «تشافي»، رفض التعاون، وأطلق نهيقاً عالياً استدعى تدخل الشرطة، لينتهي المخطط بالفشل وفرار الجناة.


«الفيلوفوبيا»: لماذا يخاف البعض من الوقوع في الحب؟

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
TT

«الفيلوفوبيا»: لماذا يخاف البعض من الوقوع في الحب؟

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)

غالباً ما يُصوَّر الحب كواحدة من أجمل تجارب الحياة؛ فالوقوع في الحب يُنظر إليه على أنه تجربة ساحرة ومغيِّرة للحياة، سواء في الأفلام الرومانسية أو الروايات الأكثر مبيعاً. ومع ذلك، فإن فكرة الحب قد تُثير القلق أو الذعر أو النفور لدى بعض الأفراد. يُطلق على هذا الخوف الشديد اسم رهاب الحب، وهو الخوف من الوقوع في الحب أو تكوين علاقات عاطفية قوية.

ما هو رهاب الحب؟

يمكن ترجمة المعنى الحرفي لكلمة رهاب الحب (فيلوفوبيا) إلى مزيج من كلمتين يونانيتين: «فيلو» وتعني الحب، و«فوبوس» وتعني الخوف. على الرغم من أنه لا يُصنّف رسمياً ضمن أي اضطراب نفسي محدد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، إلا أن رهاب الحب يُعرف عموماً كشكل من أشكال الرهاب المحدد أو اضطراب القلق. لا يقتصر الأمر على شعور المصابين ببعض التوتر حول العلاقات، بل قد يتملكهم خوف طاغٍ عند التفكير في التقرب العاطفي من شخص ما. وقد يدفعهم هذا الخوف إلى تجنب العلاقات تماماً، أو إلى تدمير علاقات سليمة كانوا يعيشونها بالفعل.

علامات وأعراض رهاب الحب

يمكن التعرف على رهاب الحب من خلال التفاعلات العاطفية والعقلية والجسدية، وتشمل الأعراض الشائعة:

- قلقاً شديداً عند التفكير في الارتباط العاطفي

- تجنب العلاقات العاطفية قدر الإمكان

- خوفاً من الضعف أو الانفتاح العاطفي

- خفقان القلب السريع، أو التعرق، أو صعوبة التنفس عند الشعور بالحب

- التدقيق المفرط في العلاقات بحثاً عن أسباب للرحيل

وفي الحالات الحادة، قد يُصاب الأشخاص بنوبات هلع. وغالباً ما ترتبط هذه الاستجابات بأشكال أخرى من اضطرابات القلق، مثل اضطراب القلق الاجتماعي، حيث يثير التفاعل مع الآخرين خوفاً شديداً.

ما الذي يجعل المرء يخشى الوقوع في الحب؟

رهاب الحب ليس حالة غير مبررة، فقد يكون ناتجاً عن عدة عوامل نفسية وعاطفية، منها:

1. صدمة أو ألم عاطفي سابق

التجارب مثل الانفصال المؤلم، أو الخيانة الزوجية، أو الطلاق، أو الهجر قد تترك آثاراً نفسية طويلة الأمد. عندما يربط المرء الحب بمعاناة عاطفية، فإن دماغه قد يبدأ في التعامل مع العلاقات الجديدة كتهديد محتمل.

2. تجارب الطفولة

وفقاً لنظرية التعلق، تحدد علاقات الطفل بمقدمي الرعاية في المراحل المبكرة كيفية تكوينه للعلاقات في مرحلة البلوغ؛ فقد تؤدي أنماط التعلق غير الآمنة، خصوصاً الأنماط التجنبية أو القلقة، إلى صعوبة تكوين روابط وثيقة لاحقاً.

3. الخوف من الرفض

قد يدفع الخوف من عدم الانتماء أو التعرض للهجر الأشخاص إلى تجنّب الحب تماماً. في هذه الحالة، يُنظر إلى عدم الحب على أنه أكثر أماناً من مواجهة احتمال التعرض للأذى العاطفي.

4. فقدان السيطرة

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر، وهو أمر قد يكون مربكاً أو مخيفاً للأشخاص الذين يقدّرون الاستقلال العاطفي والسيطرة على حياتهم العاطفية.

