تشكّل الضمانات التي يطالب بها مؤلفو الأعمال الفنية والثقافية لحماية حقوقهم أحد الموضوعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، عشية القمة العالمية التي تستضيفها باريس، الاثنين والثلاثاء المقبلَيْن، إذ يُثير تطوّر هذه التكنولوجيا قلق الممثلين والموسيقيين والكتّاب وسواهم من تراجع دورهم أو من استخدام إبداعاتهم.
وتُستَبق القمة، السبت والأحد، بـ«نهاية الأسبوع الثقافية» في فرنسا التي كانت أول بلد يضع قانوناً لحقوق المؤلف كان وراءه الكاتب المسرحي بومارشيه (1732 - 1799).
ومع أنه من غير المتوقع أن تكون الثقافة على جدول أعمال المناقشات بين رؤساء الدول والحكومات، إلا أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إنه مهتم بهذا الموضوع.
وقال لصحافيين من وسائل إعلام ناطقة بالفرنسية، في مقابلة نُشِرت الجمعة: «أَسمَع هذا الخوف، وأريد أن أقول في هذا الصدد إن فرنسا ستبقى صاحبة صوت واضح، أي الصوت الذي يحمي خصوصية العبقرية والموهبة والاعتراف بالحقوق وبهذه الملكية».
ودعت 38 «منظمة دولية تمثّل مجمل القطاعات الإبداعية والثقافية»، في بيان أصدرته الجمعة، إلى «أفعال لا مجرّد أقوال». وشدّدت اتحادات تمثّل الموسيقيين والمخرجين السينمائيين والفنانين التشكيليين والمترجمين والمؤلفين والصحافيين وسواهم على أن «لا وجود لذكاء اصطناعي يحترم الأخلاقيات من دون التراخيص التي يعطيها أصحاب الحقوق».
وفي مقال نشرته صحيفة «لوباريزيان» على الإنترنت، حذّر 34 ألف فنان فرنسي من مختلف القطاعات (الموسيقى والسينما والمسرح والأدب والفنون البصرية وغيرها)، من بينهم المغني جان جاك غولدمان، من النهب المنهجي لأعمالهم، داعين إلى تفكير واضح من أجل إيجاد «حلول عادلة ودائمة».
وأدى إضرابان طالبا بضمانات في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تعطيل «هوليوود» ثم قطاع ألعاب الفيديو في الولايات المتحدة منذ عام 2023، بدعوة من نقابة الممثلين الأميركيين «ساغ-أفترا».

وغالباً ما يكون ممثلو الدبلجة أكثر الغاضبين، إذ يشعرون بأن حقوقهم المتعلقة بالملكية الفكرية تُنتهَك كل يوم عندما يسمعون أصواتهم تُنسخ أو تُقَلَّد، من دون موافقتهم أو من دون مقابل مالي، نتيجة التقدم التكنولوجي.
وعدّ هؤلاء الذين أطلقوا في فرنسا حملة بعنوان #TouchePasMaVF أن مطالبهم تُقابل بالتجاهل.
وقالت إحدى النجمات الفرنسيات في هذا المجال، وهي بريجيت لوكوردييه، لوسائل الإعلام في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي: «لم تستقبلنا الوزارة حتى الآن. نحن 5 آلاف ممثل نحاول، بطريقة أو بأخرى... ولا شيء ينجح. أعتقد أن الأمر لا يهمهم».
مستفيدون ومتضررون
وقال أحدهم -مشترطاً عدم ذكر اسمه- إن «هذه الأدوات تساعدني على إنجاز عملي التوثيقي بصورة أسرع».
لكنهم يُجمعون تقريباً على رفض استعمال كتبهم لتوفير إجابات لمؤلفين آخرين، وعلى تأييد حلّ يتمثّل في أن يكون لهم الحق في الاعتراض على هذا الاستخدام أو ما يُعرف بـ«أوبت-آوت».
وفي فرنسا، طلبت جمعية الأدباء التي تمثّل المؤلفين من «الجهات المعنيّة بالذكاء الاصطناعي»، الخميس، احترام «قائمة الأعمال التي لا يحق لهم استخدامها»، أي تلك الخاصة بأعضائها، والتشاور معها عند الحاجة.
وأثارت جمعية أخرى، وهي «SACD» المعنية خصوصاً بالمسرح والسينما، ضجة بتوقيعها اتفاقاً مع شركة «جيناريو» الفرنسية الناشئة التي توفّر المساعدة في كتابة السيناريوهات باستخدام الذكاء الاصطناعي. وينص الاتفاق على أن يحصل المؤلفون على بدلات مالية مقابل استخدام أعمالهم، لكن كتّاب سيناريو رأوا في ذلك «نهباً».
وفي مجال الموسيقى، تتوافر إغراءات قوية في ضوء الإمكانات الكبيرة التي يوفّرها الذكاء الاصطناعي، وتمتد مثلاً من ألبوم مزيّف لفرقة «أويسيس» إلى أغنية لفرقة «البيتلز» أُعيد صوغها باستخدام هذه التكنولوجيا بعد أكثر من أربعين عاماً من وفاة جون لينون. وفازت الأغنية التي تحمل عنوان «ناو آند ذن» Now and Then بجائزة «غرامي»، الأحد.
وثمة مثال آخر على ذلك مع الملحّنة الفرنسية دولورينتس التي استغلت دائماً إمكانات تكنولوجيا المعلومات، وستعتلي خشبة المسرح في اختتام «نهاية الأسبوع الثقافية».
وقالت لوكالة «فرانس برس»: «عندما تكون ملحّنة مثلي وحدها في الاستوديو، وترغب في الحصول على أصوات ذكورية، من الرائع أن تكون لديها أداة تفعل ذلك من أجلها». ولكن فيما يتعلق بمسألة الأخلاقيات، أجابت: «أجد مؤسفة أن الفنانين ليسوا من يتحدث عن هذا الأمر في الواقع».