مواجهة رهاب الحب

عموماً، لا يقتصر الخوف من العلاقات العاطفية على مجرد الخوف من المواعدة، بل يتعداه إلى الخوف من التقارب العاطفي العميق. ورغم أن كثيرين قد يخشون الالتزام، فإن الحب يظل أحد المصادر المهمة للنمو الشخصي والترابط والرضا النفسي. من خلال فهم الذات والتشجيع والدعم، وحتى اللجوء إلى الاستشارة النفسية المتخصصة، يمكن تعليم الأفراد أن إظهار الضعف ليس أمراً سلبياً، بل هو سبيل لبناء علاقات قيّمة ومستدامة.


«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
TT

«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)

بشَعره الفضي المسترسل، وملامح وجهه الأوروبية، يسير خبير الآثار الفرنسي تييري غراندان، مدير برامج صندوق الآغا خان للثقافة، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، بخطوات واثقة بين أهل المدينة السورية الكبرى، ملقياً عليهم السلام بلهجة سورية واضحة.

يُلقّب المهندس المعماري الفرنسي، الذي درس تاريخ الفن والعمارة في مدرسة متحف اللوفر بباريس، في سوريا بـ«الحاج تييري» أو «تييري الحلبي»، لطول فترة عمله وإقامته في سوريا، التي تزيد على 40 عاماً، أمضاها متنقلاً بين المعالم الأثرية الشهيرة في البلاد، مرمماً ومشرفاً ومراقباً.

جاء تييري إلى حلب للمرة الأولى عام 1983 مدرساً في جامعتها، وساعد مديرية الآثار في ترميم جزء من القصر الأيوبي في قلعة حلب، قبل أن يُطلب منه في تسعينات القرن الماضي إعداد دراسة كاملة لترميم وإعادة اكتشاف القلعة التاريخية.

خبير الآثار الفرنسي تييري غراندان (الشرق الأوسط)

يقول تييري لـ«الشرق الأوسط» إن القلعة، قبل الألفية الجديدة، كانت مطمورة بالتراب، وكانت أجزاء منها غير معروفة ومهملة، لدرجة أن الكابلات الكهربائية التي كانت تغذي أنحاء المدينة كانت تمر عبرها.

ومع الانتهاء من أعمال الحفريات وإكمال ترميم مساجد وقصور القلعة، دُشِّن مسار سياحي لزيارة معالمها للمرة الأولى مع بداية الألفية الجديدة، وأُجريت تنقيبات أثرية أسفرت عن اكتشافات مميزة، من بينها طبقة سفلية عبارة عن خندق محفور في الصخر بعمق 42 متراً، يتضمن ممرات سرية تؤدي إلى البرج الشمالي المتقدم في القلعة.

وخلال العصور الماضية، كُتب على هذه القلعة، التي تعتلي تلة صخرية وسط المدينة، أن تُهدم ثم تنهض من جديد؛ فقد تعرضت للهدم على يد المغول ثم بُنيت مجدداً، كما تعرضت أجزاء منها للضرر خلال الحرب بين جيش الرئيس السوري السابق بشار الأسد والمعارضة المسلحة، وأكمل الزلزال المدمر عام 2023 ما تبقى من أضرار.

تييري غراندان يحظى بشهرة في دوائر الآثار السورية (الشرق الأوسط)

وبعد توقف الاشتباكات، طلبت منظمة «اليونيسكو» من صندوق الآغا خان للثقافة تقييم الأضرار التي لحقت بقلعة حلب. وعقب عودته إلى حلب لإنجاز هذه المهمة عام 2016، صُدم المهندس الفرنسي من حجم الدمار الذي لحق بالمدينة القديمة وبعض أجزاء القلعة، وقال: «من الصعب جداً إعادة بناء الخانات والحمامات والبيوت الأثرية النادرة التي دُمّرت في سوريا خلال الحرب».

ويضيف تييري: «رغم أن القلعة بُنيت للدفاع وخوض الحروب في العصور القديمة، فإنها تقف اليوم صامدة تؤرخ للحكام الذين مروا من هنا، وللعصور البيزنطية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، إذ تتضمن مباني وشواهد من كل هذه العصور».

قلعة حلب التاريخية (الشرق الأوسط)

وفي الجهة المقابلة للمسجد الأيوبي تقع أطلال «ثكنة إبراهيم باشا»، التي يعود تاريخ بنائها إلى نحو عام 1848م، والتي حُوّلت في عام 2008 إلى متحف صغير يضم عناصر زخرفية مميزة ونادرة اكتُشفت خلال أعمال التنقيب في القلعة، إضافة إلى مركز للزوار يشرح الأهمية التاريخية والأثرية للمنطقة. لكن نصف هذا المبنى الكبير تعرض للتدمير خلال الحرب، ثم دمّر الزلزال النصف الآخر عام 2023.

ويعرب تييري عن حزنه الشديد لفقدان هذا المبنى، ويعدّه «خسارة كبيرة»، مشدداً على أهمية شرح تاريخ القلعة للزوار، ويرى في ذلك «واجباً ثقافياً تجاه الأجيال الجديدة».

ويسعى خُبراء الترميم إلى إنقاذ مئذنة الجامع الأيوبي في القلعة، التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1212م، عبر تدعيمها بدعائم حديدية لمنع اتساع الشروخ التي أحدثها زلزال 2023.

من أكبر قلاع العالم

تُعد قلعة حلب من أقدم وأكبر القلاع في العالم، ويعود استخدام التلة القائمة عليها إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد على الأقل. وقد سكنتها حضارات كثيرة، منها الآراميون والآشوريون واليونانيون والبيزنطيون والعرب. وفي العصر الإسلامي بنى سيف الدولة الحمداني الحصن واستخدمه مركزاً عسكرياً في القرن الـ10 الميلادي، في حين يعود الفضل في بناء الشكل الحالي للقلعة والتحصينات الضخمة إلى الملك الظاهر غازي (ابن صلاح الدين الأيوبي) في القرن الـ12 الميلادي.

قلعة حلب رمز من رموز التاريخ الوطني السوري (الشرق الأوسط)

وفي العصور اللاحقة خضعت القلعة لحكم المماليك ثم العثمانيين، وهي اليوم مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو». ومن أبرز معالمها البوابة الضخمة، وهي جسر قنطري مهيب يؤدي إلى مدخل محصن، وقاعة العرش، وهي تحفة معمارية تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي. كما تضم مسجدين: الجامع الكبير وجامع إبراهيم الخليل، إضافة إلى معبد حدد الذي يعود إلى آلاف السنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» إقبالاً لافتاً من التلاميذ والأهالي على زيارة القلعة، التي تُعد الرمز الأهم لحلب خاصة ولسوريا عموماً. وتعج ساحتها بالباعة والمصورين الفوتوغرافيين والمقاهي، رغم الدمار الهائل الذي يحيط بها من جهة المدينة القديمة والسوق.

حكاية غرام بحلب

ويشرح المهندس الفرنسي، الذي قرر ترك جميع المؤسسات والعمل حصرياً مع صندوق الآغا خان للثقافة إيماناً برسالته، أسباب تعلقه بحلب، قائلاً إنه اعتاد منذ طفولته زيارة المواقع الأثرية والمتاحف برفقة والديه، وانتقل إليه هذا الشغف خلال دراسته وبعد تخرجه. وزار مدناً سورية سائحاً عام 1980، من بينها دمشق وحمص وحماة، وانتهى به المطاف في حلب، حيث أقام في فندق البارون الشهير، الذي كان يُعد الفندق المعروف الوحيد في المدينة في ثمانينات القرن الماضي.

شارك غراندان في ترميم قلعة حلب واستكشافها (الشرق الأوسط)

ويؤكد تييري أنه لاحظ تجانساً لافتاً بين السكان والتراث، وشارك في مشروعات ترميم وتخطيط، وتزوج إحدى سيدات المدينة، وأجاد اللهجة العربية، خصوصاً السورية. وظل في حلب سنوات طويلة حتى اندلاع الحرب عام 2011، ما اضطره إلى المغادرة، ثم عاد إليها عام 2017 لمباشرة ترميم سوق حلب وقلعتها، إلى جانب إشرافه على مشروعات ترميم أخرى في مناطق متفرقة من سوريا.

ويتذكر المهندس المعماري الفرنسي لقاءه في ديوان محافظة حلب عندما قدمه نائب المحافظ مخاطباً الحضور بـ«تييري الحلبي»، مؤكداً أن بعض أصدقائه يلقبونه بـ«الحاج تييري» لشدة اندماجه في المدينة وأوساطها.